الأربعاء، 9 سبتمبر، 2015

من كتاب المخلوقات الوهمية يليه ضيف علي بورخيس

اسم الكتاب: من كتاب المخلوقات الوهمية يليه ضيف علي بورخيس
مؤلف الاول: بورخيس
و مؤلف الثانى: البرتو مانغويل
ترجمة: بسام حجار
عدد الصفحات: ١٩٢ صفحة
اصدارات المركز الثقافي العربي
التقييم ٥/٤

كعادته معنا يرحل بنا بورخيس الى ارض الخيال السحرى ، يكدس لنا المعانى في سطور قليلة و يحكى لنا عن هواجسنا و هواجس من قبلنا

يقلب لنا في تاريخ الهواجس بحثا عن عبتو و عنت السمكتان الاتى يحرسن سفينه رع في سيرهم الابدى من المشرق للمغرب صباحا ثم نفس الرحلة بالعكس ، و ثعبان القهيقران ذو الرأسين الاول في محله الطبيعى و الاخر عند الذيل كأنه لا يكتفي بلدغة واحدة، عن عالم المرايا و كيف ان السمك سيكون اول ناجى حين تنكسر اللعنه طويلة المدى و يتحرر اهل المرايا من تكرار حركاتنا و يتوقف الجميع عن استعارة وجوهنا ، و عن الحمار ثلاثي الارجل الذي يقبع في مركز الكون و يمتلك سته عيون و براز هو العنبر ولا شئ اخر ، و عن العنقاء التى تعيش الف و سبعمائة عام و لا تصيد الا الافيال و التنانين ولا يتواجد ابدا منها اكثر من زوج ذكر و انثى ، و سلاحف بحرية كبيرة لدرجة يتخيلها الراكب جزيرة

ينفخ الحياة في قصص الجدات و الامهات لتتجسد امامنا كائنات الخوف الليلية سيدات صموتات ذوات شعر اسود طويل ينادونا بصوت خفيض لان نتبعهم ، كتاب صغير يصور لنا البحر ملئ بالحوريات البحر و الغابات مكدسة بالاقزام و الجنيات و الحوريات التى تصيب العته ان لمحها احد او الموت ان كانت عارية ، و الصحراء بالسعلاةو الغول ، و المحيطات تعج بانسان البحر و هو تماما كالبشر لولا ذنب خلفي ، و الصخور مسخ لمحبوبة لاله خرج عن الخدمة من قديم الازل ،

و نحن ان سمعنا عن معلومة يتداولها العلامة ارسطو والخطيت المفوه شيشرون و القديس اغسطسنيوس و العبقرى فنا و هندسة ليوناردو دافنشى و فوق كل هؤلاء رحالة عربي يتبع النصف الاخر من العالم و اتفق السابقون علي المعلومة و اعتقدوا بها لصدقناها -ربما بدون تفكير- لكن عندما تكون المعلومة هى حيوان السمندر الذى يعيش وسط النيران و يستخدمها للنظافة بديل عن الماء نتعجب و نسبح من له الدوام
الكتاب مادة خام اكثر منه عمل روائى مكتمل ... فكعادة بورخيس يكثف و يضغط ولا يبالي بافكاره الضخمة المتناثرة التى يمكن ان تخلق اعمال لا حصر لها

و بورخيس قارئ قبل كل شئ و مثله البراتو مانغويل الذي يذيل الكتاب بفصل طويل عن بورخيس .... و سواء بورخيس او مانغويل هم لنا مثال لقارئ تحول الي كتاب متحرك يرى في الاطلاع غاية في حد ذاتها نمتلك كل الارادة لنقرأ ما نشاء لكننا لا نكتب الا ما يسعفنا به الحال

اما لم جمع بين كتاب "كتاب المخلوقات الوهمية" و بين مقالات مانغويل من الاصل؟ فلم افهم ... و لماذا تختلف عند المقارنة النسخة العربية و نظيرتها الاجنبية كل هذا الاختلاف؟ لم ادركه ... و الاهم لماذا كان كتاب بورخيس مختزلا؟ ولم كتب علي غلافه "من كتاب المخلوقات الوهمية"؟ و ليس الكتاب كاملا؟ فاسئلة توجه للناشر و المترجم لا لنا نحن محبي بورخيس دائما و ابدا

دينا نبيل
سبتمبر ٢٠١٥

الجلد المسحور تأليف: بلزاك

اسم الرواية: الجلد المسحور
تأليف: بلزاك
ترجمة: فريد انطويوس
عدد الصفحات: ٤١٩ صفحة
اصدارات دار عويدات 
التقييم: ٥/٣

بلزاك مؤلف الملهاة الانسانية كثيرة الاجزاء و الشهيرة عالميا رغم محليتها التى لا تتواري يهدى لنا احد فصولها في روايته "جلد الحمار الوحشى" الذي شاء مترجمنا العربي ان يحولها الي "الجلد المسحور" بتبرير ان العنوان الاصلي لا يهم القارئ في شئ و ان التسمية التى اختارها تتماشى مع العمل ليضرب لنا مصدقيته -رغم مستوى الترجمة المميز- من اول صفحة و يجعلنا نقف لنقارن ترجمتنا للعربية باللغات الاخرى

كاتبة تلك الكلمات تؤمن بخلود العمل الفنى و ان "الحمار الذهبي" صالحة للقراءة حتى عصرنا ، لكنها تشكك في استمتاع جمهور اليوم فعلا برواية الجلد المسحور... فهى بوتقة لافكار الكاتب السياسية و رؤيته لباريس تلك الايام و في بعض الاوقات بتفاصيل لا تهم القارئ الا في اطار التاريخ ، و لكننا قطعنا نشير الى خلود بعض اجزاءها في نماذج الصحفى المترشى و السياسى الفاسد و المعارضة الهشة و منادو الحريات المأجورين و الخطب الجوفاء ... و هى نماذج درامية ربما يتأفف منها الادب الحديث لانه لا يتوانى ابدا عن استخدامها
****************
لكن عيب الجلد المسحور يتركز في ٣ خصائص اولهم انها تعيد مناقشة تسليم الانسان لقوى اعلي و تعاقد الانسان للحصول علي مجد مقابل حياته و هو نفس مواضيع فاوست -التى اشار لها بلزاك اكثر من مرة في متن العمل- و صورة ديوران جراى و لكن بدون بريق تفرد تلك الاعمال لذا فهى ليست اختيارنا الاول عندما نتحدث عن رهان الانسان بحياته

و التانى انها متوقعة جدا تنعدم فيها المفاجأت و التواءات الدراما التى صنعت لفن الرواية روحه و هى تسير كقطار دقيق المواعيد لا تحيد ولا تصدمنا حتى في نهايتها

و الثالثة ان اسلوب السرد فيها يميل الى الاسهاب الى حدود الجنون و هى تقول في ٤٠٠ صفحة ما كان ممكن ان يقال في اقل من المائتين ، و ان جملة حوارية لاحد ابطالها استمرت ثمانية صفحات دون انقطاع
****************
لكنها وسط كلاسيكيتها الموجعة تتألق احيانا مثلا عندما يصف لنا بلزاك حارس المعاطف علي باب نادى القمار ، فيصف لنا رجل ارهقته المقامرة دهرا لحد انه لا يتفاجئ من شئ ولا امل لديه لشئ و ربما بقي له بعد مجد بعيد لا يحكى عنه استمتاعه برؤية رجال جديدة تسقط في الشباك مثله .... و حين يضع بلزاك بطله وسط محل للتحف و الانتيكات فيروى من خلال عينيه و ذلك الموقف البسيط تاريخ الانسانية الحضارية برمته كل حقبه ممثله في قطعة ما

و ربما لتلك اللمحات وحدها نتطلع الى قراءة اكثر في احوال باريس ذلك العصر التى جمعها يومها و اسماها الملهاة الانسانية للعظيم دائما و ابدا بلزاك

دينا نبيل
٢ سبتمبر ٢٠١٥

الحريم و ابناء العم تأليف: جرمين تيليون

اسم الكتاب: الحريم و ابناء العم
تأليف: جرمين تيليون
ترجمة: عز الدين الخطابي و ادريس كتير
عدد الصفحات: ٢٠٨ صفحة
اصدارات دار الساقي
التقييم: ٥/٢

متى يكون عالم الانثربولوجى ناجح مفيد للعلم الممتع الذي يخدمه؟ عندما يستخدم الاثنوغرافيا بكونها سيوسولوجيا خارجية ... بمعنى ابسط عندما نستخدم علم الاجتماع و دراسته عند الاخريين في التعمق في مجتمعنا نحن ... عندما نكف عن الاشارة ل"الاخر" كطرفي معادلة يفصلهم اشارات رياضية قاطعة...و هو ما تحدثت عنه كثيرا جرمين تيليون و لم تنفذه ...

و متى يكون علم الانثربولوجى ملهم للجمهور غير المتخصص؟ عندما تقل جرعه الاجزاء التقنية و تبسيط ما قد يحير القارئ العادى المثقف ... مرة اخرى هذا ما اشارت اليه كثيرا و لم تحققه

و الاهم متى يفقد عالم الانثربولوجى احترامه امام قارئ؟ عندما يفقد احترامه للطرف المقابل المطلوب للدراسة ... خطأ شائع قديم في علم دراسة الانسان خاصة انه بدأ مع اكتشاف "القبائل البدائية" في العالم الجديد ، خطأ سقط بالعلم كله في فخ العنصرية لفترة طويلة الى ان قالها ميرسا الياد يوما: ان البدائى ابدا لم يكن بسيط ... لذا يحزنا قليلا ان نقع نحن اهل جنوب البحر المتوسط في شباك دراسة يشوبها العنصرية او نظرات الاستعلاء

و عند استخدام عادات بلدى كمؤلف كمعاير لعادات و افكار العالم و قالب اقيس به الكون من مقاسه هو المتحضر و غيره يحظى بوصمه العال المتوحش البدائى اكون قد تحولت من دارس لعلم البشر الي بروكرست يونانى جديد يقطع ارجل من يطول عن سريره

و الحق اننا اكتفينا من بروكرست و امثاله في الواقع لدرجة تجعلنا ننفر من دخوله لعالم الكتب المهرب الوحيد لنا منه

دينا نبيل
اغسطس ٢٠١٥

اورا تأليف: كارلوس فوينتس

اسم الرواية: اورا
تأليف: كارلوس فوينتس
ترجمة: خالد الجبيلى
عدد الصفحات: ٦٨ صفحة
اصدارات منشورات الجمل
التقييم: ٥/٢

يحزنا قليلا ان يكون تعارفنا الاول مع اديب المكسيك العظيم فوينتس و ربما المؤلف المفضل لدى ميلان كونديرا هو نوفيلا "اورا" التى باستثناء جو الغموض الكابوسي فيها لا تمتلك مقومات النوفيلا الناجحة

و عندما نقول نوفيلا ناجحة نقصد العمل الروائى المكثف الذي يتوسط بين تبحر الرواية التقليدية و بين لمحات و ضغط القصة القصيرة و يكون مثلنا الاعلى بها هى بالتاكيد نوفيلات ماركيز و جوجول و تشيخوف و كافكا ، تلك التى تعطينا كل متعه الرواية في زمن اقل و بتكثيف عادة مدهش

لا شك ان البداية مثيرة للاهتمام ، خبر منشور في جريدة عن وظيفه مربحة بمواصفات تتطابق بشكل محير مع بطلنا ، لكن اثارة الاهتمام تختفي في طيات نموذج مكرر بل و ملل لبيت اشباح و ذكريات تسوده عجوز جاوزت المئه لا تحتمى الا بارنبتها الصغيرة و ابنت اخت فائقة الجمال بعيون خضراء ... و التالى هى نهاية صممت لتكون مفاجئة لكن لكثرة استخدام حبكتها صارت متوقعه

اسلوب الكتابه بصيغة المخاطب ممتعة ، الربط بين الخطوط قليلة العدد متوفر لكننا نتوقع اكثر و اهم من عبقرى المكسيك المعاصر

القارئ حين يهم باستكشاف روائى جديد له يرغب في قراءة عمل مختصر نسبيا يعطيه لمحه عنه ... لكن "اورا" بداية سيئة لكاتب شهد الجميع انه جيد ، نرجو من الله ان يعطينا الصبر و الوقت و قليل من الارادة و العمر لقراءة عمل اخر ل فوينتس

دينا نبيل
اغسطس ٢٠١٥

الستارة تأليف: ميلان كونديرا

اسم الكتاب: الستارة
تأليف: ميلان كونديرا
ترجمة: معن عاقل
عدد الصفحات: ١٧٨ صفحة
اصدارات المركز الثقافي العربي
التقييم: ٥/٥

الرواية هى الانسان بكل ما فيه من عيوب و جبن و مثالية مؤقته و خذلان و هواجس و تألق البطولة مخلوطة بالنثر الذى يكشف الجمال المنسي ... تكشف الجمال في الصغائر و التفاصيل و العاديات ، وحدها الرواية تكتنف القارئ و تتقبل عيوبه و عيوب جنسه بينما نتصاغر و نتقزم امام الملحمات بكل جبروتها و ابطالها الذين لا يأتيهم الباطل ابدا و لا يشكون اطلاقا من ألم الاسنان المؤرق

وحده فن الرواية يمنح المجد للهزيمة المحتومة التى اطلقناها اسم الحياة ... و ربما لهذا فقط ولدت الرواية من الاصل

يتنقل كونديرا بخفة الفراشة بين الرواية و الاخرى مدققا في مشاهد بعينها و هو يتطلب -كعادته- قارئ نابه واسع الاطلاع و في المقابل يمنحنا عدد ممتع من الترشيات للادب الكلاسيكى

لكننا لا نقرأ عن فن الرواية بقلم ناقد عادى او استاذ محاضر في مدارس الادب بل بقلم ميلان كونديرا ذاته الذي دوخنا في متاهات قصصه كثيرا و من يمتلك عين ثاقبه تلمح اصغر التفاصيل و صاحب التفسيرات التى ادهشتنا مرارا

لذا نستمتع عندما نراه يتحدث عن دستوفسيكى و مهاراته في تكثيف المفاجئ للحياة ، او كيف اضاف فلوبير الي فن الرواية سيطرة التافهيين علي الحدث و قدرة الانسان البسيط و الثرثار او الجاهل بحجم الموقف علي اضافه ظله الواضح علي اى مشهد درامى و بذلك ربما انفصل المسرح عن الرواية للاب ، او كيف انتصر تولستوى للعفوية في قلب المأساة و منح الموت بهاء و تطورت به الدراما من قالب سوفوكليس ، كيف ان كل عمر يقتنص مدينه في لحظة لن تعود مهما حاولنا كأنها صورة نلتقطها من الزمن بمشاعر اهلها و افكارهم و ملابسهم و احزانهم ، كيف انها تأريخ بلا تاريخ و مؤرخين، يشرح لنا ببساطة كيف صارت تفاصيل جميس جويس المشبعه بالعادية اوديسا جديدة ، و كيف ان كافكا في "القصر" انشأ من دواوين الشكاوى و الموظفين و العمده العاجز الياذة حديثة كاملة التكوين

يرى كونديرا و نرى معه ان الرسم و الموسيقى عاشوا قرون في خدمة الكنيسة دون ان ينقص ذلك من جمالهم شئ ، لكن ما ان ينزلق فن الرواية الحديث نسبيا الي المدح و الذم لحساب دين او عقيدة او نظام سياسي حتى يفقد بريقه و يذكرنا علي الفور بالمنشورات منزوعة الروح للمؤسسات النظامية للشيوعية ، تختلف الفنون و ابوابها و الرواية تفسد عندما تبعد عن الواقع وىالتلقائية و يشوبها التلقين ... الرواية التى لا تنقل الواقع منافية لاخلاق الفن الذي نشأ للتعبير عن الانسان الحقيقى ، و تقديم امثوله اخلاقية ليست فنا مدام خرجت عن عباءة تصرفات البشر

و يثير استاذنا ميلان معضلة هامة و رأي مغاير للردود الكلاسيكية للقراء ، الرواية هى الفن الاهم العابر للغات لخلوه من النثر الشعرى المستحيل نقله من لغه لاخرى ... فوجود ترجمة امينة للرواية صعب لكنه ليس مستحيل ، و بسبب ذلك كان كافكا و ديدرو و بيكيت و فوكنر جزء من عقولنا دائما رغم اننا ابدا لم نتعلم لغتهم الاصلية

و بعد فماذا سيحدث عندما ينتهى عصر الروايات؟ ربما السؤال سوداوى قليلا و يذكرنا بنموذج ٤٥١ فهرناهيت عندما تفرغت زوجة البطل للتلفاز ثلاثي الحوائط الذي يذيع مسلسل العائلة ... لكن ان فكرنا فيه كسؤال فعلي فالنتجة ان بعض الاعمال ستختفي للابد ، عوليس جيميس جويس مثلا ان تحولت لعمل تليفزيونى بعد تنحى كل افكارها الداخليه و ملاحظتها الذكية ستكون عمل شديد الملل قليل القيمة الفنية ، و "جاك المؤمن يالقدر" التى سحرنا بها ديدرو في تقلبات حكاياه و تبادل قصصها و سخريته من كل شئ ستتحول لعمل هزلي لا يملك عشر جماله الاصلي .... ربما سينجو دوستوفيسكى او كافكا لكن بعد تفكك العمل الي "احداث مرئية" ستقتل روحها بالتاكيد

كونديرا يكتب اقاصيص متفرقة و هى رغم ترتيبها تبدو فوضوية و هو يذكر دون كيشوت عشرات المرات دون ان يكترث ان يجمع الحديث عنها في موضع واحد ، يتطلب قارئ نابه و واسع الاطلاع لكنه في المقابل يمنحك مقايل مجهودك معه درة اخرى من الحديث عن الروايات و الذكريات و النظريات و كثير من وجهات النظر المبتكرة ستجعل قراءتك القادمة للروايات -خاصه الكلاسيكية- تجربه شديدة الاختلاف عن المعتاد

دينا نبيل
اغسطس ٢٠١٥

ابراهيم باشا في سوريا ل سليمان أبو عز الدين

اسم الكتاب: ابراهيم باشا في سوريا
اسم المؤلف: سليمان أبو عز الدين
تقديم و تعليق: لطيف محمد سالم
عدد الصفحات: ٣١١ صفحة
اصدارت دار الشروق
التقييم: ٥/٤

في تاريخ كل الدول فترات اهتم بها المؤرخين و حفظ تفاصيلها العامة و المثقفين غير المتخصصين و هناك دائما فترات مهمة حازت بقدر اقل من الاهتمام و الدراسة تنتظر في جوانب الكتب من يتفرغ لها قليلا و يلقي الضوء علي اهميتها في تحريك مسار الاحداث الاخرى ... و لهذا النوع من الاحداث نحمد الله علي وجود دكتور يونان لبيب رزق خاصة بعد توليه رئاسة مركز الدراسات التاريخية في الشروق

مؤلف الكتاب سليمان ابو عز الدين كاتب شامى يكتب بحياديه و منهج تاريخى ممتعه عن "احتلال" مصرى لبلاده ، و عن شخصية ابراهيم باشا قصيرة العمر شديدة التأثير في تاريخ المنطقة

لكن الممتع حقا ان الكتاب لم يبدأ مباشرة بفترة ١٨٣١ ل ١٨٤١ اى فترة الحكم المصرى للشام ... بل بدأ بمقدمة ممتعه و مفصله ل دكتورة لطيفة محمد سالم تمهد للكتاب و ترسم شكل الساحة الدولية فى عصره

بل ان المؤلف ذاته يبدأ بكيف صعد محمد علي لكرسى المحروسة من الاصل ... و كيف تداخلت خطوط السياسة في ارض مصر من الالفي بك المسافر للانجلترا و الحالم بملك مصر بانفصال عن العثمانيين بقوة الانجليز و بين الرشاوى التى تلقها قبطان باشا الرسول من الاستانه لمصر من السفير الفرنسى لتزكية محمد علي ، و ب احمد باشا احد وزراء العثمانين المار بالصدفة في طريقه للمدينه المنورة و كيف كاد ان ينصب علي كرسى مصر بطريق طرف من الجيش ، بل و كيف في لحظة تساوت قوة حكم العثمانيين بحجمهم بقوه محمد علي الصاعدة

تتصاعد ال"مطامع" المصرية في بلاد الشام الشاملة للسوريا و لبنان و فلسطين بشق اقتصادى و شق امنى عسكرى فى محاوله لحماية مصر من حدودها الشرقية الثغرة الاهم في تاريخها

نتفاجئ ايضا بشكيمة محمد علي امام الدولة العثمانية خاصة قبيل الاجتياح المصري للشام و حصار عكة ... و الفرمان العثمانى بعزل محمد علي كوالى لمصر فنجد ان عزيز مصر كما يحب ان يسميه مؤلفنا يحتجز رسول الاستانه في الميناء ثلاثون يوم بحجه العزل الصحى ثم يستخرج فتوة شرعية بخروج السلطان العثمانى نفسه عن ملة و جواب خلعه ... و نبرر ذلك ربما انه تم في لحظة تاريخية مميزة حين تغرب شمس امبراطورية و تتحداها قوة صاعدة في بداية مجدها

و نرى تفاصيل غابت عنا في حصار ابراهيم باشا علي رأس جيش مصرى صاعد ل عكا ... التى دوخت نابليون باقل من ثلاثة عقود ... و نسمع يوميات الحصار حيه و دقيقة ... نكاد نرى ال٤٥٠٠ جندى في الجيش المصرى مقتول بين مصريين و سودانيين و البان ... ندقق في تفاصيل موقعه الزراعه و شكل تشكيل المدافع التى حسمت المعركة ...

نرى انتصار للقائد الشاب في موقعه قونية حين هزم الجيش العثمانى بضعف العدد و أسر قائده و قتل من الجيش العثمانى ٣٠٠٠ قتيل مقابل خسائر مصرية ب٢٦٢ ، كان انتصار مدوى في انحاء السلطنه و ربما كانت لتكون نهاية مبكرة لرجل اوروبا العجوز ... لكن ليس بالحرب وحدها تسقط الدول فهناك دائما السياسة

خوف انجليزى فرنسى من تقارب بين روسيا و العثمانية ادى لتقارب الحلف الاول للعثمانية و محاربه محمد علي بما استطاعوا لان الجميع اتفق ان الوضع الحالي افضل من المجازفة مع سياسى محنك في اوج مجده

وقائع يرويها المؤلف كانها حيه يلمسها و ليست كلام علي ورق التاريخ الاصفر من كثر الهجران
*************
تنسحب مصر من الاناضول تحت الضغط الاوروبي و تكتفي بمكسب لم تعلم انه مؤقت يتركز في الشام و تكريت ... و في الاول المتضمن سوريا و لبنان و فلسطين يتركز سبب كتابه الكتاب من البداية

تفاصيل اداريه كثيرة عن تعديلات في القضاء و الضرائب و نظام التجنيد تحت الحكم المصرى ، تفاصيل ربما تبدو مملة قليلا لكنها مهمة جدا لمؤلفها و لتأريخ فترة هامه في قصة موطنه

من احتكار الحرير الي التجنيد الاجبارى الي السواحل الي "الفردة" علي الرؤوس حتى علي المسلمين بعد سنوات من فرضها ك جزية علي اهل الكتاب ،و بعد التلاعب في سعر العمله و بالتاكيد نزع سلاح الاهالى قسرا رغم العادات الاحتماعية التى توجب حمل سلاح ك نوع من العزوة و حماية الشرف .. في العموم لم يكن تقبل اهل الشام لاجراءات محمد علي كما كان اهل مصر من تحت الحكم المباشر و سيطرة سياسية و عسكرية استطاعت دائما ان تقضي علي الاحتجاج في مهده ... لذا فكان شعب الشعب لا مدافعه هو سبب فشل الحملة بعد مرور عقد علي النصر

ثورة تلو الاخرى و هوجة وراء التاليه في مدن الشام الواسعه من القدس الي صفد ، من من نابلس الي الخليل و الكرك ، و من دمشق الي طرابلس الي النصيرية ، و من بيروت ل بعلبك ... و كل نجاح صغير لمدينة تشجع الاخرى و كل قتيل في معركة يولد ثأر في المدينة المجاورة .. و مع اجراء اخطاء كنزع سلاح اللبنانين و تسليح الدروز بالاضافه لتحريض الدولة العثمانية قضي علي الحلم المصرى القديم في بسط النفوذ وراء سينا

بعد الاتفاق الاوروبي التركى مع المصريين قرر محمد علي ان الانسحاب من الشام مقابل استمرار نسله في الحكم حل سياسى يرضي قليل من طموحه الطاغي

كان التواجد المصرى احتلال بالمعنى الحديث لكنه كان لسبب ما بداية نهضة حضاريه في المدن و القري المطمئنه في الشام في شكل الحكم و في العلم و في حتى اثارة التطلع للاستقلال

و لمرات كثيرة نشكر دكتور لطيفة محمد سالم في القاء النور علي شخصية ابراهيم باشا الذى تمثل للمصريين بصورة الفاتح لدرجة منعت حتى ثورة يوليو من التفكير في ازاله تماثله الذي ربما نسى المصريين الان سبب بناءه

دينا نبيل
اغسطس ٢٠١٥

ذاكرة عاهراتي الحزينات ل ماركيز

اسم الرواية: ذاكرة عاهراتي الحزينات
تأليف: جابريل جارسيا ماركيز
ترجمة: بسمة مصطفي
عدد الصفحات: ١٣٦ صفحة
اصدارات دار الوليد
التقييم : ٥/٣.٥

ينجح ماركيز دائما في تخطي الصعوبات و يمنح قارئه الوفي -رغم كل شئ- تجربة شعورية ممتعه تمتاز بذلك الخدر الخفيف حين نقرأ الواقعية السحرية هدية الادب اللاتيني للعالم ، هنا يتخطي ماركيز فشل دور النشر العربية في توصيل ابداعه للقارئ من ترجمة ليست علي مستوي العمل و اخراج فني بائس للغلاف خاصة الخلفي الذي يكشف فى نسخة دار الوليد التى بين ايدينا عن تفاصيل القصة باكملها

العبرة هنا ان القصة التي تجري علي لسان شيخ في التسعين من عمره تنجح فعلا في ايصال ذلك الاحساس فهي تتقلب بين الرجاء و الحب و غضب الاطفال و خيببات الامل المتتالية و بهذا الاسلوب يوصل لنا ماركيز فكرته الخالدة

نقارن هنا دون ان نشعر بين استخدام نفس موضوع الشيخوخة عند مؤلفين امريكا الشمالية و بين استخدام توأمها اللاتينى ، الاولي في قالب واقعي جاف و الثانية في قالب الواقعية السحرية ... في الصورة الامريكية و الكندية الخالصة منحنى بؤس يميل الي الرجوع الي صورة الملك لير المنكسر و ما يتبعه بالضرورة من الخروج من الواقع انطلاقا الي الوحدة و تقلب الذكريات بينما قصته لعجوز ينظر للامام كما ينظر للخلف لا يندم كثيرا على ما فاته و ينعشه الحب كالزهرة

ربما الاتجاة الكندى الامريكى عند معظم قصص اليس مونرو و جون اپدايك في نوفيلا "اللعب بالديناميت" هى الاكثر واقعية و ارتباط بمأساة الانسان المعاصر في عصر سرعه لا ينظر الي من يسقط وسط الحشد لكننا نتجذب الي حكى ماركيز الساحر الكولومبي تلقائيا تماما كمت تتجه فراشه الي الضوء

المحبوبة التي حرص ماركيز علي عدم التوغل في شخصها و التي يفرضها دائما ك حلم اجمل من الواقع و جمال نائم نحزن ان انتبه لا تمثل الا الدور المحفز في المعادلة و هي تخرج كما دخلت دون تأثر لكن عجوزنا الرقيق الذي يرى الصلبان تتزايد علي رؤوس صور اصدقائه و محب العاهرات و قليل الثقة في نفسه ، يكتب له عمر جديد بها

الرواية عموما مرجع في حد ذاته في رسم شخصية كبير السن بشكل مختلف قطعا عن كركاتيرية موليير و درامية شكسبير و هو انجاز في حد ذاته

دينا نبيل
اغسطس ٢٠١٥

بغلة العرش تأليف: خيرى شلبى

اسم الرواية: بغلة العرش
تأليف: خيرى شلبى
عدد الصفحات: 275 صفحة
اصدارات دار الشروق
التقييم: 3.5/5

ان حاز غير نجيب محفوظ نوبل من العرب لكان جمال الغيطانى او خيري شلبى على تأكيدى.. الاول لرجوعه المميز للتراث العربى و الاسلامى و مزجه المبهر بكل ما استطاع من مهارة اياها بالواقع لخلق واقعية سحرية بنكهة التراث و لكن لهذ حديث اخر يطول , و الثانى هو موضوع حديثنا لقدرته الفائقة على تناول "خام" القرية المصرية الذى عايشة نصف سكان القطر و تحويله الى ادب من الدرجة الاولى يسبر به اغوار الانسان المصرى المعاصر

لذا ف "بغلة العرش" مثال رائع و دقيق لذلك لما يفعله خيرى شلبى دائما حين يمزج ميثودلوجيا القصص الشعبية مع عصر الانسان المصرى الحديث المبتذل و الاستهلاكى فيخلق التناقض الممتع الذى يصل بنا الى المتعه بدون مجهود

وعد بالثراء بمنحه الهيه فى موعد سنوى محدد قى قريه تلتفت من الفائز الاكبر و تتهمس عن سبب منحها للرعاع و الكذابين و تمتم الشفاه بكلمات الارادة الالهية دون اقتناع , رغم ارتباط القرية بالصوفية و محبه اهل الله بل و منح اسمها نفسه لاحد الاقطاب

ألد اعداء خيرى شلبى و مؤلفين جيله و نذكر منهم صنع الله , الغيطانى , عبد المجيد هو الانفتاح و ما تبعه بالضرورة من صعود متسرع لفئة بعينها و انسحاق طبقه الموظفين الوسطى فى ظل عصر اهتم بالسمسرة اكثر من الهواء نفسه .. لذا فالد اعداء مؤلفين هذا الجيل كان انور السادات الذى شتم سرا و جهرا تلميح و تصريح و عموما لم تكن بغله العرش استثناء لذلك

لذا فعندما يناقش خيرى شلبى ظاهرة الثراء المفاجئ يتبنى مفهوم "لا ثروة بريئة" فيرى و نرى معه ان لا اشنع ولا اخطر على الانسان من الثروة بلا مقدمات و لم يثاقلها فى الكفة الاخرى جهد و عرق و وقت .. و بتلك القاعدة الذهبية يستخدم الخال قالب الرواية ييجمع بينها قصص قصيرة متفرقة تمنع الملل و توضح واحدة تلو الاخرى ما ود الخال ان يقف فوق برج القاهرة صارخا به

و هو يكثف رسالته عندما يصف التغيير فى مصر عموما و فى ريفها خصوصا عندما تتحول نفثات الشيخ الطبلاوى قبيل صلاة الفجر الي معركة حربية صوتية مزودة بمكبرات الصوت لاقصى درجة تكاد تزعج الموتى فى قبورهم فتختفى رومانسية الفجر و صلاته , فى مشهد رمزى معبر يمكن تعميمه ببساطة

دينا نبيل
اغسطس 2015

مخاوفي السبعة تأليف : سلافيدين أفيدتش

اسم الرواية: مخاوفي السبعة
تأليف : سلافيدين أفيدتش
ترجمة: محمد اسامة
عدد الصفحات : 229 صفحة
اصدارات دار العربى للنشر و التوزيع
التقييم: 3.5/5

اروع انواع الروايات هى التى تستهدف شخصيتك بكل ما تحويه من مخاوف و افراح و حزن دفين .... نوع لم تقنه فيما قرأت سوى ميلان كونديرا , لذا نفتش عنه بحي و شوق فى كل ما ينشر حديثا

و عليه ف سلافيدين أفيدتش لم يخيب امالنا قديما و قدم لنا عمل يضرب على اوتار مخاوفنا و اشباحنا التى نخفيها فى الخزائن , على الرغم من اهماله لبعض عناصر العمل الروائي الاخرى
*****************
مخاوفنا من ان ندفن احياء لا رعبا من قلة الهواء او الموت البطئ بقدر تلك الوحدة الكاسحة التى سنشعر بها عند علمنا ان الجميع ذهب ليكمل حياته بينما نقبع نحن فى ظلم الوحدة

مخاوفنا من مرآيا تواجهنا بالواقع حين يتلون العالم من حولنا

مخاوفنا من ان نكون الضحية الاولى المطلوبة لدوران الطاحونة , حين يفرح الجميع بالانتاج دون تذكر للحظة دماء مهدرة كانت تجرى يوميا فى عروقنا

مخاوفنا من ان حياتنا المضطربة المليئة بفترات الجنون و الاكتئاب و الفرح غير المبرر لا تليق بمجتمع حاد صارم معقم كمشرط جراح

مخاوفنا من ان نتضاءل امام قوة جارفة تطيح بينا دون ان تهتم للحظة لما نحمله

حتى مخاوفنا من خوفنا الذى سيتكاثر علينا كمصاصى الدماء حين نتحدث عنها
**************
ربما نعتبر ان تكنيك "رواية داخل رواية" اصبح مبتذل بسبب انتشاره السريع فى الادب الغربى ... او نصرح بان الرواية تشتت بين القصص الشعبية و الفانتازيا و بين الجانب النفسى ... او انها لم تحقق نفس المستوى الدرامى لروايات تناولت اتجاه مشابه ك نهاية السيد واي ل سكارليت توماس او طائفة الأنانيين لــ ايريك ايمانويل شميت ...او انها لم تمنحنا معلومات او حقائق عن الحرب الصربية التى ظهرت فى الهامش .. لكنها بكل عيوبها تلتصق بالذهن

وعدتنا دار العربى للنشر و التوزيع برواية اولى مثيرة للاهتمام و ما اراها غير انها منحتنا كذلك

دينا نبيل
اغسطس 2015

عن الحب و شياطين اخرى تاليف: جابريل جارسيا ماركيز

اسم الرواية: عن الحب و شياطين اخرى 
تاليف: جابريل جارسيا ماركيز
ترجمة:وليد صالح
اصدارات: دار الشروق
عدد الصفحات:208 صفحة
التقييم: 5/4

من الصفحات الاولى و قبل ان يرتد اليك نظرك يكون ماركيز قد جذبك الى عالم المصنوع بدقة و تجد ان الشخصيات قد اصبحت من لحم و دم فى واقعيتها ربما اكثر من الشخص الجالس بجانبك

و حينها تصبح الفتاة ذات الشعر النحاسى الذى لم يقص قط لاجل نذر قديم, و الام المريضة بكل امراض الكون و المعالجة باعجب الاساليب , و الاب الخامل ذو المجد الفائت , و الخادمات المتولدات من يمزجن المسيحية بعادات القبائل فى تناغم , و الطبيب الذى يملك براعة توقع وقت الوفاه...جزء اصيل طبيعى من مخيلتك و من هنا تنطلق انت فى رحاب عالم ماركيز ثلاثى الابعاد الذى صممه بدقة و انسياب

و فى عالم ماركيز الموازى لن تجد غضاضة فى طفلة ترقص قبل تتكلم او تتحدث 3 لغات افريقية قبل ان تنطق بلغة ابيها و امها , او ان تحمل طيات شعرها النحاسى فى عقد و جدائل متتالية دون توقف

و العجيب حقا هو حين يكتب ماركيز "تاريخا" حقيقيا .. لذا فمناقشته لعالم محاكم التفتيش و الاصرار الكنسى القديم بالصلة اللاهوتية لامراض الجسم و لارق الرجال يبحثون عن ظل الاله فى عوالم التيه , كان هو المدهش

و فى تلك الاجزاء تشعر و كأن سارامجو هو من كتبها على طريقته المبهرة فى دمج التاريخ بالفنتازيا و ربما جو الدير و وصفه و الحديث المتواتر فيه عن افعال الشيطان الجسمانية يذكرنا قليلا بكتابات امبرتو ايكو و رومانسية انسانية تلقى الضوء فى الذهن على كلمات ميلان كونديرا..و هو فى العموم و رغم تباين ذوق من يقرأ فصل كلاسيكى ممتع

هى قصة عن الامل و فقدان الامل...و الحب و ضياعه .. بكل ما فى الامر من بساطة و تعقيد

دينا نبيل
يوليو 2015

المعراج و الرمز الصوفى تأليف: نذير العظمة

اسم الكتاب: المعراج و الرمز الصوفى
تأليف: نذير العظمة 
عدد الصفحات: 164 صفحة
اصدارات: دار الباحث
التقييم: 5/4

الكتاب يفصل بشكل ممتع بين وجوب الاسناد و الصحة و العدول و غيرها من المفاهيم السنية ان صح التعبير و بين قيمة الروايات الشاردة عند الدراسين فى حقول التصور المبدع فى الادب و الفلولكور ... فاذا كان المسلم عبر عصوره و تطوره و اختلاطه المستمر بادب منطقة شرقية مكدسة بالاحلام و الاداب و الميثدولوجيا انشأ تغييرات -ربما غير كاثوليكية- على القصة الاصل فنرى مثلا ان القرآن الذى يصف العرش بقوله "وسع كرسيه السموات و الارض" فان نسخة من نسخ المعراج تصفه كالتالى:

"العرش الذى تحمله اصناف من الملائكة عددهما ثمانية , اثنان على صورة بنى ادم و اثنان على صورة الاسد و اثنان على صورة النسر و اثنان على صورة الثور .. تتعبد الله و تسأل الرزق للانسانية و السباع و الطير و الدواب"

فنرى القاص المسلم الشعبى يستفيد من عناصر القرآن و المعتقدات الشعبية و ربما الصور القديمة من اديان اندثرت من منطقة جغرافية ثرية بافكارها .. ربما لا يرى الشق السلفى سوى قليل من الضلالات و البدع لكن الباحث يرى فيها ابداع و تأثير رائع من التيارات الفكرية مختلفة

و هنا نرى بوضوح ثلاثة اتجاهات رئيسية للرواية القصة منها القصاص و رب الادب الذى يرى فيها مجال للادهاش و المفاجأة و ربما الالاعيب الدرامية ... و نرى الاتجاة الكلاسيكى الدينى ربما بزعامة بخارى و مسلم فنرى انجاز سريع يهدف اولا الى الوعظ و الاعتبار ...و ثالث ربما هو الاهم بينهم و محط دراستنا , الصوفى الذى يهدف الى الكشف عن اسرار النفس و الرمزية لوحدة الشهود و ربنا وحدة الوجود و الاخير هو الطرف الوحيد الذى اعاد ابتكار اشكال موازية للحدث الاصلى
*************
ابن عربى فى تعمقه الملغز و البسطامى فى شطحاته الملهمة و العطار فى رمزية بسيطة تغرى العقول بالتأمل يقدموا نسخ موازية للاصل و بها يستخدم شخص النبى نفسه فى احداثها من باب انه ابو المعارج و قائد السالكين

و من هنا نشأت اشكالية الحجب و النور , استنكر الفقهاء التقليديون فكرة الحجب و ما اتصل بها من معانى و تمسك الصوفيون بها لاقصى حد ربما انها تمثل حجر الزاوية فى الرحلة الروحانية التى تحرض عليها كل كلمة كتبت على يد هؤلاء و التى تهدف اولا و اخيرا الى التحام الجزء بكله و الحجاب ها هنا هو كل المصاعب التى قد تمر فى هذا الحال و التنقل من مقام لمقام تشترط جميعا المجاهدة و التسليم و الوحدة

و عموما فنظرية "النور و الحجاب" هى العماد الرئيسى للنسخة الشعبية الاكبر من قصة المعراج المسمية اصطلاحا ب رواية ابن عباس ... و فيه نرى الرسول اشبه بالابطال الاسطوريين فى رحلته الطويلة المعقدة التى يجاهد فيها نفسه و حجبه المادية ليصل الى سدرة المنتهى الغاية الاكبر
************
و اخيرا ربما نتعجب -قليلا- من تناول المؤلف للشق الدينى من الرحلة العجائبية برمتها و هو اميل انها فى شكلها النهائى صورة محدثة من جلجامش العتيقة ..لكنه يصر انها فى صورتها الرمزية اكثر الهاما و تماسك و ربما فائدة فى الاخلاق و الدين من صورتها القصصية المتداولة , و ربما بسبب تلك الازدواجية يتشتت القارئ قليلا الا ان الدراسة الادبية تلك اروع من ان تفوت لسبب كهذا

دينا نبيل
يوليو 2015

اعترافات قناع تأليف: يوكو ميشيما

اسم الرواية: اعترافات قناع
تأليف: يوكو ميشيما
ترجمة: اسامة الغزولى
عدد الصفحات: 173 صفحة
اصدارات دار التنوير

الرواية باقصى درجات الذاتية لدرجة ان الحدث الخارجى عن الشخصية و افكارها الغريبة و عالمها المختلف تبدو للقارئ ثانوية , استثناء من قاعدة الاختلاف ...و هى غير معتنى بها اصلا مهما كبرت او زادت اهميتها

وحدها الافكار, الظنون, الاحلام, المخاوف فى تلك الرواية هى محط الاهتمام و هى عموما جديرة بهذا الاهتمام

و المؤلف يمتلك قدرة ممتعة على استخدام التشبيهات المبتكرة فيرى الحزن فى الجمال و لا يرى فى الثلوج البيضاء حين تتساقط من سماء صباح طوكيو الا ضماد ابيض يغطى جروح مدينته المرهقة

الاجزاء الاولى من العمل بمثابة بانوراما للشذوذ...و الامر هنا لا يتعلق باستخدام الاعضاء الجنسية فقط بل فى الاختلاف التام تقريبا فى طريقة التفكير و تفسير الاشياء و التصرفات , و هى صادقة دقيقة مصممة بعناية لدرجة تجعلنا نصدق انها مذكرات فعلية لشخصية غير اجتماعية متوسطة الثراء ذات طرق ملتوية فى الخيال , و الامر يمتد احيانا الى تفاصيل "قذرة" او شهوانية مباشرة يتحدث عنها بطلها بمنتهى البساطة و فيها يبدو اهمية تيار الوعى الذى استخدمه يوكيوميشيما و عدم قدرة طريقة الحكى الكلاسيكية على تلبية ما يتطلبه العمل

حب متأصل للمأساوية و علامات صغيرة فى الطريق عن مازوخية و سادية تتكون فى عالم يقدم العناء بالمجان..و احلام صبانية احيانا و مختلة كثيرا

و اضطرابات من عجز عن الخروج من الطفولة او الدخول الى الشباب , من صار حبيسا فى الاحلام و الخيالات و شعر بما يحثه على ان يبدأ العيش فعلا و ان كان متنكرا

ولان الانسان يرهب من الاختلاف فدفع يوكيوميشيما بطله الى دراسة المرأة لعله يجد فيها ما يرجعه الى القاعدة العامة لشباب سنه و فى مشهد مصمم بعناية نرى بطلنا الصغير فى رحلة عودته من المدرسة ينظر نظرات مدروسة مصطنعة سريعه التعب الى فتاة تنظر بلا مبالاة الى الشارع بينما يكاد يحطم مجهوده نظرات حتمية خانقة قاهرة للسائق الشاب الرياضى ...و ربما بهذا المشهد وحده يظهر ما اراد ت القصة روايته

انسان يضع قناع محكم فوق ذاته الحقيقة لدرجة انه تحول الى مجرد قناع فى النهاية

دينا نبيل
يوليو 2015

حكايات عن اساءة الفهم تأليف: امبرتو ايكو

اسم الكتاب: حكايات عن اساءة الفهم
تأليف: امبرتو ايكو
ترجمة: ياسر شعبان
عدد الصفحات: 113 صفحة
اصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة
التقييم : 5/4

الكتاب هو 3 محاضرات القاها ايكو بالانجليزية على طلبة الاكاديمية الايطالية بامريكا تتناول 3 مواضيع شيقة و فلسفية يتناولها ايكو -على غير عادته ابدا- بالتبسط و التنقل السريع السلس و بجمل قصيرة مركزة تهدف اولا الى الشرح ... و نحن ها هنا نتقمص دور المستمع للمحاضر العظيم يعلمنا عن اللغة , العلاقات بين الثقافات , و العلاقة المعقدة بين القارئ و الكاتب و النص

و نحن تماما كمترجم الكتاب نتعجب من خفة و وضوح ايكو و تحليله و نتمنى ان تكون تلك البداية لتجاوز حالة الرهبة التى تنتاب قارئ ايكو لكثرة ما اشيع عنه من صعوبة و غموض و نخبوية

و ايكو هنا رغم المامه -الدائم- بالتاريخ و الفلسفة و تنقله الرشيق بين المصدر و الاخر الا اننا نلاحظ تبسط متناقض مع اعماله الكبرى خاصة "بندول فوكو" التى مر على حولين و لم اصل الى صفحتها الاخيرة قط
*************
المحاضرة/المقال الاول عن "اللغة المثالية" او بالاحرى حلم و اسطورة اللغة المثالية الانسانية العامة التى حلم بها الفلاسفة و المفكرين و لم تخطر ببال الانسان العادى ابدا و هو حلم شرع الانسان فى تحقيقه مرارا و فشل فى ذلك كعادته مع الاحلام الخيالية

يقدم العهد القديم حل عبرانى بسيط -كعادة الاديان- لمعضلة التشتت اللغوى بقصة بابل الشهيرة , و هنا يفترض الجميع ان العبرانية كانت اللغة الام و يبذل الجميع المجهود لايجاد الاصل العبرى فى كل كلمة من كل لغه و هو على العموم ان لم يجد فبعض من "لى ذراع الحقائق" كافى لاثبات ما وضعه المفكر فى ذهنه من الاصل

و الامر عند ايكو تعدى البحث البحث عن لسانى مثالى للبحث فى خيبات المشروع الكبير

و البحث عن لغة مثالية تدفعنا دفعا الى السؤال الاقدم عن ماهية اللغة ذاتها و عن اذا كان الكل موجود تحت التسمية من الاصل؟ او ان الاصل مستعصى على التصنيف و الاسماء؟ و هنا لا نود ان ندخل الى فلسفة ابلار و مشكلته اللاهوتية القديمة الا بقدر ما يسعفنا ان نصل الى هدفنا

المدخل التوراتى فى قصة الخلق ان ادم هو من اختار اسماء حيوانات الكون تبع لسفر التكوين "و جبل الرب الاله من الارض كل حيوانات البرية و كل طيور السماء فاحضرها الى ادم ماذا يدعوها, و كل ما دعا به ادم ذات نفس حيه فهو اسمها" ...و هو مختلف كثيرا فى الواقع مع الرواية الاسلامية للامر ان الاله الرب هو من علم ادم تلك المسميات..و ان كان ادم منح الاشياء اسمها او تعلمها جميعا فما هى الفترة التى استغرقها هذا فى جنة عدم؟...و هنا تفرض جبرية اوغسطيوس نفسها على تفكيرنا فى نموذج التصميم الذكى الذى يحمل كل شئ فيه علامة عليه اسمه و تجعل من تطور اللغه و تشتت اللسانيات اشبه ما يكون بخطيئة و مخالفة لادارة عليا و ان الشتات كتب علينا , و عموما فاصحاب تلك المدرسة لا يرون فى الحياة نفسها الا عقاب من الاله الغاضب

و لوجود حلم "اللغة العالمية الموحدة" او غريزة الانسان هو تفضيل الاشياء على بعضها ظل المفكرين فى عراك نسميه بالسخيف فى الاشارة الى تلك اللغة او تلك على انها الاهم... فنجد دانتى يشيد بالعبرية بانها اللغة الاهم لكنه كتبها باللاتينية و رفع الايطالية اللغة المحلية فى وقتها الى ذروة المجد حين خلدها بكوميديته الالهية , ولا نرى لغة الا و شرح اهلها لما هى الاهم و مركز الكون فالتوسكانية عند جيوفانى نانى هى اصل العالم لانها لغه "اتروريا" التى شادها نوح , و الهولندية عند بكانكس هى اهم لغة فى العالم لانها تحوى اكبر عدد ممكن من الكلمات احادية المقطع , و الحوار فى الجنة عند اندرياس كيمب عندما يتحدث الله السويدية و ادم الدانمركية بينما الحية فتغوى حواء بالفرنسية الفصيحة , و الالمانية عند هاردسرفر هى اكثر لغة معبره عن الطبيعة و اصواتها , و هيدجر لا يرى لغه تحوى معانى الفلسفة الا الاغريقية و الالمانية , و انتوتى دى ريفارول يتعجب عن بحثنا عن لغه عالمية و الفرنسية على وجه الارض من الاصل,و الهيلوغرافية عند كيرشر ادم و ليس موسى فقط, و الصينية عند جون ويب هى لغة نوح بالضرورة و هى التطور الطبيعى لعبرية ادم

و لن نتحدث عن الادلة التى يسوقها المسلمون فى فضل اللغة العربية من جانب لان ايكو لم يذكرها الا فى اقتباس على لسان ابن حزم و من جانب الاخر لاننا يحزننا ان مفكرين يومنا يستعيرون افكار علماء العصور الوسطى الاوروبين فى الوقت الذى يخبرنا فيه ابن حزم: "جعل الله القران فى كلمات عربية ليتمكن الناس الذى اختارهم لينزله عليهم ان يفهموه و ليس لان اللغه العربية لها ما يميزها و يمنحها سبقا خاص ففى اى لغه يستطيع الناس اكتشاف الروح , التنفس, العطر, و اثار اللسان الاصلى متعدد اللغات"

ربما لم يقدر ادم السلطة التى وقعت فى يديه لكننا ايضا لم نقدر المسؤولية التى حملتها اكتافنا
***********
المحاضرة التالية التى جلسنا مستمتعين امام حديث ايكو الخلاب كانت عن اساء الفهم بين ماركو بولو الى ليبنتز

و هو مقال مكثف ممتع عن دور القناعات المسبقة فى الاكتشافات الحديثة و هى تطبيق عملى ان من يبحث عن شئ يجده , حين يرى ماركو بولو القادم من اساطير ايطاليا العصور الوسطى و يرى وحيد القرن فى الصين لا يرى فيه الا تجسيد لاسطورة احادى القرن الشهيرة عن حيوان نادر يحمل جسم فرس و ذيل اسد و قرن واحد فى وسط رأسه و هنا يبدى بولو اسفه ان ما رأه لم يكن بهذا الجمال الاسطورى ابدا , و كيرشر يعشق اللغة المصرية القديمة فيراها قمة السحر و الاشارات الغامضة فنراه يخلق هالة مقدسة حول كل حرف و كلمة ادت الى تفسير صائب احيانا و خطأ غالبا و بخلق الجو القبلانى/الصوفى حول الالفاظ و اللغه اصبحت بيئة مهيئة للمفكر بطرح افكاره هو و ان كان عن طريق لا وعيه

و بتلك الطريقة و غيرها اصبحت اعادة القراءة معين لا ينضب من الاكتشافات و نسقط مجهودنا الشخصى على النص القديم من فرط اعجابنا فنضيف الي النص ثم نصرح بروعته , و ربما لم يذكر ايكو هذا المثال لكنى ارى تشابه بين ذاك و بين ما فعله الكتاب الانسانيون فى عصر النهضة حين فخموا من الاعمال اللاتينية -حتى تلك التى لم تكن ذات قيمة فى عصرها- و اضافوا لتلك المجهود العقلى عبر الف عام من العصور الوسطى

و حين اعاد العالم اكتشاف الصين العظيمه التى انغلقت كثيرا و فاجئت الجميع بتطورها و ثباتها فكان هناك نظريتين لهذا الحدث , الاول عندما تسيطر الروح الدينية على العصر او المفكر المعاصر فلم يرى فى الصين الا بلد تأثر بالروحانية الفرعونية القديمة التى اعتبرها مفكرين ذلك العصر الاب الشرعى للعقيدة المسيحية فاشمئزوا من لغتها الصورية التى لا تهدف الا للتصوير فالشمس فى تلك اللغة لا تعنى الاله او خالق الاكوان بل مجرد شمس , و مركز للتبشير لعودتها الى حظريتها الروحية المسيحية ...و الاخرى حين سيطرت روح العقلانية على يد روسو و ديدرو و غيرهم الى الرفع من شأن العلمانية الصينية الشهيرة و الاقلال من المصرية

و الصين ظلت هى الصين و الثقافة المصرية ظلت مصرية لكن زاوية الرواية و اضافات الرائى على الرؤية تغير كل شئ
*************
و فقط فى المقال التالت نجد ايكو يرجع ل ايكو مؤلف اسم الوردة و بندول فوكو كروائى بالدرجة الاولى و هو المقال الاكثر متعة و الاقل فائدة بين الثلاثة

و فيه يتشعب ايكو فى الحديث عن العلاقة العجيبة بين القارئ و الكاتب و النص و بيان الفروقات المهمة بين القارئ النموذجى و القارئ التجريبى و ضرورة الا يفسر المؤلف اعماله او يسخف تفسيراتها و فيها يروى نوادر و قصص حول اعماله الكبرى وقت كتابتها و ما وجده من تفسيرات النقاد و القراء لقصصه

و عموما نشارك فى نصيحتنا للقاص و القارئ الا يتشعب فى تقديم تفسيرات فالنص سيظل النص المتحدث الاول عن نفسه

دينا نبيل
يوليو 2015

فؤاد الاول المعلوم و المجهول تأليف: يونان لبيب رزق

اسم الكتاب: فؤاد الاول المعلوم و المجهول
تأليف: يونان لبيب رزق
عدد الصفحات: 211 صفحة
اصدارات دار الشروق
التقييم: 5/4

ان اردنا ان نقرأ التاريه بما قررنا ان نسميه "الحياد" فسيكون دكتورنا يونان لبيب رزق اهل لتلك المهمة كعادته فى تلخيص و تبسيط التاريخ للقارئ العادى غير المتخصص و فى ظل سلسلة الشروق البديعة "الجانب الاخر: اعادة قراءة التاريخ" تكون المهمة ممتعة

و رغم ان الملك فؤاد جاء فى اهم فترات التاريخ المصرى, و هو الملك الذى اندلعت فى عصره ثورة 1919 و انتفاضة 1935 و كل ما بينهم من حركة سياسية نشطة الا ان تفرق الاحزاب فى الرواية عنه و تصويره كشيطان للحركة الوطنية -و هو ما يكن بعيدا كثيرا- حجب دراستنا الوقعية له و لظروف عصره و حكمه و نظام ملكه و بلاطه و عموما فالدراس و القارئ على السواء يهتمون بقصة فاروق الاول و الاخير ربما لزيادة جرعة الدراما بها جراء حركة ضباط يوليو

ينقسم الكتاب بشكل واضح الى 3 اجزاء اولهم فترة التكوين عقب خلع الخديوى اسماعيل و كانت جرعة تاريخية مكثفة من دكتور يونان باحوال الاسرة العلوية ابتداء من خروج اسماعيل مطرودا بعد زيادة الديون و ما تبعها من تدخل اجنبى و من ثم تولى الخديوى توفيق المنقلب على الاب و عباس حلمى و انقلاب المسمى الى حين فى السلطان حسين كامل

خرج الامير احمد فؤاد فى معية الخديوى المخلوع فى التيه بين تركيا و ايطاليا و الباخرات و فى ظل رعب الخديوى المنقلب من الاب و الاخوه ليشارك فى "تركة مصر" فمنع العودة و لو للزيارة و ظل فؤاد مع المعية الخديوية 13 عام كامل ربما افادته لاحقا فى جزء من نهضة مصر بتربيه اوروبية و لكن لذلك حديث اخر
***********************
رغم ان الخديوى عباس كان السبب فى انقطاع تيه فؤاد و عودته الى مصر -و ان كان منصب جانبى- الا ان خلع عباس اللاحق و تولى فؤاد و دأب الاول على محاولات العودة الى الحكم و ان كان بطريق عسكرى مصاحب لجيش تركى راغب فى اختراق مصر من قناة السويس انشأ ما اسماه المصريون "عقدة عباس" تجاه اى حدث او تحريض يذكر فيه اسم الخديوى السابق و هنا ردد المصريون فى حماس "الله حى عباس جاى"

و بعد حيرة انجليزية طويلة بين الامير كمال الدين و احمد فؤاد و يوسف كمال ...حسم كمال الدين ابن حسين كامل الامر حين قدم للانجليز و لمصر اعتذار و اعلن عدم رغبته فى الحكم اصلا , فكان دخول فؤاد على اعناق الانجليز من اللحظة الاولى

قضى فؤاد اعوامه الخمسه الاولى فى الحكم يحمل لقب "السلطان فؤاد الاول" قبل ان يتم التحول المثير للاهتمام لاحقا ... و نرى ان الالقاب لم تكن اعتباطا او سبيل للتغيير : اللقب الاول كان (باشا) و حظى به محمد على و ابراهيم عباس الاول و سعيد و اسماعيل حين كانت مصر مجرد ولاية عثمانية كغيرها ...و هنا حارب اسماعيل قليلا ليثبت الاستقلال الشكلى فى اللقب بكثير من الرشوة و الاموال فحظى بقلب (الخديوى) ضمن مزايا اخرى من الباب العالى.... التسمية الثالثة لحكام مصر كانت (السلطان) بعد اعلان الحماية البريطانية و قطع العلاقات الرسمية بتركيا فاختيرت التسمية خصيصا لتكون مطابق للسلطان التركى لمراعاة المساواة و استحالة وجود "سلطانين" فى بلد تابع و متبوع ... و بعد انهاء الحماية البريطانية اختير لقب (الملك) مرة اخرى لاستحالة وجود "ملكين" فى بلد التابع و المتبوع مصر و انجلترا
************************
و ربما لا يهم هذا كله القارئ غير المتخصص الذى جذب الكتاب من رفه خصيصا ليرى تفاعل فؤاد مع ثورة 19 و سعد زغلول و هنا لا يقدم لنا دكتور يونان رأى استثانئى بل يكتفى بصورة الملك المعتمد على الاحتلال بعد فشل مباحثات الاتفاق الاولى بين الملك و زغلول فراى كل منهما ان الاهداف تباعدت فلجأ الاول الى الانجليز و الاخر الى الشعب فى معركة ربما انتصر فيها فؤاد فى وقتها لكنه خسر حرب التاريخ و الاثر الاهم و الاطول امدا

و يخصص لنا يونان باقى الكتاب لبيان نهضة مصر متمثلة فى الكيانات التالية: الجامعة المصرية , بنك التسليف الزراعى , مصر للطيران , بنك مصر , تمثال نهضة مصر , الاذاعة , بناء بورفؤاد , مجمع اللغة العربية , السينما .. و هو يرى ان تلك المؤسسات تمثل بحق شكل الحياة فى مصر فى عهد فؤاد و ان لم يدعمها كلها
***********************
حالة الازدواج فى شخصية فؤاد الظاهرة فى قصة حياته و الصراع بين الملك العلمانى الحضارى و من مرت نصف حياته فى اوروبا و بين التمسك بالحكم الاتوقراطى المتحجر فنراه وقت الجد يقدم الاصول العلوية على الحركة الحديثة حين يوضع على المحك ما اسماه الهيبة الملكية و هو لا يرى فى الحركة الوطنية غير وسيلة لتدعيم حكم اتوقراطى و تخلى عنها عند اول اشارة لفشل ذلك

الرجل الذى اصدر دستور 23 هو نفسه من اراد ان يكون خليفة المسلمين قبل ان يجف حبر كل قوانينه العلمانية ... و هو لا يتوانى على استخدام علامه "مصر البلد الاسلامى" حين يريد اقصاء وزراء الوفد المسيحيين... و الرجل الذى دعم الجامعه المصرية الليبرالية هو من وقف فى صف الازهر القديم و استخدمه كسلاح فى وجه طلاب الحركات الوطنية ... و الرجل الذى منح الجامعه استقلالها هو من اطاح به حين طرد طه حسين منها لخلافه مع حكومة الحاكم ...و الرجل الذى تربى بين احضان الفن الايطالى هو من رفض قيام تمثال نهضة مصر

و دراسة الرجل الذى حصره البعض فى دور "والد فاروق" تتيح لنا فرصه ذهبية فى دراسة العصر المهم الذى ربما بدأ كل ما نحن فيه الان

دينا نبيل
يوليو 2015

الواجهة ل وسف عز الدين عيسى

رواية: الواجهة
تأليف: يوسف عز الدين عيسى
عدد الصفحات: 392 صفحة
اصدارات المصرية اللبنانية
التقييم: 5/5



ربما تبدو فى تكونيها قصص الديستوبيا الكثيرة بين 1984 جورج اورويل و 451 فهرناهت او حتى عالم جديد رائع الدوس هكسلى ... اما فى معناها فلا تكاد رواية اخرى توازيها الا معجزة نجيب محفوظ الفنية التى اسماها الجميع اولاد حارتنا , و هى تسأل باستمرار وحشى ولا تعطى اجابات و تلعب على كل الاوتار التى تمرن الانسان كثيرا على تجاهلها

و هى ترجع بنا الى الاساسيات و الاصل الذى تعلمنا منذ نعومة الاظافر ان ننشغل عنه بالفرعيات

و يوسف عز الدين يصمم اعماله كما صممها نجيب محفوظ تحوى القدر المثالى من الرمزية التى تبعد به عن مساوئ المباشرة الوقحة دون ان تحلق بعيدا عن فكر القارئ و تتحول بدورها الى مزيد من الالغاز لكن العم نجيب كان اكثر رحمة على شخصياته و جعلها تلمس و لو اطراف من الحقيقة لكن هنا لا زعبلاوى تلقتى به فى غيوبة الخمر ولا جبلاوى يهدده مجد عرفة الوليد ولا عبد الرحيم الاب الضائع فى رحلة الطريق

الامر هنا لم يكن مدينة كابوسية بظل حاكم ظالم او جهل متفشى او حتى تكنولوجيا خارقة مزعجة ... مدينة يوسف عز الدين عيسى كابوسية خانقة لمجرد وقوع الحياة بتفاصيلها العادية فيها و هى تنشر جو من التوتر و الحزن طيلة الوقت ربما لانها تذكرنا بطاحوتنا نحن

و ينسى الجميع حينا الاعدام القادم لا محالة و يسود المرح احيانا و ربما اختلطت الضحكات بانغام الموسيقى و يتناسى الجميع ذلك فى لحظات صفا نادرة و ربما شعر وقتها بظل سعادة حقيقة تمحو و لو مؤقتا ان المصير النهائى هو للبالوعة البشعة او تراب او بحر هائج فى يوم لا نعلمه

دين تنكر اى ظلم و يصور لنا الكون مثاليا و تخصص لرواية القصص الطرفية و الفكاهات المسلية و تفرغ لشكر مالك المدينة ..و مندوب يصمم ان التصميم مثالى متقن و انسان لا يشعر الا بوجع السوط على ظهره طيلة اليوم ليحصل على مأوى و طعام لا يتيح له الا ان يعمل و يضرب فى اليوم التالى ... و عار وصم به فورا حين فكر فى خطيئته الاولى و غفران بعيد قاسى

يردد الجميع ان عقولنا لا تسمح بالفهم لكننا نصرخ اننا لا نتمتلك غيرها و ان الحقيقة التى تعجز ادواتنا عن سبرها وهم ظاهر لكن الاحساس يكذب العقل و يكتب على الانسان البحث الابدى ...و ننسى الى حين حكم الاعدام القادم لا محالة فنسعد او نرقص او نهيم فى حب وردى او نشبك قدرنا بالاخريين لكن الحكم الابدى لا ينسانا

و مطلوب من ذلك الكائن الهش ان يبحث عن "الحقيقة" الكبرى وسط لفات الطاحونة و طلبات الحياة و الازدواج بين الواجهة و الشوارع الخلفية و يلام حين يفقد توازنه او يشكو...يوعده الجميع
انه الكائن "الاهم" و الاكبر و ان الكون كله خلق له و لمتعته و ربما يزهو بذلك حينا لكنه يرى على الفور ان كل الكائنات الاخرى تعيش منعمه خالية من الحزن و الهم و انه الكائن و المخلوق الاهم اكثرهم تعاسة على الاطلاق

أنكون نحن فقط من يدور فى الطاحونة؟ لم نسلم ظهورنا للسياط فى استسلام؟ أنبحث عن الحقيقة فعلا ام نوهم انفسنا بذلك لحين تنفيذ حكم اعدامنا؟ من اين جاءنا؟ اين نذهب؟ و لماذا؟ و هل ينقذنا الحب؟ او الحكمة؟ ام الجريمة؟ كيف نحزن؟ كيف نخاف؟ لماذا يموت البعض طفلا و الاخر يتمناه فلا يجده؟ هل توجد مدينة غير مدينتنا؟ و هل البلوعة هى الملاذ؟ ام النهاية؟ ام مجرد وسيط و برزخ؟ ولاين؟ هل نبتسم عن سعادة؟ رضا؟ استسلام؟ام ان عضلات وجهنا تتقلص ببساطة؟ و هل الحياة عبثية كمسرحيات بيكيت؟ ام ميلودرامية كاعمال شكسبير؟ ام انها كوميديا بحته كموليير و نحن فقط لم نعلم؟.... اسئلة لن يجيبنا عليها يوسف عز الدين عيسى و ربما لم نسأل نحن السؤال الصحيح بعد

دينا نبيل
يوليو 2015