الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

اسم الرواية: شطح المدينة
تأليف: جمال الغيطاني
عدد الصفحات: ٢١٠ صفحة
اصدارات دار الشروق
التقييم ٥/٥ (توصيات رفايع للعام ٢٠١٧)

يفعل الغيطاني في الكتاب الذي بين ايدينا ما يفعله دوما ، ما اتقن فنه عبر العقود ، ما تميز به حتى بهرنا في صمت دون تخايل او تقدير يستحقه. الغيطاني ها هنا يرسم عالم موازى ثرى التفاصيل عميق الاثر شرقي السمات.

من الصفحات الاولي يصنع لنا مدينة ليست ككل المدن في بلد تشبه بلادنا. مدينة من طراز كافكي غربي مشوب بروح الف ليلة و ليلة كأنه يمد خطا بين كل الفانتازيا الحديثة و كل الغموض القديم و يحدد نقطة في منتصف الخط تمام ثم يتفرغ لبناءها حجرا فوق حجر و قصة تلو الاخرى و تفصيل دقيق فوق اخر.

مدينة تتنازع بين العلم و السلطة من قديم الازل. مدينة بنيت بروح الفلاسفة الجامعين لخيال المخترع و واقعية الحاكم و تركت لنزاع دائم بين الاثنين في الاجيال اللاحقة. تقاليد مراعية لجامعة علمية و سلطة حديثة تهدف لدولارات خضراء امريكية و اموال بلاد النفط السياحية. مدينة نراها كمدن المغرب العريقة من جانب و كأنها دمشق العتيقة من جانب و كقاهرتنا المحيرة من جانب و سمرقند البعيدة من جانب و كمدننا بوليسية الهوى من كل الجوانب.

قالب روائي لنسخة مصغرة من ادب التراث ، قصص منمنة تحمل حكمة و عجب و تاريخ قيم لمن يرى ، قالب نادر في روايتنا العربية لا يكاد يتشابه الا مع "مغيب الغروب" احد اعمال الغيطاني نفسه. يتنقل بنا من الواقعية للواقعية السحرية للتراث للعبث للرمزية للدلالات و الاشارات لمن شاء و تمهل.
*************
"يضيق الان بالترحال، خاصة ما لا يحدد وقته، ولا يختار جهاته، أسفه الممزوج بالحنين الي ايام اشتاق فيها الي رؤية ما وراء الديار ، أماكن لم تقع عيناه عليها ، و مدن تختلف كل منها عم الاخرى، لا تتشابه، لكن... الأ ييدأ توقه الي التغرب بعد عودته ، استقرار اقامته؟ لم يلزم جانبا بعينه ، يحن في ثباته ، و في خروجاته

كل هواجسه تشب خلال السنوات الاخيرة ، لا يدرى متى بدأ بالضبط خوفه من اغماض عينيه الي الابد في ايام غربته ، تتوالي علي ذهنه المكدود تفاصيل ما بعد فناء وجوده ، العثور عليه في الفراش ، الاجراءات التى ستتبع ، نقل الجثمان ، مكان المواربة ، وقع النبأ علي من يعرفونه ، علي ذوى القربي الذين انقطعت او وهنت صلاتهم به ، ثم بدأ النسيان و تدرجه حتى اكتماله ، يذكر قولا قديما ، بنيت الدنيا علي نسيان الأحبة "
***********
مدينة تتحرك؟ تنمو و تتوسع نهارا و تطوى ليلا. خرائط تتغير و رؤيا تتبدل. مبالغات و اخذ لكل التفاصيل الي نهايتها القصوى في عادة تراثية محببه. فلا مجال في الف ليلة او الزير سالم او ذى يزن الي ياقوتة عادية فتلك لقصص من اكتفوا بالواقع المخيب للامال فلا مجال ها هنا الا لاكبر و اثمن ياقوتة في الدنيا ، ولا وجود لكأس عادى الا في قصص من ارضتوا بالعقل قائد بل كأس المرمر الذى سقي منه سليمان لبلقيس سبأ ولا اقل. و الغيطانى جزء اصيل من العملية المدوخة تلك كلها.

قديما قال فلوبير ان "مدام بوفارى هى انا" و عاب عليه من عاب و اشاد به من شاء فقال من قال بضرورة الخيال و نسج شخصيات اصيلة و قال من قال بضرورة وضع قطعة من الروح في كل عمل والا تحول لاوراق و حبر و رائحة طباعة. و نحن هنا نرى الغيطانى نفسه الذى نعلمه من تجلياته و من دفاتر تدوينه و من رسائل وجده و صبابته ، نرى تفاصيل ابيه الضائعة و امه الحكيمة، نرى عادات سفره التى يعلمها محبو الكتاب المظلوم اعلاميا رغم مكانته بين اهل العلم و الذى يستخرج من اللغة العربية شذى كدنا ننساه.

و نحن نتعجب -كحالنا دائما مع الغيطاني- من عدم رواج اعمال العظيم هذا و عدم تقديره بين جموع قراء يبحثون عن السريع الجاهز دائما ولا يتوقفون عند الصدف المغلق الخازن للؤلؤ ثمين.

 يتساءل القارئ عن جدوى الخيال و العوالم الموازية و يعترض علي النهايات المفتوحة قليلا و عن غرائبية عالم "شطح المدينة" العجيب لكننا نشجعه بنجومنا الخمسة تلك علي اخذ مغامرة لن يندم عليها.

دينا نبيل
يناير ٢٠١٧

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....