الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

اسم الرواية: طبل الصفيح
تأليف: جونتر جراس
ترجمة: حسين الموزانى
عدد الصفحات: ٧٤٤ صفحة
اصدارات منشورات الجمل
التقييم: ٥/٥

يستطيع الادب الجيد ان يخطفك من وجودك و واقعك ليهبط بك في عالمه الموازى شديد التعقيد فيخال القارئ بعد تجاوز عقبة الصفحات الكثيرة المتعاقبة -في حالتنا هنا ما يتجاوز السبعمئة صفحة- ان بطل و شخصيات قصته صاروا اكثر واقعية و تجسيدا من ذلك العابر الجالس الي جواره في المواصلات العامة.

فعل بنا جونتر جراس هذا و اكثر في قصة العابرة للقارات "طبل الصفيح" التى تتحدى القارئ و تتوعده من الوهلة الاولي بنص ادبي طويل و سرد معقد متشابك و توعده في اللحظة نفسها بأدب فنى رفيع و نص لا يخلو من طرفة و مرح غامض. و علي قدر ما تعلو "طبلة الصفيح" في شأنها الادبي لتصل الي حدود "عوليس" جيميس جويس علي قدر ما ترحب بالقارئ مشارك في احداث تقف دائما بين حدود المعقول و الفازنتازيا فلا تتجاوز الخط الي هذا او ذاك ابدا.

يطلق عليها النقاد "ثلاثية دغدانسغ" تلك الثلاثة روايات التى كتبها جونتر يوما و هى تلك الرائعة بين ايدينا و رواية "قط و فأر" و "سنوات الكلاب" و نحن علي الطريق للانتهاء من الثلاثية البديعة غير المتصلة تلك و التى تدور عن مكان يبدو شديد الصغر و المحلية و يكتسب كل هذا الاهتمام الانسانى لان فن جونتر قد خصص لها جزء من عمره و فنه. تلك المقاطعة التى تأرجحت بين حكم ذاتى و بولندى و المانى و قوطى و دانماركى و هولندى و انجليزى و سويدى و بروسي. و احرقوها كل بعضه سنوات و صعدت كثيرا و انهارت اكثر و قسمت اكثر مما وحدت. و تسمت ب غيدانج ثم دانجك الي دانتسغ التى صارت تكتب دانسغ او غدنسك. شعب صغير يحمل همه التاريخى ولا يدرك احد همومه هويته ولا لعنة موقعه الاستراتيجى. شعب صغير يبزع في قلوب العالم لان جونتر الرائع اهتم به و كتب عنه تحفته الفنية.
***********
"و بينما كان المرء يبحث هنا بروحه عن بلد البولنديين -حاملا شوبان في نصف قلبه و في النصف الاخر الحقد و الانتقام- و بينما كان المعنيون يلغون التقسيمات من اولها الي رابعها ، مخططين لتقسيم بولندا للمرة الخامسة ، و بينما كانت طائرات الخطوط الجوية الفرنسية تحلق في سماء وارسو لتهبط في مطارها ، و حيث كان الناس يضعون شمعة في مجمع الغيتو اليهودى الذى كان قائما زمانا ، و في الوقت الذي سيبحث فيه المرء عن بلد البولنديين بالصواريخ التى ستنطلق من هذة الارض نفسها  ، سأقوم انا بالبحث عن بولندا في طبلي فأقرعه: لقد ضاع ، ضاع ، كلا ، انه لم يضع ، بل ضاع ثانية ، لكن علي يد من؟ انما سيضيع عما قريب ، بل ضاع، ضاع بلد بولندا ، ضاع كل شئ لكن بلد بولندا نفسه لم يضع بعد"
************
لكن لا يظن قارئ ان "طبل الصفيح" قصة سياسية او دعائية لتيار من اي نوع فالاحداث الصغيرة هنا تأخذ حجم و اهتمام اكثر بكثير من احداث غيرت شكل البشرية. فعبير رائحة الفانيلا علي جسم ماريا اكثر اهمية بكثير عند مؤلفنا من اجتياح هتلر لنصف اوروبا، تفاصيل انزلاق ثعابين البحر داخل جمجمة حصان اكثر اعتبارا من اعادة تقسيم العالم، و صورة هتلر و بيتهوفن متقابلتين محدقتين في زوج ارمل يبحث عن حل اكثر تجسيدا من العالم ما بعد الحرب العالمية.

 النصف الاول من العمل يقضيه جونتر في ما يمكن تسميته ب"المرحلة المؤسسة" حيث سيضع كل الاساسيات و القواعد المنظمة للعالم الموازى. فى "اليس في بلاد العجائب" ان نرى ارنب متحدث و صانع قبعات مجنون يحارب ملكة كبيرة الرأس لا يثير اي عجب بينما اي فعل اخر يبدو خارج عن المنطق ، و في "ليلي و الذئب" فلا عجب ابدا في حيوان متحدث. و نحن في المرحلة تلك سنتفق مع جونتر ان اوسكار الصغير سيظل ابن ثلاثة سنوات دائما و ان صوته سيحول الزجاج الي مسحوق لامع و ان امه ستظل مسكينة و ان ماتسارت سيظل طاهيا مشاعره لحساء دافئ و ان يان احمق يضع اكثر مما يجب من ماء الكولونيا.

و بمجرد ما ان تقبل تلك القواعد سترى عالم كبير من قامة اوسكار ذات الاثنين و التسعين سنتيمتر فيه يسوع يطبل و يجمع حوارييه حول التمثال الوردى ، و فيه هربرت يتضرع لماركس و لانجلز و للاله في دعاء واحد ، و فيه مسيح رشيق اولمبي الجسم يمارس رياضته المفضلة في التعلق علي الصليب ، و صلوات للقشدة المقدسة و للبنصر المقطوع في كحول مركز و للطاهية السوداء ، و بشر يشترون البصل حتى يبكوا بلا انقطاع.
************
"فلعكم تسألون ما الذى كان يبحث عنه اوسكار تحت اثواب جدته؟ فهل اراد تقليد جده كولياجك ليفعل ما فعله بالمرأة العجوز؟ ام كان يبحث عن النسيان و عن الوطن و السعادة الذاتية القصوى؟ فيجيب اوسكار بالقول: اننى كنت ابحث عن افريقيا تحت الثياب ، او نابولي بالاحرى التى لابد للمرد قد شاهدها،  حيث الانهار تجرى متجمعة ، مع خط تقسيم المياة ، و الرياح الشديدة الخصوصية تهب ، و تهجع أيضا ، و المطر ينهمر فيرتخى المرء في مكان جاف ، و السفن ترسو او ترفع المرساة ، و حيث يجلس الرب العزيز الي جانب اوسكار ، الرب المستمتع بالدفء منذ ابد الابدين ، و حيث ينظف الشيطان التليسكوب الخاص به ، و تلعب الملائكة لعبة (البقرة العمياء) ، فتحت ثياب جدتى كان صيفا دائما حتى لو كانت الشموع متوقدة فوق شجرة عيد الميلاد"
**************
يشير المترجم في مقدمته الي تأثير جونتر ب"دون كيشوت" و نحن نتفق مع صاحب الترجمة العربية التى لا تخلو من الصعوبة و الاخطاء في تأثير ذلك و لو كان في شخصية "برونو" الممرض التى تتشابه مع شكل كتابات ذلك العصر فعلا. رغم اصرار المترجم علي لفظ "معين" بدلا من "ممرض" الاكثر منطقية.

و في العموم "طبل الصفيح" رواية صعبة متشابكة ضخمة مرهقة تتوعد و توعد و توفي في الحالتين. تتطلب قارئ راسخ في الادب و تمنحه في المقابل ذكرى لرواية عظيمة.

دينا نبيل
يناير ٢٠١٧

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....