الأربعاء، 16 ديسمبر، 2015

البلدة الأخرى تأليف: ابراهيم عبد المجيد

اسم الرواية: البلدة الأخرى
تأليف: ابراهيم عبد المجيد
عدد الصفحات: ٣٨٧ صفحة
اصدارات دار الشروق
التقييم ٥/٤
هل يحتاج ابراهيم عبد المجيد رفيق الدرب الطويل الى اثبات قدراته ك أديب قادر على الامساك بتلابيب خطوطه الدرامية؟ بالطبع لا ، على الاقل بعد ابداعه فى عتبات البهجة و لا احد ينام فى الاسكندرية ....لكنه يصر على تقديم عمل متماسك انسانى فى المقام الاول ك: البلدة الأخرى
الامر اذن عن كيف الوصول الى ذلك التوازن بين حركة الاحداث و كثرة الخطوط و تفاصيلها و تقلبات السياسة دون المساس بعمق النفس البشرية و كل ما يدور بها من تأملات و مشاعر و جمل مبتورة كمم الصمت انفاسها ....الامر ان تتحدث عن الكون باكمله و حال سبعة مليار من البشر دون ان تنسى ثراء ذلك الواحد الذى يستحق اهتمام لا يقل عن الاولى
**************
"لا اصدق انه يمكن ان تنزل من فندق و تدخل المسجد النبوى فى دقائق ، توقعت ان اهتز و ابكى ....ربما لهذا السبب لم يحدث شئ"
"كيف حقا لا ابكى؟ ...من ينقذنى من حالة الخلاء الروحى التى تلبستنى منذ زمن طويل؟"
هرب اذن عبد المجيد من فخ النمطية عن ذلك البطل الذى يشعر بالشك و البرود الذى سيركع على ركبتيه يبكى و تنزل دموع الايمان حين يمس الارض المقدسة .....لم يكن ولا كان الامر بسيطا قط لكن سطحه الادب فترة طويلة و جاء اخيرا رواد الرواية المصرية الحديثة ليفكوا الشفرة
هل سمعت فيروز تشدو "فى أمل" حين تسألت "حبيبى احساسى ، ها القد معقول يزول؟!"
**************
فى جو خانق متعمد طيلة العمل ...فى تبوك ، المدينة المنورة ، القاهرة ، الاسكندرية ....يستمر الضيق و الخناق ، لا شئ يدفع للامام و لا شئ يشد للبقاء
حتى الديار لم يعد فيها الدعاء الحزين بعد الاذان ، قلق الام حين تمرض .....او رائحة الوطن
دينا نبيل
١٧ يناير ٢٠١٥

الاثنين، 14 ديسمبر، 2015

‏‏‎Diary of a Madman

و لسبب ما انا لسه بتفاجئ من مستوى و اسلوب جوجول على الرغم من انه كتابى الرابع معاه , لكن كون الدراما الممتعة دى اتكتب قبل 200 سنه تقريبا فده شئ رائع

عموما اسم القصة معبر جدا عن محتواه , مذكرات رجل مجنون ...و فى وسط جنونه بنعيش معاه فى الاوهام و الاحلام وسط الكلب اللى بيتكلم , وسط ترسيمه ملك لاسبانيا , وسط تواريخه اللى بيجى فيه يناير بعد فبراير

انا قريتها بالانجليزى و الى حد كبير الترجمة كانت جيدة

لعل "الانف" و "المعطف" تتفوق...لكن تظل مذكرات رجل مجنون من الطف اعمال جوجول


الأحد، 6 ديسمبر، 2015

الاصلاح الدينى 5 - المجلد الثامن و الثلاثون من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 2 - المجلد الثامن و الثلاثون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: محمد على ابو درة
عدد الصفحات:255 صفحة
اصدارات دار نوبليس

شارفت رحلة الاصلاح الدينى و عصره الغريب على الانتهاء , و شارفت 2015 على الرحيل ايضا... و كعادته معانا سنجلس نحن امام ديورانت يحكى فننصت و يلم خيوط الماضي فنتفهم و نحاول التمسك بالتفاصيل و الاحداث

في سنة 1300 لم يكن لروسيا وجود...هكذا يروى لنا التاريخ لذا فرحلتنا ممتعه دوما فى مشاهدة الرحلة الروسية فى جمع شتاتها و توسيع مملكتها و قبلها بالتاكيد خلق الحرية الكاملة لوجود مملكة من الاصل , و قصة احتلال المغول لروسيا او قبائل ما قبل روسيا قصة شائقة ممتعه متوفر لها كتب خاصة بها كحادثة تاريخية فردية فكيف سيتحكم الغازى البعيد المدجج فى "للقبيلة الذهبية" فى مصير القبائل و الممالك الصغيرة قبل ان تنتفض لتنهى العهد الطويل المظلم الذى غير طبيعه روسيا الى الابد و فصلها عن العالم الغربى رغم مرور قرون متعاقبة....وكانت النتائج الأساسية التي ترتبت على طول خضوع روسيا "للقبيلة" نتائج اجتماعية: وهي استبداد أدواق موسكو، وولاء الأهالي ولاء ذليلاً لأمرائهم، والمركز الوضيع للمرأة في المجتمع، وتنظيم حكومة موسكو وفقاً لأساليب التتار من النواحي العسكرية والمالية والقضائية. وقد عاقت سيطرة التتار محاولة روسيا لمدة قرنين من الزمان أن تصبح دولة أوربية غربية.

هل حقا احتاجت روسيا الى ايفان الثالث -جد ايفان الرهيب الشهير- ليحرر روسيا فعلا؟ ربما ينظر له اهل بلده تلك النظرة لكنه ديورانت و نحن معه نؤمن بصيرورة التاريخ و ان حتمية التاريخ تضع احيانا الاشخاص المناسبين فى الاوقات المناسبة و ان احنلال مؤسسة المغول العسكرية كان قادم بالتاكيد كما توقع ابن خالدون عن اى شعب غازى

وبدا أن التحرر من ربقة التتار مستحيل، ولكن ثبت أنه أمر يسير . ذلك أن بقايا الغزاة المغول - الأتراك كانوا قد استقروا في ثلاث جماعات متنافسة متنافرة، وتركزوا في سراى وقازان وفي القرم، وكان إيفان يضرب كلا منها بالأخرى حتى وثق أنها لن تتحد ضده. وفي 1480 امتنع إيفان عن دفع الجزية، وقاد خان أحمد جيشاً كبيراً من الفولجا حتى ضفاف نهري أوكا وأوجرا جنوب موسكو. وقاد إيفان جيشاً قوامه 150.000 رجل إلى الضفاف المقابلة، وواجه العدوان بعضهما بعضاً لعدة شهور دون أن تقع بينهما معركة. وتردد إيفان في أن يغامر بعرشه وحياته في رمية واحدة، كما خشى التتار مدفعيته التي أدخل عليها تحسينات. ولما تجمدت الأنهار، ولم تعد تحمى الجيوش بعضها من بعض، أصدر إيفان أوامره بالانسحاب، وبدلا من تعقب الجيش المنسحب، انسحب التتار كذلك، حتى وصلوا إلى سراى < وكان انتصاراً هائلاً ولكنه مضحك، ومنذ ذلك الحين لم تدفع موسكو جزية إلى التتار. وسمى الأمير العظيم نفسه الحاكم المطلق، أى الذي لا يدفع الجزية لأحد. واستدرج الخانات المتنافسون إلى محاربة بعضهم بعضاً، وهزم أحمد وذبح، وانقضى سلطان المغول في سراى، واندثرت "القبيلة الذهبية".

و كانت روسيا و كان تاريخها الحقيقى بعد هذا الانتصار المضحك عسكريا و الرائع سياسيا ... لكن الادب الروسي قال لنا كثيرا ان التتار رحلوا و سوطهم لم يرحل ابدا
*******************
ينقلنا ديورانت سريعا من روسيا الى نظرة طائر محلق عن بلاد الاسلام فى عصر الاصلاح الدينى الاوروبى ... فينما كانت اوروبا تكافح من اجل التغيير كان المسلمين يكافحون ضد التتار فينهزموا عسكريا و ينتصروا فكريا , و كانت القاهرة تتألق فى ظل المماليك ولا تعلم ان الذبول قادم كما كان القدر دائما

و كان حافظ الشيرازى يقنع نفسخ للحظة وجيزة بقبول دعوة من السلطان أحمد بالاقامة في القصر الملكي في بغداد ولكن حبة لشيراز أبقاه حبيساً بها، وكان يشك في أن بالجنة نفسها مثل هذه الأنهار الفاتنة أو مثل هذه الورود الحمراء في شيراز و كان يتجول مرددا:
إن عمرنا قصير، ولكن طالما أننا قد نفوز
بالمجد وهو الحب، فلا تحتقر
الاصغاء إلى توسلات القلب
فإن سر الحياة سوف يبقى فيما وراء العقل

و كان تيمور لنك يمتلك اكبر امبراطورية فى عالمه و يثير صوت الذهب فى جنوده و الرعب فى رجال المدن خوفا من التحول الى مأذنة جديدة من مأذانه البشرية الكثيرة... ولما استسلمت مدينة سبزاوار بعد حصار كلفه كثيراً، أسر ألفين من رجالها، وكدسهم أحياء، الواحد فوق الآخر، وضرب عليهم بنطاق من الآجر والطين، وأقام منهم مئذنة، حتى إذا استقين الرجال جبروت غضبه، لا يعود يغويهم شيطان الصلف والكبرياء". وهكذا روى القصة مادح معاص . وغفلت مدينة زيرية عن هذه الحقيقة وأبدت مقاومة، فأقام الغازي من رؤوس أبنائها عدداً أكبر من المآذن.

و كان ابن خالدون يكتب (كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر) واضعا اهم مقدمة لكتاب كتب .. يضع فيها اساس علم جديد ينظر للتاريخ ككتلة واحدة كبيرة متحركة ثم يكتب الكتاب ذاته على الشاكلة القديمة مكتفيا ان يضئ الشعلة الاولى ليتلقطها بعد ذلك من له اذن فيسمع و عينان فيرى

و كانت يد الرسام و الخطاط المسلم يرسم رسم المنمنمات الفارسية الذى بلغ الذروة في هراة على عهد التيموريين وكان كمال الدين بهزاد، هو كيتس الزخرفة الحقيقي أو رافائيل الشرق. لقد عركته تجارب الحياة، وويلات الحرب وتقلباتها، فعكس هذا كله بالفن ... وكانت المراكز العظمى للزخرفة الإسلامية في هذا العصر هي تبريز وشيراز، هراة. ويحتمل أنه قد جاء من تبريز في عهد الأيلخانات، للورقات الخمس والخمسون من كتاب "شاه نامه"، (كتاب الملوك للفردوسي) - وهي من عمل رسامين مختلفين في القرن الرابع عشر

و كان بربروسه قرصانا و ملاحا و حاكما و مغيرا لقواعد السياسة فى البحر المتوسط كله و كان حلقة الوصل بين شارل و سليمان القانونى و البابا و جميلة جميلات ايطاليا كما يليق باى قرصان فى عالم القصص الخيالية لكن التاريخ السوداوى كثيرا يقدم لنا قصته ملطخة بدماء كثيرة لكن تحمل نهاية لا نراها الا سعيدة عندما يحل سن السابعة والسبعين اعتزل القرصان المنتصر الظافر تحيط به كل مظاهر الإجلال والتكريم، ليقضي نحبه في فراشه 1546، وقد بلغ الثمانين

و كانت فارس تؤرق مضاجع تركيا و تنقذ اوروبا من تيار كان من الممكن ان يجرفها و تتيح للبروتسانتية ان تعيش فى لعبة الكراسي الموسيقية العجيبة للتاريخ

يبدأ التاريخ بعد اختفاء الأصول. فلا أحد يعرف أين نشأ الأتراك. "فذهب بعض الناس إلى أنهم كانوا قبيلة فنلندية أوجرية (شعب أسيوي شرقي الأورال) من الهون، وأن اسمهم يعني "خوذة" وهي في إحدى اللهجات التركية وقد شكلوا لغاتهم من اللغتين المغولية والصينية، وأدخلوا بعد ذلك ألفاظاً فارسية أو عربية، وهذه اللهجات التركية هي الوسيلة الوحيدة لتصنيف المتكلمين منهم بوصفهم أتراكاً. واتخذت واحدة من هذه العشائر اسمها من اسم زعيمها سلجوق. ونمت بالنصر تلو النصر، وتكاثرت سلالتها، وحكموا في القرن الثالث عشر فارس والعراق وسوريا وأسيا الصغرى. وفرت عشيرة أخرى من أقرباء العشيرة الأولى، بقيادة زعيمها طغرل، أر، من خراسان في نفس القرن، حتى لا يكتسحها طوفان المغول. واستخدمها سلجوق أمير قونية بآسيا الصغرى، في الأعمال الحربية، وأقطعها جزءاً من الأرض لرعي ماشيتها. وفي 1288 (؟) مات أرطغرل، فاختير ابنه عثمان، وهو إذ ذاك في الثلاثين من عمره، ليخلف أباه، ومنه اشتق اسم "العثمانيين".

و بينما كانت اوروبا تبحث عن حل لثورة الفلاحين و هجمات لوثر على الكنيسة و بينما كانت اسبانيا تجمع ذهب امريكا الجديدة و تعقد المحاكم لحرق كل من يطلق ما يمكن الاشتباه بكونه هرطقة و البرتغال تسحب البساط التجارى من البحر المتوسط مقر الحضارة العتيق كانت القسطنينية تتكون بعلامات شرقية اسلامية فتحمل حريتها الخاصة و قوانينها المعقدة .... وكان الهراطقة من المسيحين يدفعون جزية الابناء مقابل ان يصمت الجميع عن ما اعتقدوه فى قلوبهم

و بينما كان هنرى الثامن يبحث عن زوجة جديدة كان قد شن سليمان حروباً كثيرة، وذبح نصف ذريته، وأمر بذبح وزير مبدع دون إنذار أو محاكمة، إنه ارتكب الأخطاء التي تلازم السلطة المطلقة غير المحدودة، ولكنه كان أعظم وأقدر حكام عصره دون منازع
***********************
مرة اخرى نرجع لنكرر ما عبرنا عنه فى مجلدات حضارات العبرانيين فى العصور الوسطى ...ما هدف الكتاب؟ و كيف نطلع عليه نحن العرب؟ ... فاما الهدف فصورة شاملة لتاريخ و شخصية و أداب و دين اليهودى بغض النظر عن وطنه و بلده فى العصور الوسطى الطويلة الممتدة لعشرة قرون...و اما السؤال التانى فصعب و مرهق لنا و يخرجنا من نطاق حياديتنا المعتادة كقراء للتاريخ , فكيف الفصل بين يهودى القرون الوسطى من عام 1300 ل 1564و بين صهيونى عصرنا؟ و كيف نرسم فى اذهانا انهم بشر عاشوا على الارض كغيرهم و تركوا تراث كغيرهم

ديورانت معجب باصرار اليهود و احترامهم لحلمهم ... لكن ديورانت مغرم بالحياة الروحية فى الهند ايضا و بقيام حضارات الصين دون سند دينى و بفن اليونان و بقوانين روما و ببهرجة بيزنطة و ببساطة المسيح و بقيادة و اخلاق محمد , ديورانت مغروم بالانسانية و اليهود معه ليسوا استثناء ... و نكرر كما نكرر دائما ان ذلك شأن ديورانت و لنا شأننا

لكن ما يلفت انتباهنا حقا هو كيف عاش اليهود فى شتاتهم الاول بعد سقوط اورشليم عام 71 و بعد الشتات الثانى عندما قررت اسبانيا انها ستكون كاثوليكية اكثر و ان بترت كل مواطنيها حرقا و نفيا و الحكم الطويل بالموت كمدا

فنرى ان اذا كان الطاعون يغزو اوروبا فخسارة اليهود مضاعفة نتيجة ميراث الكراهية المتبادل بين مسيحية القرون الوسطى و بين اليهودية المتحدية الصامدة بكل اختلافتها و ريبتها ... ففى الطاعون سيخسر اليهود موتى مرضي كغيرهم و فوق ذلك سيخسروا الكثيرين من القتلى , و بيان ذلك كما يخبرنا ديورانت ان : وكان الموت السود كارثة خاصة حلت باليهود في العالم المسيحي. لقد أودى الطاعون نفسه بحياة المغول والمسلمين في آسيا،وهناك لم يفكر أحد في إلقاء اللوم على اليهود، ولكن في أوربا الغربية حيث جن جنون الأهالي لهول الوباء وما أحدثه من دمار، اتهم اليهود بتسميم الآبار في محاولة لاستئصال المسيحيين. ونسج الخيال المسعور كثيراً من التفاصيل. فقيل بأن يهود طليطلة أرسلوا رسلهم بصناديق ملآى بالسم الذي صنعوه من السحالي والعظاءات (نوع من الزواحف) وقلوب المسيحيين، إلى جميع الجاليات اليهودية في أوربا، مع توجيهات بإلقاء هذه السموم المركزة في الآبار والعيون مع ذلك عذب اليهود حتى اعترفوا بتوزيع السم. وأغلق المسيحيون آبارهم وعيونهم، وشربوا ماء المطر أو الثلج المذاب وانتشرت المذابح الرهيبة في فرنسا وأسبانيا وألمانيا

و نرى ان خلاف المسيحيين الكاثوليك و البروتسنت على مغزى و تجسيد المسيح فى القربان المقدس الذى مزق اوروبا بين لوثرية و كالفنية و زونجلية فى شقها البروتسنتى بخلاف الشقاق الكبير اصلا فى الكنيسة , نرى ان النقاش ذلك حتى دفع اليهود ثمنه كعادة اى اقلية فى عصر متشدد و متقلب وأصبحت قصة القربان المقدس مأساة لليهود. فقد طلب إلى المسيحيون أن يؤمنوا بأن الكاهن كان يحول رقائق الخبز غير المخمر إلى جسد المسيح ودمه، وقد ارتاب في هذا بعض المسيحيين، مثل "طائفة المتمتمين "، وربما أمكن أن يقوى من هذا الاعتقاد ما روى من قصص عن بعض رقائق الخبز المكرس التي تقطر دماً عند أية وخزة من سكين أو دبوس. ولكن من ذا الذي يقدم على هذه الفعلة الشنيعة غير اليهود؟ -هكذا فكر الجميع- وفي القرون الخيرة من العصور الوسطى كانت مثل هذه الأساطير التي تروي عن القربان الذي يقطر دماً كثيرة جداً. وفي حالات عديدة: في نيوبرج 1338، أدت هذه المزاعم إلى ذبح اليهود وإحراق بيوتهم. وأقيم في كاتدرائية سانت جود ول في بروكسل مصلى خاص لتخليد ذكرى القربان الذي أدمى 1369،

و نرى ان التطور الاقتصادى الذى تابعه كل من قرأ مجلدات قصة الحضارة الى مجلدنا الحالى من اقطاعيات زراعية الى رأسمالية صاعدة و تكوين طبقة جديدة ادى بدوره الى سحق عدد اضافي من اليهود واستترت المنافسات الاقتصادية وراء العداء الديني. فعلى حين امتثل المسيحيون لأمر البابا بتحريم الفوائد الربوية، حصل اليهود على ما كاد يكون احتكاراً لإقراض النقود في العالم المسيحي. ولما تجاهل بعض أصحاب المصارف المسيحيين هذا التحريم و اصبح مجال المنافسة متاحة من جديد , طردت و قتلت اوروبا الاصلاح الدينى بلا رعاية ... و عاد من جديد لا صوت يعلو على صوت الذهب

ولاقى يهود "الشتات" هؤلاء أقل العناء والشقاء في ظل السلاطين الأتراك والبابوات في فرنسا وإيطاليا، وعاشت الأقليات اليهودية آمنة في القسطنطينية وسالونيك وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين والجزيرة العربية ومصر وشمال أفريقية وأسبانيا تحت حكم العرب وكتب اليهود الألمان الذين لجئوا إلى تركيا إلى أقربائهم وصفاً خماسياً للحياة الطيبة التي ينعمون بها هناك

و وسط كل ذلك ماتت اضافات اليهود للتراث الحضارى و اكتفوا بصوفية صامتى و كابالا غارقة فى التعقيد تنتظر المخلص , باستثناء كرسكاس آخر هذه الصفوة اللامعة من فلاسفة اليهود في العصور الوسطى حتى جاء سبيبوزا
***********************
يتبقي لنا ملاحظات متفرقة , الاولى فيها عن تأثير البروتسنتيه على الاقتصاد الاوروبى حتى عندما تلغى اجازات اعياد القديسين فتزيد اعباء العامل او حتى عندما يبيح لوثر اكل اللحم يوم الجمعة ليتضرر تجار و صيادون السردين فى ضربة قاصمة و صعود الرأسمالية التى ربما صيرورة التاريخ كانت لتصعد بها حتى دون الالمانى الثائر المحافظ

و الثانية عن اثر اليهودية فى البروتسنتية كما يرى ديورانت و نرى معه من حيث تنفيذ الوصية الثانية بكل القوة و توقف عجلة الفن بها و نضيف ان لوثر ربما بدأ معادية للسامية المانية صغيرة دون ان يدرك فى عز حماسته

و الثالثة عن اختلاف ترجمة المجلد ذاك بالذات و هو المجلد الوحيد الذى ترجمه لنا الدكتور ابو درة لذا فسنراه يترجم اسم مارى تيودور الى "مارى اللعينة" رغم ما عودنا عليه مترجم الاجزاء السابقة عندما فضل استخدام تعبير "مارى الدموية" خاصة مع احتمالية اللفظ الانجليزى لكلا معنى منهم ... و نرى عموما ان الترجمة هنا اضعف قليلا من المعتاد لكنها قطعا ليست مقيدة لنا للاطلاع على المجلد الجميل ذلك
***********************
يحكى لنا ديورانت عن ان التاريخ، من بعض الوجوه، ليس إلا تعاقباً لموضوعات متعارضة، فإن الطباع والأشكال السائدة في عصر ينكرها ويبرأ منها العصر الذي يليه، والذي يضيق ذرعاً بالتقاليد، ويتحرق لهفاً إلى التجديد: فالكلاسيكية تنجب الرومانتيكية، وهذه تلد الواقعية، وهذه تأتي بالتأثرية، كما تدعو فترة إلى الحرب العدوانية....نصدقه كالعادتنا فنتجه رأسا الى المجلد التاسع و الثلاثون و الاخير ضمن مجلدات الاصلاح الدينى السته لكنه ابدا ليس الاخير فى ملحمة قصة الحضارة الطويلة و المرهقة و الممتعة

دينا نبيل
ديسمبر 2015

الاصلاح الدينى 4 - المجلد السابع و الثلاثون من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 1 - المجلد السابع و الثلاثون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 279 صفحة
اصدارات دار نوبليس

(وكان كل الحكام في أوربا يفرضون المكوس على شعوبهم ليهيئوا لأنفسهم صورة مصغرة لهذا الحلم الباريسي)

فاما الحلم الباريسى ذلك فبلاط الملك فرانسيس الاول ملك فرنسا الذى حاز كل مغامرات الحب و الحرب و السياسة و التحالفات المتقبلة كأنه فرنسا متجسدة فى شخص و اما البلاط المبهر ذلك فيرسمه المؤرخين لنا بكل ما ملكت ايديهم من جمال و بذخ

وكان النبلاء يقومون بوظيفة مزدوجة: تنظيم الجيش وخدمة الملك في البلاط. وكانت الحاشية التي تتألف من الرؤساء الإداريين ورؤوس النبلاء وزوجاتهم وأبناء الأسرة وأصفياء الملك، قد أصبحت وقتذاك على رأس فرنسا وفي الصدر منها، ومرآة تعكس البدع والمهرجان الملكي الدائم المتحرك، وعلى قمة هذه الدورة كان مدير قصر الملك الذي كان ينظم كل شيء ويرعى البروتوكول، ثم الحاجب المكلف بغرفة نوم الملك، ثم أربعة من السادة الموكلين بمخدع الملك، أو كبار الوصفاء الذين كانوا دائماً رهن إشارة الملك لتلبية رغباته، وكان هؤلاء الرجال يستبدل بهم آخرون كل ثلاثة أشهر، وذلك لمنح غيرهم من النبلاء فرصة يحل فيها الدور عليهم للقربى البهيجة من الذات الملكية. ولكيلا يتعرض أحد للإغفال كان هناك عدد من السادة يتراوح بين عشرين وأربعة وخمسين لمخدع الملك يخدمون الأربعة الكبار، يضاف إلى هؤلاء اثنا عشر وصيفاً للمخدع، وأربعة حجاب للمخدع، وكانت أجنحة نوم الملك تلقى العناية المناسبة. وكان هناك عشرون سيداً يعملون مشرفين على مطبخ الملك، وينظمون أعمال جماعة تتألف من خمسة وأربعين رجلاً وخمسة وعشرين من سقاة الخمر. وكان هناك نحو ثلاثين غلاماً من وصفاء الشرف - أولاد لهم نسب جليل - يعملون وصفاء للملك، ويتألقون في زي مفضض خاص، وجمع من أمناء السر يضاعفون من طاقة الملك على التدوين والتذكر

وكان القس الأكبر للكنيسة الملكية كردينالاً، ويشرف أسقف على المحراب أو المصلى، وسمح لخمسين من الأساقفة الأبروشيين بإسباغ البركة على البلاط، وبذلك يزدادون شهرة، ولا يفوتنا أن نذكر سبعة أطباء وسبعة جراحين وأربعة حلاقين وسبعة مرتلين وثمانية صناع ماهرين وثمانية كتبة للطبخ وثمانية حجاب بقاعة الاجتماعات. وكان لكل ولد من أبناء الملك خدمه الخاصون به... مشرفون وكتاب سر ومربون ووصفاء وخدم. وكان لكل واحدة من الملكتين في البلاط - كلود ومرجريت - بطانة خاصة تتألف من خمس عشرة سيدة أو عشر سيدات يعملن وصيفات وست عشرة أو ثمان من وصيفات الشرف - آنسات. ومن أعظم ما اشتهر به فرانسيس أنه جعل للنساء مكانة عليا في بلاطه، وأنه كان يغمز بعين الخبير إلى علاقاتهن غير الشرعية، ويشجع ويستمتع باستعراض حليهن ومفاتنهن الرقيقة.

وتحت هذا السطح المصقول كانت هناك قاعدة عريضة من الخدم: أربعة من الطهاة وستة من مساعدي الطهاة، وطهاة متخصصون في أطباق الحساء أو المرق المتبل أو الشواء، وعدد لا يحصى من الأشخاص، لتقديم الطعام إلى الملك وخدمته على المائدة، وفي المطبخ المشترك للحاشية، وتلبية احتياجات السيدات والسادة والسهر على راحتهم، وكان هناك موسيقيو البلاط يقودهم أشهر المغنين والملحنين والعازفين على الآلات في أوربا خارج روما. ويشرف على الحظائر الملكية مدرب للخيل، وخمسة وعشرون من رؤساء الركائب النبلاء، وحشد من الحوذية والسواس، وهناك رؤساء يشرفون على الصيد، ومائة كلب و 300 صقر يدربها ويعنى بها مائة مدرب للصقور تحت إشراف كبير مدربي الصقور. وتألف حرس الملك من أربعمائة من الرماة، يضيئون البلاط بأزيائهم الملونة.

ولم يكن هناك مبنى في باريس يكفي لمآدب البلاط وحفلاته الراقصة وحفلات الاستقبال الدبلوماسية. وكان قصر اللوفر وقتذاك حصناً كئيباً، فانصرف عنه فرانسيس إلى القصور المنسقة المعروفة باسم ليه تورنل (الأبراج الصغيرة) قرب الباستيل، أو إلى القصر الفسيح الذي اعتاد المجلس النيابي أن ينعقد فيه، ومع أنه كان لا يزال يعشق الصيد فقد انتقل إلى فونتنبلو أو إلى قصوره الممتدة على نهر اللوار في بلوا أو شامبور أو أمبواز أو تور - ساحباً معه نصف الحاشية وثروة فرنسا. وقد وصف شليني بمبالغته المعهودة ولي نعمته الملك بأنه كان يسافر ومعه بطانة مكونة من 18.000 شخص و 12.000 جواداً واحتج السفراء الأجانب على ما يتكبدونه من نفقات ومشقة، في سبيل لقاء الملك أو مسايرته، وإذا وجدوه فإنه يكون على الأرجح، نائماً في فراشه حتى الظهر، يفيق من المتع التي نعم بها في الليلة الماضية، أو منصرفاً إلى ما يلزم لرحلة صيد أو مباراة للفروسية. وكانت نفقات هذا المجد الطواف باهظة. وكانت الخزانة دائماً على شفا الإفلاس، والضرائب ترتفع على الدوام، والمصرفيون في ليون يكرهون على تقديم قروض للملك، يتعرضون فيها للمخاطر.

وعندما أدرك الملك عام 1523 أن نفقاته تتجاوز موارده، وعد بوضع حد لإشباع رغباته الشخصية "وهي لا تشمل على أية حال المطلب العادي لاحتياجاتنا ومتعنا القليلة وكان يلتمس لنفسه عذراً في تبذيره بحاجته إلى التأثير في المبعوثين والتغلب على النبلاء الطموحين، وإدخال البهجة على قلوب العامة، ورأى أن الباريسيين يتعطشون للعروض، وأن إعجابهم بأبهة ملكهم يفوق استياءهم منه.
***************************
لكن هل يمكننا تلخيص ملك فرانسيس الاول الطويل و الهام فى مظاهر ابهه حكمه ؟ بالطبع لا و هنا يكيفينا الاشارة الى الحرب و المنافسة الطويلة بينه و بين شارل الاسبانى الذى سيصير الامبراطور لاحقا بعد محاولات فرنسية طويلة للحيلولة دون ذلك

واقتضى الأمر أن تتصدى امرأتان لتلقين الحاكمين فن السلام وحكمته، فقد اتصلت لويز أميرة سافوي بمرجريت النمسوية نائبة الملك في الأراضي المنخفضة، واقترحت عليها أن يتخلى فرانسيس، المتلهف على عودة ابنيه، عن كل مطالبه في الفلاندرز وارنوا وإيطاليا وأن يدفع فدية قدرها 2.000.000 كارون ذهبي، لإطلاق سراح ولديه، على ألا يتنازل أبداً عن بورغنديا، وأقنعت مرجريت ابن أخيها بإرجاء مطالبته ببورغنديا وأن ينسى مطالب الدوق بوربون، الذي مات وقتذاك في الوقت المناسب.
وفي 3 أغسطس عام 1529 وقعت المرأتان ومعاونوهما الدبلوماسيون معاهدة صلح السيدات في كامبراي، وحصلت الفدية من التجارة والصناعة ودم فرنسا، ونعم بالحرية من جديد أميرا البيت المالك بعد أربع سنوات من الأسر، وعادا بقصص تروى عن المعاملة القاسية التي أثارت فرانسيس وفرنسا. وبينما وجدت المرأتان القديرتان سلاماً دائماً- مرجريت عام 1530 ولويز عام 1531- أخذ الملكان يعدان العدة لاستئناف الحرب بينهما.

و يضيق هنا الحال بالحديث عن "مغامرات" فرانسيس الاول و شارل الخامس و تذبذب هنرى الثامن وسط موجة الجنون الاوروبى فى القرن السادس عشر خاصة عندما تغيب امثال لويز و مرجريت من المشهد
***************************
هل يمكن ان نسطح الامر قليلا و نقول ان سبب انفصال الكنيسة الانجليزية عن الكثالوليكية الرومانية هو -فقط- غراميات هنرى الثامن المتعددة و ان غرامه ب ان بولين كان ساحرا الى تلك الدرجة لتغيير عقيدة الملك و بالتبعية الالاف و الملايين من الانجليز؟ .... هل يمكن ان نقول ان انشقاق دينى كبير و عميق و دموى كهذا كان لاجل الحب و الهوى؟ بالاضافة الى رغبة هنرى الثامن -المشهور فى كتب التاريخ كصاحب اشهر قضية طلاق فى الشق المسيحيي من العالم- فى ترك زوجته؟

ربما كان ليعجبنا ذلك قليلا و يخفف من قساوة السياسة و العاب التاريخ الجافة لكنه سيكون قول جذاب خادع كبير و ربما دماء ان بولين تفسها المراقة بعد قطع رأسها الصغير بعد فترة قليلة من الزواج المشوش اثبات على ان الحل الرومانسي لم يكن حلا تاريخيا ... ربما الاصح ان نقول ببساطة ان الملكية الانجليزية كانت قد وصلت الى درجة من القوة و البخل جعلتها قادرة على ان ترفض التسليم بسلطة البابا فى التدخل فى شؤون انجلترا السياسى و الاهم رافضة بالتسليم فى حقه فى التحكم بمواردها المالية و تسرب النقود الانجليزية الى روما تزين قصور البابا و ثمن صخور تماثيل مايكل انجلو

زواج سياسي بين هنرى الثامن و بين كاثرين الارجوانية ابنة فرينارد و ابيزابيلا الشهرين فى ظل صغر سن هنرى ثم عجزهما فى ايجاد وريث ذكر للعرش جعل الملك تواقا -ولاسباب سياسية اكثر منها غرامية- فى حل الزواج السياسي بعد انتقضاء الهدف منه اصلا مع تغيير لعبة التحالفات السياسية فى عالم القرن السادس عشر المجنون ذلك

و تتدخل السياسة فى مخادع الرجال , فالبابا اسير عند شارل ز بالتبعية لدى كاثرين الارجوانية فلا يجد هنرى سوى الخروج عن سلطة البابوية كلها و ربما للابد مصطحبا معه الشعب الانجليز برغبته او رغم انفه فى سبيل الحكم -لا الوطن طبعا- ولا من اجل اصلاح دينى ما ولا لجمال ونة جمال لوثر الذى ارتكب موبيقة سب هنرى المغرور فى هوجه من الغضب فجعل انفصال كنيسة بحجم الانجليزية لا يعد نصرا للوثر الالمانى البعيد

و ينتصر هنرى الثامن لهنرى الثانى الغائب فى غياهيب التاريخ وهدم ضريح سانت توماس بيكيت التاريخي في كانتربري، وأعلن هنري الثامن أنه في انتصاره على هنري الثاني لم يكن قديساً حقاً ... و قارئ تاريخ العصور الوسطى لن ينسي تلك القصة الثنائية العجيبة عن الدين و السياسة ابدا

واستخف الطرب الملك فطالب وقتذاك بان يعترف به رجال الأكليروس "حامياً للكنيسة ورجال الدين في إنجلترا والرئيس الأعلى الوحيد لهم" أي أن ولاءهم للبابا لابد أن ينتهي وعرضوا اثنتي عشرة مصالحة وجربوا اثنتي عشرة عبارة مبهمة، وكان هنري قاسياً لا يرحم، وأصر على أن يردوا بكلمة "نعم" أو "لا". وأخيراً (10 فبراير سنة 1531) عرض رئيس الأساقفة واهرام، وكان وقتذاك في الحادية والثمانين، في تبرم، إقرار صيغة الملك وأضاف إليها عبارة فيها تحفظ "بقدر ما تسمح شريعة المسيح"، وسكت المجلس الأكليروسي، واعتبر السكوت رضاً، وأصبحت الصيغة قانوناً، وهدأت ثائرة الملك، فسمح عندئذ للأساقفة بمطاردة الهراطقة.

وكانت الروح القومية، وهي في إنجلترا وهي في إنجلترا أقوى منها في ألمانيا، تقف في تلك المسألة إلى جانب الملك، وعلى الرغم من فزع رجل الدين من تصور أن يكون هنري سيداً لهم فإنهم لم ينفروا من الاستقلال عن بابوية لا شبهة في خضوعها لسلطة أجنبية.... فى موقف يذكرنا كثيرا بحركات التحرر الاولى حينما كانت البابوية فى أفنيون اسيرة فرنسا القوية و لم يقف فى وجه التغيير حينها الا رجوع سريع رشيق لسلطة البابوية حاولت كثيرا تكراره لكن المرونة صفة عصور الشباب و فقط

وظهرت أول نسخة كاملة بالإنجليزية في زيورخ عام 1535. ونشرت عام 1539 طبعات منقحة، وأمر كرومويل بأن يوضع هذا "الكتاب المقدس العظيم" في كل كنيسة إنجليزية. ومنح هنري "بدافع من الكرم والطيبة الملكيين" المواطنين امتياز تلاوة الكتاب المقدس في بيوتهم، وسرعان ما أصبح تقليداًيومياً عند كل أسرة إنجليزية تقريباً. ولكنه كان ينبوعاً للشقاق والإلهام أيضاً، فقد أنبتت كل قرية مفسرين هواة، أثبتوا أي شيء أو عكسه بما ورد في الكتاب المقدس، وتجادل المتعصبون حوله في الكنائس، وتعرضوا لضربات بشأنه في الحانات . ومنح بعض الرجال الطموحين زوجاتهم أوامر قضائية بالطلاق، أو احتفظوا بزوجتين في آن واحد، بحجة أن هذا عمل سليم أباحه الكتاب المقدس . وأسف الملك لحرية التلاوة التي منحها للناس، وعاد إلى مظاهرة الكاثوليك. وحث المجلس النيابي عام 1543 على سن قاعدة بأنه لا يجوز قانوناً حيازة الكتاب المقدس إلا للنبلاء والملاّك، ولا يجوز لغير القساوسة الوعظ به أو الجدال فيه علناً

و قرر هنرى او ربما ما استقر عليه بعد كثير من التخبط هو نوع خاص من الكاثوليكية تحتفظ بالشكل الدينى و تنتزع العلاقة البابوية تضطهد بقوة اى كاثوليكي يدين بادنى قدر من الولاء لبابا و تعدها خيانة للوطن و تحالف مع قوات اجنبية معادية و حرق الكثيرين او سجنوا بسبب ذلك و تدين البرونسنت بنفس الحزم كنوع من الهرطقة و يسجن و يحرق الكثيرين بسببه و يتجاور الاعداء سويا على المحرقة و يتمسك كلا منهم برأيه فيما اسماه ديورانت عصر اليقين المخيف

واستمر الكثالكة يرسلون إلى المحرقة أو المقصلة بسبب إنكارهم سيادته في الشئون الكنسية، والبروتستانت بسبب جدلهم في اللاهوت الكاثوليكي؛ وعُلِّق فورست وهو رئيس شعبة المتشددين من الفرنسسكان الممتثلين في جرينوتش، رفض أن ينكر سلطة البابا، على نار وهو مكبل بالأغلال، وشوي ببطيء حتى مات (31 مايو سنة 1537) . وقبض على جون لامبرت؛ وهو بروتستانتي بسبب إنكاره وجود المسيح حقيقة في القربان المقدس، وحاكمه هنري بنفسه، وحكم عليه هنري بالموت وأحرق في سمثفيلد (16 نوفمبر سنة 1538)

و اخيرا ماذا ورث هنرى الثامن لانجلترا؟ وريث ذكر عليل و اختين غير شقيقتين سيكتب على احداهما ان تكون كاثوليكية و الاخرى بروتسنت ... الاولى دموية و الثانية متأمرة و كالعادة يحرق الالاف على نفس الاوتاد الخشبية و يحمل المواطنين الشرفاء الحطب بنفس الحماس و الشغف
***************************
و ربما سيتجول بنا ديورانت وسط محارق الهراطقة و قطع روؤس اعداء السياسة لكنه ابدا لن ينسي او يتوانى ان يروى لنا اداب توماس مور و تلخيص اجزاء من مدينته الفاضلة الاستوائية البعيدة ... و حماس جون نوكس الاسكتلندى و كتبه عن تاريخ مارى الدموية

سيتلوث الادباء بالسياسة كما تلوث الجميع فى هذا العصر و ربما يتورط مور فى اضطهاء البرونسنت الانجليزى و تغوص يد جون نوكس فى دماء بعض الكاثوليك الاسكتلنديين ... لكن العالم سيتذكر الكتب و ينسي المذابح و يحتفظ فى صحفاته بالفنانين و الادباء اكثر مما يحتمل من اسماء و افعال الملوك المجنونة و المتناقضة

و يروى ديورانت قصة الملوك و التاريخ بإنصاف لا يشوبه إلا تحامل يصدر عن اللاوعي ،لكنه يسمح لنفسه بإضافة تعليق افتراضي يعترف به نستمتع به و بتحليلاته كما اعتادنا معه عبر مجلداته الممتعة المرهقة ... فنفعل ما نفعله دائما فنتتقل سريعا الى المجلد الثامن و الثلاثين من الملحمة الديورانتية الطويلة و الملهمة

دينا نبيل
نوفمبر 2015

الاصلاح الدينى 3 - المجلد السادس و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الانشقاق الدينى - المجلد السادس و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 280 صفحة
اصدارات دار نوبليس

العقل ينتصر ام الدين؟ معركة ظهر كثيرا فى صفحات التاريخ انها حسمت لكن الانسان فشل دائما فى انهاء الامر ففى كل عصر نتخيل ان الدين قد انتصر للابد كما فى القرون العشرة للعصور الوسطى و تنتصر العبرية على اليونانية و المسيح على سقراط نرى عنقاء الفلسفة و الفن تنتفض فى عصر النهضة الايطالى المبهر ... لكن المعركة لم تحسم ابدا فحتى فى عهد انجلو و روما الذهبية كان هناك سفنرولا , و بينما كانت تنعم روما بتلك المعادلة الحساسة سريعة الفشل بين الحرية و السلطة الدينية كان لوثر يمزج التقدم بالتراجع و ينزع من الانسان سلطة العقل و يرجع الى عهد اوغسطين الاول

فنسمع لوثر يعلن فشل و تفاهة العقل من اصله و ارجاع الامر للسلطة السماوية و حدها : "نحن المساكين، الناس التعساء... نسعى في غرور إلى فهم الجلال الذي يدق على الفهم لنور عجائب الله التي لا تدرك... ونحن نتطلع بعيون مغمضة، مثل حيوان الخلد، إلى مجد الله" . وقال لوثر: "أنت لا تستطيع أن تقبل كلاً من الإنجيل والعقل فأحدهما يجب أن يفسح الطريق للآخر ... إن كل آيات عقيدتنا المسيحية التي كشف لنا الله عنها في كلمته أمام العقل مستحيلة تماماً منافية للمعقول وزائفة. فإذن كيف يعتقد ذلك الأحمق الصغير الماكر أن هناك شيئاً يمكن أن يكون أكثر مجافاة للعقل واستحالة من أن المسيح يعطينا جسده لنأكله ودمه لنشربه في العشاء الأخير؟... أو أن الموتى سيبعثون من جديد يوم القيامة؟... أو أن المسيح ابن الله حملت به مريم العذراء وولدته ثم غدا رجلاً يتعذب ثم يموت ميتة مخجلة على الصليب؟ ... إن العقل هو أكبر عدو للإيمان... إنه أفجر صنائع للشيطان كبغي فتك بها الجرب والجذام، ويجب أن توطأ بالأقدام ويقضى عليها هي وحكمتها... فاقذفها بالروث في وجهها... وأغرقها في العماد"
**************************
أتفيد الثورة الاصلاح الدينى؟ الاكيد ان الاصلاح الدينى و سقوط هيبة الكنيسة ذاته كان محرك لتلك الثورة الاجتماعية ذات البعد الشيوعى الواضح لكن السؤال الذى حير المؤرخين بل و معاصرين تلك الاحداث هو لم تبرأ لوثر منها رغم ان حماسته هى من اشعلت النار فى القش من الاساس ... الان بعد هدوء كل العواصف التاريخية نرى ان لوثر صاحب الفكرة و ربما الاراء الصارخة كان كغيره لا يحتمل ان تترجم افكاره الى دماء تراق و سلطات "دينوية" تسقط و فوضي تنتشر و كان محافظ اكثر مما يحب و ثوريا اكثر مما يتحمل الواقع فى ان واحد , و كان بعيد النظر نسبيا عندما تيقن ان أن الثورة الدينية التي خاطر من أجلها بحياته سوف تتعرض للخطر الشديد بسبب الرجعية المحافظة التي كانت مضطرة إلى أن تتبع ثورة فاشلة.... و سبق الاخريين عندما تأكد من ان قانون "الرجعية" سينصر بالتاكيد بعد الثورات العارمة خاصة الفاشلة منها

هل يمكن ان نعزى الامر ايضا الى دموية الثورة الاجتماعية الالمانية؟ بالتاكيد لكننا نرى ايضا ان خسارات الفلاحين -التى تخلى عنهم لوثر بقسوة- لم تكن اقل دموية عن تلك التى اترتكبوها فى ساعات الانتصار المظفر قصير المدى كعادة ثورات الفقراء من قبل عهد اليونان حتى ... و قصة ثورات اللامعمدانيون و اليوتوبيا التى حلموا بتحقيقها على الارض من القصص التى يندى لها جبين العالم الرأسمالى محب الملوك و المحافظ بشكل لا يحمل قدر كبير من الانسانية
**************************
لوثر ... أرازموس ... كالفن ... زونجلى

اربعة من العظماء قدر لهم ان يجتمعوا فى عصر واحد و ربما بهدف واحد و هو هز الاستقرار الكثالوليكى الايطالى الهادئ منذ قرون , و نتعجب قليلا عندما ندرك الان ان اراء الاربعة التى قيلت فى القرن السادس عشر غيرت من وجه حياتنا الان و جعلتها مختلفة كثيرا لو لم تقال قط

الغريب هو ان علاقة الاربعة الكبار لم تكن قط مثالية فلوثر يعادى زونجلى ذو الميول الانسانية و اتساع أفق لاختلافهم فى تفصيلة لاهوتية نراها اليوم لا تستحق كل هذا العداء وقد اتفق في الرأي مع لوثر بأن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحصل على الخلاص بالأعمال الصالحات، بل يجب أن يؤمن بالقدرة التكفيرية لموت المسيح المقترن بالتضحية , ورفض لوثر أن يصافح اليد التي مدها إليه زونجلى، وقال: "إن روحك تختلف عن روحنا" . وعندما سمع لوثر بموت زونجلى هتف يقول "إن هذا حكم السماء على كاف وانتصار لنا" ويروى أنه قال: "كم أود من أعماق قلبي لو أمكن إنقاذ حياة زونجلى ولكني أخشى أن يحدث العكس لأن المسيح قال إنه: "ملعون كل مَن يكفر به"

يكره ارازموس لانه غير حاسم ... لكن ماذا كان يتوقع من عالم انسانيات رقيق المشاعر يحافظ على وعد الرجال الشرفاء بين الكنيسة و المثقفين ان يحظى الطرف التانى بقليل من الحرية باللاتنية الميتة مقابل غض طرف الاول عن اى هرطقة مزعومة , و مع ذلك فبعد انتهاء فوران لوثر لم يتبقي غير كلمات الانسانى الجميل تنير القرون الطويلة اللاحقة

ويضيف مؤرخ كاثوليكي تقديراً يكاد يكون مطابقاً لمقتضيات العقل: "إن أرازموس كان ينتمي فكرياً إلى عصر لاحق علمي وعقلاني أكثر من عصره. والعمل الذي قد بدأ به والذي أوقفته الاضطرابات التي حدثت في عهد الإصلاح الديني استأنفه علماء القرن السابع عشر في وقت لاقى فيه قبولاً أكثر"
**************************
يتبقي لنا ان نذكر ان دورانت واضح الاتجاة و العقيدة و الافكار لكن فى الاجزاء الاولى من الموسوعه الطويلة يتحفظ العملاق الامريكى قليلا فى ابداء رأيه الشخصى و هو ما يراه النقاد ميزة و نراه عيبا ثم فى الاجزاء اللاحقة سيبدأ ديورانت فى الانطلاق فى ابداء مشاعره فى احداث و افكار التاريخ

لذا فالتحفظ الصغير الذى ابداه ديورانت تجاه جبرية و قدرية اوغسطين يتحول لغضب تجاه كالفين الذى سيفعل تلك الاراء فى منظومة الدين الفعلى و يخرجها من سجون الاوراق اللاتنية فى دير ما فى العصور الوسطى ... لن يغفر له ان افكاره كانت حجر اساس ارهاب والمتطهرون (البيوريتان)الانجليز

و سيرى و نرى معه ان كالفن اهدى العالم مجتمع اورويل مستلط و عقيدة متصلبة تمحو حرية الانسان فى الدنيا و الاخرة , لكنه منحها خلود فردى مستقل عن الكنيسة و قوة تحميه من الانسحاق الثقافى او العسكرى

لكنه سيحاول دائما ايجاد الجانب المشرق فى الامر فيقول:
وفي غضون ذلك كانت حكومة رجال الدين الصارمة التي أقامها كالفن تنبت براعم ديمقراطية، ثم إن جهود الزعماء الكالفينيين في سبيل توفير التعليم للجميع تفقيههم وغرسهم شخصية مهذبة قد ساعد أوساط الناس الأشداء في هولندة على إبعاد الحكم المطلق الإسباني الدخيل ودعم ثورة النبلاء ورجال الدين في سكوتلندة ضد ملكة فاتنة ولكنها مستبدة. وكان للنزعة الرواقية في عقيدة صارمة الفضل في خلق أرواح قوية للمعاهدين السكوتلنديين والمتطهرين الإنجليز والهولنديين والحجاج في نيوانجلاند، وثبتت قلب كرومويل واهتدى بها قلم ميلتون الكفيف وحطمت سلطان آل ستيوارد المستبدين. وشجعت الناس الباسلين والقساة على الظفر بقارة وعلى نشر أساس التعليم والحكم الذاتي إلى أن يستطيع كل الناس أن يصبحوا أحراراً. وسرعان ما طالب الناس الذين اختاروا كهان أبرشياتهم بأن يكون لهم حق اختيار حكامهم وأصبحت جماعة المصلين التي تحكم نفسها بنفسها بلدية تحكم نفسها بنفسها، وهكذا أبرزت أسطورة الانتخاب الإلهي نفسها في صنع أمريكا. وعندما تم أداء هذا العمل أهملت النظرية البروتستانتية التي تقول بالجبر، ولما عاد النظام الاجتماعي إلى أوربا بعد حرب الثلاثين عاماً وفي إنجلترا بعد ثورتي عام 1642 و 1689 وفي أمريكا بعد عام 1793 تغير الفخار بالانتخاب الإلهي إلى اعتزاز بالعمل وإنجازه وشعر الناس بأنهم أقوى وأكثر أمناً.

و كعادتنا سنفعل ما نفعله دائما عند الانتهاء من مجلد من مجلدات قصة الحضارة الطويلة ... سنتجه رأسا الى المجلد التالى فرحين بما اتانا الله و رزقنا به

دينا نبيل
نوفمبر 2015

الأحد، 15 نوفمبر، 2015

الاصلاح الدينى 2 -المجلد الخامس و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 2 -المجلد الخامس و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 288 صفحة
اصدارات دار نوبليس

فى المجلد الثانى من الاصلاح الدينى سيقرر ديورانت ان يصحبنا فى رحلة مثيرة للاهتمام بين اوروبا الشرقية و اسبانيا و تركيا و المانيا و من ثم الى العالم الجديد المجهول فى دورة طويلة نادرة

من بوهيميا و ثورتها الفكرية مع هس و الاجتماعية بين الفلاحين الممزقين بسيوف النبلاء كانت البداية و الشرارة الاولى ... فى بوهيميا البعيدة المنسية كانت ما رأى ديورانت انه ضربه البداية , يموت هس لتبدأ الثورة الاجتماعية و تتفرق عند المطالب و تتفرغ للقضاء على بعضها البعض فى مشهد ثورى متكرر نمل من كثرة ما قرأنا عنه و شهدناه

و منها الى بيزنطة تتألق قليلا قبل ان تنطفأ الى الابد فنرى ثورة فى الفنون متأثرة بجنون حب الجمال السارى من ايطاليا البعيدة الساحرة ... كان البعث الفني ملحوظاً كعودة الفتوة إلى الآداب. وكانت الموضوعات والرسوم لا تزال كهنوتية، بيد أن لمسة من منظر خلوي أو نسمة من الطبيعة. وفي الفسيفساء التي كشف عنها حديثا ديركورا ((مسجد قاهرية الجامع)) حيوية دافقة جعلت المؤرخين الغربيين يعترفون بأنهم يرون فيها تأثيراً إيطالياً جديداً. وتراخت القبضة الكهنوتية عن الصور الجدارية التي حلت محل الفسيفساء، باهظة النفقة في زخرف الكنائس والقصور وظهرت رسوم من الخيال الرحب والقصص الدنيوي إلى جانب قصص القديسين. ومع ذلك تشبث صناع الأيقونات بالطراز الموروث القديم، أشكال ضامرة ووجوه يحرقها ورع طهري غائبة بصورة أخاذة عن أخلاقيات العصر. وتعرض حينذاك تصوير المنمنمات البيزنطي لانحلال كبير، بيد أن نسج الرسوم التصويرية بالحرير ظل ينتج روائع لا تنافس في العالم الغربي

لم تكن هناك حكومة جديرة تماماً بالسقوط كالحكومة البيزنطية.فلم ترسل فرقاً من الجنود إلى الجيوش المسيحية في مارتزا وقوصوه أونيكوبوليس لأنها فقدت الرغبة في الدفاع عن نفسها وعجزت عن إقناع اليونان الممعنين في السفسطة بأن الاستشهاد في سبيل الوطن عمل مجيد ونبيل
**************************
و وسط احداث ايطاليا الممعنة فى حب الجمال و اسبانيا الدينية المتعصبة و بوهيميا الباحثة عن دين جديد و المانيا المحترقة لتضئ نور الحرية الى العالم الكاثوليكى و فرنسا و انجلترا تتنازعان فى حرب المئة عام على عرش مقلقل تتنازعه حمى الطاعون ... كان العالم الجديد ينادى و يعطى لما يخاطر لاجله

و هنا تتفرغ البرتغال لاكتشاف تجارة جديدة بعيدا عن ضرائب الاتراك و تنازع فينسيا على البحر المتوسط الذى احتكر الحضارة فترات طويلة ... فكانت الاموال و التجارة هى الدافع الحقيقى لرغبة الانسان فى اكتشاف الكوكب الذى عاش عليه لالوف السنين

ليبدأ هنريك -"هنري الملاح" الثورة التجارية التي قدر لها تغير خريطة الكرة الأرضية. ولما استولى جون الأول على سبتة من المغاربة (1415) خلف هنري البالغ من العمر إحدى وعشرين سنة حاكماً على هذا المعقل المنيع، وهي عند مضيق جبل طارق تماماً. وفتنته روايات المسلمين عن تمبكتو والسنغال والذهب والعاج والعبيد التي يمكن الحصول عليها على طول الساحل الغربي لأفريقيا، فعزم الشاب الطموح على أن يكتشف تلك الربوع ويضمها إلى البرتغال. فربما قاده نهر السنغال الذي تحدث عنه من اخبروه، صوب الشرق إلى منابع نهر النيل وإلى بلاد الحبشة المسيحية، وبذلك يُفتتح طريق مائي عبر إفريقيا من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر- ومن ثم إلى الهند، ويتحطم الاحتكار التجاري للتجارة مع الشرق، وتصبح البرتغال دولة كبرى. وقد يدخل سكان الإقليم بعد فتحه في المسيحية ويحصر الإسلام في أفريقيا من الشمال ومن الجنوب بدول مسيحية، ويصير البحر الأبيض المتوسط آمناً للملاحة المسيحية. ويبدو أن هنري لم يفكر
في طريق يدور حول أفريقيا، ولكن هذا الطريق كان ثمرة جهده.

و بينما تغزو البرتغال شق الكرة الشرقى كانت اسبانيا تفكر فى النصف المجهول الاخر وفي الثالث من أغسطس أبحرت سانتاماريا (سفينة أمير البحر) وبنتا ونينيا من بالوس وعلى ظهرها ثمانية وثمانون رجلاً ومؤن تكفيهم لمدة عام.... لتغير وجه خريطة العالم حرفيا و الى الابد
**************************
فى عصر الاصلاح الدينى نجد -كما تعودنا- فى كافة عصر اجزاء قصة الحضارة الطويلة هذا التناقض الابدى و الدائم و المتكرر عن ثائية العقل و الدين , المنطق و الايمان , الفكر و الاله و انقسمت كمان انقسمت دائما الى نوعين ففى كل العصور هناك دائما ابيلار و الاكوينى ... و هنا نجد ويليام الأوكهامي يجدد الحياة الفلسفية فى العصر الوسيط ذلك بين القرون العشرة المظلمة و عصر العقل القادم لا محالة

فنجد كلمات مثل "سلطان العقل و التجربة" تظهر من جديد و الاعلان عن الفشل العقلى فى الوصول الى حقيقة الاله تلمع من جديد و تتكرر شكوك الانسان فى جدوى العلم و اللاهوت كلاهما عندما نضع "التجربة الفردية" و فقط حجر اساس للفلسفة و تفهمنا للكون
*****************************
و تتغير شكل طبقة الفرسان بانتهاء عصرهم الذهبى فى العصور الوسطى فنرى تحول غريب و مثير للدهشة لقارئ و دارس التاريخ حين نرى "السيد" الكلاسيكى الحامتى لضاحيته و المالك شبه الوحيد لها بل و ملكها الفعلى يتحول فى المانيا مثلا الى "قاطع طريق" بطريقة او باخرى , فالعالم يتغير و سيتغير دائما و مرارا ... و يتحول حق "شن الحروب الخاصة" فى مراحل مما قبل الملكية المركزية المطلقة الى شكل عصابات و قد د وصف كومين، ألمانيا في هذا العهد بأنها تزخر بالقلاع التي يمكن في أي وقت أن يتدفق منها "لصوص من البارونات" وأتباعهم المسلحون، ويسلبون التاجر المسافر والفلاح على السواء. وجرت عادة بعض الفرسان أن يقطعوا الأيدي اليمنى لمن يسلبون من التجار. وعلى الرغم من أن جيتز فون برليخينجن فقد هو نفسه يده في خدمة أميره، فقد ايتبدل بها يداً حديدية، وتزعم عصابات من الفرسان، لا لمهاجمة التجار فحسب، بل لمهاجمة المدن أيضاً

و فى عصر الاصلاح الدينى نرى بشائر لتحول الاقتصاد من الزراعه الى التجارة و هو ما يتكرر كثيرا حين يحل السلام محل الحرب و الدولة محل الدين ... فنرى تبادل الرأسمالية و الشيوعية فى رقصة ثنائية ابدية عصور و عصور قبل ماركس و سميث
*****************************
ها هو صوت الدولة الوطنية الطاغية يرتفع مرة أخرى. وما إن أخضع الملوك البارونات والكومونات بفضل مؤازرة الطبقات الوسطى الناهضة حتى أحسوا بأنهم بلغوا من القوة حدا جعلهم يرفضون ادعاء الكنيسة بأن لها السيادة على السلطة المدنية. وانتهز الحكام الزمنيون الفرصة التي أتاحت لهم انحطاط السلطة الدولية والأدبية للكنيسة وأخذوا يحملون بالسيطرة على كل وجوه الحياة في ممالكهم بما فيها الدين والكنيسة وكانت هذه النتيجة تستحق الكفاح في الإصلاح الديني. وبعد انتصار الدولة على الكنيسة مرحلة نهائية في العصور الوسطى.

و هنا لم يكن ينتظر العالم الا لوثر ليطلق رصاصة الرحمة الاخيرة على الكنيسة الرومانية و ليت الامر كان بتلك السهولة... فلا يوجد بد اذن كالعادة الا الاتجاه رأسا الى المجلد السادس و الثلاثون من قصة الحضارة الطويلة و الممتعة

دينا نبيل
نوفمبر2015

الاصلاح الدينى 1- المجلد الرابع و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 1 -لمجلد الرابع و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 258 صفحة
اصدارات دار نوبليس

يصاب قارئ التاريخ بالبلبلة قليلا عندما يقرر ديورانت ان يعيد كتابة التاريخ عن نفس الفترة التاريخية التى روى عنها فى خمسة مجلدات عصر النهضة فى ستة مجلدات اخرى... لكن قارئ قصة الحضارة الذى وصل لتلك المرحلة المتقدمة نسبيا فيها يدرك مغزى ديورانت حين يقرر ان يروى عن فترة تاريخية تمتد قرنين لكنها زاخرة بالاحداث و غيرت شكل العالم فى هذا العدد الكبير من الاجزاء و المجلدات المتوالية... فعصر النهضة هو بذاته عصر الاصلاح الدينى لكن الفارق الرئيسى ان بينما كانت ايطاليا تنعم برفاهية الفن و المؤامرات السياسية كانت المانيا و باقي اوروبا يتميز فى نار الحرب و الانشقاق الدينى

هو ذاته العصر لكن المكان و تقرد ايطاليا فى اكثر عصورها ذهبية جعلت ذلك الفارق الكبير بين نوعية الاحداث و الافكار ... تكنيك ربما مرهق للقارئ حين يعيد قراءة كل ما قرأ لكن ديورانت كمعلم عتيد يأخذ بيك لعالمه و يوعدك بالمعرفه و المتعه فتقبل الرهان
*******************
وصل البشر فى ذلك العصر لمثل حال عصرنا حين وقف الانسان بعد ثبات طويل فى عشرة من القرون كونت العصور الوسطى و تساءل عن جدوى الدين اولا و عن جدوى المؤسسات الدينية ثانيا , و ان كانت فطرته اهدت -او كادت- اليه اجابة السؤال الاول فانها تعجز عادة عن الوفاء بالثانى ... و بمجرد اطلاق السؤال عن "جدوى" المؤسسات الدينية يكون الشك قد دخل بالفعل و حدث نصف التأثير حتى قبل الاجابة بالهجوم او بالدفاع , العصور الوسطى الزراعية و الاقطاعية انتهت و حل عالم من الملكية المطلقة و الحياة التجارية لم تعد تناسب مجد كنيسة القديس بطرس التقليدى

وبينما كانت الكنيسة يبدو عليها أنها آخذة في استعادة مجدها وسلطانها، كان يحدث في أوربا تغير اقتصادي وسياسي وعقلي يعمل بالتدريج على تقويض صرح المسيحية اللاتينية

ذلك أن الدين يزدهر عادة في ظل النظام الزراعي على حين أن العلم يزدهر في ظل الاقتصاد الصناعي فكل حصاد معجزة من المعجزات في الأرض ونزوة من نزوات الجو، والفلاح الحقير الخاضع لسلطان الجو والذي ينهكه الكدح، يرى من حوله قوات خارقة للعادة في كل مكان، ويوجه الدعوات والصلوات إلى السماء ليسترضيها ويستميلها إليه، ويرتضي الخضوع لنظام ديني إقطاعي يتدرج ولاؤه فيه من السيد المالك إلى الملك إلى الله.

أما الصانع في المدينة والتاجر وصاحب المصنع وذو المال فيعيشون في عالم من الأرقام يحسبون فيه العمليات والكميات والأسباب المادية والنتائج المرتقية العادية. وتهيئ الآلة ومنضدة العد والحساب عقولهم لأن يروا حكم (القانون الطبيعي) يبسط سلطانه على أرجاء آخذة في الاتساع. وكان نمو الصناعة والتجارة وتكدس الأموال أثناء القرن الخامس عشر وانتقال العمال من الر يف إلى المدن وقيام طبقة التجار واتساع دائرة الاقتصاد من البيئة الصنفية المحلية حتى أصبح اقتصادياً قومياً ثم دولياً-كل هذا كان نذير شؤم للدين الذي كان يوائم أشد المواءمة نظام الإقطاع وما يطرأ على الحقول من تقلبات تبعث في النفس الكآبة والقنوط. وأخذ رجال الأعمال يحطمون القيود التي يفرضها سادة الإقطاع، وكان لا بد للكنيسة أن ترضى بشيء من الشعوذة اللاهوتية المكشوفة إلى ما تحتمه ضرورة الأيام من فرض فوائد على القروض إذا كان لا بد لرؤوس الأموال أن تستخدم في توسيع دائرة الصناعة والمشروعات المالية،

وما وافى عام 1500 حتى أصبح الناس يتجاهلون أوامر الكنيسة القاضية بتحريم "الربا". ثم حل المحامون ورجال الأعمال شيئاً فشيئاً محل رجال الدين والأعمال في إدارة أعمال الحكومة، وأخذ القانون نفسه، بعد أن ظفر باسترداد تقاليده ومكانته اللتين كانتا له في عصر الإمبراطورية الرومانية، يسبق النظم الأخرى في الانتقال من الصبغة الدينية إلى الصبغة الدنيوية ويتعدى يوماً بعد يوم عل نظم الحياة الكنسية التي كانت تخضع من قبل للقوانين الدينية وزادت سلطة المحاكم الزمنية واضمحلت سلطة محاكم الابرشيات.

وأخذت الدولة الملكية الناشئة بعد أن بلغت طور الشباب وازداد ثراؤها بفضل ما تجمع لها من المال من التجارة والصناعة، أخذت تتحرر شيئاً فشيئاً من سيطرة الكنيسة وأخذ الملوك يعارضون في وجود المندوب البابوي أو القاصد الرسولي في بلادهم ل،ه لم يكن يعترب بسلطان غير سلطان البابا وبذلك جعل كنيسة كل أمة دولة داخل دولة
*******************
و المجلد الرابع و الثلاثون مخصص باكمله لاحوال انجلترا و فرنسا و العلاقة المضطربه بينهم فى ذلك العصر الصعب من اعوام 1300 الى 1515 م

نرى تتابع الملوك الانجليز واحد تلو الاخر و نتمنى ان تحتفظ ذاكرتنا بالاسماء و التواريخ و ربما لن يحدث هذا لكن بعضهم و قصصهم الغريبة تلتصق بالذهن فذلك إدوارد الثاني المحب للعاشقين الذكور و التارك لزوجته الشرعية , و هذا و ادوار الثالث الذى بدأ عادة اجتماع "البرلمان" لممثلى الشعب لاقرار القوانين و الحالم بغزو فرنسا , و رييتشارد الثانى الفارس الاسود المتوج فى عز فترات القلقلة الدينية , و هنرى الخامس و حكايا شكسبير عنه و كيف خلد ذكرى الملك البعيد لينقل نقل مظفر من كتب التاريخ للادب ,

و لن يمر ديورانت على انجلترا قبل ان يعرفنا على تشوستر 1340 - 1400 .... يقرأ لنا اعماله و يحكى لنا قصة حياته بين الملوك و يلخص لنا "حكايات كانتبري" و يشوفنا لها , و يعرفنا على فضل تشوستر على الانجليزية كفضل دانتى على الايطالية فى الولادة الصعبة للغات المحلية على اللاتينية العتيدة العنيدة لقرون و قرون
*******************
و من قلب انجلترا كان "ويكلف" و من قلب ويكلف كان الاصلاح الدينى قبل ان ينطق هس او لوثر بالحلم الاكبر , و كالعادة كان المال المتكدس فى خزائن الكنيسة سبب الاصلاح لا الاخلاق ولا الدين فكأن الاصلاح الدينى كان ثورة اقتصادية و سياسية قومية قبل اى شئ اخر

و ويكلف تماما ك لوثر متأثر بجبرية و قدرية اوغسطين التى يكرهها ديورانت من كل قلبه فيما نشعر ... و حمل نفس الاراء من عام 1366 إن أعظم ما تحتاجه الكنيسة ويحتاجه رجال الدين من إصلاح هو أن تتخلص ويتخلص رجالها من الأملاك الدنيوية. وكأن هذا لم يكن يثير من المتاعب ما فيه الكفاية، فاستنتج ويكلف من مذهبه الديني مذهباً آخر من مذاهب الشيوعية النظرية والفوضى النظرية، فقال إن كل شخص تحل عليه نعمة الله وبركته يشارك الله في امتلاك الطيبات، أي أن كل شيء من الوجهة النظرية يمتلكه جميع الصالحين مجتمعين. أما الملك الخاص والحكومة فهما أثر من آثار خطيئة آدم وخطيئة الإنسان التي ورثها عنه أي أنهما متأصلان في الطبيعية البشرية. كما كان ينادي بذلك بعض الفلاسفة المدرسيين. والمجتمع الذي تعمه الفضيلة لا يكون فيه ملك فردي، ولا قانون يضعه الإنسان وتسنه الكنيسة أو الدولة. وخشي ويكلف أن يفسر ذلك المتطرفون الذين كانوا يفكرون وقتئذ في الخروج على الحكومة في إنجلترا تفسيراً حرفياً، فقام يفسر هو شيوعيته على أنها يجب أن تؤخذ بمعناها المثالي، وأن السلطات التي تقوم بمقتضاها هي التي نادى بها القديس بولس والتي أمر بها الله ومن ثم كانت واجبة الطاعة. وقد كرر لوثر في عام 1525 تكراراً يكاد يكون دقيقاً كل الدقة ما لمح به ويكلف في أقواله عن الثورة.

ثم يشير ويكلف إشارة رقيقة فيقول أن البابا هو عدو المسيح الذي تنبأت به الرسالة الأولى من رسائل الرسول يوحنا، وأنه الوحش الوارد ذكره في سفر الرؤيا، والذي ينبئ بعودة المسيح.

ويقول ويكلف أن هذه المشكلة لا تحل إلا بتجريد الكنيسة من كل الأملاك والسلطات المادية، ويقول أن المسيح وحوارييه قد عاشوا فقراء وأن من واجب القسيسين أن يعيشوا هم أيضاً فقراء، أما الرهبان والإخوان فيجب أن يعودوا إلى ما كانت عليهم قوانين طوائفهم، فيبتعدوا عن كل ملك وترف. والقساوسة "يجب أن يبتهجوا حين تنتزع منهم كل أسباب السيادة الزمنية"، ويجب أن يقنعوا بالطعام والكساء، وأن يعيشوا على الصدقات التي يقدمها الناس إليهم طائعين مختارين. وإذا لم يتخلَ رجال الدين عن ثروتهم ويعودوا باختيارهم إلى الفقر الذي أمرتهم به الشريعة المسيحية، وجب أن تتدخل الدولة فتصادر أملاكهم

ومن واجب الملك حين يفعل هذا ألا يخشى ما يصبه عليه البابا من اللعنات، لأن "اللعنة الصادرة من الآدمي أياً كان ليست لها قوة، إلا إذا كانت اللعنة صادرة من الله نفسه". والملوك مسئولون أمام الله وحده، وهم يستمدون سلطانهم منه. ويقول ويكلف في هذا إن الدولة يجب أن تعد نفسها ذات السلطان الأعلى في جميع
الشؤون الزمنية، وأن عليها أن تستحوذ على جميع أملاك الكنيسة.

و بعد ويكلف و الحرب و الثورات و الثروات و التطور الاجتماعى و السياسي و الادبى وفي عام 1504 نصب كولت نائباً امطران كنيسة سانت بول، ومن هذا المنبر الرفيع عارض بيع الأسقفية، والفساد الناجم عن قوامة رجل واحد على موارد كنائس متعددة. وأثار بآرائه هذه معارضة عنيفة، ولكن ورهام كبير الأساقفة، عمل على حمايته. وكان ليناكر وجروسين ومور، قد استقروا وقتذاك في لندن وقد برئوا من جمود أكسفورد وتعصبها القديم، وشحذت عقولهم زيارات أرازموس وسرعان ما حظوا بتأييد الملك هنري الثامن. وبدا أن كل شيء ممهد لنهضة إنجليزية، ستتحرك مصطحبة، إصلاحاً دينياً سليماً.
*******************
اما فرنسا فخرجت من العصور الوسطى مشتتة ممزقة يحتل اجزاء منها انجلترا و اجزاء اخرى تابعه للامبراطورية الرومانية و الباقي ممزق بين ملكية و اقطاعية تتظاهر بالخضوع للملك دون أثر حقيقى

و كعادة هذا العصر ترك التطور الاقتصادى و تقليل اهمية النقابات اثر ادى الى ثورات عمالية و فلاحية مقموعة بمزيج متكرر من السلطة الدينية و الزمنية مثل فقد انتفض عام 1300 فلاحون فقراء، عرفوا في التاريخ بالرعاة، واصطخبوا في المدن أخذوا يجمعون في انتفاضتهم العمال الكادحين المتمردين. وساروا جنوباً، يتزعمهم راهب ثائر، وأغلبهم حفاة عراة من السلاح، معلنين أن القدس غايتهم. ودفعهم الجوع إلى انتهاب الدكاكين والحقول، ولما تعرضوا للمقاومة، استطاعوا أن يحصلوا على الأسلحة، ويؤلفوا جيشاً. حتى إذا بلغوا باريس حطموا أبواب السجن، وهزموا قوات الملك. فحبس فيليب الرابع نفسه في اللوفر، وانسحب النبلاء إلى معقلهم، وجبن التجار في دورهم. وواصل الحشد سيره، وزاد عدد أفراده بانضمام المعدمين في العاصمة إليهم، حتى بلغوا أربعين ألفاً من الرجال والنساء ومن الأوباش والأتقياء. وذبحوا فردن وأوخ وتولز جميع من وقع في أيديهم من اليهود. ولما تجمعوا في ايجوز مورت، على البحر الأبيض المتوسط، أحدق بهم عمدة كاركاسون بقواته، وقطع عنهم المؤن، ولبث كذلك حتى مات جميع الثوار من الجوع أو الوباء، وشنق القليلين الذين بقوا منهم.

فهل كان مطالبة ادوارد الثالث ملك انجلترا بحقه فى عرش فرنسا هو السبب الرئيسى لحرب المئة عام؟ نجيب بنعم لكننا نعتقد ان الحرب كانت وشيكة لاسباب سياسية و اجتماعية فالسبب كان رئيسي لكنه ابدا ليس الوحيد , و قصة حرب المئة عام ممتعة و طويلة فى حد ذاتها و هى تدهش فى طولها و عنفها القارئ المعاصر خاصة انه لا يصدق ان كل تلك الدماء و الاموال من اجل ورث زال اجله

و القراءة عن حال فرنسا و اهلها اثناء الحرب مؤلمة حين نتصور مدينة النور محطمة مليئة باليأس و الشر و الجوع وفشا اللواط، وشاعت الدعارة، وكاد المجون يصبح عاماً. ودعت فرقة "الآدميين" في القرن الرابع عشر، إلى مذهب العري، وظلت تمارسه علناً إلى أن منعته محاكم التفتيش.

و فى تلك الزخام تظهر العذراء الصغيرة المحاربة و المعذبة جان دارك فى قصة تبدو درامية اكثر منها عسكرية و هنا يذكرنا ديورانت برأيه المعروف بان يجب علينا ألا نبالغ في الأهمية الحربية لجان دراك، وربما كان في استطاعة دينوا ولاهير، أن ينقذا أورليان بدونها، فإن خططهما في الهجوم المتهور أحرزت النصر في بعض الوقائع والهزيمة في الأخرى، وكانت إنجلترا تحس تكاليف حرب المائة عام

و بالمغامرة الفرنسية فى ايطاليا تظهر سمات هذا العصر التى حظت فيه روما بمجد الترف بينما انشغل الجميع عنها بالتحضير للمستقبل و التطور التجارى و التقلبات السياسية
***********************
ما الذي وضع نهاية للعصور الوسطى؟ أسباب كثيرة أخذت تعمل حلال ثلاثة قرون: فشل الحروب الصليبية، وزيادة معرفة أوربا الناهضة بالإسلام، والاستيلاء على القسطنطينية، وبعث الثقافة الكلاسية الوثنية، وانتشار التجارة بفضل رحلات أسطول هنري الملاح وكلولمبس وفاسكو دا جاما، ونشأة الطبقة التجارية التي مولت مركزية الحكومة الملكية، وتقدم الدولة القومية، متحدية سلطة الباباوات التي تعلو على القومية، وثورة لوثر الموفقة في وجه البابوية، والطباعة.

و بجوتنبرج انفتح الباب الذى تمنت الكنيسة طويلا ان تغلقه ... و صارت الكتب جميعا و من ضمنها الكتاب المقدس فى يد الجميع ان ارادوا و لم تعد الاديرة سجون للكتب بعد الان , و كأن العالم يتهيأ لثورة لوثر الدينية

دينا نبيل
نوفمبر 2015

عصر النهضة 5 -المجلد الثالث و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: عصر النهضة 5 -الانحطاط الحضارى و السياسى -المجلد الثالث و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمه: محمد بدران
عدد الصفحات: 238 صفحة
اصدارات دار نوبليس

حين يبدأ المرء فى سلسلة تبلغ 58 مجلد لا يكاد يصدق انه سوف يصل حتى الى منتصفها يوما و ها نحن قد وصلنا للمجلد ال33 و الاخير ضمن المجلدات الخمسة التى تحكى فى طياتها قصة عصر الحضارة الذهبى الايطالى الرشيق بين مولد بترارك الى موت تيتشيان

نصل الى نهاية العصر الذهبى للفن فما اسماه ديورانت الانحطاط السياسى و الحضارى و فيه نرى رحلة مدن ايطاليا المنقسمة فى القضاء على نفسها و تسهيل الغزو الخارجى , علمنا ديورانت فى مجلدات العصور الوسطى التسعه التى تمثل الف عام ان وسائل الدفاع كانت قد تقدمت على الهجوم و نذكر دور الاقطاعيات و رقيق الارض فى اقامة عدد هائل من الحصون و القلاع لكن ها هنا و حين ارادت فرنسا ان تدخل شبه الجزيرة الايطالية الممزق ساعدتها التكنولوجيا المدفعية الخفيفة المتنقلة فى هزيمة حتى تنظيم جنود سويسرا فما بالك بجيوش المرتزقة التى تجرها الثيران البطيئة

و حين تفوقت اساليب الهجوم على الدفاع قدر للبشرية ان تدفع تمن ذكاءها بالدماء فكثر عدد الضحايا بعد فترات تاريخية طويلة من الخسائر الاقتصادية

كان تدخل فرنسا فى ايطاليا عموما و فى نابلى خصوصا درسا للمدن المتصارعة فى سوء التدبير فقد اتفق معظم اللاعبين على الساحة -فى السر دائما- كلا مع شارل الثامن لدخولها و وعد كل منها الفرنسين بحسن الاستقبال و ربما كان من الممكن ان يقضى شارل على الامر من اول محاولة لولا الكسل و الزهرى...لكنها عموما لم تكن النهاية

لكن ايطاليا الممزقة جذبت مكسمليان الالمانى و فرنارند ملك اسبانيا يشتركون بطرقهم الخاصة فى التحالفات المتصارعة..و يفاجئ الجميع البابا بان يرضى تقسيم نابلى بين الفرنسيين و الاسبان , يؤدى الى بقاء نابلى تحت سيطرة اسبانيا من اعوام 1505 ل سنه 1707
**********
أضحى نصف إيطاليا الآن في أيدي الأجانب: فقد كان جزؤها الجنوبي ملكاً لأسبانيا، وجزؤها الشمالي الغربي الممتد من جنوى مجتازاً ميلان إلى حدود كريمونا في يدي فرنسا، وكانت الإمارات الصغرى خاضعة لنفوذ فرنسا، ولم يكن فيها بلد مستقل استقلالاً نسبياً سوى البندقية والولايات البابوية، ولطالما اشتبكتا في حري متقطعة للاستيلاء على مدن رومانيا. ذلك أن البندقية كانت تتوق إلى المزيد من الأسواق وإلى موارد الثروة في شبه الجزيرة لتعوض ما استولى عليه الترك من أسواقها ومواردها أو هددته طرق الملاحة البحرية إلى الهند عن طريق المحيط الأطلنطي. ولهذا اغتنمت فرصة موت الإسكندر ومرض سيزارى بورجيا للاستيلاء على فائنزا، ورافنا، وريميني، وأخذ يوليوس الثاني يضع الخطط لاستعادتها لنفسه؛

فأقنع لويس ومكسمليان في عام 1504 بأن يضعا حداً لنزاعهما الذي يخالف تعاليم الدين المسيحي، وأن ينضما إليه في مهاجمة البندقية، وأن يقتسما فيما بينهما أملاكها في شبه الجزيرة ولم يجد مكسمليان في نفسه ما يمنعه من قبول هذا العرض، لكن خزائنه كانت خاوية، ولم تحقق هذه المؤامرة نتيجة ما. غير أن الفكرة ظلت تراود يوليوس وظل هو يحاول إخراجها إلى حيز الوجود.
*************
كان كل نصر لمدينة ايطالية يؤدى لخراب مدينة اخرى و احتلال مدينة ثالثة و غير الجميع ادوار احلافهم السياسية فى مهارة تحسد لم ينتج عنها الا ضياع مزيد من الارواح حول التنافس فى تجارة البحر المتوسط

خافت الكنيسة من ايطاليا موحدة تضيع قوتها الزمنية فعطلت حركات التوحد تباعا و فضلت ان تحد حدودها الشمالية دائما دولة محتلة مختلفه عن تلك التى تحيط بالجنوبية ... فى ظل بابوات لم يمتلكوا اكثر من مهارة ميكافيلية فى وجه الاسلحة الثقيلة و ملوك متصارعين و فقدان سلاح الحرمان الدينى الذى جعل فريدريك الثانى يركع على ركبته قبل ذلك بزمن طويل

و عادت دورة التاريخ سريعا ب "ادريان السادس" الذى كسر احتكار بابوات ايطاليا من جانب و العائد بسلطان فرنسا مرة اخرى كايام بابوات افنيون , و هو يشبه شخصيات العصور الوسطى اكثر من النهضة ...و يحزنا قليلا ان نرى مسيحى حقيقى متزمت فى ذلك العصر المتحرر يحتقر الفنون و لا يرى فى الفساد المالى الا فساد اخلاقى , و يغض الطرف رغم جمال روما الخلاب عن ايات الجمال القديم و الحديث و بلاغة كتاب الانسانيين لكنه لم يكن عصره بالضبط كما لم يكن عصر سفنرولا و قضت دورة التاريخ على كلاهما ببساطة لانها شخصيات جاءت فى الوقت الخاطئ
***************
لكن حتى بابا تقليدى -بمعايير عصر النهضة- ك كلمنت السابع كان قادر على حل معضلة ضعف روما العام و وقوعها بين قوة فرنسا و المانيا

و ارتكبت روما فى عصر الخطيئة الكبرى حين تحيزت للطرف الخاطئ من الصراع فجلبت على نفسها الويلات و ثانيا عندما نفذت نصف افكار ميكافللى فقط فاستعانوا بالمكر و تغيير المواقف دون تبنى نموذج الجيش الوطنى المتجمع تحت "امير" واحد ...و عموما قد بدأ السلب على يد ال كولونا قبل ان يبدأ على يد فرنسا

و قصة نهب روما 1527 من اتعس ما كتب فى التاريخ و ربما يتساوى مع اجتياح روما سابقا بعد انفصال شقى الامبراطورية قبل ذلك باثنى عشر قرن ...و هى تجرح القلب الان و كأن 5 قرون لم تمر و تشابك التقتيل بالطاعون و الملاريا تزيد الامر مأساوية ...و ربما يعجب الانسان لالمه من فقدان و سرقة لوحات عصر النهضة الفنى و التماثيل اكثر من العدد المروع من القتلى
***************
اندفع الجنود الالمان في شوارعها أخذوا يقتلون كل من واجهوه في طريقهم دون أن يفرقوا بين الرجال، والنساء، والأطفال. واشتد تعطشهم إلى سفك الدماء، فدخلوا مستشفى سانتو اسبيرتو (الروح القدس) وملجأ اليتامى فيه، وذبحوا كل من فيهما من المرضى كلهم تقريباً. ثم اتجهوا إلى كنيسة القديس بطرس، وذبحوا من لجأوا إلى هذا الحرم المقدس، ونهبوا بعدئذ كل ما استطاعوا أن يصلوا إليه من الكنائس والأديرة، وحولوا بعضها إلى إسطبلات لخيولهم، وقتلوا مئات من القساوسة، والرهبان، والأساقفة، ورؤساء الأساقفة، وجردت كنيسة القديس بطرس والفاتيكان من أعلاهما إلى أسفلهما من كل ما فيهما، وربطت الخيول في حجرة رافائيل

. ونهب كل بيت في روما وحرق الكثير منها عجا اثنين لا أكثر هما قصر الكانتشيلريا الذي كان يشغله الكردنال كولنا، وقصر آل كولنا الذي لجأت إليه إزبلادست، ومعها بعض أغنياء التجار، ونفح هؤلاء زعماء الغوغاء بخمسين ألف دوقة لينجوهم من الهجوم، ثم سمحوا لألفين من اللاجئين أن يحتموا وراء الأسوار. وأدى كل قصر من القصور الفدية نظير حمايته، ولكن هذه القصور نفسها هاجمتها جماعات أخرى واضطرت أن تفتدي نفسها من جديد. وقد حدث في معظم البيوت أن اضطر من فيها جميعاً إلى افتداء أنفسهم بمبلغ محدد؛ فإذا لم يوفوا به كله تعرضوا لألوان من العذاب، وقتل منهم آلاف، وألقى بالأطفال من النوافذ العليا، لكي يضطر آباؤهم إلى إخراج ما اكتنزوه من المال وأخفوه، حتى غصت الشوارع بالقتل.

وكان نصف الغوغاء المنتصرين من الألمان، لم يكن يشك معظمهم في أن البابوات والكرادلة لصوص، وأن ثروة الكنيسة في روما سرقة ونهب من الأمم، وفضيحة للعالم. وأرادوا هم أم يخففوا من هذه الفضيحة، فاستولوا على جميع ما في الكنائس من ثروة منقولة بما فيها الأواني المقدسة، والتحف الفنية، وخرجوا بها ليذيبوها أو يفتدوا بها أنفسهم، أو يبيعوها. أما المخلفات المقدسة فقد تركوها مبعثرة على الأرض.

يلق الكرادلة الألمان، الذين ظنوا أنفسهم بمنجاة من شر أبناء وطنهم، خيرا مما لقيه غيرهم. وهتكت أعراض الراهبات والمحصنات من النساء في بيوتهم أو في الأديرة نفسها، أو حملن ليشبع فيهم جماعات من الجند شهواتهم بوحشية في أماكنهم

وليس من المستطاع إحصاء عدد من قتلوا في هذه الكارثة المدلهمة؛ وكل ما نستطيع أن نقوله أن ألفي جثة ألقيت في نهر التيبر من شاطئه الذي تقع عليه الفاتيكان؛ وأن 9.800 من الموتى دفنوا؛ وما من شك في أن عدداً آخر كبيراً من الناس قد قتل. وتقدر قيمة المنهوبات تقديراً متواضعاً بأكثر من مليون دوقة، وقيمة ما دفع من مال الفداء بثلاثة ملايين

125.000.000 الموازى بقيمة الان باكثر من دولار
*****************
و لن يستطيع ديورانت ان يمر على البندقية دون ان يحكى لنا عن أريتينو 1492 - 1556

صعد من الخدم و الغناء و المطابخ وتنظيف المراحيض الى ان يكون صاحب اللسان الاهم و الاطول فى ايطاليا الممزقة كلها , مستخدما فصاحة شعبية و اندفاع بدئ محبب و صراحة قاسية قريبة من قلوب الشعب , و يسعدنا قليلا ان نرى ملوك اوروبا الجابرين يحاولون رشوته و على رأسهم البابا نفسه
*****************
لم تكن الحروب التي اندلع لهيبها لغزو إيطاليا قد خبت نارها بعد ولكنها قد غيرت وجه إيطاليا وطبيعة أهلها، فالأقاليم الشمالية قد خربت تخريباً جعل مبعوثي هنري الثامن يشيرون عليه بأن يتركها لشارل عقاباً له على ما فعل بها. ونهبت جنوي، وفرضت على ميلان ضرائب فادحة قاتلة، وأخضع حلف كمبريه مدينة البندقية، كما أضعفها وأذلها فتح الطرق التجارية الجديدة، وقاست روما، وبراتو، وبافيا الأمرين من جراء السلب والنهب

وانتشرت المجاعة في فلورنس واستنزفت مواردها المالية، وكادت بيزا تدمر نفسها في كفاحها لنيل حريتها، وأما سينا فقد أنهكتها الثورات، كما أفقرت فيرارا نفسها في نزاعها الطويل مع البابوات، وأتت بما يغض من كرامتها بتحريضها على الغزو المستهين لروما. وحل بمملكة نابلي ما حل بلمباردي من سلب ونهب وتخريب على أيدي الجيوش الأجنبية، وذوى غصنها الرطيب زمناً طويلاً كانت فيه خاضعة للأسر الحاكمة الأجنبية، وصقلية؛ وما أدراك ما صقلية؟ لقد أضحت معششاً لقطاع الطرق، وكانت السلوى الوحيدة لإيطاليا هي أن خضوعها لشارل الخامس قد أنجاها في أغلب الظن من اجتياح الأتراك لها وانتهابهم إياها.
***************
الى هنا تنتهى مجلدات قصة الحضارة الخمسة التى اعطى لنا ديورانت فيها بانوراما ممتعة عن تاريخ ايطاليا من مولد بترارك الى موت تيشيان 1300 ل 1576فى عز فترات الفن و الرفاهية التى مرت على العالم... و هو المجلد الاخير فى ترجمة محمد بدران و به نختتم رحلة طويلة جدا مع الرجل لكن رحلتنا مع ديورانت لم تنتهى و لا رحلتنا مع قصة حضارته الممتعة

و لا يتبقى لنا كعادتنا الا الاتجاة راسا للمجلد التالى فى رحاب الاصلاح الدينى

دينا نبيل
يوليو 2015

الاخوة كارامازوف - الجزء الثانى تأليف: فيودور دوستويفسكي

اسم الرواية: الاخوة كارامازوف - الجزء الثانى
تأليف: فيودور دوستويفسكي 
ترجمة: سامى الدروبي
عدد الصفحات: 342 صفحة
التقييم: 5/5

ما سر عظمة "الاخوة كارامازوف" تلك دو غيرها من اعمال روسيا فى عصرها الادبي الذهبي؟و لم كانت حياة اسرة صغيرة مشتتة فى يومين اثنين لا اكثر تشغل 4 مجلدات ضخمة و تشتغل بال النقاد و القراء حتى بعد مرور قرنين من الزمن على اصدارها؟ و لم تتجدد كارامازوف و تتألق عبر الزمن و لا يؤثر فيها انفضاء عهد بعض احداثها؟

اسئلة لم يكتمل الاجابة عليها فى الجزء الثانى من الملحمة تلك لكن الاشارات و قطع البازل الصغيرة التى ظهرت لنا تكفي لتكوين فكرة عامة الى حين استكمال النصف الاخر من ملحمة الروسي العبقرى الضخمة

حديث ازلى شائق و ممتع و مرهق حد الجنون هو ما يغذى دوستويفسكي افكارنا به , "الرحمن و الشيطان يتقابلان" دائما و ابدا و الخير يقابل الشر فى رقصة ابدية محمومة , ملك الاسترسال يحيك لنا جمل مطولة ساحرة عاصية على الاقتباس لكنها تدوخنا و تثير فكرنا
****************
- انا فى الظاهر راهب , فهل انا راهب حقا يا ليزا؟ لقد قلا منذ هنينة انى راهب

-نعم قلت ذلك؟...

-راهب...و مع ذلك قد لا اكون مؤمنا بالله

-أأنت لا تؤمن بالله؟ ماذا دهاك؟ كذلك سألته ليزا محذرة بصوت خافض و لكن اليوشا لم يرد , ان هذا القول الذى افلت من لسانة يعبر عن فكرة غامضة تشوى قرارة قلبه و لعله لا يستطيع هو ان يستبينها و لكنها كانت تعذبه ما فى ذلك ريب

الاقتباس السابق وحده يعبر عما يقدمه دوستويفسكي دائما عندما يرسم المسلمات بثبات و تأنى و يتبع خطط مطولة لاقناع القارئ بها ثم يتلذذ بهدمها فوق روؤس الجميع و هو عندما يفعل ذلك لا يهدم هدم تام صريح بل يكتفي بازاحة حجز ما صغير فى قاع الصرح و يشاهد التأرجح و فى سباق غير محسوم النهاية ان كانت قوة الصرح ستكفي لاستقرار قلق مؤقت ام ان الهدم الازلى قادم بلا هوادة و هو يثبت ربما فى حد ذاته لماذا ابتعد الاديب الروسي عن نمطية المؤلفين التى غرقنا بها حتى الانوف
****************
و يصنع مفهوم "القوة الغامضة الخفية الكامنة في افراد ال كارامازوف" التى تشتد حتى فى اليوشا المؤمن البسيط الذى اصبح يشك ان روح الله ذاتها تحلق فوقها ... ظمأ مسعور للحياة , حب حار للحب ذاته , قوة جاذبة مركزية قوية في كوكبهم السيار هذا

و لسبب ما اقتصر دوستويفسكي تلك القوة على الذكور فقط فتخلص من الاناث اما بالموت او الجنون و الهستريا و تمت ازالة كل عامل نسائى , وكأن الامومة لا تليق بال كارمازوف فكان كل عمق فى ذكور العمل يقابلها بلادة و بلاهة مقصودة لحد جعل دوستويفسكي يرسم حدود "الانسان" و مشاكله على نموذج الرجل فقط
**************
من اين يبدأ دوستويفسكي و اين ينتهى فى قصته؟ سؤال يهم الناقد اكثر مما يهم القارئ لكننا نرى ان روح الروسي العبقرى وسعت و تناقضت كفاية لان نرى اجزاء منه فى معظم شخصيات العمل فالحاده هو ايفان و ايمانه هو زوسيما و شكه هو اليوشا و غضبه هو ديمترى و حبه للحياة هو فيدور

و هو يصدم القارئ حين يتغلغل فى الالحاد فى صفحات تطول و تطول و تصل الى ذروتها فى فصل "المفتش العام" القصة شبه المنفصلة عن الرواية حين يروى على لسان ايفان قصة قصيرة كاملة خيالية عن المسيح حين يقرر ان يزور الارض فتعتقله محاكم التفتيش المسيحية , يصدم القارئ المتدين لدرجة ربما تدفعه لهجر العمل و اعلان ان دوستويفسكي معادى للدين لدرجة لا يتحملها

و يصدم القارئ اكثر عندما يفرد اكثر من مئة صفحة على لسان الراهب زوسيما تمتلأ باحاديث ايمان مسيحية كثيفة العدد و كثيرة الحرارة و شديدة التقليدية , تصدم القارئ "العلمانى" لدرجة قد تدفعه لترك العمل و اعلان نفس الدوستويفسكي محب للدين التقليدى بشكل لا يحتمل

و بين التبادل الحر بين الشك و الايمان يتأرجح و نتأرجح معه
**************
أمويد دوستويفسكي للحرية ام يعتبرها عبء ثقيل تنوء به الانسانية؟ ايضا سؤال سيكتفي العبقرى الروسي ان يجعلنا نطرحه دون اجابه واضحة كغيره من الاسئلة العالقة

الحرية هبه ام لعنه؟...هل سنكون اكثر سعادة حين نبحث بانفسنا؟ ام حين نضع حريتنا المعلونة تلك على اقدام محاكم التفتيش و نتوسل ان رجع الى العبودية المريحة التى تمنعنا ان نقتل بعضنا البعض؟... أنحن ظمأى الى الايمان بالله ان مشتاقين فقط للمعجزات؟ ... عندما نوضع فى الاختبار الكبير سنختار خبر الارض الفانى الملموس ام وعد بخبر سماوى لا نهائى منتظر؟... أحقا يقوم الايمان على ثالثوث "المعجزة , السر , الهيبة"؟ و هل الايمان الفردى يصلح دعامة لاقامة مجتمع ام ان المؤسسة التى تقولب لنا الكون الزامية الى هذا الحد؟ ... هل يمكن ان نمنح الحرية الفكرية دون ان ندمر انفسنا؟ و لم كل مرة نحظى فيها بحريتنا نهرع لبناء برج بابل يطاول السماء؟ ... هل تحملنا الاديان عبء سمو لن نصله ابدا فنتهى للقلق النفسي و حسب؟... الانسان وضيع ضعيف؟ ام جبار متعنت؟ ام قادر على حمل صليب حريته على كتفه و الصعود الى جبل الجلجثة دون ان يطرف له رمش؟
***************
من الصعب جدا ان تحوى "رواية" بمفهومها التقليدى تلك الجرعة المكثفة من الافكار الفلسفية و العجيب حقا ان دوستويفسكي قادر ان يطرح كل تلك القضايا دون ان يتأثر ايقاع العمل الدرامى و تطور الاحداث و هى احد اهم الامثلة على اتساع قدرة القالب الروائى على استيعاب اشكال الكتابة الاخرى

فيجعلنا نهرول الى المجلد الثالث بنفس حماسنا للمجلد الاول و قد يزيد

دينا نبيل
فجر 30 اكتوبر 2015

المقامر تأليف: دوستويفسكى

اسم الرواية: المقامر
تأليف: دوستويفسكى
ترجمة: سامى الدروبي
عدد الصفحات: ٢٣٩ صفحة
اصدارات المركز الثقافي العربي
التقييم: ٥/٤

" هل يستحيل حقا ان يدنو المرء من مائدة القمار دون ان تسرى اليه عدوى الايمان بالخرافات فورا؟! "

يفعلها دوستويفسكى كعادته فيضع المعانى الانسانية الكبيرة العابرة للحدود و اللغة في قالب اعتيادى درامى سريع ، فنجد شخصيات درامية نمطية و اخرى مميزة متألقة نكاد نلمسها لفرط واقعيتها

الكل اذن يعلم تاريخ كتابة النوفيلا الشهيرة "المقامر" و الحادثة اللطيفه عن الناشر الجشع الذى اجبر الروسي العبقرى علي كتابة بحكم عقد علي كتابة رواية جديدة تتألف من عشرة ملازم علي الاقل قبل نوفمبر ، فيبدأ مؤلفنا فيها في اكتوبر يعتصر كل طاقته كى لا يفقد حقوقه المالية في جميع مؤلفاته السابقة و اللاحقة .. و عن "انا سنيتكين" السكرتيرة اللطيفة التى كتبت الرواية كاملة املاءا من فم دوستويفسكى ، لتنهى الرواية في ٢٥ يوم فقط و تعد للنشر

و بتاريخ كهذا -القصة تلك استخدمت وحى لرواية هندية عن دوستوفيسكى رائعه لكن لذلك مقام اخر- يتريب المرء من "المقامر" و يعدها عمل روتينى يسد خانة مادية لا اكثر ... لكت العبقرى الروسي يصدمنا بمشاهد تبرق من فرط الحركة و الدراما الرفيعه

و تلك المشاهد تتركز في خطى حب البطل لباولين القاسية في اشارة مبكرة لعلاقات سادية/مزوخية ربما ليست علي المستوى الجنسي لكنها واضحة علي مستواها العاطفي ... حب جارف ضخم يضع فيه الروسي العتيد جزء من تاريخه الشخصي فنرى المشاهد تلك تنبض بالحياة ، مزيج مؤلم متفجر بين الحب و الكراهية و الاحترام و الاحتقار كعادة دوستويفسكى معنا

و الاخر عن الخط الدرامى للصالات القمار ذاتها و هو ايضا يحمل لمحة من فترة في حياة المؤلف الحقيقية و هوس القمار الساحر و تضارب الارقام و لذات المكسب و الخسارة المجنونة التى تحمل سحر خاص ان كان المبلغ ضخم و سحر اكثر ان كان المبلغ صغير اخير في جيب مفلس .... تصويره للجده التى شارفت علي المئة تقامر بكل خلجاتها في مشهد درامى يندر في الادب العالمى

نذكر هنا ان ل بلزاك محاولة صغيرة في روايته "الجلد المسحور" ان يحدثنا عن هوس المقامرة و اجواء الروليت و نذكر ان كاتبة تلك الكلمات انبهرت بالقطعة تلك لكنها الان تتراجع و تعلن ان الادب الروسي يفوز علي نظيره الفرنسي في تلك علي الاقل بالضربة القاضية

و دستويفسكى ابن القرن التاسع عشر البعيد يسبق علم النفس البدائى حينها فيعرف اصول الادمان بكل مراحله و صعوباته ... و هو يضغط دائما علي مفهوم "المكسب الكبير الاخير" الذى يراوض كل مدمن في الوجود

ربما نقول ان "المقامر" تحتوى علي شخصيات عادية و احداث ارستوقراطية مملة احيانا نراها كثيرا في ادب تلك الحقبة الروسي و غيره لكن تلك الاضافات الصغيرة التى وضعها دوستويفسكى من حياته الزاخرة تتميز فورا عن غيرها فهى تنفض غبار الدراما المصطنعة فورا و تتركنا في دهشتنا

و هو ينزع عن القمار دروس الاخلاق المدرسية فيجعل النبض يظهر في اورده جبهتنا و نحن نشارك علي الورق السباق المحموم علي اذا كان الاحمر ام الاسود هو من سينتصر و ان كان بطلنا سيكمل شهر اخر كخادم او شهر جديد كملك متوج ، لكننا نطمئن في كل حال فان كانت الاولى فيجمع في الشهر التالى ما يراهن به فيعود او الثانية فينفق الاموال كلها فيتجمع مبلغ اخير صغير لتبدأ الدورة المجنونة علي الاحمر و الاسود دورة لن نتأكد ابدا انها الاخيرة

دينا نبيل
عصر ١٤ اكتوبر ٢٠١٥


الدون الهادئ ج٤ تأليف: ميخائيل شولوخوف

اسم الرواية: الدون الهادئ ج٤
تأليف: ميخائيل شولوخوف
ترجمة: علي الشوك ، امجد حسين ، غانم حمدون
عدد الصفحات: ٦٦٣ صفحة
اصدارات دار المدى

اذا كانت صفة المجلد الاول هى البراءة و الامل و الايمان في مجد الحرب ، و المجلد الثانى هى حالة التخبط في جدوى الحرب ، و المجلد الثالث عن الانتقال الصعب لمراحل ما بعد الحرب عندما تتحول العسكرية الى مدنية مؤلمة ... فالمجلد الرابع من ملحمة الدون الطويلة البعيدة حتما عن الهدوء هى الخسارة الفادحة في اسمى معانيها

يستطيع هنا شولوخوف بكل ادوات الكاتب ان يصل بالشخصيات و النقاد و القراء الى مرحلة الخسارة التامة الكاسحة دون الوقوع في دومات الحزن حتى ، الخسارة هنا تقع علي رؤوس و اجساد متعبة مرهقة طويلا فلم يبقي في العيون دموع تراق من الاصل خاصة ان هناك دائما شبح ينتظر على الزاوية لخسارة افدح

اما كيف فعلها شولوخوف فهو ما يمنحه احترام الناقد و جائزة النوبل ربما ، كيف اوصلنا لان تكون الخسارة الضخمة باردة بسيطة عندما نفقد شخصية تلو الاخرى و كيف يعلمنا علي مهل ان المرء قد يموت بشتى انواع الطرق في الحرب التى تندلع دائما اسهل من احلال السلام

اتكون الحرب حدث طارئ علي البشرية فعلا؟ ام ان الاصل هو الحرب و يكون السلام هو فقط مراحل طويلة من الصمت استعدادا للعراك ، مرحلة نكدس فيها اسلحتنا في انتظار اشارة لنبيد بعضنا بشكل اقوى و كفاءة اتم تلك المرة

نلوم الحرب علي كل الاسي و نستعجل السلام بكل الحلم لكن عندما يأتى حلمنا القديم نكتشف ان اليد التى حصدت الارواح لن تتمكن الان من جمع القمح ، نفترض بطفولتنا البسيطة الخرقاء ان بمجرد العودة الى الديار و استبدال المعطف العسكرى الثقيل بلباس الفلاحة فان كل شئ سيغدو علي ما يرام ، فلن يفوه احد بكلمة عما فعلناه او فعل بنا و سينزل ستار ثقيل علي الماضى المتعب بكل ما فيه ، سيسوى كل شئ من تلقاء ذاته لكن الواقع كالعادته معنا لا يسير الى تلك الدرجة من اليسر فنتعلم -بالطريقة الصعبة- ان نبتلع الخسارة ذات الطعم المر في صمت و قبول

تتابع الانحدار المؤلم في مجرى الاحداث و حتى حال ابطالها ، و يضغط شولوخوف بكل ما يملكه لبيان ذلك

و قارئ الصفحات الاولى من المجلد الاول يشعر ان وصوله للصفحة الاخيرة من المجلد الرابع حلم صعب بعيد المنال ، لكت قارئ الجزء الاخير التعيس ذلك حين يتذكر رحلته الطويلة مع الدون و كل التقلبات بين الحزن و الفرح و الرثاء و الامل المسحوق يمدح شولوخوف كثيرا و يسب الحرب و ما تفعله بنا اكثر

لكنها رغم كل شئ ملحمة تستحق القراءة و الانخراط الطويل العميق في مصير ال ميليخوف الطويل في رحلة الدون البعيدة تماما عن الهدوء

دينا نبيل
اكتوبر ٢٠١٥

مورفين تأليف: ميخائيل بولغاكوف

اسم الرواية: مورفين
تأليف: ميخائيل بولغاكوف
ترجمة: اسكندر حبش
عدد الصفحات: ٩٨ صفحة
اصدارات طوى للنشر و الاعلام

لم نتحدث عن انفسنا بصيغة الغائب؟ ... ان بحثنا عن الاجابة في كتب الطب النفسي فسنجد كالعادة انفسنا فريسة لمعظم الامراض العقلية المتاحة في القواميس ، و ان بحثنا في كتب الاجتماع فسنجد اننا مستوحدون غير مندمجين ، لكن الاجابة دائما الانسانية البسيطة تخبرنا اننا نتحدث عن انفسنا بصيغة الغائب عندما يكون الألم اكثر مما نستطيع تحمله

لذا سنجد مبدع "مرجريت و المعلم" العظيمة يلجأ لاقدم حيل التاريخ ... و كاتبة تلك الكلمات -و ها هى تكرر اقدم حيل الدراما بنفسها طبيبة ايضا- لذا فشعور الطبيب مسلوب الارادة يصل الى القلب مباشرة دون مورابة .... معشر الاطباء يحملون مسؤولية ارواح كثر لدرجة تجعلهم يسخفون ارواحهم نفسها ، و المدواة الذاتية هى اقصر طرق الادمان في الكون

الطبيب هو الضحية الاشهر و الاسهل للادمان فمن ناحية توفر المادة المخدرة بسهولة لا يتخيلها المدمن العادى الى جانب ثقة في امكانية العلاج الذاتى و وهم امكانية وقف الجرعات الزائف كاى سراب بعيد ملون ، يجعل ذا المعطف الابيض عرضة دائما لا يحميه من نفسه سوى قليل من الارادة -ممكن الاطاحة بها في اى وقت- و الدعاء اليومى ان يحمينا الاله من التجربة

سيلجأ بولغاكوف هنا الى رواية قصته الصغيرة المعذبة المتصاعدة بشدة علي لسان بطل تخيلى سيمرض و يتعذب و يتعاطى و يموت بديلا عن المؤلف

و القارئ الحديث يتعجب من تشابة الادمان قديما بنفس دوراته الحديثة بنفس الاحلام و المخاوف و التساقط السريع المؤسف و الصعود الزائف قصير النفس

نوفيلا ام سيرة ذاتية؟ ... لعلها هجين مكروه ادبيا ينظر له النقاد بنصف عين مغلقة و عبوس علي الجبهة ، لكنها كفت و وفت

دينا نبيل
١٤ اكتوبر ٢٠١٥

الدون الهادئ ج٣ تأليف: ميخائيل شولوخوف

اسم الرواية: الدون الهادئ ج٣
تأليف: ميخائيل شولوخوف
ترجمة: علي الشوك ، امجد حسين ، غانم حمدون
عدد الصفحات: ٤٦٢ صفحة
اصدارات دار المدى

عندما تصل الى المجلد الثالث من ملحمة شولوخوف التى تستحق اللقب ستفاجئ انك لن تتساءل بعد الان و لن تسأل نفسك عن شخصية كذا حتى من ضمن الست مئة شخص هم مجموع من مروا في حرب الاربع مجلدات ... سيصبح بانتلاي. بيوتر و غريتشا و داريا و نتالي و ميشا كوشيفوى و ليستنسكى و افديتش الكذوب و غيرهم جزء من يومك تنتظر اخبارهم كصديق قديم و تتبع قصصهم و عاداتهم الصغيرة جنبا الى جنب مع قصة روسيا الكبيرة التى تتلاطم فيها كل حماقة الانسان

تتبدل صفات العدو و الصديق ، الحليف و الخصم ، الرفيق و المعادى ... تتبدل بلا هوادة لنفس الاشخاص ليصبح خصم الامس الحليف الاهم لليوم ضد من حاربوا الى جانبك منذ سويعات ، هى لعبة السياسة المقيتة ربما او تكثيف مبهر لحالات التأرجح في افكار البشر لا توضحها بتلك النسبة الا الحرب كاشفة الكثير

الحب ، الزواج ، الصداقة ، و العلاقات الانسانية تكافح وسط جنون الطلقات و المعاهدات و فض المعاهدات و التصالح مع العدو ، فتتحول تلك بدورها الى روليت روسي في حد ذاتها .. يعشق شولوخوف فكرة العلاقات الدوارة حين تتحول النزوة الى حب و الحب الى جنون ثم فتور و بحث عن نزوات جديدة ... لذا فسنرى اكسينيا فى الجزء الثالث تكمل دورتها بنفس الشغف الذى ظننا لوهلة انه محتوم علي غريغورى ذو العيون التركية و الانف الشامخ

و جندى الانسان هو مدنى اليوم التالى ، و الداعى للحرب بكل ما تملكه الجوارح هو الداعى الاول للسلام عندما يلمح نيرانها ، و الكل علي اهبه الاستعداد للتضحية بنفسه ولا احد قادر علي التضخية بالمحب و الاهل و فلذات الكبد ... و للحظة تكتشف انك تحولت قبل ان تعلم لتكون جاهزا لتقبل اى محنة او مذلة لينقذ حياتك و الاهم حياة اعزائك

لن ينسي كاتبنا العتيد ابن الريف و الحرب ابدا ان يروى لنا عن حال الظهور و المحاصيل و نشرة طقس نهر الدون مهما عظم الخطب فهناك دائما شمس ترسل دفء لمن اراد و رياح تنبه ولا يستمع لها احد و ارض تهفو الى نسمات البرد كما تشتاق لسنابك الخيل و خطى زراعها ، السناجب ستنادى منبوحة دائما و ان اعتقدنا ان مشاكلنا ستوقف العجلة الدائرة من قبل ان نوجد و بعدنا بكثير
***************
"قبل التحرير كنا نتقاتل لكى لا نموت ، اما الان فنحن نقاتل لكى نعيش و هناك فرق كبير بين ان تعيش لتتفادى الموت و ان تقاتل لتعيش ، فالذين يقاتلون لكى لا يموتون يحتفظون بكرامتهم و لا يجلون علي ركبتهم و هم يهربون في الجبال و الغابات ، يعيشون في الكهوف و يحاربون الغزاة في ضراوة الذئاب حرب شريفة و كريمة

و لكنهم بعد التحرير يحاربون لكى يعيشون و لكى يحتفظوا باجسامهم لا بارواحهم لكى يحتفظ كلا بجلده و عظمه و لحمة فقط .... و لكى يعيش الانسان فهو لا يتحرج من شئ ، قد يسرق و يغش و يقود زوجته و قد يجثو علي ركبته و يلعق حذاء كل من يمتلك لقمة خبز او قطعة سكر"

الاقتباس الطويل السابق و عجبا ليس جزء ابدا من ملحمة الدون الهادئ ولا حتى تتحدث عن روسيا او الحرب العالمية الاولى ... بل هى جزء من رواية الايطالى "الجلد" ترجمة صلاح عبد الصبور التى يروى مؤلفها ببراعة عن ايطاليا المنهزمة الصغيرة بعد نيران الحرب العالمية الثانية التى اعاد الانسان ارتكاب نفس بشائع الاولى بها لكنه حرص علي استخدام التكنولوجيا ليحصد كم ارواح اكثر .... لكن المأساة واحدة ، متشابهة حد الجنون ، عن تلك الفترة بعد الشدائد عندما ينتهى هرمون حماس الحرب و يتذكر الجميع ان المجد لا يقيم عود ولا يشبع طفل ، و حين يأتى السلام فنكتشف ان الثمن اكثر مما قدرتنا و انه فقط البداية لا النهاية

و هو ما يميز الجزء الثالث خاصة في شيوع الحالة التى صنعتها يد شولوخوف القدير في صنع بلبلة ما بعد الحرب و تلك الفكرة التى توعدنا بها اجدادنا بعد كل سكرة مهما كانت عميقة
*************
ام تبكى على طفل احب لعبة الحرب فسمى نفسه جنديا ، مشهد متكرر عند طرفي النزاع يرفض ان يصير مكررا او مبتذلا ... مشهد شخصي حد الجنون و العزاء عند دين يقدم لنا الخوف و نبؤات بابل ، ربما لم نقرر ان نصعد للسماء بسلالم لكننا لسبب ما نلاقي نفس الجزاء بسبب سخط الرب لا تسكن بل تصير خراب بالتمام كل مار يتعجب و يصفر لحال بلدتنا الصغيرة

دينا نبيل
الاربعاء ٧ اكتوبر

المبارزة تأليف: تشيخوف

اسم القصة: المبارزة 
تأليف: تشيخوف
عدد الصفحات: ١٣٧ صفحة
التقييم: ٥/٣.٥

يبارك اسمه من اخرج الى الكون كائن النوفيلا الرائع ، قالبي الدرامى الاحب و الاقرب لقلبي دائما و ربما هو الاصعب في الكتابة رغم شكله السهل الممتنع .. يمزج بين تعقيد الرواية و تكثيف القصة القصيرة و تخلق توتر ممتع لا ينقطع الا مع صفحاتها الاخيرة و ان كان اصعب ما بها هو ضبط ذلك "الايقاع" فعندما يكون اسم تشيخوف علي غلافها فلن نقلق بالتاكيد من تلك

قصة منمنة لطيفة يقرر تشيخوف ان تحمل ثنائيات كثر و تناقضات ذكية ... فمثل نوفيلات جوجول فالجو العام للقصة و هيكلها يبدو خفيف خالى من سوداوية الدراما لكن في لمحات محددة تجد ان الشخصيات المرحة المنطلقة تلك لها افكارها و تناقضتها و احلامها و كثير من الخيبات

تدور عن لايفسكى الشاب المغامر المحب للحياة و النساء و الذى اقنع زوجة غيره ان تفر معه الى القوقاز -و لن نستطيع لفظ كلمة قوقاز دون ان نتذكر ميخائيل شولوخوف مهما حاولنا كبح ذلك- حيث الطبيعة البسيطة ، و هنا الرواية عن ما يحدث بعد النهايات العظمى السعيدة لروايات المراهقين حين "ينتصر الحب" و يفر الاثنين الى افق قرص الشمس الدامى ... فنحن من المشهد الافتتاحى ان لايفسكى قرر ان يواجه انه ابدا غير سعيد فى نزوته تلك ، لم يعشق الطبيعة و الهدوء كما توقع لنفسه فتاقت نفسه لمرح و شرب و ضوضاء موسكو ، و لم يستطيع الاكتفاء بسيدة واحدة رغم انه حارب الكون و اسرته من اجلها

اما كيف تحول هذا كله الى مبارزة بينه و بين رجل اخر من البلدة البعيدة يستخدم كلا منهم مسدسات و يمحلقون في وجوه بعضهم في انتظار الموت المجيد او اللاشي المعتاد فكانت الاعيب تشيخوف الدرامية التى كالعادة احسن استخدامها
**************
"غدا ستكون لدينا مبارزة سنقول ان هذة سخافة و حماقة، و ان المبارزات الاستقراطية لا تختلف في الواقع عن شجار سكر في حانة ، لكننا لن نتراجع بل سنمضي و نتقاتل .. اذن فهناك قوة اقوى من احكامنا ، اننا نصرخ ان الحرب قرصنة و همجية و فظاعة و قتل اشقائنا ، ولا نستطيع ان نرى الدم دون ان نصاب بالاغماء .. و لكن ما ان يهيننا الفرنسيون او الالمان حتى نشعر فورا بالحمية و نصرخ "هورا" من صميم القلب و نهجم علي العدو .. اما انت فستبتهل الى الرب ان يبارك اسلحتنا و تستثير بطولاتنا الاعجاب الشامل و الصادق في الواقع ، اذن فمرة اخرى هناك قوى اقوى مننا و و من فلسفتنا ، و ليس بالامكان ان نوقفها كما ليس من الممكن ايقاف الغيمة ورا البحر ... فلا تنافق اذن ولا تهددها بقبضة داخل الجيب ولا تقل "اوه هذا سخيف ، هذا قديم ، هذا لا يتفق و الكتاب المقدس" بل حدق مباشرة في عينها و اعترف بشرعيتها الحكيمة"

اقتباس ربما طال قليلا لكنها لمحة من الحكمة التى يضعها تشيخوف علي لسان شخصياته وسط كل جنون الكوميديا و الدراما الخفيفة ، يجرد الحقيقة من قناعها الكثيف و يعطى العمل ثقل يجعلها تستحق اسم تشيخوف علي غلافها

و فجأة يجد الانسان نفسه ليقيم حياته فلا يجد سوى تملص من دراسة طويلة مملة و عمل رتيب يجلب المال الى الجيب اكثر ما يجلب المتعة الى الذهن او الخدمة للمجتمع ، و نكتشف فجأة ان حياتنا النقية المبكرة اختفت في صمت ولا يتبقي الا ايمان واه باله بعيد ... فتنكسر موجتنا علي الشاطئ بغته ، لكننا نصل بالصدمات احيانا و بالبطء احيانا ، لكن الوصول او امل الوصول موجود دائما علي الارض. تماما كالشمس و الحرب

دينا نبيل
١٢ اكتوبر ٢٠١٥