الأحد، 15 نوفمبر، 2015

الاصلاح الدينى 2 -المجلد الخامس و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 2 -المجلد الخامس و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 288 صفحة
اصدارات دار نوبليس

فى المجلد الثانى من الاصلاح الدينى سيقرر ديورانت ان يصحبنا فى رحلة مثيرة للاهتمام بين اوروبا الشرقية و اسبانيا و تركيا و المانيا و من ثم الى العالم الجديد المجهول فى دورة طويلة نادرة

من بوهيميا و ثورتها الفكرية مع هس و الاجتماعية بين الفلاحين الممزقين بسيوف النبلاء كانت البداية و الشرارة الاولى ... فى بوهيميا البعيدة المنسية كانت ما رأى ديورانت انه ضربه البداية , يموت هس لتبدأ الثورة الاجتماعية و تتفرق عند المطالب و تتفرغ للقضاء على بعضها البعض فى مشهد ثورى متكرر نمل من كثرة ما قرأنا عنه و شهدناه

و منها الى بيزنطة تتألق قليلا قبل ان تنطفأ الى الابد فنرى ثورة فى الفنون متأثرة بجنون حب الجمال السارى من ايطاليا البعيدة الساحرة ... كان البعث الفني ملحوظاً كعودة الفتوة إلى الآداب. وكانت الموضوعات والرسوم لا تزال كهنوتية، بيد أن لمسة من منظر خلوي أو نسمة من الطبيعة. وفي الفسيفساء التي كشف عنها حديثا ديركورا ((مسجد قاهرية الجامع)) حيوية دافقة جعلت المؤرخين الغربيين يعترفون بأنهم يرون فيها تأثيراً إيطالياً جديداً. وتراخت القبضة الكهنوتية عن الصور الجدارية التي حلت محل الفسيفساء، باهظة النفقة في زخرف الكنائس والقصور وظهرت رسوم من الخيال الرحب والقصص الدنيوي إلى جانب قصص القديسين. ومع ذلك تشبث صناع الأيقونات بالطراز الموروث القديم، أشكال ضامرة ووجوه يحرقها ورع طهري غائبة بصورة أخاذة عن أخلاقيات العصر. وتعرض حينذاك تصوير المنمنمات البيزنطي لانحلال كبير، بيد أن نسج الرسوم التصويرية بالحرير ظل ينتج روائع لا تنافس في العالم الغربي

لم تكن هناك حكومة جديرة تماماً بالسقوط كالحكومة البيزنطية.فلم ترسل فرقاً من الجنود إلى الجيوش المسيحية في مارتزا وقوصوه أونيكوبوليس لأنها فقدت الرغبة في الدفاع عن نفسها وعجزت عن إقناع اليونان الممعنين في السفسطة بأن الاستشهاد في سبيل الوطن عمل مجيد ونبيل
**************************
و وسط احداث ايطاليا الممعنة فى حب الجمال و اسبانيا الدينية المتعصبة و بوهيميا الباحثة عن دين جديد و المانيا المحترقة لتضئ نور الحرية الى العالم الكاثوليكى و فرنسا و انجلترا تتنازعان فى حرب المئة عام على عرش مقلقل تتنازعه حمى الطاعون ... كان العالم الجديد ينادى و يعطى لما يخاطر لاجله

و هنا تتفرغ البرتغال لاكتشاف تجارة جديدة بعيدا عن ضرائب الاتراك و تنازع فينسيا على البحر المتوسط الذى احتكر الحضارة فترات طويلة ... فكانت الاموال و التجارة هى الدافع الحقيقى لرغبة الانسان فى اكتشاف الكوكب الذى عاش عليه لالوف السنين

ليبدأ هنريك -"هنري الملاح" الثورة التجارية التي قدر لها تغير خريطة الكرة الأرضية. ولما استولى جون الأول على سبتة من المغاربة (1415) خلف هنري البالغ من العمر إحدى وعشرين سنة حاكماً على هذا المعقل المنيع، وهي عند مضيق جبل طارق تماماً. وفتنته روايات المسلمين عن تمبكتو والسنغال والذهب والعاج والعبيد التي يمكن الحصول عليها على طول الساحل الغربي لأفريقيا، فعزم الشاب الطموح على أن يكتشف تلك الربوع ويضمها إلى البرتغال. فربما قاده نهر السنغال الذي تحدث عنه من اخبروه، صوب الشرق إلى منابع نهر النيل وإلى بلاد الحبشة المسيحية، وبذلك يُفتتح طريق مائي عبر إفريقيا من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر- ومن ثم إلى الهند، ويتحطم الاحتكار التجاري للتجارة مع الشرق، وتصبح البرتغال دولة كبرى. وقد يدخل سكان الإقليم بعد فتحه في المسيحية ويحصر الإسلام في أفريقيا من الشمال ومن الجنوب بدول مسيحية، ويصير البحر الأبيض المتوسط آمناً للملاحة المسيحية. ويبدو أن هنري لم يفكر
في طريق يدور حول أفريقيا، ولكن هذا الطريق كان ثمرة جهده.

و بينما تغزو البرتغال شق الكرة الشرقى كانت اسبانيا تفكر فى النصف المجهول الاخر وفي الثالث من أغسطس أبحرت سانتاماريا (سفينة أمير البحر) وبنتا ونينيا من بالوس وعلى ظهرها ثمانية وثمانون رجلاً ومؤن تكفيهم لمدة عام.... لتغير وجه خريطة العالم حرفيا و الى الابد
**************************
فى عصر الاصلاح الدينى نجد -كما تعودنا- فى كافة عصر اجزاء قصة الحضارة الطويلة هذا التناقض الابدى و الدائم و المتكرر عن ثائية العقل و الدين , المنطق و الايمان , الفكر و الاله و انقسمت كمان انقسمت دائما الى نوعين ففى كل العصور هناك دائما ابيلار و الاكوينى ... و هنا نجد ويليام الأوكهامي يجدد الحياة الفلسفية فى العصر الوسيط ذلك بين القرون العشرة المظلمة و عصر العقل القادم لا محالة

فنجد كلمات مثل "سلطان العقل و التجربة" تظهر من جديد و الاعلان عن الفشل العقلى فى الوصول الى حقيقة الاله تلمع من جديد و تتكرر شكوك الانسان فى جدوى العلم و اللاهوت كلاهما عندما نضع "التجربة الفردية" و فقط حجر اساس للفلسفة و تفهمنا للكون
*****************************
و تتغير شكل طبقة الفرسان بانتهاء عصرهم الذهبى فى العصور الوسطى فنرى تحول غريب و مثير للدهشة لقارئ و دارس التاريخ حين نرى "السيد" الكلاسيكى الحامتى لضاحيته و المالك شبه الوحيد لها بل و ملكها الفعلى يتحول فى المانيا مثلا الى "قاطع طريق" بطريقة او باخرى , فالعالم يتغير و سيتغير دائما و مرارا ... و يتحول حق "شن الحروب الخاصة" فى مراحل مما قبل الملكية المركزية المطلقة الى شكل عصابات و قد د وصف كومين، ألمانيا في هذا العهد بأنها تزخر بالقلاع التي يمكن في أي وقت أن يتدفق منها "لصوص من البارونات" وأتباعهم المسلحون، ويسلبون التاجر المسافر والفلاح على السواء. وجرت عادة بعض الفرسان أن يقطعوا الأيدي اليمنى لمن يسلبون من التجار. وعلى الرغم من أن جيتز فون برليخينجن فقد هو نفسه يده في خدمة أميره، فقد ايتبدل بها يداً حديدية، وتزعم عصابات من الفرسان، لا لمهاجمة التجار فحسب، بل لمهاجمة المدن أيضاً

و فى عصر الاصلاح الدينى نرى بشائر لتحول الاقتصاد من الزراعه الى التجارة و هو ما يتكرر كثيرا حين يحل السلام محل الحرب و الدولة محل الدين ... فنرى تبادل الرأسمالية و الشيوعية فى رقصة ثنائية ابدية عصور و عصور قبل ماركس و سميث
*****************************
ها هو صوت الدولة الوطنية الطاغية يرتفع مرة أخرى. وما إن أخضع الملوك البارونات والكومونات بفضل مؤازرة الطبقات الوسطى الناهضة حتى أحسوا بأنهم بلغوا من القوة حدا جعلهم يرفضون ادعاء الكنيسة بأن لها السيادة على السلطة المدنية. وانتهز الحكام الزمنيون الفرصة التي أتاحت لهم انحطاط السلطة الدولية والأدبية للكنيسة وأخذوا يحملون بالسيطرة على كل وجوه الحياة في ممالكهم بما فيها الدين والكنيسة وكانت هذه النتيجة تستحق الكفاح في الإصلاح الديني. وبعد انتصار الدولة على الكنيسة مرحلة نهائية في العصور الوسطى.

و هنا لم يكن ينتظر العالم الا لوثر ليطلق رصاصة الرحمة الاخيرة على الكنيسة الرومانية و ليت الامر كان بتلك السهولة... فلا يوجد بد اذن كالعادة الا الاتجاه رأسا الى المجلد السادس و الثلاثون من قصة الحضارة الطويلة و الممتعة

دينا نبيل
نوفمبر2015

الاصلاح الدينى 1- المجلد الرابع و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 1 -لمجلد الرابع و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 258 صفحة
اصدارات دار نوبليس

يصاب قارئ التاريخ بالبلبلة قليلا عندما يقرر ديورانت ان يعيد كتابة التاريخ عن نفس الفترة التاريخية التى روى عنها فى خمسة مجلدات عصر النهضة فى ستة مجلدات اخرى... لكن قارئ قصة الحضارة الذى وصل لتلك المرحلة المتقدمة نسبيا فيها يدرك مغزى ديورانت حين يقرر ان يروى عن فترة تاريخية تمتد قرنين لكنها زاخرة بالاحداث و غيرت شكل العالم فى هذا العدد الكبير من الاجزاء و المجلدات المتوالية... فعصر النهضة هو بذاته عصر الاصلاح الدينى لكن الفارق الرئيسى ان بينما كانت ايطاليا تنعم برفاهية الفن و المؤامرات السياسية كانت المانيا و باقي اوروبا يتميز فى نار الحرب و الانشقاق الدينى

هو ذاته العصر لكن المكان و تقرد ايطاليا فى اكثر عصورها ذهبية جعلت ذلك الفارق الكبير بين نوعية الاحداث و الافكار ... تكنيك ربما مرهق للقارئ حين يعيد قراءة كل ما قرأ لكن ديورانت كمعلم عتيد يأخذ بيك لعالمه و يوعدك بالمعرفه و المتعه فتقبل الرهان
*******************
وصل البشر فى ذلك العصر لمثل حال عصرنا حين وقف الانسان بعد ثبات طويل فى عشرة من القرون كونت العصور الوسطى و تساءل عن جدوى الدين اولا و عن جدوى المؤسسات الدينية ثانيا , و ان كانت فطرته اهدت -او كادت- اليه اجابة السؤال الاول فانها تعجز عادة عن الوفاء بالثانى ... و بمجرد اطلاق السؤال عن "جدوى" المؤسسات الدينية يكون الشك قد دخل بالفعل و حدث نصف التأثير حتى قبل الاجابة بالهجوم او بالدفاع , العصور الوسطى الزراعية و الاقطاعية انتهت و حل عالم من الملكية المطلقة و الحياة التجارية لم تعد تناسب مجد كنيسة القديس بطرس التقليدى

وبينما كانت الكنيسة يبدو عليها أنها آخذة في استعادة مجدها وسلطانها، كان يحدث في أوربا تغير اقتصادي وسياسي وعقلي يعمل بالتدريج على تقويض صرح المسيحية اللاتينية

ذلك أن الدين يزدهر عادة في ظل النظام الزراعي على حين أن العلم يزدهر في ظل الاقتصاد الصناعي فكل حصاد معجزة من المعجزات في الأرض ونزوة من نزوات الجو، والفلاح الحقير الخاضع لسلطان الجو والذي ينهكه الكدح، يرى من حوله قوات خارقة للعادة في كل مكان، ويوجه الدعوات والصلوات إلى السماء ليسترضيها ويستميلها إليه، ويرتضي الخضوع لنظام ديني إقطاعي يتدرج ولاؤه فيه من السيد المالك إلى الملك إلى الله.

أما الصانع في المدينة والتاجر وصاحب المصنع وذو المال فيعيشون في عالم من الأرقام يحسبون فيه العمليات والكميات والأسباب المادية والنتائج المرتقية العادية. وتهيئ الآلة ومنضدة العد والحساب عقولهم لأن يروا حكم (القانون الطبيعي) يبسط سلطانه على أرجاء آخذة في الاتساع. وكان نمو الصناعة والتجارة وتكدس الأموال أثناء القرن الخامس عشر وانتقال العمال من الر يف إلى المدن وقيام طبقة التجار واتساع دائرة الاقتصاد من البيئة الصنفية المحلية حتى أصبح اقتصادياً قومياً ثم دولياً-كل هذا كان نذير شؤم للدين الذي كان يوائم أشد المواءمة نظام الإقطاع وما يطرأ على الحقول من تقلبات تبعث في النفس الكآبة والقنوط. وأخذ رجال الأعمال يحطمون القيود التي يفرضها سادة الإقطاع، وكان لا بد للكنيسة أن ترضى بشيء من الشعوذة اللاهوتية المكشوفة إلى ما تحتمه ضرورة الأيام من فرض فوائد على القروض إذا كان لا بد لرؤوس الأموال أن تستخدم في توسيع دائرة الصناعة والمشروعات المالية،

وما وافى عام 1500 حتى أصبح الناس يتجاهلون أوامر الكنيسة القاضية بتحريم "الربا". ثم حل المحامون ورجال الأعمال شيئاً فشيئاً محل رجال الدين والأعمال في إدارة أعمال الحكومة، وأخذ القانون نفسه، بعد أن ظفر باسترداد تقاليده ومكانته اللتين كانتا له في عصر الإمبراطورية الرومانية، يسبق النظم الأخرى في الانتقال من الصبغة الدينية إلى الصبغة الدنيوية ويتعدى يوماً بعد يوم عل نظم الحياة الكنسية التي كانت تخضع من قبل للقوانين الدينية وزادت سلطة المحاكم الزمنية واضمحلت سلطة محاكم الابرشيات.

وأخذت الدولة الملكية الناشئة بعد أن بلغت طور الشباب وازداد ثراؤها بفضل ما تجمع لها من المال من التجارة والصناعة، أخذت تتحرر شيئاً فشيئاً من سيطرة الكنيسة وأخذ الملوك يعارضون في وجود المندوب البابوي أو القاصد الرسولي في بلادهم ل،ه لم يكن يعترب بسلطان غير سلطان البابا وبذلك جعل كنيسة كل أمة دولة داخل دولة
*******************
و المجلد الرابع و الثلاثون مخصص باكمله لاحوال انجلترا و فرنسا و العلاقة المضطربه بينهم فى ذلك العصر الصعب من اعوام 1300 الى 1515 م

نرى تتابع الملوك الانجليز واحد تلو الاخر و نتمنى ان تحتفظ ذاكرتنا بالاسماء و التواريخ و ربما لن يحدث هذا لكن بعضهم و قصصهم الغريبة تلتصق بالذهن فذلك إدوارد الثاني المحب للعاشقين الذكور و التارك لزوجته الشرعية , و هذا و ادوار الثالث الذى بدأ عادة اجتماع "البرلمان" لممثلى الشعب لاقرار القوانين و الحالم بغزو فرنسا , و رييتشارد الثانى الفارس الاسود المتوج فى عز فترات القلقلة الدينية , و هنرى الخامس و حكايا شكسبير عنه و كيف خلد ذكرى الملك البعيد لينقل نقل مظفر من كتب التاريخ للادب ,

و لن يمر ديورانت على انجلترا قبل ان يعرفنا على تشوستر 1340 - 1400 .... يقرأ لنا اعماله و يحكى لنا قصة حياته بين الملوك و يلخص لنا "حكايات كانتبري" و يشوفنا لها , و يعرفنا على فضل تشوستر على الانجليزية كفضل دانتى على الايطالية فى الولادة الصعبة للغات المحلية على اللاتينية العتيدة العنيدة لقرون و قرون
*******************
و من قلب انجلترا كان "ويكلف" و من قلب ويكلف كان الاصلاح الدينى قبل ان ينطق هس او لوثر بالحلم الاكبر , و كالعادة كان المال المتكدس فى خزائن الكنيسة سبب الاصلاح لا الاخلاق ولا الدين فكأن الاصلاح الدينى كان ثورة اقتصادية و سياسية قومية قبل اى شئ اخر

و ويكلف تماما ك لوثر متأثر بجبرية و قدرية اوغسطين التى يكرهها ديورانت من كل قلبه فيما نشعر ... و حمل نفس الاراء من عام 1366 إن أعظم ما تحتاجه الكنيسة ويحتاجه رجال الدين من إصلاح هو أن تتخلص ويتخلص رجالها من الأملاك الدنيوية. وكأن هذا لم يكن يثير من المتاعب ما فيه الكفاية، فاستنتج ويكلف من مذهبه الديني مذهباً آخر من مذاهب الشيوعية النظرية والفوضى النظرية، فقال إن كل شخص تحل عليه نعمة الله وبركته يشارك الله في امتلاك الطيبات، أي أن كل شيء من الوجهة النظرية يمتلكه جميع الصالحين مجتمعين. أما الملك الخاص والحكومة فهما أثر من آثار خطيئة آدم وخطيئة الإنسان التي ورثها عنه أي أنهما متأصلان في الطبيعية البشرية. كما كان ينادي بذلك بعض الفلاسفة المدرسيين. والمجتمع الذي تعمه الفضيلة لا يكون فيه ملك فردي، ولا قانون يضعه الإنسان وتسنه الكنيسة أو الدولة. وخشي ويكلف أن يفسر ذلك المتطرفون الذين كانوا يفكرون وقتئذ في الخروج على الحكومة في إنجلترا تفسيراً حرفياً، فقام يفسر هو شيوعيته على أنها يجب أن تؤخذ بمعناها المثالي، وأن السلطات التي تقوم بمقتضاها هي التي نادى بها القديس بولس والتي أمر بها الله ومن ثم كانت واجبة الطاعة. وقد كرر لوثر في عام 1525 تكراراً يكاد يكون دقيقاً كل الدقة ما لمح به ويكلف في أقواله عن الثورة.

ثم يشير ويكلف إشارة رقيقة فيقول أن البابا هو عدو المسيح الذي تنبأت به الرسالة الأولى من رسائل الرسول يوحنا، وأنه الوحش الوارد ذكره في سفر الرؤيا، والذي ينبئ بعودة المسيح.

ويقول ويكلف أن هذه المشكلة لا تحل إلا بتجريد الكنيسة من كل الأملاك والسلطات المادية، ويقول أن المسيح وحوارييه قد عاشوا فقراء وأن من واجب القسيسين أن يعيشوا هم أيضاً فقراء، أما الرهبان والإخوان فيجب أن يعودوا إلى ما كانت عليهم قوانين طوائفهم، فيبتعدوا عن كل ملك وترف. والقساوسة "يجب أن يبتهجوا حين تنتزع منهم كل أسباب السيادة الزمنية"، ويجب أن يقنعوا بالطعام والكساء، وأن يعيشوا على الصدقات التي يقدمها الناس إليهم طائعين مختارين. وإذا لم يتخلَ رجال الدين عن ثروتهم ويعودوا باختيارهم إلى الفقر الذي أمرتهم به الشريعة المسيحية، وجب أن تتدخل الدولة فتصادر أملاكهم

ومن واجب الملك حين يفعل هذا ألا يخشى ما يصبه عليه البابا من اللعنات، لأن "اللعنة الصادرة من الآدمي أياً كان ليست لها قوة، إلا إذا كانت اللعنة صادرة من الله نفسه". والملوك مسئولون أمام الله وحده، وهم يستمدون سلطانهم منه. ويقول ويكلف في هذا إن الدولة يجب أن تعد نفسها ذات السلطان الأعلى في جميع
الشؤون الزمنية، وأن عليها أن تستحوذ على جميع أملاك الكنيسة.

و بعد ويكلف و الحرب و الثورات و الثروات و التطور الاجتماعى و السياسي و الادبى وفي عام 1504 نصب كولت نائباً امطران كنيسة سانت بول، ومن هذا المنبر الرفيع عارض بيع الأسقفية، والفساد الناجم عن قوامة رجل واحد على موارد كنائس متعددة. وأثار بآرائه هذه معارضة عنيفة، ولكن ورهام كبير الأساقفة، عمل على حمايته. وكان ليناكر وجروسين ومور، قد استقروا وقتذاك في لندن وقد برئوا من جمود أكسفورد وتعصبها القديم، وشحذت عقولهم زيارات أرازموس وسرعان ما حظوا بتأييد الملك هنري الثامن. وبدا أن كل شيء ممهد لنهضة إنجليزية، ستتحرك مصطحبة، إصلاحاً دينياً سليماً.
*******************
اما فرنسا فخرجت من العصور الوسطى مشتتة ممزقة يحتل اجزاء منها انجلترا و اجزاء اخرى تابعه للامبراطورية الرومانية و الباقي ممزق بين ملكية و اقطاعية تتظاهر بالخضوع للملك دون أثر حقيقى

و كعادة هذا العصر ترك التطور الاقتصادى و تقليل اهمية النقابات اثر ادى الى ثورات عمالية و فلاحية مقموعة بمزيج متكرر من السلطة الدينية و الزمنية مثل فقد انتفض عام 1300 فلاحون فقراء، عرفوا في التاريخ بالرعاة، واصطخبوا في المدن أخذوا يجمعون في انتفاضتهم العمال الكادحين المتمردين. وساروا جنوباً، يتزعمهم راهب ثائر، وأغلبهم حفاة عراة من السلاح، معلنين أن القدس غايتهم. ودفعهم الجوع إلى انتهاب الدكاكين والحقول، ولما تعرضوا للمقاومة، استطاعوا أن يحصلوا على الأسلحة، ويؤلفوا جيشاً. حتى إذا بلغوا باريس حطموا أبواب السجن، وهزموا قوات الملك. فحبس فيليب الرابع نفسه في اللوفر، وانسحب النبلاء إلى معقلهم، وجبن التجار في دورهم. وواصل الحشد سيره، وزاد عدد أفراده بانضمام المعدمين في العاصمة إليهم، حتى بلغوا أربعين ألفاً من الرجال والنساء ومن الأوباش والأتقياء. وذبحوا فردن وأوخ وتولز جميع من وقع في أيديهم من اليهود. ولما تجمعوا في ايجوز مورت، على البحر الأبيض المتوسط، أحدق بهم عمدة كاركاسون بقواته، وقطع عنهم المؤن، ولبث كذلك حتى مات جميع الثوار من الجوع أو الوباء، وشنق القليلين الذين بقوا منهم.

فهل كان مطالبة ادوارد الثالث ملك انجلترا بحقه فى عرش فرنسا هو السبب الرئيسى لحرب المئة عام؟ نجيب بنعم لكننا نعتقد ان الحرب كانت وشيكة لاسباب سياسية و اجتماعية فالسبب كان رئيسي لكنه ابدا ليس الوحيد , و قصة حرب المئة عام ممتعة و طويلة فى حد ذاتها و هى تدهش فى طولها و عنفها القارئ المعاصر خاصة انه لا يصدق ان كل تلك الدماء و الاموال من اجل ورث زال اجله

و القراءة عن حال فرنسا و اهلها اثناء الحرب مؤلمة حين نتصور مدينة النور محطمة مليئة باليأس و الشر و الجوع وفشا اللواط، وشاعت الدعارة، وكاد المجون يصبح عاماً. ودعت فرقة "الآدميين" في القرن الرابع عشر، إلى مذهب العري، وظلت تمارسه علناً إلى أن منعته محاكم التفتيش.

و فى تلك الزخام تظهر العذراء الصغيرة المحاربة و المعذبة جان دارك فى قصة تبدو درامية اكثر منها عسكرية و هنا يذكرنا ديورانت برأيه المعروف بان يجب علينا ألا نبالغ في الأهمية الحربية لجان دراك، وربما كان في استطاعة دينوا ولاهير، أن ينقذا أورليان بدونها، فإن خططهما في الهجوم المتهور أحرزت النصر في بعض الوقائع والهزيمة في الأخرى، وكانت إنجلترا تحس تكاليف حرب المائة عام

و بالمغامرة الفرنسية فى ايطاليا تظهر سمات هذا العصر التى حظت فيه روما بمجد الترف بينما انشغل الجميع عنها بالتحضير للمستقبل و التطور التجارى و التقلبات السياسية
***********************
ما الذي وضع نهاية للعصور الوسطى؟ أسباب كثيرة أخذت تعمل حلال ثلاثة قرون: فشل الحروب الصليبية، وزيادة معرفة أوربا الناهضة بالإسلام، والاستيلاء على القسطنطينية، وبعث الثقافة الكلاسية الوثنية، وانتشار التجارة بفضل رحلات أسطول هنري الملاح وكلولمبس وفاسكو دا جاما، ونشأة الطبقة التجارية التي مولت مركزية الحكومة الملكية، وتقدم الدولة القومية، متحدية سلطة الباباوات التي تعلو على القومية، وثورة لوثر الموفقة في وجه البابوية، والطباعة.

و بجوتنبرج انفتح الباب الذى تمنت الكنيسة طويلا ان تغلقه ... و صارت الكتب جميعا و من ضمنها الكتاب المقدس فى يد الجميع ان ارادوا و لم تعد الاديرة سجون للكتب بعد الان , و كأن العالم يتهيأ لثورة لوثر الدينية

دينا نبيل
نوفمبر 2015

عصر النهضة 5 -المجلد الثالث و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: عصر النهضة 5 -الانحطاط الحضارى و السياسى -المجلد الثالث و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمه: محمد بدران
عدد الصفحات: 238 صفحة
اصدارات دار نوبليس

حين يبدأ المرء فى سلسلة تبلغ 58 مجلد لا يكاد يصدق انه سوف يصل حتى الى منتصفها يوما و ها نحن قد وصلنا للمجلد ال33 و الاخير ضمن المجلدات الخمسة التى تحكى فى طياتها قصة عصر الحضارة الذهبى الايطالى الرشيق بين مولد بترارك الى موت تيتشيان

نصل الى نهاية العصر الذهبى للفن فما اسماه ديورانت الانحطاط السياسى و الحضارى و فيه نرى رحلة مدن ايطاليا المنقسمة فى القضاء على نفسها و تسهيل الغزو الخارجى , علمنا ديورانت فى مجلدات العصور الوسطى التسعه التى تمثل الف عام ان وسائل الدفاع كانت قد تقدمت على الهجوم و نذكر دور الاقطاعيات و رقيق الارض فى اقامة عدد هائل من الحصون و القلاع لكن ها هنا و حين ارادت فرنسا ان تدخل شبه الجزيرة الايطالية الممزق ساعدتها التكنولوجيا المدفعية الخفيفة المتنقلة فى هزيمة حتى تنظيم جنود سويسرا فما بالك بجيوش المرتزقة التى تجرها الثيران البطيئة

و حين تفوقت اساليب الهجوم على الدفاع قدر للبشرية ان تدفع تمن ذكاءها بالدماء فكثر عدد الضحايا بعد فترات تاريخية طويلة من الخسائر الاقتصادية

كان تدخل فرنسا فى ايطاليا عموما و فى نابلى خصوصا درسا للمدن المتصارعة فى سوء التدبير فقد اتفق معظم اللاعبين على الساحة -فى السر دائما- كلا مع شارل الثامن لدخولها و وعد كل منها الفرنسين بحسن الاستقبال و ربما كان من الممكن ان يقضى شارل على الامر من اول محاولة لولا الكسل و الزهرى...لكنها عموما لم تكن النهاية

لكن ايطاليا الممزقة جذبت مكسمليان الالمانى و فرنارند ملك اسبانيا يشتركون بطرقهم الخاصة فى التحالفات المتصارعة..و يفاجئ الجميع البابا بان يرضى تقسيم نابلى بين الفرنسيين و الاسبان , يؤدى الى بقاء نابلى تحت سيطرة اسبانيا من اعوام 1505 ل سنه 1707
**********
أضحى نصف إيطاليا الآن في أيدي الأجانب: فقد كان جزؤها الجنوبي ملكاً لأسبانيا، وجزؤها الشمالي الغربي الممتد من جنوى مجتازاً ميلان إلى حدود كريمونا في يدي فرنسا، وكانت الإمارات الصغرى خاضعة لنفوذ فرنسا، ولم يكن فيها بلد مستقل استقلالاً نسبياً سوى البندقية والولايات البابوية، ولطالما اشتبكتا في حري متقطعة للاستيلاء على مدن رومانيا. ذلك أن البندقية كانت تتوق إلى المزيد من الأسواق وإلى موارد الثروة في شبه الجزيرة لتعوض ما استولى عليه الترك من أسواقها ومواردها أو هددته طرق الملاحة البحرية إلى الهند عن طريق المحيط الأطلنطي. ولهذا اغتنمت فرصة موت الإسكندر ومرض سيزارى بورجيا للاستيلاء على فائنزا، ورافنا، وريميني، وأخذ يوليوس الثاني يضع الخطط لاستعادتها لنفسه؛

فأقنع لويس ومكسمليان في عام 1504 بأن يضعا حداً لنزاعهما الذي يخالف تعاليم الدين المسيحي، وأن ينضما إليه في مهاجمة البندقية، وأن يقتسما فيما بينهما أملاكها في شبه الجزيرة ولم يجد مكسمليان في نفسه ما يمنعه من قبول هذا العرض، لكن خزائنه كانت خاوية، ولم تحقق هذه المؤامرة نتيجة ما. غير أن الفكرة ظلت تراود يوليوس وظل هو يحاول إخراجها إلى حيز الوجود.
*************
كان كل نصر لمدينة ايطالية يؤدى لخراب مدينة اخرى و احتلال مدينة ثالثة و غير الجميع ادوار احلافهم السياسية فى مهارة تحسد لم ينتج عنها الا ضياع مزيد من الارواح حول التنافس فى تجارة البحر المتوسط

خافت الكنيسة من ايطاليا موحدة تضيع قوتها الزمنية فعطلت حركات التوحد تباعا و فضلت ان تحد حدودها الشمالية دائما دولة محتلة مختلفه عن تلك التى تحيط بالجنوبية ... فى ظل بابوات لم يمتلكوا اكثر من مهارة ميكافيلية فى وجه الاسلحة الثقيلة و ملوك متصارعين و فقدان سلاح الحرمان الدينى الذى جعل فريدريك الثانى يركع على ركبته قبل ذلك بزمن طويل

و عادت دورة التاريخ سريعا ب "ادريان السادس" الذى كسر احتكار بابوات ايطاليا من جانب و العائد بسلطان فرنسا مرة اخرى كايام بابوات افنيون , و هو يشبه شخصيات العصور الوسطى اكثر من النهضة ...و يحزنا قليلا ان نرى مسيحى حقيقى متزمت فى ذلك العصر المتحرر يحتقر الفنون و لا يرى فى الفساد المالى الا فساد اخلاقى , و يغض الطرف رغم جمال روما الخلاب عن ايات الجمال القديم و الحديث و بلاغة كتاب الانسانيين لكنه لم يكن عصره بالضبط كما لم يكن عصر سفنرولا و قضت دورة التاريخ على كلاهما ببساطة لانها شخصيات جاءت فى الوقت الخاطئ
***************
لكن حتى بابا تقليدى -بمعايير عصر النهضة- ك كلمنت السابع كان قادر على حل معضلة ضعف روما العام و وقوعها بين قوة فرنسا و المانيا

و ارتكبت روما فى عصر الخطيئة الكبرى حين تحيزت للطرف الخاطئ من الصراع فجلبت على نفسها الويلات و ثانيا عندما نفذت نصف افكار ميكافللى فقط فاستعانوا بالمكر و تغيير المواقف دون تبنى نموذج الجيش الوطنى المتجمع تحت "امير" واحد ...و عموما قد بدأ السلب على يد ال كولونا قبل ان يبدأ على يد فرنسا

و قصة نهب روما 1527 من اتعس ما كتب فى التاريخ و ربما يتساوى مع اجتياح روما سابقا بعد انفصال شقى الامبراطورية قبل ذلك باثنى عشر قرن ...و هى تجرح القلب الان و كأن 5 قرون لم تمر و تشابك التقتيل بالطاعون و الملاريا تزيد الامر مأساوية ...و ربما يعجب الانسان لالمه من فقدان و سرقة لوحات عصر النهضة الفنى و التماثيل اكثر من العدد المروع من القتلى
***************
اندفع الجنود الالمان في شوارعها أخذوا يقتلون كل من واجهوه في طريقهم دون أن يفرقوا بين الرجال، والنساء، والأطفال. واشتد تعطشهم إلى سفك الدماء، فدخلوا مستشفى سانتو اسبيرتو (الروح القدس) وملجأ اليتامى فيه، وذبحوا كل من فيهما من المرضى كلهم تقريباً. ثم اتجهوا إلى كنيسة القديس بطرس، وذبحوا من لجأوا إلى هذا الحرم المقدس، ونهبوا بعدئذ كل ما استطاعوا أن يصلوا إليه من الكنائس والأديرة، وحولوا بعضها إلى إسطبلات لخيولهم، وقتلوا مئات من القساوسة، والرهبان، والأساقفة، ورؤساء الأساقفة، وجردت كنيسة القديس بطرس والفاتيكان من أعلاهما إلى أسفلهما من كل ما فيهما، وربطت الخيول في حجرة رافائيل

. ونهب كل بيت في روما وحرق الكثير منها عجا اثنين لا أكثر هما قصر الكانتشيلريا الذي كان يشغله الكردنال كولنا، وقصر آل كولنا الذي لجأت إليه إزبلادست، ومعها بعض أغنياء التجار، ونفح هؤلاء زعماء الغوغاء بخمسين ألف دوقة لينجوهم من الهجوم، ثم سمحوا لألفين من اللاجئين أن يحتموا وراء الأسوار. وأدى كل قصر من القصور الفدية نظير حمايته، ولكن هذه القصور نفسها هاجمتها جماعات أخرى واضطرت أن تفتدي نفسها من جديد. وقد حدث في معظم البيوت أن اضطر من فيها جميعاً إلى افتداء أنفسهم بمبلغ محدد؛ فإذا لم يوفوا به كله تعرضوا لألوان من العذاب، وقتل منهم آلاف، وألقى بالأطفال من النوافذ العليا، لكي يضطر آباؤهم إلى إخراج ما اكتنزوه من المال وأخفوه، حتى غصت الشوارع بالقتل.

وكان نصف الغوغاء المنتصرين من الألمان، لم يكن يشك معظمهم في أن البابوات والكرادلة لصوص، وأن ثروة الكنيسة في روما سرقة ونهب من الأمم، وفضيحة للعالم. وأرادوا هم أم يخففوا من هذه الفضيحة، فاستولوا على جميع ما في الكنائس من ثروة منقولة بما فيها الأواني المقدسة، والتحف الفنية، وخرجوا بها ليذيبوها أو يفتدوا بها أنفسهم، أو يبيعوها. أما المخلفات المقدسة فقد تركوها مبعثرة على الأرض.

يلق الكرادلة الألمان، الذين ظنوا أنفسهم بمنجاة من شر أبناء وطنهم، خيرا مما لقيه غيرهم. وهتكت أعراض الراهبات والمحصنات من النساء في بيوتهم أو في الأديرة نفسها، أو حملن ليشبع فيهم جماعات من الجند شهواتهم بوحشية في أماكنهم

وليس من المستطاع إحصاء عدد من قتلوا في هذه الكارثة المدلهمة؛ وكل ما نستطيع أن نقوله أن ألفي جثة ألقيت في نهر التيبر من شاطئه الذي تقع عليه الفاتيكان؛ وأن 9.800 من الموتى دفنوا؛ وما من شك في أن عدداً آخر كبيراً من الناس قد قتل. وتقدر قيمة المنهوبات تقديراً متواضعاً بأكثر من مليون دوقة، وقيمة ما دفع من مال الفداء بثلاثة ملايين

125.000.000 الموازى بقيمة الان باكثر من دولار
*****************
و لن يستطيع ديورانت ان يمر على البندقية دون ان يحكى لنا عن أريتينو 1492 - 1556

صعد من الخدم و الغناء و المطابخ وتنظيف المراحيض الى ان يكون صاحب اللسان الاهم و الاطول فى ايطاليا الممزقة كلها , مستخدما فصاحة شعبية و اندفاع بدئ محبب و صراحة قاسية قريبة من قلوب الشعب , و يسعدنا قليلا ان نرى ملوك اوروبا الجابرين يحاولون رشوته و على رأسهم البابا نفسه
*****************
لم تكن الحروب التي اندلع لهيبها لغزو إيطاليا قد خبت نارها بعد ولكنها قد غيرت وجه إيطاليا وطبيعة أهلها، فالأقاليم الشمالية قد خربت تخريباً جعل مبعوثي هنري الثامن يشيرون عليه بأن يتركها لشارل عقاباً له على ما فعل بها. ونهبت جنوي، وفرضت على ميلان ضرائب فادحة قاتلة، وأخضع حلف كمبريه مدينة البندقية، كما أضعفها وأذلها فتح الطرق التجارية الجديدة، وقاست روما، وبراتو، وبافيا الأمرين من جراء السلب والنهب

وانتشرت المجاعة في فلورنس واستنزفت مواردها المالية، وكادت بيزا تدمر نفسها في كفاحها لنيل حريتها، وأما سينا فقد أنهكتها الثورات، كما أفقرت فيرارا نفسها في نزاعها الطويل مع البابوات، وأتت بما يغض من كرامتها بتحريضها على الغزو المستهين لروما. وحل بمملكة نابلي ما حل بلمباردي من سلب ونهب وتخريب على أيدي الجيوش الأجنبية، وذوى غصنها الرطيب زمناً طويلاً كانت فيه خاضعة للأسر الحاكمة الأجنبية، وصقلية؛ وما أدراك ما صقلية؟ لقد أضحت معششاً لقطاع الطرق، وكانت السلوى الوحيدة لإيطاليا هي أن خضوعها لشارل الخامس قد أنجاها في أغلب الظن من اجتياح الأتراك لها وانتهابهم إياها.
***************
الى هنا تنتهى مجلدات قصة الحضارة الخمسة التى اعطى لنا ديورانت فيها بانوراما ممتعة عن تاريخ ايطاليا من مولد بترارك الى موت تيشيان 1300 ل 1576فى عز فترات الفن و الرفاهية التى مرت على العالم... و هو المجلد الاخير فى ترجمة محمد بدران و به نختتم رحلة طويلة جدا مع الرجل لكن رحلتنا مع ديورانت لم تنتهى و لا رحلتنا مع قصة حضارته الممتعة

و لا يتبقى لنا كعادتنا الا الاتجاة راسا للمجلد التالى فى رحاب الاصلاح الدينى

دينا نبيل
يوليو 2015

الاخوة كارامازوف - الجزء الثانى تأليف: فيودور دوستويفسكي

اسم الرواية: الاخوة كارامازوف - الجزء الثانى
تأليف: فيودور دوستويفسكي 
ترجمة: سامى الدروبي
عدد الصفحات: 342 صفحة
التقييم: 5/5

ما سر عظمة "الاخوة كارامازوف" تلك دو غيرها من اعمال روسيا فى عصرها الادبي الذهبي؟و لم كانت حياة اسرة صغيرة مشتتة فى يومين اثنين لا اكثر تشغل 4 مجلدات ضخمة و تشتغل بال النقاد و القراء حتى بعد مرور قرنين من الزمن على اصدارها؟ و لم تتجدد كارامازوف و تتألق عبر الزمن و لا يؤثر فيها انفضاء عهد بعض احداثها؟

اسئلة لم يكتمل الاجابة عليها فى الجزء الثانى من الملحمة تلك لكن الاشارات و قطع البازل الصغيرة التى ظهرت لنا تكفي لتكوين فكرة عامة الى حين استكمال النصف الاخر من ملحمة الروسي العبقرى الضخمة

حديث ازلى شائق و ممتع و مرهق حد الجنون هو ما يغذى دوستويفسكي افكارنا به , "الرحمن و الشيطان يتقابلان" دائما و ابدا و الخير يقابل الشر فى رقصة ابدية محمومة , ملك الاسترسال يحيك لنا جمل مطولة ساحرة عاصية على الاقتباس لكنها تدوخنا و تثير فكرنا
****************
- انا فى الظاهر راهب , فهل انا راهب حقا يا ليزا؟ لقد قلا منذ هنينة انى راهب

-نعم قلت ذلك؟...

-راهب...و مع ذلك قد لا اكون مؤمنا بالله

-أأنت لا تؤمن بالله؟ ماذا دهاك؟ كذلك سألته ليزا محذرة بصوت خافض و لكن اليوشا لم يرد , ان هذا القول الذى افلت من لسانة يعبر عن فكرة غامضة تشوى قرارة قلبه و لعله لا يستطيع هو ان يستبينها و لكنها كانت تعذبه ما فى ذلك ريب

الاقتباس السابق وحده يعبر عما يقدمه دوستويفسكي دائما عندما يرسم المسلمات بثبات و تأنى و يتبع خطط مطولة لاقناع القارئ بها ثم يتلذذ بهدمها فوق روؤس الجميع و هو عندما يفعل ذلك لا يهدم هدم تام صريح بل يكتفي بازاحة حجز ما صغير فى قاع الصرح و يشاهد التأرجح و فى سباق غير محسوم النهاية ان كانت قوة الصرح ستكفي لاستقرار قلق مؤقت ام ان الهدم الازلى قادم بلا هوادة و هو يثبت ربما فى حد ذاته لماذا ابتعد الاديب الروسي عن نمطية المؤلفين التى غرقنا بها حتى الانوف
****************
و يصنع مفهوم "القوة الغامضة الخفية الكامنة في افراد ال كارامازوف" التى تشتد حتى فى اليوشا المؤمن البسيط الذى اصبح يشك ان روح الله ذاتها تحلق فوقها ... ظمأ مسعور للحياة , حب حار للحب ذاته , قوة جاذبة مركزية قوية في كوكبهم السيار هذا

و لسبب ما اقتصر دوستويفسكي تلك القوة على الذكور فقط فتخلص من الاناث اما بالموت او الجنون و الهستريا و تمت ازالة كل عامل نسائى , وكأن الامومة لا تليق بال كارمازوف فكان كل عمق فى ذكور العمل يقابلها بلادة و بلاهة مقصودة لحد جعل دوستويفسكي يرسم حدود "الانسان" و مشاكله على نموذج الرجل فقط
**************
من اين يبدأ دوستويفسكي و اين ينتهى فى قصته؟ سؤال يهم الناقد اكثر مما يهم القارئ لكننا نرى ان روح الروسي العبقرى وسعت و تناقضت كفاية لان نرى اجزاء منه فى معظم شخصيات العمل فالحاده هو ايفان و ايمانه هو زوسيما و شكه هو اليوشا و غضبه هو ديمترى و حبه للحياة هو فيدور

و هو يصدم القارئ حين يتغلغل فى الالحاد فى صفحات تطول و تطول و تصل الى ذروتها فى فصل "المفتش العام" القصة شبه المنفصلة عن الرواية حين يروى على لسان ايفان قصة قصيرة كاملة خيالية عن المسيح حين يقرر ان يزور الارض فتعتقله محاكم التفتيش المسيحية , يصدم القارئ المتدين لدرجة ربما تدفعه لهجر العمل و اعلان ان دوستويفسكي معادى للدين لدرجة لا يتحملها

و يصدم القارئ اكثر عندما يفرد اكثر من مئة صفحة على لسان الراهب زوسيما تمتلأ باحاديث ايمان مسيحية كثيفة العدد و كثيرة الحرارة و شديدة التقليدية , تصدم القارئ "العلمانى" لدرجة قد تدفعه لترك العمل و اعلان نفس الدوستويفسكي محب للدين التقليدى بشكل لا يحتمل

و بين التبادل الحر بين الشك و الايمان يتأرجح و نتأرجح معه
**************
أمويد دوستويفسكي للحرية ام يعتبرها عبء ثقيل تنوء به الانسانية؟ ايضا سؤال سيكتفي العبقرى الروسي ان يجعلنا نطرحه دون اجابه واضحة كغيره من الاسئلة العالقة

الحرية هبه ام لعنه؟...هل سنكون اكثر سعادة حين نبحث بانفسنا؟ ام حين نضع حريتنا المعلونة تلك على اقدام محاكم التفتيش و نتوسل ان رجع الى العبودية المريحة التى تمنعنا ان نقتل بعضنا البعض؟... أنحن ظمأى الى الايمان بالله ان مشتاقين فقط للمعجزات؟ ... عندما نوضع فى الاختبار الكبير سنختار خبر الارض الفانى الملموس ام وعد بخبر سماوى لا نهائى منتظر؟... أحقا يقوم الايمان على ثالثوث "المعجزة , السر , الهيبة"؟ و هل الايمان الفردى يصلح دعامة لاقامة مجتمع ام ان المؤسسة التى تقولب لنا الكون الزامية الى هذا الحد؟ ... هل يمكن ان نمنح الحرية الفكرية دون ان ندمر انفسنا؟ و لم كل مرة نحظى فيها بحريتنا نهرع لبناء برج بابل يطاول السماء؟ ... هل تحملنا الاديان عبء سمو لن نصله ابدا فنتهى للقلق النفسي و حسب؟... الانسان وضيع ضعيف؟ ام جبار متعنت؟ ام قادر على حمل صليب حريته على كتفه و الصعود الى جبل الجلجثة دون ان يطرف له رمش؟
***************
من الصعب جدا ان تحوى "رواية" بمفهومها التقليدى تلك الجرعة المكثفة من الافكار الفلسفية و العجيب حقا ان دوستويفسكي قادر ان يطرح كل تلك القضايا دون ان يتأثر ايقاع العمل الدرامى و تطور الاحداث و هى احد اهم الامثلة على اتساع قدرة القالب الروائى على استيعاب اشكال الكتابة الاخرى

فيجعلنا نهرول الى المجلد الثالث بنفس حماسنا للمجلد الاول و قد يزيد

دينا نبيل
فجر 30 اكتوبر 2015

المقامر تأليف: دوستويفسكى

اسم الرواية: المقامر
تأليف: دوستويفسكى
ترجمة: سامى الدروبي
عدد الصفحات: ٢٣٩ صفحة
اصدارات المركز الثقافي العربي
التقييم: ٥/٤

" هل يستحيل حقا ان يدنو المرء من مائدة القمار دون ان تسرى اليه عدوى الايمان بالخرافات فورا؟! "

يفعلها دوستويفسكى كعادته فيضع المعانى الانسانية الكبيرة العابرة للحدود و اللغة في قالب اعتيادى درامى سريع ، فنجد شخصيات درامية نمطية و اخرى مميزة متألقة نكاد نلمسها لفرط واقعيتها

الكل اذن يعلم تاريخ كتابة النوفيلا الشهيرة "المقامر" و الحادثة اللطيفه عن الناشر الجشع الذى اجبر الروسي العبقرى علي كتابة بحكم عقد علي كتابة رواية جديدة تتألف من عشرة ملازم علي الاقل قبل نوفمبر ، فيبدأ مؤلفنا فيها في اكتوبر يعتصر كل طاقته كى لا يفقد حقوقه المالية في جميع مؤلفاته السابقة و اللاحقة .. و عن "انا سنيتكين" السكرتيرة اللطيفة التى كتبت الرواية كاملة املاءا من فم دوستويفسكى ، لتنهى الرواية في ٢٥ يوم فقط و تعد للنشر

و بتاريخ كهذا -القصة تلك استخدمت وحى لرواية هندية عن دوستوفيسكى رائعه لكن لذلك مقام اخر- يتريب المرء من "المقامر" و يعدها عمل روتينى يسد خانة مادية لا اكثر ... لكت العبقرى الروسي يصدمنا بمشاهد تبرق من فرط الحركة و الدراما الرفيعه

و تلك المشاهد تتركز في خطى حب البطل لباولين القاسية في اشارة مبكرة لعلاقات سادية/مزوخية ربما ليست علي المستوى الجنسي لكنها واضحة علي مستواها العاطفي ... حب جارف ضخم يضع فيه الروسي العتيد جزء من تاريخه الشخصي فنرى المشاهد تلك تنبض بالحياة ، مزيج مؤلم متفجر بين الحب و الكراهية و الاحترام و الاحتقار كعادة دوستويفسكى معنا

و الاخر عن الخط الدرامى للصالات القمار ذاتها و هو ايضا يحمل لمحة من فترة في حياة المؤلف الحقيقية و هوس القمار الساحر و تضارب الارقام و لذات المكسب و الخسارة المجنونة التى تحمل سحر خاص ان كان المبلغ ضخم و سحر اكثر ان كان المبلغ صغير اخير في جيب مفلس .... تصويره للجده التى شارفت علي المئة تقامر بكل خلجاتها في مشهد درامى يندر في الادب العالمى

نذكر هنا ان ل بلزاك محاولة صغيرة في روايته "الجلد المسحور" ان يحدثنا عن هوس المقامرة و اجواء الروليت و نذكر ان كاتبة تلك الكلمات انبهرت بالقطعة تلك لكنها الان تتراجع و تعلن ان الادب الروسي يفوز علي نظيره الفرنسي في تلك علي الاقل بالضربة القاضية

و دستويفسكى ابن القرن التاسع عشر البعيد يسبق علم النفس البدائى حينها فيعرف اصول الادمان بكل مراحله و صعوباته ... و هو يضغط دائما علي مفهوم "المكسب الكبير الاخير" الذى يراوض كل مدمن في الوجود

ربما نقول ان "المقامر" تحتوى علي شخصيات عادية و احداث ارستوقراطية مملة احيانا نراها كثيرا في ادب تلك الحقبة الروسي و غيره لكن تلك الاضافات الصغيرة التى وضعها دوستويفسكى من حياته الزاخرة تتميز فورا عن غيرها فهى تنفض غبار الدراما المصطنعة فورا و تتركنا في دهشتنا

و هو ينزع عن القمار دروس الاخلاق المدرسية فيجعل النبض يظهر في اورده جبهتنا و نحن نشارك علي الورق السباق المحموم علي اذا كان الاحمر ام الاسود هو من سينتصر و ان كان بطلنا سيكمل شهر اخر كخادم او شهر جديد كملك متوج ، لكننا نطمئن في كل حال فان كانت الاولى فيجمع في الشهر التالى ما يراهن به فيعود او الثانية فينفق الاموال كلها فيتجمع مبلغ اخير صغير لتبدأ الدورة المجنونة علي الاحمر و الاسود دورة لن نتأكد ابدا انها الاخيرة

دينا نبيل
عصر ١٤ اكتوبر ٢٠١٥


الدون الهادئ ج٤ تأليف: ميخائيل شولوخوف

اسم الرواية: الدون الهادئ ج٤
تأليف: ميخائيل شولوخوف
ترجمة: علي الشوك ، امجد حسين ، غانم حمدون
عدد الصفحات: ٦٦٣ صفحة
اصدارات دار المدى

اذا كانت صفة المجلد الاول هى البراءة و الامل و الايمان في مجد الحرب ، و المجلد الثانى هى حالة التخبط في جدوى الحرب ، و المجلد الثالث عن الانتقال الصعب لمراحل ما بعد الحرب عندما تتحول العسكرية الى مدنية مؤلمة ... فالمجلد الرابع من ملحمة الدون الطويلة البعيدة حتما عن الهدوء هى الخسارة الفادحة في اسمى معانيها

يستطيع هنا شولوخوف بكل ادوات الكاتب ان يصل بالشخصيات و النقاد و القراء الى مرحلة الخسارة التامة الكاسحة دون الوقوع في دومات الحزن حتى ، الخسارة هنا تقع علي رؤوس و اجساد متعبة مرهقة طويلا فلم يبقي في العيون دموع تراق من الاصل خاصة ان هناك دائما شبح ينتظر على الزاوية لخسارة افدح

اما كيف فعلها شولوخوف فهو ما يمنحه احترام الناقد و جائزة النوبل ربما ، كيف اوصلنا لان تكون الخسارة الضخمة باردة بسيطة عندما نفقد شخصية تلو الاخرى و كيف يعلمنا علي مهل ان المرء قد يموت بشتى انواع الطرق في الحرب التى تندلع دائما اسهل من احلال السلام

اتكون الحرب حدث طارئ علي البشرية فعلا؟ ام ان الاصل هو الحرب و يكون السلام هو فقط مراحل طويلة من الصمت استعدادا للعراك ، مرحلة نكدس فيها اسلحتنا في انتظار اشارة لنبيد بعضنا بشكل اقوى و كفاءة اتم تلك المرة

نلوم الحرب علي كل الاسي و نستعجل السلام بكل الحلم لكن عندما يأتى حلمنا القديم نكتشف ان اليد التى حصدت الارواح لن تتمكن الان من جمع القمح ، نفترض بطفولتنا البسيطة الخرقاء ان بمجرد العودة الى الديار و استبدال المعطف العسكرى الثقيل بلباس الفلاحة فان كل شئ سيغدو علي ما يرام ، فلن يفوه احد بكلمة عما فعلناه او فعل بنا و سينزل ستار ثقيل علي الماضى المتعب بكل ما فيه ، سيسوى كل شئ من تلقاء ذاته لكن الواقع كالعادته معنا لا يسير الى تلك الدرجة من اليسر فنتعلم -بالطريقة الصعبة- ان نبتلع الخسارة ذات الطعم المر في صمت و قبول

تتابع الانحدار المؤلم في مجرى الاحداث و حتى حال ابطالها ، و يضغط شولوخوف بكل ما يملكه لبيان ذلك

و قارئ الصفحات الاولى من المجلد الاول يشعر ان وصوله للصفحة الاخيرة من المجلد الرابع حلم صعب بعيد المنال ، لكت قارئ الجزء الاخير التعيس ذلك حين يتذكر رحلته الطويلة مع الدون و كل التقلبات بين الحزن و الفرح و الرثاء و الامل المسحوق يمدح شولوخوف كثيرا و يسب الحرب و ما تفعله بنا اكثر

لكنها رغم كل شئ ملحمة تستحق القراءة و الانخراط الطويل العميق في مصير ال ميليخوف الطويل في رحلة الدون البعيدة تماما عن الهدوء

دينا نبيل
اكتوبر ٢٠١٥

مورفين تأليف: ميخائيل بولغاكوف

اسم الرواية: مورفين
تأليف: ميخائيل بولغاكوف
ترجمة: اسكندر حبش
عدد الصفحات: ٩٨ صفحة
اصدارات طوى للنشر و الاعلام

لم نتحدث عن انفسنا بصيغة الغائب؟ ... ان بحثنا عن الاجابة في كتب الطب النفسي فسنجد كالعادة انفسنا فريسة لمعظم الامراض العقلية المتاحة في القواميس ، و ان بحثنا في كتب الاجتماع فسنجد اننا مستوحدون غير مندمجين ، لكن الاجابة دائما الانسانية البسيطة تخبرنا اننا نتحدث عن انفسنا بصيغة الغائب عندما يكون الألم اكثر مما نستطيع تحمله

لذا سنجد مبدع "مرجريت و المعلم" العظيمة يلجأ لاقدم حيل التاريخ ... و كاتبة تلك الكلمات -و ها هى تكرر اقدم حيل الدراما بنفسها طبيبة ايضا- لذا فشعور الطبيب مسلوب الارادة يصل الى القلب مباشرة دون مورابة .... معشر الاطباء يحملون مسؤولية ارواح كثر لدرجة تجعلهم يسخفون ارواحهم نفسها ، و المدواة الذاتية هى اقصر طرق الادمان في الكون

الطبيب هو الضحية الاشهر و الاسهل للادمان فمن ناحية توفر المادة المخدرة بسهولة لا يتخيلها المدمن العادى الى جانب ثقة في امكانية العلاج الذاتى و وهم امكانية وقف الجرعات الزائف كاى سراب بعيد ملون ، يجعل ذا المعطف الابيض عرضة دائما لا يحميه من نفسه سوى قليل من الارادة -ممكن الاطاحة بها في اى وقت- و الدعاء اليومى ان يحمينا الاله من التجربة

سيلجأ بولغاكوف هنا الى رواية قصته الصغيرة المعذبة المتصاعدة بشدة علي لسان بطل تخيلى سيمرض و يتعذب و يتعاطى و يموت بديلا عن المؤلف

و القارئ الحديث يتعجب من تشابة الادمان قديما بنفس دوراته الحديثة بنفس الاحلام و المخاوف و التساقط السريع المؤسف و الصعود الزائف قصير النفس

نوفيلا ام سيرة ذاتية؟ ... لعلها هجين مكروه ادبيا ينظر له النقاد بنصف عين مغلقة و عبوس علي الجبهة ، لكنها كفت و وفت

دينا نبيل
١٤ اكتوبر ٢٠١٥

الدون الهادئ ج٣ تأليف: ميخائيل شولوخوف

اسم الرواية: الدون الهادئ ج٣
تأليف: ميخائيل شولوخوف
ترجمة: علي الشوك ، امجد حسين ، غانم حمدون
عدد الصفحات: ٤٦٢ صفحة
اصدارات دار المدى

عندما تصل الى المجلد الثالث من ملحمة شولوخوف التى تستحق اللقب ستفاجئ انك لن تتساءل بعد الان و لن تسأل نفسك عن شخصية كذا حتى من ضمن الست مئة شخص هم مجموع من مروا في حرب الاربع مجلدات ... سيصبح بانتلاي. بيوتر و غريتشا و داريا و نتالي و ميشا كوشيفوى و ليستنسكى و افديتش الكذوب و غيرهم جزء من يومك تنتظر اخبارهم كصديق قديم و تتبع قصصهم و عاداتهم الصغيرة جنبا الى جنب مع قصة روسيا الكبيرة التى تتلاطم فيها كل حماقة الانسان

تتبدل صفات العدو و الصديق ، الحليف و الخصم ، الرفيق و المعادى ... تتبدل بلا هوادة لنفس الاشخاص ليصبح خصم الامس الحليف الاهم لليوم ضد من حاربوا الى جانبك منذ سويعات ، هى لعبة السياسة المقيتة ربما او تكثيف مبهر لحالات التأرجح في افكار البشر لا توضحها بتلك النسبة الا الحرب كاشفة الكثير

الحب ، الزواج ، الصداقة ، و العلاقات الانسانية تكافح وسط جنون الطلقات و المعاهدات و فض المعاهدات و التصالح مع العدو ، فتتحول تلك بدورها الى روليت روسي في حد ذاتها .. يعشق شولوخوف فكرة العلاقات الدوارة حين تتحول النزوة الى حب و الحب الى جنون ثم فتور و بحث عن نزوات جديدة ... لذا فسنرى اكسينيا فى الجزء الثالث تكمل دورتها بنفس الشغف الذى ظننا لوهلة انه محتوم علي غريغورى ذو العيون التركية و الانف الشامخ

و جندى الانسان هو مدنى اليوم التالى ، و الداعى للحرب بكل ما تملكه الجوارح هو الداعى الاول للسلام عندما يلمح نيرانها ، و الكل علي اهبه الاستعداد للتضحية بنفسه ولا احد قادر علي التضخية بالمحب و الاهل و فلذات الكبد ... و للحظة تكتشف انك تحولت قبل ان تعلم لتكون جاهزا لتقبل اى محنة او مذلة لينقذ حياتك و الاهم حياة اعزائك

لن ينسي كاتبنا العتيد ابن الريف و الحرب ابدا ان يروى لنا عن حال الظهور و المحاصيل و نشرة طقس نهر الدون مهما عظم الخطب فهناك دائما شمس ترسل دفء لمن اراد و رياح تنبه ولا يستمع لها احد و ارض تهفو الى نسمات البرد كما تشتاق لسنابك الخيل و خطى زراعها ، السناجب ستنادى منبوحة دائما و ان اعتقدنا ان مشاكلنا ستوقف العجلة الدائرة من قبل ان نوجد و بعدنا بكثير
***************
"قبل التحرير كنا نتقاتل لكى لا نموت ، اما الان فنحن نقاتل لكى نعيش و هناك فرق كبير بين ان تعيش لتتفادى الموت و ان تقاتل لتعيش ، فالذين يقاتلون لكى لا يموتون يحتفظون بكرامتهم و لا يجلون علي ركبتهم و هم يهربون في الجبال و الغابات ، يعيشون في الكهوف و يحاربون الغزاة في ضراوة الذئاب حرب شريفة و كريمة

و لكنهم بعد التحرير يحاربون لكى يعيشون و لكى يحتفظوا باجسامهم لا بارواحهم لكى يحتفظ كلا بجلده و عظمه و لحمة فقط .... و لكى يعيش الانسان فهو لا يتحرج من شئ ، قد يسرق و يغش و يقود زوجته و قد يجثو علي ركبته و يلعق حذاء كل من يمتلك لقمة خبز او قطعة سكر"

الاقتباس الطويل السابق و عجبا ليس جزء ابدا من ملحمة الدون الهادئ ولا حتى تتحدث عن روسيا او الحرب العالمية الاولى ... بل هى جزء من رواية الايطالى "الجلد" ترجمة صلاح عبد الصبور التى يروى مؤلفها ببراعة عن ايطاليا المنهزمة الصغيرة بعد نيران الحرب العالمية الثانية التى اعاد الانسان ارتكاب نفس بشائع الاولى بها لكنه حرص علي استخدام التكنولوجيا ليحصد كم ارواح اكثر .... لكن المأساة واحدة ، متشابهة حد الجنون ، عن تلك الفترة بعد الشدائد عندما ينتهى هرمون حماس الحرب و يتذكر الجميع ان المجد لا يقيم عود ولا يشبع طفل ، و حين يأتى السلام فنكتشف ان الثمن اكثر مما قدرتنا و انه فقط البداية لا النهاية

و هو ما يميز الجزء الثالث خاصة في شيوع الحالة التى صنعتها يد شولوخوف القدير في صنع بلبلة ما بعد الحرب و تلك الفكرة التى توعدنا بها اجدادنا بعد كل سكرة مهما كانت عميقة
*************
ام تبكى على طفل احب لعبة الحرب فسمى نفسه جنديا ، مشهد متكرر عند طرفي النزاع يرفض ان يصير مكررا او مبتذلا ... مشهد شخصي حد الجنون و العزاء عند دين يقدم لنا الخوف و نبؤات بابل ، ربما لم نقرر ان نصعد للسماء بسلالم لكننا لسبب ما نلاقي نفس الجزاء بسبب سخط الرب لا تسكن بل تصير خراب بالتمام كل مار يتعجب و يصفر لحال بلدتنا الصغيرة

دينا نبيل
الاربعاء ٧ اكتوبر

المبارزة تأليف: تشيخوف

اسم القصة: المبارزة 
تأليف: تشيخوف
عدد الصفحات: ١٣٧ صفحة
التقييم: ٥/٣.٥

يبارك اسمه من اخرج الى الكون كائن النوفيلا الرائع ، قالبي الدرامى الاحب و الاقرب لقلبي دائما و ربما هو الاصعب في الكتابة رغم شكله السهل الممتنع .. يمزج بين تعقيد الرواية و تكثيف القصة القصيرة و تخلق توتر ممتع لا ينقطع الا مع صفحاتها الاخيرة و ان كان اصعب ما بها هو ضبط ذلك "الايقاع" فعندما يكون اسم تشيخوف علي غلافها فلن نقلق بالتاكيد من تلك

قصة منمنة لطيفة يقرر تشيخوف ان تحمل ثنائيات كثر و تناقضات ذكية ... فمثل نوفيلات جوجول فالجو العام للقصة و هيكلها يبدو خفيف خالى من سوداوية الدراما لكن في لمحات محددة تجد ان الشخصيات المرحة المنطلقة تلك لها افكارها و تناقضتها و احلامها و كثير من الخيبات

تدور عن لايفسكى الشاب المغامر المحب للحياة و النساء و الذى اقنع زوجة غيره ان تفر معه الى القوقاز -و لن نستطيع لفظ كلمة قوقاز دون ان نتذكر ميخائيل شولوخوف مهما حاولنا كبح ذلك- حيث الطبيعة البسيطة ، و هنا الرواية عن ما يحدث بعد النهايات العظمى السعيدة لروايات المراهقين حين "ينتصر الحب" و يفر الاثنين الى افق قرص الشمس الدامى ... فنحن من المشهد الافتتاحى ان لايفسكى قرر ان يواجه انه ابدا غير سعيد فى نزوته تلك ، لم يعشق الطبيعة و الهدوء كما توقع لنفسه فتاقت نفسه لمرح و شرب و ضوضاء موسكو ، و لم يستطيع الاكتفاء بسيدة واحدة رغم انه حارب الكون و اسرته من اجلها

اما كيف تحول هذا كله الى مبارزة بينه و بين رجل اخر من البلدة البعيدة يستخدم كلا منهم مسدسات و يمحلقون في وجوه بعضهم في انتظار الموت المجيد او اللاشي المعتاد فكانت الاعيب تشيخوف الدرامية التى كالعادة احسن استخدامها
**************
"غدا ستكون لدينا مبارزة سنقول ان هذة سخافة و حماقة، و ان المبارزات الاستقراطية لا تختلف في الواقع عن شجار سكر في حانة ، لكننا لن نتراجع بل سنمضي و نتقاتل .. اذن فهناك قوة اقوى من احكامنا ، اننا نصرخ ان الحرب قرصنة و همجية و فظاعة و قتل اشقائنا ، ولا نستطيع ان نرى الدم دون ان نصاب بالاغماء .. و لكن ما ان يهيننا الفرنسيون او الالمان حتى نشعر فورا بالحمية و نصرخ "هورا" من صميم القلب و نهجم علي العدو .. اما انت فستبتهل الى الرب ان يبارك اسلحتنا و تستثير بطولاتنا الاعجاب الشامل و الصادق في الواقع ، اذن فمرة اخرى هناك قوى اقوى مننا و و من فلسفتنا ، و ليس بالامكان ان نوقفها كما ليس من الممكن ايقاف الغيمة ورا البحر ... فلا تنافق اذن ولا تهددها بقبضة داخل الجيب ولا تقل "اوه هذا سخيف ، هذا قديم ، هذا لا يتفق و الكتاب المقدس" بل حدق مباشرة في عينها و اعترف بشرعيتها الحكيمة"

اقتباس ربما طال قليلا لكنها لمحة من الحكمة التى يضعها تشيخوف علي لسان شخصياته وسط كل جنون الكوميديا و الدراما الخفيفة ، يجرد الحقيقة من قناعها الكثيف و يعطى العمل ثقل يجعلها تستحق اسم تشيخوف علي غلافها

و فجأة يجد الانسان نفسه ليقيم حياته فلا يجد سوى تملص من دراسة طويلة مملة و عمل رتيب يجلب المال الى الجيب اكثر ما يجلب المتعة الى الذهن او الخدمة للمجتمع ، و نكتشف فجأة ان حياتنا النقية المبكرة اختفت في صمت ولا يتبقي الا ايمان واه باله بعيد ... فتنكسر موجتنا علي الشاطئ بغته ، لكننا نصل بالصدمات احيانا و بالبطء احيانا ، لكن الوصول او امل الوصول موجود دائما علي الارض. تماما كالشمس و الحرب

دينا نبيل
١٢ اكتوبر ٢٠١٥

الدون الهادئ ج٢ تأليف: ميخائيل شولوخوف

اسم الرواية: الدون الهادئ ج٢
تأليف: ميخائيل شولوخوف
ترجمة: علي الشوك ، امجد حسين ، غانم حمدون
عدد الصفحات: ٤٦٢ صفحة
اصدارات دار المدى

"أيها الناس ، لا تدينوا أخا لكم ... في ايام الحرب و المصائب"

هكذا لخصها لنا شولوخوف في نهاية المجلد الثانى الدسم و الرائع من ملحمته الاكثر دسامة و روعه "الدون الهادئ" ... في مجلد حربي اولا و اخيرا و تنكشف فيه وجه الحرب البشع علي عكس الجزء الاول الذى حلمنا فيه مع قوازق الدون البعيد في مجد الحرب و روعة النياشين الصغيرة الذهبية علي صدور الراجعين من المعمعة ، و جمال قصص الحرب البعيدة حين نرويها شيوخا في جلسات الاسرة الدافئة ... لكن ها هنا لا شئ سوى الحرب و البارود و كالعادة كثير من الدماء و قليل من الحب

و ان كانت بطلة المجلد الثانى هى الحرب فلا يهزمها الا الشتات و تغيير الاراء و الجبهات و التردد ... بين التحول المؤلم و السريع لدرجة الجنون من الفلاح الى الجندى ، من واهب لهبة الحياة الى قباض ارضى للارواح ... بين حنين جارف للعودة الى الوطن فالاقامة الجبرية في الخنادق تتعارض بقسوة مع نمط الحياة المتحرك للقوقاز حطم معنويات الجميع سريعا مع خيبات الامل المتكررة في جودة الاول ثم جدوها اخيرا

و في غمرة الحرب -و محاولات نسيان الحنين الجارف لدفء البيت- يرمى الجندى نفسه في بطولات طائشة و ربما يقامر بحياته و الاخريين سواء الاصدقاء او الاعداء ، يتحول الى مستنقع مالح لا يمتص الماء او ربما يهوى النساء بكل الجنون الذى يستطيعه فيوجعه قلبه ان لم يضاجع كل انثي في العالم ة ربما يكتفي حينها بكل من تقع في يده ... و حينها يكتشف انه لو قابل طفل فلن يستطيع ان ينظر طويلا في عينيه الصافيتين و حتى هدفه الاصلي في النسيان تفشل

غير ان التنازع بين التمسك بتقاليد الرجال القدامى و كل كلمات المجد التى تم تلقينها مرارا و الرغبة في الحياة ذاتها هو اروع ما صوره شولوخوف بمهارة يحسده عليها مؤلفينا الشباب ان اطلعوها عليها من الاصل

و نرجع لجملة المترجم في مقدمته عن ال٦٠٠ شخصية التى مرت في مجلدات الدون الهادئ التى تجرى صفحاتها بين ايدينا في يسر رغم حجمها و كيف ان كل منها ضرورية لوصف تلك الفترة الثرية من تاريخ العالم و الانسان ، و يفاجئنا مدى التفاصيل التى يرويها شولوخوف عن كل شخص يمر امام تلك الكاميرا الدقيقة المسماة بالدراما فهنا لا كومبارس ولا شخصيات درامية جافة تحمل بعد واحد هش بل وجود متكامل لكل انسان و ان لم يظهر سوى سطر في الملحمة الضخمة ، و ربما نعلن اعجابنا بمقدرة المؤلف الروسي العتيد في اقناعنا بالشئ و عكسه و مهارته الموجعه في بيان ان البشر كلهم في النهاية و رغم كل ادعاء العكس هم بشر

و عندما يطالعنا السؤال الكبير عن الاتجاة شرقا ام غربا؟ للامام ام للخلف؟ لليمين ام اليسار؟ هل نغامر بجديد مجهول "قد" يحمل الخير ام نكتفي بقديم مألوف تعودنا علي شره؟ حين مادت الارض تحت قدم التائه و كأن الارض كلها مستنقع ضحل كبير و حين تتشعب الطريق امامه مسالك شتى و ينمحى الصوت الصغير الذى اعتادنا ان نصدقه حين يوجهنا الى السبيل السوى ، و حين تموج احزاننا و مخاوفنا ارواحنا و نود لو ندير كل الظهور الى العالم الكريه الذى استعصى علينا فهمه ، و حين نسير الى طريق و ربما نجر اخريين وراءنا ثم نفتر فهل نتراجع؟ و عندما تتلخص الحياة في علامة استفهام واحدة ضخمة تسألنا عن الطريق ... هل تتبع قلوبنا ام عقولنا؟ ما يردده الاب الحنون ام القائد الحاسم؟ هل نقامر بكل شئ ام نسير في الطريق المحايد الممل؟!.... كلها اسئلة لن يجيب عليها شولوخوف ابدا بل يتركنا نحن و ابطال الدون الهادئ وسط كل الصخب نحاول وحدنا

ربما تلخصت كل تلك الاسئلة عن اختيار القوازق للبلاشفة امام اصحاب الملكية القديمة و عن توزيع الاراضي و معضلة بحث كل فصيل سياسي عن حقه وحده و بحث الجميع عن السلم بطريقة "الحرب الاخيرة" التى فشل الانسان القديم و الحديث في الوفاء بعهده بها ، و ربما اسئلتنا نحن اكثر معاصرة و اختلافا لكن المؤكد ان الحيرة واحدة

لكن كما يروى لنا شولوخوف فالجنود و البحارة و العمال ينتزهون جيئة و ذهاب في الشوارع الرئيسية و يعقدون الاجتماعات و يقشرون بذور عباد الشمس و يبصقون علي الارصفة و يغازلون النساء ، و يأكلون ، و يشربون ، و يهجعون ، و يموتون ، و ينسلون ، و يتعاطون الحب ، و يحقدون ، و ينتسمون نسيم البحر المالح ، و يعيشون في خضم من العواطف النبيلة و التافهة ..... رغم ان الهواء يحمل دائما رائحة ايام النحس و دماء المعارك الوشيكة

دينا نبيل
فجر ٢ اكتوبر ٢٠١٥

الدون الهادئ ج١ تأليف: ميخائيل شولوخوف

اسم الرواية: الدون الهادئ ج١
تأليف: ميخائيل شولوخوف
ترجمة: علي الشوك ، امجد حسين ، غانم حمدون
عدد الصفحات: ٥٠٤ صفحة
اصدارات دار المدى

تظل قراءة الدون الهادئ حلم لكل قارئ يهتم بالادب الروسي ، حلم يهدده التأجيل دائما ربما لحجمها الضخم او لامل بعيد في اوقات اكثر هدوءا ستجعلنا نقرأ رائعه ميخائيل شولوخوف براحة بال ... و تتحدث كاتبة تلك الكلمات كثيرا لولا عدم رغبتها في ضيق للقارئ عن محاولات متعددة للالتزام بقراءة الملحمة الطويلة تلك ، لكن الاشياء الجميلة تحدث لمن ينتظر فتراها اخيرا حلت العقدة

من الصفحات الاولى سيجذبك شولوخوف لعالمه المحكم و الجرئ ، ربما ستتفاجئ من ايجاز قصة القوازقي الاول الذى مزج نسله بالتركية من سرعه تقلبها و ربما توحى -بالشكل الخاطئ- انها رواية اجيال ، لكنك ما ان تصل الى جيل بانتلاى و ابنيه بيوتر و جريجورى ستجد ان الرحال سيحط طويلا فيه و في ذلك العالم السحرى الموازى

بانتلاى الاعرج و بيوتر الهادئ و زوجته الجريئة و جريجورى الذى يصدم قارئه بقصة حب غير تقليدية ابدا ، فبينما يصنع الكاتب عادة قصص حب بريئة لشاب سيذهب للحرب قريبا مع عذراء وفية تنتظره و تمزق قلب المشاهد لبراءتها ، فيربط شولوخوف من البداية جريجورى باكسينيا زوجة الجار سبستيان ، بين الحب الجارف و عامل ضغط المجتمع و الاسرة و واجب الجار يجرى جريجورى و نجرى معه

لكن البدايات رغم جمالها ستظل بدايات و هو ما يصر عليه شولوخوف عندما يضع في المجلد الاول كل هذا الهدوء النفسي و الاستقرار و المشاكل الصغيرة ليضع لنا -دائما- وجه للمقارنة لاحقا عندما تسحق الحرب البعيدة كل شئ في قسوة باردة
***********
في الجزء الاول لن نرى سوى ساحات الدرس القريبة او البعيدة ، انبعاث جلبة الدرس ، صيحات سائقي الخيل ، صفير السياط ، و خشخشة الغرابيل و قد استلقت القرية في دفء ايلول المعتاد و قد اسمنها الحصاد و ارتخى الدون مثل ثعبان ملقي عبر الطريق .... و تحت كل سقف قوازقي دارت حياة حافلة بالحلاوة و المرارة تدوم و منعزلة عن الاخريين

غريشاكا العجوز اصابه البرد و يعانى من اسنانه ، و موخوف ينشب اظفاره في لحيته و قد سحقه العار و احساس الفضيحة ، و ستيبان يهدهد في قلبه حقده علي جريجورى و يمزق في نومه لحافه باصابعه الحديدية ، و تجرى نتاليا في السقيفة ترمى نفسهغ علي كومة الروث و تبكى سعادتها المسحوقة ، و كريستوتا الذى كان باع عجلا في المرض و صرف ثمنه في الشراب يؤنب ضميره ، اكسنيا تبات في حلم بعيد لجريجورى ، و جريجورى نفسه يتأوه لهاجس متكرر
***************
تحتفظ الحرب بقيمتها في المجلد الاول ، هنا لا تزال الحب و الجندية شرف حماية ارض الاجداد ، مازالت لمعة الوسام تسحر ، مازال العدو واضحا و الهدف صريح ، مازلنا نتألم عندما يجرح ذاك و يقتل ذلك و تترمل تلك ... لكن الحال يتبدل حتى قبل انتهاء هذا المجلد عندما تتداخل افكار الشيوعية في كل شئ مثيرة كل انواع الاسئلة عن جدوى الحرب و قتل "رفيق" و ان كان المانيا ... تتسرب ببطئ في الجبهة وصولا الى قلب جريجورى نفسه

و حينها يبدأ شولوخوف في لعبة الكراسي الموسيقية و التباديل المجنونة التى لم نكن نحن قراء المجلد الاول نتوقع -ابدا- انها ستفعل بنا كل ذلك فى رحلة الدون الطويلة البعيدة عن الهدوء

دينا نبيل
٨ اكتوبر ٢٠١٥

الزوج الابدى تأليف: دوستويفيسكى

اسم الرواية: الزوج الابدى
تأليف: دوستويفيسكى
ترجمة: محمد ماشتى
عدد الصفحات: ٢٢٢ صفحة 
اصدارات المركز الثقافي العربي
التقييم: ٥/٣.٥

الزوج الابدى هى ليست الابلة ولا الجريمة و العقاب بالتاكيد لكنها نوفيلا صغيرة تحمل توقيع دوستويفيسكى الفعلى و العقلى و ان وضعناها في مكانتها تلك سيصلح حكمنا عليها

رواية صغيرة تمسك بتلالبيب فكرة الشغف و الهوس الى اخر حدودها ، علاقة صغيرة مركبة شديدة التعقيد بين فيلتشانيوف و بافيل بافيلوفيتش تتخد منحى عجائبى مجنون طيلة الصفحات بين الحب و الكراهية و الاعجاب و الازدراء و محاولات القتل و القبلات علي الفم في نشوة السكر

يتناول دوستويفيسكى حبكة الزوج المغدور و عشيق الزوجة التى تبدو معتادة حد الابتذال و التى تحولت لفترة ليست بالقصيرة كموضوع مكرر للتمثليات الاذاعية و الروايات المتداولة للتسلية ، ياخدها الروسي العبقرى الى حدودها فينزع الضلع الثالث من العلاقة و هى الزوجة نفسها لنجد الزوج و العشيق في حالة الهوس المتبادل حتى في غياب الابنة مشكوكة النسب بينهم ، و هى رواية توعدك بالنهايات فلا توفي و تشوقك لنقطة التوقف باحداثها الكبيرة لكن تخلي بك

و كالعادة شخصيات دوستويفسيكى اميل لمرض العصاب اكثر من اى شئ فنراها مضطربة متوترة تحمل دائما هموم مرض جسدى في الطريق و اخر عقلى يتربص في لحظات الضعف و هنا "الزوج الابدى" ليست استثناء فحتى شخصياتها الثانوية تميل لهذا الشكل من ابناء افكار دوستويفسيكى .... و في قالبها نجد اثر مسرحى واضح من حيث وحدة النص و المكان و الشخصيات و الجمل الطويلة المتبادلة

و هو في البداية يرسم لنا شخصية "بافيل بافيلوفيتش" كزوج ابدى خالص لا يصلح الا ان يملأ مكانته ك زوج في انتظار محموم لان يخدع ليمارس الاعيب الصفح و الانتقام لكنه لا يقف بها عن تلك الحدود ابدا بل يمتد بها كشخصية ثلاثية الابعاد تحمل هموم و مخاوف و نزوات الجنون المؤقت و ربما حنان ينتظر من يسبغه عليه

و بالمثل نجد دوستويفسيكى يرسم لنا فيلتشانيوف رجل جذاب ، من ابناء الطبقة العليا و في طريقه للانسحاب من وسطه قسرا لدخوله في حدود الافلاس و انتظاره المضنى للحكم في ارث قديم ... و هى نفس التفاصيل التى منحها بلزاك لبطل قصته "الجلد المسحور" بشكل مثير للفضول ، لكن الى ماذا يتجه العبقرى الفرنسي و مقابله الروسي بعد ذلك فأمر مختلف ، فينما يسلط بلزاك على الخيبات المتتالية علي بطله حين يضعه طريق فاوست حيث لعنة الحب و المال ، بينما يتوجه دستويفسكى بطله نحو المرض الجسدى و الهواجس القاتلة فيتوجه بطريق ما الى مصير اكثر اشراقا

لكن ما جعل "الزوج الابدى " اكثر من نوفيلا تحمل اسم مؤلف عبقرى هو دراسة حالة الشغف و الهوس بين البطلين و هم لمن اراد من مؤلفينا الجدد الهام و درس لكيف تصنع علاقة متوترة رائعة بين شخصيات عملك يتذكرك بها القارئ حتى بعد مرور قرنين من الزمن

دينا نبيل
٧ اكتوبر ٢٠١٥

الوجه لاخر للمسيح تأليف: فراس السواح

اسم الكتاب: الوجه لاخر للمسيح 
تأليف: فراس السواح
عدد الصفحات: ٢٥٩ صفحة
اصدارات دار علاء الدين
التقييم : ٥/٤

عندما نسأم من الادب الركيك و متاهات الادب الملتزم لن نجد كعادتنا مخرج يمنحنا المعرفة و التاريخ و الحديث الممتع عن الرابط بين المثيودلوجى و الاديان سوى استاذنا فراس السواح... كعادتنا نعهد اليه ، نجلس امامه لا كقارئ او تلميذ بل كعضو مشارك بالاحداث و القرار و الرأي ، لذا فحين يوجهنا ان نقرأ الفصل الاخير في كتابة قبل الاول نطيع ، و حين ينصحنا ان نقرأ انجيل مرقص قبل الصفحات الاولى نلبي ... نجلس لنقرأ و نفكر و نتجهز لرحلة ربما طويلة او شاقة الى المسيحية و رحلة اكثر صعوبة الى ابنتها الغنوصية لكننا نعلم جيدا اننا ننهى الرحلة مرهقين قليلا لكن مستمتعين كثيرا و مضاف الي رصيدنا الذهنى ما لا يقدر

عندما رغم فراس السواح ان يحدثنا عن الغنوصية عموما ... و معناها الكبير اميل لنموذج "العرفان" اى وصول المرء لربه بلا واسطة و ما تخلله ذلك من تسرب للافكار الفيثاغورسية الى تلك المدرسة في الشرق الادنى ، عندما يقرر ذلك يقسم الحديث الى مدخل في الغنوصية الاسلامية و مدخل في الغنوصية المسيحية ... فاما الاول فتحدثنا عنها من قبل في مقال سابق عندما قرر ان المدخل الاصح للغنوصية الاسلامية هم اخوان الصفا فقدم لنا رسائلهم منظمة منتقية للقارئ العصرى ، و اما الثانية فيقرر ان ما عرف باناجيل نجع حمادى هى المدخل الاكثر فائدة لما اسماه الوجة الاخر للمسيح

لذا فهو يقرر ان قراءة القارئ لانجيل مرقس هو المدخل للقراءة عن المسيحية الكلاسيكية التى بدورها مدخل للقراءة عن انجيل توما الذي في النهاية سينير لنا الطريق الى الغنوصية المسيحية و الاهم ربما عن فك اشتباك علاقة اليهودية بالمسيحية و العهد القديم عن الحديث ... موضوع شائك كثيرا ما تحدث فيه باحثين خاصة بعد اكتشاف مخطوطات البحر الميت و ما حدث في التحرى عنها و لا نظن ان هناك اصح للمهمة الثقيلة تلك و الاثقل منها اى توصيل كل ذلك للقارئ العادى اكثر من السواح

بين ثنائية المسيح كمكمل للناموس القديم و كنموذج من يقرر تأخير البركة للكلاب قبل اطعام البنين الخبز ، و بين نموذج الثائر علي الوضع برمته المقرر ان الانسان سيد السبت و ليس السبت سيد الانسان كانت المعضلة الاولي .... و لنضع في اذهاننا ان تلك المرحلة اى تكاثر الاديان حول اليهود و فقدانهم للسلطة السياسية المستقلة دفعهم دفع لفكرة المحافظة علي "نقاء" اليهودية شريعة و جنسا و ساهم في اكمال الشهر الكنهوتى لليهودية اللاحقة

و ان كانت الصفحات الاولى من الكتاب مقدمة ممتعة للقارئ غير المسيحى فالصفحات التالية صالحة للاستخدام لاى قارئ حتى المسيحى منهم و هى تحدثنا عن الاناجيل الغنوصية في بساطة فترفع عنها حجب "الهرطقة" و المفاهيم الجامدة عن الدين القويم و غيره الشيطانى بل تتبع رشيق للوجة الاخر للمسيح غير الرسمى و الذى لم يحظى ببركات القرن الرابع المفصلي في التاريخ ، لذا فحين يورد لنا اجزاء من اناجيل فيليب و يوحنا المنحول و يعقوب الغنوصي
**************

تحدثنا سابقا ان الغنوصية الاسلامية المتمثلة في التصوف و الاهم اخوان الصفا حازوا موقف التوسط تجاة المؤسسة الاسلامية التقليدية و رأي الاخوان في عصرهم العباسي ان التعبد بالشريعة القرآنية هو المدخل -و لكن فقط المدخل- الي الله ، مدخل ربما يكفي العامة لكنه ابدا لا يكفي الخاصة فالطريق لله ها هنا هو العرفان و بالاجتهاد الفردى

بينما في الغنوصية المسيحية انقسمت لفرق منها من تتطابق مع نظيرتها الاسلامية في ان المؤسسات الدينية الكلاسيكية المتمثلة ها هنا في الكثوليكية هى مدخل للوصول للعرفان مع وجوب الاجتهاد الفردى ، و منها من رأي ان الكنيسة التقليدية المهتمة بالعدد لا بالنوع و المشترطة فقط لبعض الجمل و تعميد الماء هو مجرد نهر جاف يدعى الامتلاء ... و تتفق هنا الفرقتين. معهم الثالثة المسلمة ان الطريق الوعر يحتاج في بدايته الى رفاق و اخوية و مرشد روحى مرتبط بصداقة ستنتهى بالتاكيد حين يصل الانسان فردا لا جماعات الي الاله

لذا فسنرى في تراث الغنوصية الاسلامية و المسيحية -و ربما في الهندوسية لكن تلك محتاجة لقراءة اكثر عمقا- جملة تتكرر بشكل مطرد توعد دائما ان "من عرف نفسه عرف الله" ... و لن نبحث عن ايهم أثر في الاخر لاحتمالية غالبة ان المصدر واحد اقدم ، و يري من له عينان ان فكرة ان العالم كله شر و ان القيامة ليست بالاجساد و ان العذاب في داره الاخرة هو التية بينما الحنة هى القرب من الذات الالهية تتطابق في كتابات نجع حماد و اخوان الصفا بشكل يثير الاهتمام و البحث عن مصدر اقدم من الفيثاغورسية و هرمز كعامل مشترك

و المانوية الديانة الابنة من الغنوصية التى تكونت كمزيج بين المسيحية و الزرداشية و التى تقدم نموذج مهم لفكرة الشر في الكون استفاد منها فراس السواح جدا في كتابه الرحمن و الشيطان و التى كان من الممكن ان تكون ديانة ذات حجم و وجود لولا العاب السياسة و سوء الحظ و تقلبات القدر

ربما ننتقد الكتاب قليلا لانه لم يشبع اهتمامنا باكتشافات نجع حمادى ربما لضيق المساحة و كم البحث المطلوب لكنه بالتاكيد عوضنا بكم الكتب و المراجع المقترحة للقارئ المهتم بالتبحر فيها او انه اهتم بالوجه الكلاسيكى للمسيحية بجزء كبير من الكتاب علي حساب الغنوصية التى هى موضوع الكتاب الاصلي

لكنه فراس السواح و يظل يفتح لنا ابواب الفكر و يشجعنا علي اكمال الرحلة و لو بمفردنا

دينا نبيل
سبتمبر ٢٠١٥

في بلاط الخليفة تأليف: محمد ابراهيم

اسم الرواية: في بلاط الخليفة
تأليف: محمد ابراهيم
عدد الصفحات: ١٩٨ صفحة
اصدارات دار كيان
التقييم: ٥/٣.٥

ما هو العامل المشترك العجيب بين رواية "في بلاط الخليفة" للرائع محمد ابراهيم و بين رواية "شقيقان" ل ميلتون حاطوم التى ربما لم يقرأها احد في منطقتنا العربية؟ .. هو كل شئ او اللاشئ على حد سواء

الاولى تتحدث عن عمر بن الخطاب و الفتوحات في عهد عمر و الاسلام في ظل عمر ... و الثانية تتحدث عن توأم مختلف الطباع و قصص العائلة بينهم

كثيرا ما تحدثنا عن فكرة رائعة طلت في ذهن المؤلف و اساء تنفيذها كما افسد علينا قنديل "انا عشقت" حين حول القصة الملهمة لفتاة تتجمد في انتظار حبيب تائه في شعب مصر الي مجرد قصة اخرى عن الفساد المصرى و صعود رأس المال ... لكننا هنا نتحدث عن العكس ، حين يمتلك الكاتب فكرة نمطية تقليدية حد الجنون و يحاول بكل ما استطاع من ادوات ان يصنع منها عمل رائع بكل تقلبات الدراما و تكنيك التجزئة و ربما سحر اللغة و الملحوظات الصغيرة الذكية التى لا يراها الا خبير

و نترك حاطوم و قنديل قليلا و نتفرغ ل محمد ابراهيم في روايته الناجحة الاولى ... بداية نبدى مفاجأة سارة ان هذا العمل الهادئ حاز نوع من النجاح التجارى و ان القارئ العربي حين يقدم له نوع حقيقى من الادب يقبل عليه بشغف و ان "الخلطة" التجارية لرواية تحمل اسم غريب و موضوع اغرب مستوحى من افلام السهرة لقنوات الافلام الامريكية نموذج يمكن كسره احيانا و كثيرا ان صممنا

عندما يجد المؤلف نفسه يصمم لرواية عن موضوع كلاسيكى و نمطى لشخصية لم يمل منها خطباء الامة في كل اسبوع .. في كل مرة الحديث عن اسلام عمر ، كيف انفعل حين توفي الله نبيه ، عدل عمر ، كيف انغلق وجه الفتنة في عهد عمر و ربما عن درة عمر او حماره الهزيل في دخوله لبيت المقدس

هنا يلجأ المؤلف لادواته الدرامية منها صنع شخصيات نصف تاريخية تجعله يتحلل من تزمت اللفظ عند الشخصية التاريخية ذاتها و ينجح كثيرا في ذلك في فصلي فتح ايران و مصر عندما ننظر الى الفاتحين الجدد بعيون ابناء تلك الاقطار ، ستلجأ الى اللغة تزيد في التنميق و ابتكار تعبيرات جديدة و تشبيهات بديعية قدر الامكان و لمحات دقيقة منمنمة ربما لا يراها الا خبير ، ستحاول اللجؤ الى طريقة تقطيع المشاهد و الخطوط لمحاولة ايجاد ايقاع للعمل خاصة في مشاهد المعارك الطويلة

و حسن فعل محمد ابراهيم حين اتبع طريقة القفزات الدرامية و التجاوز عن بعض القصة للتركيز و اضاءة الاجزاء الاكثر اهمية للقارئ و الكاتب خاصة في سيرة طويلة محفوظ لاقرب خليفة لقلب المسلمين السنة في العالم

لكن القيد الذى وضعته في يدك حين قررت ان تكتب في سيرة كتلك سيحد من رغبتك في كشف خبايا النفوس و الهواجس و الاحلام و البعد عن تصوير البشر كنماذج درامية ثنائية الابعاد ... و ستكتشف بعد حين انها رواية رائعة التنفيذ عن موضوع جد نمطي ، جد كلاسيكى ، و لن نتجاوز و نقول جد ممل ، و القارئ المتمرس يجد مثال اكثر قسوة لما نتحدث عنه عندما حاول توفيق الحكيم رواية قصة النبي محمد في مسرحية قصيرة اسمها (محمد صلي الله عليه و سلم: سيرة حوارية) حين كان القيد اضيق بكثير فلجأ الحكيم لطريقة القص و اللزق من كتب السيرة مخلف لنا احد اضعف اعماله علي الاطلاق

لكن مؤلفنا الشاب استطاع ان يخرج من معركته مع الكلاسيكية باقل قدر من الخسائر استطاعه ، و ان فعل هذا كله في موضوع ضيق القالب كهذا فلا يسعنا الا الانتظار و الامل حين نراه يكتب عمل لاحق متحرر من القيد الذى وضعه لنفسه

ملحوظة١: الرواية مميزة اكثر لانها تجربتى الاولى مع شراء كتاب عربي شرعي ، عن طريق تطبيق كتبي .. و تفاصيل التجربه ستقدم في مقال لاحق

ملحوظة٢: الرواية اكثر تميزا لانها الكتاب رقم ١٠٠ في القراءة ل عام ٢٠١٥ لكاتبة تلك السطور

دينا نبيل
سبتمبر ٢٠١٥

طريق اخوان الصفا ل فراس السواح

اسم الكتاب: طريق اخوان الصفا ، المدخل الى الغنوصية الاسلامية
تأليف: فراس السواح
عدد الصفحات: ٢٩٢ صفحة
اصدارات دار علاء الدين
التقييم: ٥/٤

يرجع فراس السواح الى مقعده الاكاديمى كما فعل في كتاب ملحمة جلجامش و يترك -ربما لنوعية الكتاب- انطلاق المفكر كما عهدنا به في مغامرة العقل الاولى ، دين الانسان ، و الشيطان و الرحمن عندما بهرنا بالمقارنات و الملاحظات ، لذا فيزعجنا قليلا ان نقرأ كتاب دراسة هادئة كلاسيكية عن اخوان الصفا في كتاب يحوى غلافه اسم فراس السواح... فنراه يتخلي عن دور المفكر ليسيطر دور الباحث بدلا عنه

خاصة عندما يكون اخوان الصفا فئة بكل هذا القدر من الغموض و الانتماء المرتبك لفيثاغورس و الفلسفة اليونانية في محاولة اخرى لجمع الفلسفة و الدين و حل الخلاف التاريخى بين سقراط و المسيح الذى حير نصف العالم و شغل كبار عقولها شرقا و غربا حتى قبل اوغسطينوس و توما الاكوينى من جانب و الكندى و اخوان الصفا من النصف الاخر من عالم تلك العصور

فرقة تجمع -او تحاول- ثقافات ما قبلها و تجسد افكارها في رسائل طويلة متتالية سهلة اللغة صعبه المنال و كثيرة الاشارات ... يحاول هنا استاذنا فراس ان يقدم لنا خلاصة تلك الافكار في الصفحات التالية للاربعون صفحة الاولي في مقدمة اراها هزيلة و غير مشبعة عن التيار الفكرى الغامض للغنوصية الاسلام في العصر العباسي المتشابك حد الجنون

و هو يتبع في طريقه للحصول علي تلك الخلاصة علي اكثر الطرق تعقيدا حين يقرر تفكيك الرسائل ال٥٢ الى مقاطع حسب موضوعها و يعيد تنظيمها حسب الموضوع فقد ترى مقطع من الرسالة الخمسين يتبعه مقطع -يراها فراس السواح مكملا له- من الرسالة العاشرة و يكتفي بالاشارة في نهاية المقطع برقم الرسالة و صفحتها
***************
و العجيب حقا ان الطريقة تلك تجعلك تحيط بفكرة اخوان الصفا فعلا عن الفكرة موضوع بحثك -عيبها الوحيد انك تضع ثقتك بالكامل في ترتيب فراس السواح مغمضا عينيك- و هى تجعلك تلمس التأثر بافكار الروح الكلية و النفس الفعالة و عناصر الكون الاربعه الترابية و الهوائية و المائية و النار، و نظرية ابقراط القديمة عن تكوين الجسم من الاخلاط الاربعة ، و منح الاعداد الاولية قوة غامضة ما و جعلها مركز خفي لتقلبات الكون ، و تضع ضوء هام علي فكرى "الهيولي" و تسربها لفكر تلك الجماعة ... و الاهم من ذلك كله المحاولات المستميتة في التوفيق بين ذلك كله و بين مفهوم الاله بمنظوره الاسلامى

و ربما المثال الاهم علي ذلك هو محاولات التوفيق بين مفاهيم "كن فيكون" و خلق العالم التوراتى في سته ايام و بين ما اعتقدوه هم دائما ان الكون تكون ببطئ و خلق بتطور و تدريج فيلجأ دائما لواسطة عناصر : العقل الفعال ، النفس الكلية ، الهيولي الاول ، الصور المجرد ... لتكون وسيلة للتوفيق بين مفهوم الفورية و التطور

و هم يحاولون في ذلك العصر البعيد ما ما نحاول نحن ايجاده و هو صيغة توفيقية ما بين العلم و ما اكتسبه الانسان من دراية باصول الاشياء و عاداتها و بين الدين و خاصة الاسلامى ، و يحاولون طيلة الوقت نفى تهمة "التلقائية" عن الاشياء

و بها نلخص ان رأي اخوان الصفا في مسألة الخلق و التطور والثبات و الحركة انه فعل الطبيعة دائم مستمر ، متصلة بها آلة فلكية متحركة دورية ، مربوط بها النفس الكلية بقوة عقلية تبد عن مشيئة الهية و رعاية ربانية من امر من الله

و هم حين يقولون ان "الطبيعة" فعلت كذا يقولون ان ذلك بلفظ العلم و الفلسفة اما بلفظ "الشرع" فهم الملائكة ، و ان الفعل ينسب الى الاله كما ينسب الى ملك ما فيقال بنى الملك مدينة ، و انما يفعلها بادواته و قوله لا فعله الشخصى .... و هم موحدون الى اقصى حد ، مؤمنون بالعلم للنهاية

و هو كما ترى -بعد تجاوز معضلات اللغة- حديث قديم لمعضلة حديثة و حجة اسلامية تحت الانشاء حاليا لتبنى نظريات التطور و الحركة كجزء من ميكانزم الخلق بعيدا عن المفهوم الحرفي لقصة الست ايام الثابته في الاديان الابراهيمية عموما
***************
و اخوان الصفا كما قدموا انفسهم متأثرين باليونانية بدرجة حجبت عنهم قليلا نور الحقيقة و محاولات التوفيق تلك تنجح احيانا و تفشل حينا و منها تأثرهم المبالغ فيه بمركزية الارض وسط الافلاك و التفضيل اللامتنهى للشكل الكروى و الصاق صفة الكروية و المدارات الدائرية بكل شئ كشكل سامى عن غيره ، معتبر عما سواه و ربطهم الغريب بين سبعه من اعضاء الجسم (الكبد ، الطحال ، الكلي، الخ) و بين سبعه من الكواكب و سبعه من صفات البشر و سبعه من الادلة الشرعية و اسماء الملائكة .... و هم رغم نظرتهم التقدمية في العلم كوضع نموذج اولى للجاذبية الارضية و النشوء و الارتقاء قبل انتباه العالم لهم و حديثهم فائق الدقة عن موجات الصوت و حاسة السمع و دقائق البصر و بيان تشريح العين و كأنك تقرأ كتاب في فيزياء حديثة لكنهم كانوا ابناء جيلهم و افكار عصرهم

و هم كأي عالم مؤمن بشئ مهما علت قدرته علي النقد و التحليل ينحاز -احيانا لا شعوريا- لما يؤمن به ... فنراهم يتحدثون عن سبب ثبات كرة الارض معلقه في هواء فنراهم يذكرون اسباب محتملة علمية ك تساوى الضغط عليها من جميع جهاتها او ثبات درجات جذب قلبها و مصدر ثقلها لجميع انحاءها و نرى ان السبب المحتمل الثالث هو "خصوصية" وضعها من الله ..... و حين يقررون وصف جغرافيا العالم و وصف اقليمها نفاجئ بقدر كبير من العلم الجغرافي للعالم المعلوم وقتها كما نفاجئ لضمهم اقليم خاص ل"يأجوج و مأجوج" في فعل نراه غير علمى بمقايس عصرنا
************
هذا هو قولهم في العلم ، اما قولهم في حديث الروح فتقليدى لاى غنوصية و هى تحمل احتقار للجسد ولا ترى فيه الا "كنيف قذر" تضطر النفس (الروح) احتماله الى حين ، لذا فنظرتهم للموت مبشرة فهى فراق بين طهارة الروح و قذارة الجسد و هى ولادة للروح لا موت ، و ان الاصل في الجسد الموت لولا اقتران بالروح كما ان الاصل هو الظلام الا حين يتواجد النور

و هم بفطرتهم العالمة و نفسهم المطمئنه الهادئة يعتقدون ان الايمان بحرفية وصف الجحيم كنيران و تنانين و جلود ذائبة ايمان باطل يفسد قلب الدين ، و ان الاقتناع بجنة حرفية يحظى فيها الرجال بالابكار و الثمار فكر خائب لا يصلح الا للعامة .... و في تلك النقطة تحديدا نرى شجاعه اخوان الصفا و ربما سبب و فائدة سريتهم

و لهم في التناسخ قول لطيف يوازن بين التصوف الاسلامى و الكارما الهندية و هم بكلماتهم الهادئة و روحهم المتسامحة يفتحون باب "الترقي" لكل الاديان بقدر من الانفتاح يفاجئ القارئ العصرى و يعلمه ان خط التطور العقلي ليس في صعود دائما عبر العصور اللاحقة
************
و رغم اصرار شيعة الاسماعيلية المتأخرين ان اخوات الصفا جزء منهم نرى و يرى السواح معنا فروق اولها و اهمها اهمالهم لمفهوم الامامة الشيعي و تفضيلهم لنموذج اقرب لنموذج القطب الصوفي ، و انهم جمعية روحانية فلسفية لا سياسية و ربما لهذا السبب -و للسرية عامل- تمت حماية الصفا من بطش العباسيين المعتاد

و قارئ اليوم يعجب بوحدة اخوان الصفا و تطابق افكارهم و تقبلهم و توحيد اقوالهم عبر الرسائل و كأن يد واحدة هى من خطت بالقلم... و الكتاب ينتهى فجأة كما بدأ فجأة ، لكن تأثير كلمات اخوان الصفا علي الروح يدوم، كثيرا

دينا نبيل
سبتمبر ٢٠١٥