الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

اسم الديوان: الحب كلب من الجحيم
تأليف: تشارلز بوكوفسكى
عدد الصفحات: ١٧٨ صفحة
التقييم ٥/٣.٥

ربما نحتاج الي طفل بالسادسة ليخبرنا ان المحيط ليس جميلا

 ربما نحتاج الي كسول ينام حتي الثالثة ظهرا ليهمس في اذاننا ان من لم يصاب يوما ما بلوثة من الجنون يعيش حياة رهيبة تفقد نصف معناها

ربما يحتاج الامر لرجل ان يقطع خصيتاه كمشمش و رميهما في الحوض ليجلس واضعا ثلاث مناشف بين فخديه غير مبال فقط ليتذوق لوهلة طعم الحرية المطلقة

ربما يعيش فاجنر بيننا و يهيم مع موسيقاه يلمسنا كتنميل صغير يدب علي الذراع فنشعر به

ربما صنع الهاتف للحالات الطارئة فقط ، ربما سنتعلم ان نقول "لا" له ... "لا" قاطعة مريحة او حتي "نعم" متقبلة بسيطة لنتحول روحا لطيفة مقبولة من مجتمع سنتعلم يوما الا نكره

ربما نتمنى ان نتحول الي وجه اخر من الوجوه المؤمنة الرائعة الباكية لكن لعنتنا تحيط بنا و يظل الامل قصيا متوعدا موجودا رغم انوفنا بلا هوادة

ربما نحتاج الي شاعر علي الجانب الاخر من المحيط ليبوح لنا ان الناس كلها يبعدون يوما ولا يبقي في النهاية سوى منافض فارغة من الرماد و بقايا الشعر علي الامشاط ، و ان حتي الوريقات الجافة ستفني ، و ان الحزن ذاته سيقلع -يوما- كسفينة عملاقة

دينا نبيل
يناير ٢٠١٦
اسم الكتاب: عشت لأروى
تأليف: غابرييل غارسيا ماركيز
ترجمة: صالح علماني
عدد الصفحات: ٦٨٠ صفحة
اصدارات دار المدى
التقييم ٥/٤

يعتبر "عشت لاروى" الكتاب قبل الاخر لي مع ماركيز بعد رحلة طويلة امتدت سنوات طوال أقرا فيها رواياته الطويلة و النوفيلات و مقالات و قصص قصيرة كثيرة فقدنا عددها

و يتبقي لي فقط مع الكاتب العظيم الذى سرق قلوب كل من اطلع علي اعمال فقط رائعته "الحب في زمن الكوليرا" التي اراني اتلكأ قليلا في البدء بها خشية من انقطاع سيل التواصل و خوفا من ان اغلاق الصفحة الاخيرة فيها يعني ببساطة موت ماركيز فعليا و لن يتبقي حينها الا نسخ اقل بهاء من اعادة قراءة لاعماله

و الان بعد ملحمة ال٦٨٠ صفحة التي دوخنا فيها ماركيز مع شرق البلاد و غربها و بين تشابكات قصته و اغوارها لا نرى الا انها كانت الخاتمة المناسبة و ان قراءة "عشت لأروى" يجب ان تكون في نهاية الاطلاع علي اعمال الكولومبي العظيم فعليا

لكن الامر المثير للاهتمام حقا ان ماركيز هنا لا يقدم لنا بداية او نهاية او حتي اقل نوع من الترتيب الزمني بس يكتب علي طريقة "التداعي الحر للذكريات" فيقدم بعضها علي بعض ... طريقة تبدو خلابة في الحكي الشفوى لكنها تبلبل القارئ ها هنا و تلزمه بقدر عالى -اعلي من اللازم؟!- من التركيز ، فالتنقل من فقرة لاخرى يغير فورا زمن و مكان الحدث و سن ماركيز وقت تلك الذكرى بعينها

و نحن القارئ المدمن لاعمال الاب الروحي للواقعية السحرية نتعجب من انه يهتم بتفاصيل عن اخرى تبدو لنا اكثر اهمية ، فمثلا ماركيز لا يهتم ابدا ان يروى لنا كواليس كتابته ل"مئة عام من العزلة" التي دوخت العالم و اجبرت نقاد رابطة العنق علي الغوص حتي الركبتين في العالم الشعبي نصف الخيالي ، بينما يصر ماركيز علي اخبارنا لتفاصيل مدرسته الداخلية او عشيقته الخلاسية او تفاصيل مقالاته اليومية و وقت عمله كناقد سينمائي

و نحن نرى ان الرواية الاكثر ذكرا خلال الكتابة الذى قارب السبع مئات من الصفحات هي "عاصفة الاوراق" التي لا تتصدر اعمال ماركيز من حيث الاهمية او الانتشار بل فقط من حيث الترتيب الزمني للروايته الاولي الحقيقية ... بينما لا نلمح ذكر لرائعته "خريف البطريرك" سوى مرة واحدة عابرة جدا بشكل لا يتساوى مع ما تراه كتابة تلك الكلمات اهم و اكثر ما كتب ماركيز تعقيدا و تقنية

و طبعا هنا تتصدر مشكلة "النهاية" غير الموجودة ... فالصفحة الاخيرة من "عشت لاروى" مبتورة و كأن صفحات كثير بعدها قد فقدت او تلفت ، و لولا ترجمة صالح علماني العظيم و ثقتنا في "دار المدى" -و مراجعة للنسخة بالانجليزية- لقلنا ان الكتاب ناقص
**************
لكننا ما ان نودع كل تلك الانتقادات و نترك الراوى يروى روايته و تفضيله الشخصي لما هو مهم و ما هو اضافي ، سنرى كيف كانت عين ماركيز استثنائية كفاية لان تصنع من عالمه شديد الواقعية لمسة من عالم أخر

سنرى كيف ان رحيل شركة الموز -التي كتب لها ماركيز خلود لم تتوج به ابدا اي شركة رأسمالية في العالم- عن بلدة الجد البعيدة أخدت كل شئ: المال ، نسمات يناير ، سكين تقطيع الخبر، رعد الساعة الثالثة مساءا، اريج الياسمين، و حتي الحب ... بينما لم يترك سوى اشجار اللوز المعفرة و أناس مكفهرين فتكت بهم الذكريات

و نحن نستمتع بالفصول الاولي التي تحكى عالم جدة و جد كاتبنا الكولومبي الكبير ، نرى فيه نواه صغيرة لعالم سحرى تسوده النساء اتاح له الشعور دائما بالراحة و الامان وسطن باعتبارهن عماد حماية العالم بينما يشبع الرجال فيه الفوضي بهمجيتنا التاريخية ... و حلمه القديم ان يكون واقعي كالجد و سحرى كالجدة يتمتع بمزية الامتياز الخارق لنزع الاسنان ليلا و وضعها في كوب بدل من فرشها حتي الدماء
******************
و نرى رواية "عن الشياطين و اشياء اخرى" في ذكرى عابرة لصحفي روى له عن فتاة يطول شعرها بعد الموت ، و نرى ان "مئة عام من العزلة" ولدت من رحم رواية "البيت" المجهضة التي كان سيكتبها ماركيز عن حرب الالف يوم عن اسرة لا تخرج من بيتها قط ... و نرى كيف ولدت "قصة موت معلن" من قصة واقعية اقسم ماركيز الا يكتبها الا بعد وفاة ام القتيل

و نرى ان تفصيلة البدلة الخضراء المخملية التي يرتديها الطفل في "عاصفة الاوراق" حقيقة مطابقة لزى الطفل ماركيز نفسه ولا أخر ... و عن ولادة الجنرال "بوينديا" من مزيج خارق بين جد ماركيز و جد زميل اخر ... و حبكة "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" من امل الاسرة الابدى في معاش عسكرى
*****************
لكننا نرى كيف ان قراءته ل "دونيا باربارا" ل جييجوس ضمنت له الفوز برضا امه و جاره القديم عن كونه كاتبا ، و ان "عوليس" جيميس جويس كانت انجيل جديد يسبر اغواره بلا ملل ، و ان "السيدة دلووى" ل فيرجنيا وولف جاءته مع وعد انه سيحفظها عن ظهر قلب ، و "الصخب و العنف" لفوكنر كانت وقود حركته الاولي ، و ان نهاره الاول بعد قراءة "المسخ" ل كافكا كان ليس كأى نهار ، و ان "الف ليلة و ليلة" تركته مبهور مقطوع الانفس

و ان "دون كيشوت" لم يرى فيها سوى كوميديا بائسة الا ان وضعها في حمامه الي جانب نظافته الشخصية فتحولت بفعل حركات قولونه الي متعة ساحقة ، و عن "اربع سنوات علي متن نفسي" ل ادوارد ثالاميا التي فتحت أفاق اما جيل بأكمله ، و ان "القرين" ل دوستوفيسكي التي حاول سرقتها من المكتبة العامة و لم يستطع و جعلته يتلهف بجنون لقراءتها الي ان اهداها اليه غريب عابر ، و عن "موبي ديك" ل ملفيل انه كان الاستثناء الوحيد الذى يستحق الانضمام للادب الاثيني ، و عن "البيت ذو الاسقف السبعه" ل ناثانيال هورثون التي اثرت به مدى حياته

و نحن نرى ان ماركيز كون شخصيته -في عز فقره- من كتب مستعارة ، متجولا بلا مكتبة الا من توصيات الاصدقاء و توفير المكتبات العامة ... و نحن نرى فيه مثالا اخر و جرس انذار ان الكتب ليست رفاهية و ان اسعار كتب اليوم ربما خنقت -او في طريقها- موهبة ماركيز اخر
***********
لكن ماركيز يظل كما هو ... ولد ليروى و عاش حياته ليتأمل كثيرا و ينطق ب هذيانات يجن لها جنوننا من فرط بساطتها و شدة تعقيدها و اصالتها المطلقة ... اما كيف امتص ماركيز العالم من حوله في احداث و كتب تماما مثل اسفنجة و يفككها الي اجزاء فعندما يرويها للاشخاص انفسهم فتتملكهم الحيرة ، كيف يحول العادى و الشائع الي حدث استثنائي مبتكر اصيل فهذا سر عبقرية الكاريبي الساحر التي يمكن لقارئ "عشت لأروى" ان يلمح طيفه من بعيد ... قليل و شاحب لكن كافي

دينا نبيل
فبراير ٢٠١٦
اسم الرواية: بيدرو بارامو
تأليف: خوان رولفو
ترجمة: صالح علمانى
عدد الصفحات: ١٨٦ صفحة
اصدارات دار أثر
التقييم: ٥/٥

ما هو الخط الفاصل بين الحياة و الموت؟ ان كان ذلك هو السؤال ف "بيدرو بارامو" هي الاجابة الوحيدة المقنعة .... رواية عن الموت ولا شئ غيره لكنه لا يظهر مرتديا عباءة سوداء و منجل حديدى لامع كقصص الاطفال و مخيالات الليل المرعبة ، ولا هو سيدة انيقة تبعث خطابات بنفسجية اللون كما اهدانا اياه سارامجو يوميا ، و لا حتي كحالة غياب صامت و عدم بسيط

بل يصر خوان رولفو انه حياة ابدية قلقة حزينة كثيرة الثرثرة و الذكريات ... يجعل رولفو الموت هو حجر الزاوية و الصورة السالبة للحياة الواقعية الحركية ، يصمم رولفو ان الموت تذكر ابدى لتفاصيل حياة ظننا انها عابرة
***************
"أبتلع لعابا زبديا ، أمضغ ترابا ممتلئا بدود ينعقد في حلقي و يكشط جدار الحلق... فمي ينهار متلويا ، و مثقوبا بالاسنان التي تخرمه و تلتهمه ، الانف يصبح طريا، و هلام العينين يذوب ، و خصلات الشعر تشتعل في ومضة واحدة"
***************
ليس السؤال هنا "ماذا تعنيه الرواية؟" ولا حتي "هل تعني الرواية شيئا من الاصل؟" ... بل ان انعدام هذا السؤال هو من يعطي العمل الصغير زخما مطلقا ، و الطفرات الدرامية بين متحدث و متحدث و زمن لزمن و من قبر لقبر هو الشكل الذى اختاره المؤلف كقالب لعمله و هو يتعدى حتي شكل الرواية الحديثة او التداعي الحر بل شذرات وصفها صالح علماني فاجاد الوصف انها "قطع ثلجية تذوب عند لمسها"

لا يمكن تحديد بطل للعمل و حتي الشكل الاولي للقصة عن هذا الذى يبحث عن اباه في ارض النسيان و تيمة "عودة الابن الضال" سرعان ما تذوب هي الاخر كحلوى هشة من حر و انفعال العمل و حرارة الجحيم الغائب المنتظر
***************
"مع بداية الفجر ، يأخد النهار بالدوران، بتمهل ، و تكاد تسمع مفصلات الارض الصدئة و هي تدور ، و تذبذب هذة الارض الهرمة و هي تقلب ظلامها"
***************
اما كيف صنع رولفو مدينة الاشباح تلك ، و استحدث شخاذين الدعوات الهائمين علي وجوههم بحثا عن عمل نافع بعد الموت ، و رسم شخصيات المنتظرات في قبورهن لمطر الربيع .. كيف فعل هذا كله دون ان تتحول بيدرو بارامو الي عمل رعب تجارى يستهدف صيحات القارئ المبتذلة بل تنزع قناع الموت عن وجهه ليصير قطعة من الحياة

و ربما نشير هنا ان اسم الرواية الاول قبل تغييره كان "الهمسات" ربما كان الاصح عند الوهلة الاولي ، لكننا نرى فعلا ان "بيدرو بارامو" هو الجامع لقريته الميتة جوعا و الهائمة علي وجهها ابدا بقراره الانتقامي الصغير ... و نحن لا نلمح لقاء بين الابن الضال و الاب الغائب لان شخصيات العمل تماما كشخصيات "بيكيت" تتلاقي اعتباطيا و تشكو مشاكلها الوجودية دون ادني رغبة في الحل او الخلاص بل انتظار ابدى لجهنم قائم يتمثل فيه حتي هذا كخلاص من الانتظار الخاوى
***************
"رؤيا الله، النور الناعم لسمائه اللانهائية، نشيد ملائكة الشاروبيم و غناء ملائكة الساروفيم .. و فرحة عيني الرب ، و الرؤيا الاخيرة و السريعه للمحكومين بالعذاب الابدى ، و ليس هذا و حسب بل كله متوافق مع ألم أرضي ، رمم نخاع عظامنا المتحولة الي نار ، و عروق دمنا المتحولة الي خيوط نارية ، تجعلنا نقدم تعويضات ألم لا يطاق ، ألم لم ينقص ابدا، و يستعر دائما بغضب الرب"
***************
كيف توقف خوان رولفو بعد تلك الرواية المعجزة و ترك لنا فقط روايتين و مجموعة قصصية وحيدة طيلة حياته الادبية؟ يجيب رافعا كتفيه انه هاو يكتب كيفما شاء ... لا يقتنع النقاد ولا نحن مجتمع القراء لكن شبحه يكتفي برفع كتفيه بلا مبالاة في حركة شبه ابدية كشخصياته الميتة هي الاخرى

دينا نبيل
فبراير  ٢٠١٦

اسم الرواية: فتاة القطار
تأليف: بولا هوكينز
ترجمة: الحارث النبهان
عدد الصفحات: ٣٩١ صفحة
اصدارات منشورات الأمل
التقييم: ٥/٣

يقابلنا دائما نوع من الروايات مثير و مشجع في تقليب صفحاته ، يجذبك الي قمة صغيرة في التصاعد الدرامى و التشويق ثم يأخذك في رحلته الي القمة الاخيرة المتماثلة عادة في نهاية مفاجئة ضخمة. نوع من الادب خلق ليكتب هكذا و لنقرأه متلهفين غير مهتمين كثيرا بالعمق الانسانى الا فيما يخدم عنصر التشويق ... هكذا كانت "فتاة مفقودة" و هكذا كانت "فتاة القطار" التي دوخت نصف العالم و تتحول حاليا الى فيلم هوليودى ضخم

لماذا نقرأ ادب التشويق؟ ... ربما لانه رغم بساطته محفز للقراءة و للمشاعر و مريح للذهن و الروح التى تكتفي بمشاهدة الاحداث السريعة تتوالي كشريط سينمائي دون الدخول في متاهات عذابات البشر او تعمق آلامهم ، نكتفي دائما بسب ادب التشويق لانه "سطحى" و "مفتعل" لكننا نتلهف الي صدور واحدة منهن تلك الروايات السميكة التافهة المحببة لقلوبنا المرهقة

نستطيع دائما التعلل -و هى حقيقة في حالة "فتاة القطار" -  بان الشخصيات النسائية متشابهة حد الجنون و ان الشخصيات الانثوية الثلاث في قصتنا هذة نسخ كاربونية من بعضهم البعض يشعرون و يتصرفون و يتعاملون و يحلمون و يسكرون بنفس النمط بشكل هستيرى تقريبا ، و ان الشخصيات الذكورية قليلة سطحية مباشرة ، و ان نموذج المحققين و الشرطة بسيط و خالي من عمق تعقيدات رسم الشخصيات و اختلاف عادات البشر ، وانها حتما اطول مما يجب ... نعم نستطيع ان نقول انها رواية تجارية صريحة تهتم اولا و اخيرا بعدم ترك القارئ لها حتى تتعب عيناه لكننا لا نستطيع ان ننكر انها متعة تجلب الذنب اللذيذ رغم كل شئ

و يمكننا ايضا ان نعلق ان ادب التشويق و البوليسية يمكن ان يكون افضل و ان بعض اعمال اجاثا كريستى -معشوقة الملايين- تصل فعلا في تعقيدات شخصيتها و رسمها الي قمم ادبية رغم حفاظها علي اطار التشويق السريع المحبب ، و يمكننا ان نعلق ان المبيعات ليست كل شئ و ان قليل من الدعاية تصنع المعجزات ... لكننا لا ننكر ان "فتاة القطار" ادت مهمتها المقدسة في عودة صاحبة تلك الكلمات الي عالم الكتب بعد غياب طال اكثر مما تحب

"فتاة القطار" التى لا تحوى اي "فتاة" و ربما اطلق عليها هذا لان "امرأة القطار" يقلل من المبيعات التجارية ، و التى ستتحول لفيلم ساحق في شباك التذاكر مع بعض التلميحات بتغيير نهاياتها و بعض احداثها لمزيد من التشويق ... نقول ان الرواية التجارية تلك كانت كافية و وافية لهدفها في المتعة و التشويق و الاثارة و قلب الصفحات اللااردى

دينا نبيل
٢٦ سبتمبر ٢٠١٦
اسم الرواية: يملكون ولا يملكون
تأليف: ارنست هيمنجواي
ترجمة: توفيق الأسدى
عدد الصفحات: ٢٨٤ صفحة
اصدارات مؤسسة المدى
التقييم: ٥/٣

(مهما يكن من امر فالرجل الوحيد ليست لديه اي فرصه لعينة)
**********************
هي الرواية الثانية ل هيمنجواي و التي تم تنقيحها اثناء اشتراكه في الحرب الاهلية بأسبانيا ، رواية عن الكساد العظيم كتبت في ذروة نشاط اليسار السياسي بقلم هيمنجواي ... رواية نتوقع منها الكثير

نتوقع منها روح ثورية ، ايجابية ، حالمة ، تحمل بذور الامل لكننا نتفاجئ -مفاجأة سارة ان شئت- ان العمل لا يحمل ابدا بذور التفاؤل البسيط الساذج هذا ، بل جرعات مركزة متتالية من اليأس و الفشل و الرضوخ ... و شخصيات هيمنجواي تقاسي دون ان تشكو حتي لنفسها ، و تشعر دائما انها تستحق عذاباتها تلك ، و ترى مجهودها يضيع سدى في لا مبالاة مدهشة

نتفاجئ ان في قلب النضال الثورى المتحرر نرى ان هيمنجواي يتوقع الفشل لحركات التقدم و التحرر ، و هو من الوهلة الاولي يضعنا في قلب المأساة بلا مواربة او تمهيد و يطالبنا بالتحمل
**********************
(من اين النقود للانفاق علي مارى و البنات؟ ليس لدى قارب ولا نقود و لم انل قسطا من التعليم. ما الذى يستطيع رجل بذراع واحدة ان يعمل؟ .... كل ما تبقي لدى لأبيعه هو شجاعتي)
**********************
اما كيف جعل هيمنجواي من شخصيته الرئيسيه "هارى مورجان" قبطان المركب المنحوس هو بطل العمل فه. عملية في حد ذاتها مثيرة للاهتمام

فنتابع تارة "هارى مورجان" قبطان شريف خائف وجل في لقطة ، و مهرب ميت القلب في اخرى ...محب للسلام و اب اسرة قلق علي مستقبلهم في لحظة ، و قاتل بدم بارد و غير مكترث عاطفيا ببناته او زوجته في اخرى ...رجل اعمال مهتم بطاقمه و يقدمهم علي نفسه محبا و معطاء في مشهد ، و ذئب متوحد جشع في اخر

و التغييرات تلك تتابع في سهولة و سلاسة مدهشة و بدون مقدمات احيانا ... سهولة كتلك التي قدم فيها هيمنجواي الحادثة التي ستغيير حياة هارى الي الابد فنرى لهجة المؤلف تكتسب حياد صامت بارد حاد تجاهه كل المأساة و كل تفاصيلها

 و نحب ان ننوه هنا ان لمحة من الرائعة "العجوز و البحر" نستطيع ان نراها هنا في تلك القصة المبكرة نسبيا للكاتب الامريكي الحامل لنوبل و ان استهان بها
**********************
(لاننا اليائسون. الذين ليس لديهم ما يخسرونه. نحن المتوحشون. نحن اسوء من الذين عمل معهم سبارتاكوس الاصلي. و لكن من الصعب محاولة فعل اي شئ معنا لأننا مهزومون الي حد ان السلوان لنا هو الشراب، و الفخر الوحيد هو قدرتنا علي تحمل الضرب)
***********************
لكن الايقاع السريع الشيق و اسلوب اللقطات الخاطفة خاصة فصل الحادثة الذى شاهدنا فيه تكثييف مدهش ، الايقاع ذلك يجذبنا من بداية القصة الي نهايتها رغم الغياب المفاجئ -و احيانا غير المبرر- لبطلنا الاصلي "هارى مورجان" و دخولنا في قصص موازية تعترف صاحبة تلك الكلمات انها لم تدرك مغزى بعضها من الاصل

اسلوب هيمنجواي هذا الذى سيكمل تطوره في قصصه الاكثر نضجا من تلك التي بين ايدينا ... و الذى فاز لصاحبه بمكانة لم تستطيع تلك الرصاصة التي استقرت في رأسه ان تفقده اياها


دينا نبيل
مارس٢٠١٦
اسم الرواية: بارتلبي النساخ
تأليف: هرمان ملڤل
ترجمة: زوينة آل توية
عدد الصفحات: ١٠٤ صفحة
اصدارات دار نينوى
التقييم: ٥/٣.٥

تقدم لنا دار نينوى بعد غياب طال ربما اكثر مما يجب رواية ملڤل القصيرة تلك بعد سنين طويلة من تواجد ملحمة "موبي ديك" وحدها علي ساحة الترجمة العربية ... فنقرأ له نوفيلا صغيرة عظيمة كتلك التي بين ايدينا

قلنا سابقا و نعيد ان كاتبة تلك الكلمات تعتبر فن النوفيلات اعظم ما تمخض عنه عقل المؤلفين في العالم ، نوفيلا تجمع بين تشويق و ايقاع القصة القصيرة السريع و تركيزها العالى و بين سرد الرواية و دقتها و سبرها لاغوار النفس البشرية المعقدة ... و بالطبع "بارتلبي النساخ" ليست استثناء

يرسم ملڤل لنا شخصية بطله بتفاصيل قليلة لكن مميزة ... نجد بارتلبي صامت مقتصد متأمل يكد في عمله ان عمل و كثير العناد ، يقاوم التغيير بصمت و قوة تهزم اقصى هجوم ، قوة سلبية عظيمة الشأن ... و هو تقريبا بلا ماضي ولا مستقبل و يعيش حاضر مشوش لحد مذهل

موظف صغير يكد في عمله و قد يحتمل له بعض السلوك المنطوى لخاطر هذا ، لكن عندما يقرر انه لن يقوم بعمل ثانية و يتشبث بموقفه ، يكون قد جذب ملڤل افكارنا لحل المعضلة تلك

اما كيف صنع ملڤل من مقابل البطل هذا بطل في حد ذاته رغم ان الراوى هو من يسيطر علي ارجاء العمل و مساحاته؟ فشئ مثير للاهتمام في حد ذاته .... فنحن لا نعرف عن بارتلبي اكثر ما ترصده لنا عين الراوى و كثيرا ما يكون انفعالات و افكار الراوى هو محط انظارنا لكن يظل ذلك الساكن الصامت الذى يفضل دائما "الا" هو صاحب القصة و المنتظر منه الفعل و رده

و هى نوفيلا -كأبناء نوعها- تحمل ايقاع معين من اولها يتسارع قليلا نحو النهاية ... و نتفاجئ قليلا من كم الاشارات الي الحضارة الرومانية و الاساطير و الانجيل و اسقاطات التعبيرات في هذا النص صغير الحجم و المزدحم بالانفعالات

و نرى ان الترجمة هنا خير معين لنا في رحلتنا مع النص الصعب الصغير ، و اشارات المترجمه مقتصدة منورة و ان كثرت اكثر قليلا من ذوق كاتبة تلك الكلمات

و نحن نحلم يوما بوصول كامل اعمال ملڤل مترجمه للعربية لنا ... و نحلم ان تأتي الهمة و الحماس لانهاء رائعة "موبي ديك" التي بدأت قراءتها منذ اعوام خلت و تنتظرني هى و لا تبدى تذمر ابدا عند عودتي

دينا نبيل
مارس٢٠١٦
اسم الرواية: مذكرات قبو
تأليف: دوستويفسكي
ترجمة: أحمد الويزى
عدد الصفحات: ٢٠٧ صفحة
اصدارات المركز الثقافي العربي
التقييم: ٥/٣.٥

"  لقد كرهتك سلفا لاني كذبت عليك ، ولأن ما افلح فيه انا هو اللعب بالكلمات، و هو الاستغراق في احلام اليقظة، و لأن ما اريده بالفعل هو هذا: ان تذهبوا جميعا الي الجحيم. هو ذا ما اريد! انني بحاجة الي سلام. و لكي يتركوني اعيش في سلام ، انا مستعد لبيع الارض كلها بفلس واحد صغير ، و علي الفور...  "
***************
هل يمكننا ان ننعت هذا النص الفريد بانه كافكي الروح رغم انه كتب قبل مولد كافكا؟ و هل يمكننا ان ندعي ان روح كامو موجودة محلقة علي العمل رغم ان حبر الكتابة قد جف قبل ان يأتي سارتر الي عالمنا؟ و هل كان دوستويفسكي عظيما متقدما بكل هذا المقدار دون ان يدرك قراء عصره؟ و الاهم كيف توصل مؤلفين روسيا العظيمة في هذا العهد المبكر جدا الي حداثة عصرية كتلك؟!

ربما لا يمكننا الاجابة علي معظم تلك الاسئلة لكن دائما يمكنا التصريح بعظمة عمل استثنائي كهذا حتي في وجوده ضمن اعمال دوستويفسكي الاستثنائية الاخرى ... هل تتصور وجود عمل مميز وسط اعمال مميزة؟ هذا هو حال "مذكرات قبو"

قلنا ان من المستحيل ان نصرح ان العمل يحمل روح كامو قبل ان يولد لكن ليس من المستحيل ان عمل استثنائي كهذا متأثر باعمال العظيم جوجول و نستطيع ان نشم رائحة قصتي "المعطف" و "يوميات رجل مجنون" هنا

و لكننا نعترف ايضا ان قدرة دوستويفسكي السابقة لعصرها دائما صنعت عمل فلسفي مصمم ل"مقابل البطل" الذى صار بعد ذلك بزمن طويل اثناء نشاط حركات "تيار الوعي" و "ادب الحداثة" القاعدة الدرامية ذاتها قبل ان تتراجع الحركات الادبية في العالم للخلف فيعود البطل الوسيم المغوار الشجاع الطيب هو النموذج .. و كأن العالم نسي رواية "بطل من هذا الزمن" و كأنها لم تكتب لعالم ينسي اكثر يجب

بطل عصرى في زمن قديم، لا يحمل سوى الشك و الخجل و كراهية فلسفية و احساس دائم بالعجز امام القدر و الناس ، بطل عصرى يتنحي دائما قبل الاصطدام و لا يتنحي له احد ، بطل عصرى يبكي بالدموع الغزيرة و يصرخ ملئ رئتيه قليلا و يعيش في عوالمه الخيالية و الموازية كثيرا ، بطل عصرى يحمل هموم عصر اقل سوءا مما تخيل و لم يكن يعلم ان القادم اسوء ، بطل عصرى يركل قصر البلور فيحطمه لانه يعلم حق اليقين ان المثالية يجب ان تظل حلما بعيدا عن التحقيق ، بطل عصرى يكتب لجمهور غير موجود و يبرر اكثر مما يفسر ، يعلم ان حاصل اثنين في اثنين هم اربعه رغم كل اعتراضاته و احزانه و افكاره
****************
"   اذا سألني سائل :(و ما الذى تفضل ان يختفي العالم او ان تحرم من فنجان الشاي؟) ، أرد عليه: فليختف العالم باسره شريطة ان يبقي فنجان شايي مضمونا ، علي الدوام)  "

دينا نبيل
مارس٢٠١٦

اسم الرواية: ما الانسان سوى دراج كبير في هذة الدنيا
 تأليف: هيرتا موللر
 ترجمة: نبيل الحفار
 عدد الصفحات: ١٥٤ صفحة
 اصدارات هيئة أبو ظبي للثقافة و التراث (كلمة)
التقييم: ٥/٤

اذا سألت كاتبة تلك الكلمات عن اهم اكتشاف للانسان علي كوكبه الازرق الملئ ببؤس اكثر مما يحتمل لاجابت انها النار و الكهرباء و فن النوفيلات ....

لماذا "النوفيلا" ؟ ... لانها اجمل و اصعب صنف ادبي و لان كاتبها يحمل عبء تكثيف القصص القصيرة و عظمة ابداع و تعبير الروايات ، و لان المحافظة علي ذلك الخيط الدقيق لايقاع هذا المنتج الهش سريع الفساد هو اروع ما قد يكتبه مؤلف و ادعي انه اصعبه

فماذا فعلت هيرتا موللر اذن؟ قدمت لنا عدد قليل من الصفحات محملة بشحنة عظيمة من المشاعر و التأملات و بتفاصيل عينها الدقيقة التي تشبه الكاميرا تلتقط لنا ادق خلجات عضلات زاوية الفم عند تذكر بؤس الحرب ، و ألم عنق من اغتصبت عنوة ، و تلك الفراشة البيضاء الصغيرة التي سحقت بين الاصابع لانها ذكرت الجميع بمدى عدم طهارتهم

عندما يضيق الوطن باهله و يجن جنون الديك الابيض فيقتل نفسه هل يبقي لل"شرف" معني؟ هل عذرية الفتاة الوحيدة اهم ام الخروج من الوطن قبل ان يتلهم ابناؤه؟ و هل نفع الطحين الطحان يوما؟ .... اسئلة لا يهتم ڤينديش و اسرته كما نتصور بل ان الاحداث تفرض نفسها بسرعه بحيث تقلل من قيمة الاحلام و التأملات و الكوابيس و همسات جمهور الكنيسة يوم الاحد

تمشي الفتاة و تميل بمقدمة قدميها جانبا فيعجز الكون عن تقديم المساعدة ، لحظة يشعر فيها الجميع ان المسيح نفسه لن يستطيع ان يقنع القس ان يهب العائلة شهادة الخروج من المدينة التي اصفر فيها الشجر صيفا و اكلت فيها شجرة التفاح ثمارتها حتي المسيح المصلوب عاريا علي رأس الشارع لا يقدر علي منع تقديم الثمن الذى يعرفه الجميع و يسكت عنه الجميع

العهر او تحمل شوكات القنفذ الكامن في المعدة؟  العهر او الحبس الابدى في قرية يفر ابناءها واحد دون الاخر؟ العهر او الانتظار الي الابد في قائمة لا تحوى اسمك؟ .... لا تقدم هيرتا حلول كثيرة بل تكتفي باثارة حالة الوجوب و حالة الوتر المشدود ذلك ، لا تهتم كثيرا بالحب المنسي بين حوائط سينما تقدم افلام روسية منخفضة التكلفة ، لا تقدم لنا هيرتا حلول ولا تقول ابدا ان النساء يحملن العار فوق رؤسهن طول العمر ، فقط تقدم لنا ماضي الام كدليل عن مستقبل الابنة ، لا يغفر احد لمرأة فتحت ساقيها لتطعم فمها يوما

لكن كيف قدمت هيرتا موللر العظيمة هذا كله و اكثر في اجمل شكل ادبي في نوفيلا صغيرة كتلك تحمل اسم طويل كهذا؟ ربما هو السؤال الذى عادل يوما ١٠ مليون كرونة سويدية فقط و جائزة نوبل الذهبية في ٢٠٠٩ و انما انضمامها لقائمة شرف طويلة

دينا نبيل
مارس٢٠١٦
اسم الرواية: المرأة العسراء
تأليف: بيتر هاندكه
ترجمة: مارى طوق
عدد الصفحات : ٨٦ صفحة
اصدارات دار الاداب
التقييم: ٥/٢

(الان يبدأ الزمن الطويل لعزلتك يا ماريان)

نستطيع دائما ان نميز بين نوعين من النوفيلات -نوعي المفضل من الادب و لا امل من التصريح بذلك- فاما الاول فصنف هجين يحمل سرعه القصة القصيرة و ايقاعها السريع و بين تعبير الرواية و ابداعها

و الصنف الاخر و كأنه قطعه من رواية فقد جزءها الاول و الاخير ، نشعر و كأنها امتداد طبيعي لجزء لم نطالعه و ان لها نهاية غائبة غير التي نقرأها ... و بالتاكيد "المرأة العسراء" هي من النوع الثاني الذى لا نقلل ابدا من اهميته و متعته "إن" كتب بامتياز

لكن النوفيلا الصغيرة التي بين ايدينا تحمل تيه ولا ملاذ ، مقدمات كثيرة بلا نتائج ، و مشاعر مقتضبة مبتورة ، و احداث ناقصة مجتزئة ، مشاهد قصيرة تفتقد قطع بازل كثيرة تساعدنا لتكوين الصورة

ربما من الصعب ان نجد عمل ادبي يجسد فعلا معني وحدة المرأة كما فعلها مياس العظيم في رائعته التي عجز هو حتي عن الاتيان بمثيلتها "هكذا كانت الوحدة" ، لكن بيتر هاندكه لم يقترب حتي من المستوى الذى طالبنا به

بداية قوية و فكرة تحمل مقومات عمل جيد لكننا لا نرى في بقية القصة تجسيد حقيقي للمرأة الحديثة معقدة التفكير ... لا نلمح من كل العمل الا عزلة كبيرة يقطعها كثير من التفكير و التحذير من الوحدة لكننا لا نلمح تلك الوحدة و ملامحها و تشعبتها فعليا الا في صفحات اقل كثيرا مما يجب

دينا نبيل
مارس٢٠١٦

اسم الرواية: باقي من الزمن ساعة
تأليف: نجيب محفوظ
عدد الصفحات: ١٥٥ صفحة
اصدارات دار الشروق
التقييم: ٥/٣.٥

هل يمكن ضغط تاريخ اربعه اجيال لاسرة واحدة بكل اوجاع و احلام و مخاوف افرادها خلال ١٥٠ صفحة فقط لا غير؟ ... اذا كنت نجيب محفوظ فنعم و ان كنت غيره فتظهر في الافق "لا" ضخمة

اجيال تتوافد يحمل كل جيل همومه الخاصة و يظن دائما انه الاسوء حالا علي الاطلاق لكن بشائر الجيل التالي تبشر بان الاسوء قطعا لم يأتي بعد

قصة بلا بداية ولا نهاية بل قطعة من التاريخ مصر مضغوطة بين صفحات قليلة -اقل مما يجب؟!- و تشعرنا انها مسودة لعمل اكبر للعم نجيب لم يتمها

عائلة السيد حامد برهان الوفدى و زوجته السيدة سنية التي تفوقه عقلا و تمتلك بيت كبير اخضر بحديقة كانت يوما غناء و ابناؤه و احفاده ... من الوفدية الي الاخوانية الي الناصرية و الانكسار و الانتصار و الانفتاح ... وطن يجرب كل الحلول و يقف في منتصفها دائما يتساءل عن جدوى الامر
*************
(في الجامعة دهمهم جو فائر بالبلبلة، صاخب بالاصوات الجهيرة المتضاربة. الدين... الدين...الدين ما انتصرت اسرائيل الا بالتوارة فالحرب يجب ان تكون بالقرآن،  الماركسية...الماركسية..الماركسية  هي التي تقتلع مجتمعا مهترئا من جذوره الخرافية لتشيد فوق انقاضه مجتمع علمي معاصر،    العلم...العلم...العلم ما انتصرت اسرائيل الا بالتكنولوجيا و املنا الحقيقي في العلم و بالتكنولوجيا،  الديموقراطية...الديموقراطية... الديموقراطية  فما خسف بنا الارض الا الاستبداد ،الناصرية...الناصرية...الناصرية و ما عليها الا ان تخلص لمبادئها حتي نخلص لها،   دوامة لا تسكن ولا تهدأ، و القلوب ثقيلة ، و الانفس مريرة، و الافق متجهم، و الشهوات مكبوتة، و احلام اليقظة مرهقة) ص٧٦
***************
و دائما يعيش البشر وسط الحروب ، يأكلون و يشربون و يحبون و تنكسر قلوبهم و يلقون في السجون و يتزوجون لا تمنعهم السياسة الا قليلا و لا تتدخل الا في المسار الكبير ... لكن حديقة المنزل تنتظر النرجس و النعناع و الريحان و القرنفل بشكل ابدى فتتوالي الافكار و الايدولوجيات الضخمة لكن النعناع لا يزرع

رواية سريعه مضغوطة متقلبة يكتبها نجيب محفوظ بتعجل يشعرك ان فعلا الباقي من الزمن ساعة!

دينا نبيل
مارس٢٠١٦
اسم الرواية: في انتظار البرابرة
تأليف: ج.م. كوتزى
ترجمة: ابتسام عبد الله
عدد الصفحات: ٢٢٣ صفحة
اصدارات المركز الثقافي العربي
التقييم: ٥/٣.٥

هل يمكن ان يصمد الفرد امام الدولة؟ هل يستطيع انسان متفرد مزعزع الافكار و العقيدة النجاة في مواجهة الامبراطورية التي تمتلك كل مقومات كسر الانسان ذلك؟ و هل الدولة/الامبراطورية هى فقط مجموع افرادها؟ ام جهاز متشعب لا يشبه الا الاخطبوط؟ و هل صنع عدو خيالي بربرى قادر علي جمع شتات مدنية ممزقة؟ ما هو الحد الفاصل اصلا بين المدنية و الهمجية؟ .... هي اسئلة لن يجاوب عنها كوتزى و ربما لم يحاول حتي لكنها تظهر في الذهن تحمل خطوط حمراء اسفلها و تنتظر ان تجد الحل

مدينة علي الحدود لا تمتلك الا محاولات التشبث بالاكتفاء الذاتي لعلمها الاكيد ان لولاه ما انقذها احد ، مدينة تنتمي الي امبراطورية ضخمة لا تنظر الا في سنين الحرب ولا تلمحها ابدا في السلم ، مدينة يحكمها قاضي بلا سلطة كبيرة لكنها تسير بقصورها الذاتي الرتيب المحبوب ، تتبادل تجاريا مع برابرة علي الهامش و يعيش الجميع في ظل صدئ المدافع و امتلاء مخازن الحبوب استعداد لشتاء طويل قاسي ... لكن كل شئ يتغير حين تحتاج الامبراطورية العتيدة الي عدو و يقع الاختيار علي البرابرة
******************
(كنت انا الاكذوبة التي ترويها الامبراطورية لنفسها في الاوقات الهينة ، و كان هو الحقيقة التي ترويها الامبراطورية لنفسها عندما تهب الرياح الجافة)
******************
لكننا رغم الاطار السياسي/الاجتماعي ذلك ان "في انتظار البرابرة" رواية شعورية رغم كل شئ و نلمح ان السبب الحقيقي هو اختيار مؤلفها لراوى مسن ، راوى يحمل شكوك في الحياة و رغبة جنسية مكبوتة، راوى يكثر من النظر للماضي الجميل و المستقبل المحتمل لكنه لا يتمهل عند الحاضر القاسي المجرد من الاخلاق و التقدم المزعوم

راوى يجبرنا علي متابعة قصة غنية بالحركة بعيون مثقلة بالثبات و الجمود ، و بسبب ذلك الراوى تكون "في انتظار البرابرة" ليست ١٩٨٤ جورج اورويل جديدة ، و لن تكون مجرد ديستوبيا لجهاز الدولة المتضخم، و تتحول الي رواية انسانية اولا و رغم كل شئ

الرواية تعظم في كثير من مقاطعها قدرة الجهاز الحكومي علي تحطيم شخص مفرد ، حين تتكأ الدولة بثقلها علي عظمة فتكسرها في حين انها كثيرا ما تفشل في هزيمة عدو خيالي صنعته يداها
******************

( لا احد يضربني، لا احد يجوعني، لا احد يبصق عليا. كيف اعد نفسي ضحية الاضطهاد في حين ان معاناتي خفيفة هكذا. و مع ذلك فانهم جميعا اكثر انحطاطا بسبب تفاهتهم. اتذكر مبتسما غندما اغلق الباب خلفي في المرة الاولي و دار المفتاح في القفل، بدا الامر ليس بعقوبة كبيرة في الانتقال من عزلة الوجود اليومي الي عزلة زنزانة في حين بالامكان ان احمل معي عالما من الافكار و الذكريات. و لكني الان ابدأ في ادراك كم بدائية هي الحرية. اي حرية قد تركت لي؟ حرية ان أكل او اموت جوعا، ان احتفظ بصمتي او اثرثر لنفسي او اضرب الباب و اصرخ. ان كنت الهدف لظلم ، لظلم طفيف ، عندما اغلقوا الباب علي هنا ، فانني الان لست اكثر من كومة غير سعيدة من دماء و عظام و لحم)
*************
ربما تكون الدولة في حاجة دائمة الي عدو ... لكن مخزن الحبوب الفارغ و الشتاء الطويل لا يمنحوا اياها مهلة ولم يهتموا بامور السياسة العليا يوما

دينا نبيل
مارس٢٠١٦

المجموعة القصصية: رمش العين
تأليف: محمد خير
اصدارات الكتب خانة
عدد الصفحات: ١٤٤ صفحة
التقييم: ٥/٥

لماذا "رمش العين" ؟ أو  لماذا الان؟

مؤخرا اصبح فن القصة القصيرة مجرد مرحلة مهلهلة في كثير الاحيان من مؤلفينا للوصول الي الرواية المجزية ماديا و تسويقيا ، و صار ادبنا العربي يفتقر الي مجموعة بحجم و مكانة "لغة الاي اي" لقديس القصة القصيرة يوسف ادريس ، و صار الواقع ان وجود مجموعة قصصية جديدة يستدعي الي الذهن احساس ال"ثلاثة نجوم" و توسط المستوى المرهق و لا تستثي صاحبة تلك الكلمات قصص الاساتذة محمد المخزنجي و بهاء طاهر حتي

و منذ اعوام كثيرة و بالتحديد منذ المجموعة الرائعة " كنارى ل أحمد الخميسي" التي لم تأخذ ما تستحق من مكانة و شهرة لم تمر علينا مجموعة تستحق ان تقرأ كاملة دون تجاوز قصة منها بل و تصعد بعضها لمرحلة اعادة قراءتها مرة ثانية و ثالثة ، و يسعدنا كثيرا كثيرا ان نرى استثناء يستحق الذكر
*************
كيف نقييم المجموعات القصصية؟ أو لماذا ٥ نجوم كاملة غير منقوصة؟

نرى ان التقييم بمتوسط مستوى المجموعة ظالم قليلا فربما تكفي قصة واحدة عظيمة لان تنتصر المجموعة كاملة ، و هنا يجب ان نشيد كثيرا بالقصة القصيرة "دبيب" شديدة التمييز علي المستوى التقني و اقامة جسر من السرد في الحاضر و المستقبل و استخدام ذكى لعلامات الترقيم فيكفي ان يفتح القوس لنجهز انفسنا للنظر في البلورة المسحورة فنرى مستقبل الشخصية السار و التعيس ، و ربما قصة مقتضبة ك "استدعاء" تلتصق بالذهن رغم تتابع القصص و الحكايا فنرى اليد المرتعشة للبطل المحب للسلام القابض علي مسدس ثقيل مرخص ، او اسهاب رائع كما في "بنج بونج" حين يؤسس المؤلف بصبر قناعات و افكار ثم يهدمها كقصر علي رمال ناعمة و هكذا دواليك الي ان نصل الي استحالة وجود فكرة واحدة مطلقة في الحياة، او تصميم لكارما الحياة و تتابع القدر كما في قصة "الكلام"

و لهذا نغفر لها عدم تفهمنا لبعضها ك "٣٥ ملم" او حتي "طائر"  و "الايام المفقودة" و ان كنت اظن ان قراءة ثانية لها ربما تكشف مواقع الابداع المتكتمة قليلا عن غيرها
***************
كيف تصنع قصة قصيرة عظيمة؟ او كيف تقول كل شئ دون ان تقول شيئا؟

احيانا يصلح مشهد واحد لبناء قصة عظيمة كقصة "يا عيسي" القصة الاولي في المجموعة و ربما اروعهم بناء لمن يرى ، كيف يزرع الشك ب"كلمة" و كيف يمكن ان يحول كاتب لفظ يقال عند الموت الي حياة كاملة قلقة ، و كيف يمكن ان تفضل القلق نفسه علي الجزم بالخيانة
***************
مجموعة قصصية اجمل مما تبدو و يوحي غلافها و قلة الدعاية و الاهتمام ، و ربما كافية لحل "قفلة القارئ" الشهيرة فتفتح الشهية مجددا لغيرها

دينا نبيل
مارس ٢٠١٦

اسم الرواية: المجلد الاول من "الحرب و السلام"
تأليف: ليون تولستوى
ترجمة: سامي الدروبي
عدد الصفحات: ٨٥٠ صفحة
اصدارات منشورات وزارة الثقافة - دمشق

عندما تبدأ في قراءة عمل بجحم "الحرب و السلام" تشعر بكل مخاوف الدنيا ، تتسأل ان كانت قدرتك علي الاحتمال تصلح لقراءة عمل يتجاوز ال٣٠٠٠ صفحة ، تتسأل هل حقا الاعمال العظيمة مملة كما نتخيلها؟ ، تتسأل عن ضرورة قراءة العمل بنصه الاصلي ام الاكتفاء بنسخة مضغوطة بديل واقعي ... لكنك ما ان تتاخذ القرار تجد ان تولستوى يأخذك برفق -في البداية علي الاقل- الي عالمه المتشابك الجديد

"الحرب و السلام" التي تتكون من اربع مجلدات ضخمة ، و تحكى حرب روسيا مع نابليون تلك الحرب البعيدة عن ذهن القارئ العربي تتمكن بشكل ما من تجاوز محليتها و تشابكات عصرها بل و حتي شخصياتها التي احصاها النقاد فوصلوا للرقم "٥٥٩" في العد

المجلد الاول من الرواية الملحمية تلك يختبرك صبرك ، تخبرك انك لن تستطيع معاها صبرا فتصر ، يغرقك الاديب الروسي القدير بكم هائل من الصالونات الطبقية الباردة و صفحات و صفحات عن المعايير الاجتماعية المتكلسة التي عفي عنها الزمن ، صفحات و صفحات من السلام الممض الممل الممتلئ حتي حافته بفساتين مطرزة و حديث بارد دبلوماسي ، صفحات و صفحات من التفاصيل الصغيرة المنمنمة عن الشعر المستعار و الميراث المفقود و لهو الصبيان ، صفحات تمر تختبر صبرك

صفحات تبدو مملة الا من مشاهد مكتملة كمشهد الفصول الاربعة لموقف موت الكونت بيزوخوف و المنافسة علي الوصية و الميراث ، كيف استطاع تولستوى ان يصمم مشهد صراع حاد كهذا في ظل المحافظة علي الشكل الظاهرى لرقة الحاشية و الطبقة العليا ، كيف تنافست الاميرات علي محفظة ميراثهن بينما يتناول الكونت اسرار موته الاخيرة ، مشاهد يصحبه توتر شديد في ظل الحفاظ المطلق علي المظاهر و البروتوكول ، مشهد سينمائي نتخيله بديكوره و شكل اضاءته ، مشهد ربما يصلح كقصة قصيرة في حد ذاته

لكنك ما ان تصل الي الحرب حتي يفقد السلام ملله ، يضعك تولستوى هنا -في احد اقدم روايات الحرب التي قلدت لاحقا كثيرا- في قلب حدث الحرب ، مناوشات عسكرية و خطط حربية معقدة و جبن و شجاعة و سماء زرقاء بعيدة تراقب في صمت محايد ، تشاهد جنرال و كولونيل يتناطحان بين الانسحاب و الهجوم فيحيي كل منهما صاحبه بكياسة و لباقة و هو يضمر له حقدا و كراهية ، ما ان تصل الي الحرب حتي يجعلك تولستوى تراقب ان لا شئ يفصل بين الجيشين في الحرب اللهم الا الخط الرهيب خط الغيب المجهول الذى لا يشبه الا الخط الفاصل بين الاحياء و الاموات ، فيحبس كل فرد تنفسه متساءلا هل سيتخطى الخط اليوم ام ستأجل اللحظة الي يوم لاحق  ، ترى طموحات الضباط في نقلة نوعية او شجاعة صارخة تغير حياتهم الي الابد ، شجاعة تجعلهم يحملون ذكراها في يوم هادئ دافئ عندما يغزو الشيب رؤسهم

ما ان تصل الي الحرب حتي تفتقد الاعيب "ناتاشا" الصغيرة في السلم البعيد ، و خجل بطرس امام مجتمع راقى لا يجيد حل الغازه ، ما ان تصل الي الحرب حتي تراقب امير اندره يحاول ان يجد الاله في دوامة اللامنطق و يجد الشجاعة فى قلب اللامعقول ، و تشاهد روستوف يتأمل في ملكيه بحب جارف يستلهم منه شجاعة في مواجهة نابليون الشجاع ، و تتابع بوريس يحقق احلام امه بدبلوماسية واقعية تختبئ في مقر الشجاعة المثالية

مجلد ربما اطول مما يجب ، لكننا نجد انفسنا بعده قد اندمجنا بشكل يصعب علينا ان نفعل نقدنا باكثر مما نكتبه ، فنسرع الي المجلد الثاني بحماس اكثر و شك اقل ...

دينا نبيل
ابريل ٢٠١٦

#مكملين         #شهر_الادب_الكلاسيكي

اسم الرواية: أمير الذباب
تأليف: وليام جولدينج
عدد الصفحات: ٤١٥ صفحة
ترجمة: عبد الحميد الجمال
اصدارات الدار المصرية اللبنانية
التقييم: ٥/٣.٥

هناك عدد قليل من الاعمال الادبية يحتاج الي مساعدة للقارئ لادراك معناها و مقاصدها و هنا "امير الذباب" مثال رائع لاحداها ، و نجدنا اكثر من سعداء حين نجد عون لنا من المترجم الذى لا يكتفي بكتابة نقد ادبي قيم و موضح لكنه يتكرم ان يضعه علي شكل تذييل للعمل فيجمع بين مهارة الشرح و حرفية عدم "حرق" احداث العمل ... و هو يتحدث و ينصحنا و يقول في تذييله الممتع :
"ليس من الحكمة ان يقرأ المرء تحليلات نقدية عن روايات جولدينج قبل ان يشرع في قراءتها"

و قصتنا تبدو تقليدية في نصفها الاول بل ان نمطية احداثها تدفعنا احيانا للتساؤل عن وجه شهرتها و اهميتها و كلمة "نوبل" التي تزين صدر مؤلفها ، فهى تمعن -في بدايتها- في الشاعرية و تنساق في دوامات الوصف و اسهاب تخيل مسرح الاحداث ، و قارئ تلك الايام ينفر من طول و تدقيق وصف الجزيرة التى ستسقط فيها طائرة اطفال الانجليز و هذا القارئ يرى في بدايتها انها مجرد قصة عن اطفال تائهين علي جزيرة منعزلة

و حتي لا نلوم القارئ المسكين هذا -في عصره السريع و كم المواد المتاحة للقراءة- علي قلة صبره فنظلمه نشير ان فعلا الجزء من العمل الذى ستبدأ فيه رمزية حكم الانسان لمجتمعه فعلا متأخر و يتأجل لبعد منتصف العمل الذى لا يمكن وصفه بالقصير

لكننا نشير ايضا الي ان بمجرد الدخول في رمزية الانسان المتحضر في مواجهة مشاكل الحكم المطلق و موازنة الامان مع الديموقراطية و التحضر الممل في مواجهة التوحش المثير و ولادة الدين من رحم الخوف ، نقول بمجرد ان تبدأ تلك المناقشات و الرمزية في قالب قصصي ممتع نكون قد اكتشفنا المتعة التي بين ايدينا و نستطيع ها هنا معه الان صبرا

اسئلة لم يطرحها جولدينج مباشرة و لم يجيب عنها لكنها محور العمل عن ان كانت مصدر كل الخير و الشر قابع في نفس الانسان وحده دون تدخل من شياطين و ملائكة؟ و عن قدرتنا علي ايجاد طريق الصلاح حين و ان تخلصنا من كل تعقيدات الحاضر و بدأنا صفحة بيضاء ناصعة مع عقول طفلة او نصف شابه؟ عن مجتمع ينسحق تحت عبء الخوف و السعار حتى من دون دين او رغبة جنسية؟

و نحن حين نفارق "امير الذباب" نشتاق قليلا الي "بيجي" رمز الضعف الجسدى بصدره المتعب و عينان يفتقران الي البصر لكن ذهن متوقد ، و نفتقد المحارة الوردية و صوتها القوى الداعي الي مجالس السلم ، و ان كنا لا نفتقد النهاية المتسرعة السعيدة بلا مبرر منطقي

دينا نبيل
مايو ٢٠١٦

مسرحية: أندروماك
تأليف: چان راسين
ترجمة: طه حسين
عدد الصفحات: ٨٩ صفحة
اصدارات شروق بنجوين
التقييم: ٥/٥

(انك تريدين ان تحبينى. ولا استطيع ان أروقك، يومئذ يتسلط عليك الحب فتهويني حين تريدين بغضي) ... من حديث "اورست" الي "هرميون"
***********
ما هو ذلك السر الصغير الذى اجبر الادب الاوروبي مرة تلو الاخرى عبر عصور النهضة و العقل و التنوير الي العودة للادب اليوناني؟ ، و ما هو ذلك الدافع الذى جذبنا لقراءة ترجيديا هيلانا التي "انطلقت الف سفينة من اجل عيناها" كل هذا العدد من المرات؟ ، ولم عشق طه حسين في عهد الليبرالية المصرية القصير الكلاسيكيات تلك و بشر بها؟

ربما لن نعلم ابدا سر انجذابنا الي تراجيديا اليونانية و سر استمتاعنا بعذابات اخيل و هكتور و اجاممنون و هيلانة و باريس... لكننا نعود اليه دوريا اما في الابحار في مجلدات الالياذة المتتالية او تسلسلنا في الاوديسة و الانياذة و يضاف الي ذلك الرغبة الانسانية العالمية ، نقول يضاف اليها مأساتنا نحن العرب في رحلتنا الابدية القاسية بحثا عن الترجمة العربية الافضل المثالية الضائعة

و طه حسين يقدم لنا العمل نثرا و رغم دقته بل و انسياب الترجمة في رقة لكننا نفتقد ما يعبر عنه راسين في لغته الاصلية من شعر ذا جرس رنان ... لكن ربما لم يكن في الامكان افضل مما كان
***********
(أتظنين ان عينين مفتوحتين دائما لسكب الدموع تجدان شيئا من اللذة في تنغيص ما لسحرك من سلطان؟ و ان قلبا ينوء به ما يثقله من السأم قد طمع في زفرات من يعذبه؟) من حديث "كليون" الي "هرميون"
************
و القصة تبدو الان للقارئ الحديث مستلهكة ، لكنها لقارئ الالياذة تعتبر صدى متقن لنص الهم نصف العالم ليبدع عنه ، و يدور عن مأساة عدم تملكنا علي قلوبنا ... نستطيع ان نختار من نحترمهم و نستطيع ان نختار من نصادقهم لكننا لا نستطيع -مهما حاولنا- ان نختار من نحب

و هنا نرى ان الجيل الثاني من ابطال الملحمة الاصلية يتصدرون المشهد ، اندروماك ارملة هيكتور و پيروس ابن اخيل و أورست ابن اجاممنون و هرميون ابنه هيلانة

و الحب دائما في اتجاة واحد تعيس يجلب البؤس علي كل الابطال، فاورست يعشق قريبته هرميون، و هرميون مخطوبة و عاشقة لپيروس الذى بدوره لا يبدى اى مشاعر الا لاندروماك الارملة التعيسة التي تحيا -فقط- لذكرى هيكتور المسفوح

و اندروماك لا تنسي جنازة هيكتور المجهضة و أسر ابنها و دماء شعب يسفح علي ضياء احتراق اسوار طروادة المهدمة ، لا تنسي صيحات المتحضرين بالنار و الحديد في عيون پيروس مهما كانت اغراء انقاذ ابنها و هى نفسها و ما تبقي من مدينة مهزومة ، تنظر الي قبر هيكتور الخالي تبحث عن اجابات للاسئلة

و تتصاعد الدراما المتوترة الي اقصاها بخطة هرميون لقتل پيروس الملك انتقاما من اجل الحب المهمل
************
(لقد رأيت أبي قتيلا و اسوارنا مضطرمة، و رأيت أيام اسرتي كلها تقطع قطعا، و رأيت زوجى داميا يسحب علي التراب، و رأيت ابني وحده قد احتفظ به في الاغلال....لقد تعزيت احيانا باني قد نفيت الي هذا المكان دون غيره لانه وقع في اسارك انت ، اعتقدت ان سجنه سيصبح مأمنا له) من حديث "اندروماك" الي "پيروس"
************
و هي تستخدم اسلوب الكلاسيك في الجمل الحوارية الطويلة اعتمادا علي وجود وصيف او صديق محل ثقة ليلعب دور المستمتع لاهات المتحدى للقدر ، و الابطال الاربعة يدورون في دائرة مفرغة من الجبر و الاختيار و بين اتباع الماضي او اختيار المستقبل و دائما بين ذل الحب و كبرياء الهجر

و هى تبدو لنا الان -بعد كل تلك السنين- متألقة حية رغم بدايتها الصادمة و نهايتها المبتورة و تبدو لنا الان كجزء من عمل درامى اكثر منها عمل قائم بذاته ، و نحن ننظر لها و نتغاضي صراع وقت كتابتها و ماذا كان رد فرنسا عند العودة للوعظ الدرامى تأثرا بمشكلة دير البور رويال الچانسنى و دور بسكال و راسين فيها ، بل نكتفي ان نرى فيها دراما رفيعة عاشت رغم السنين في قوة و رفعة لا نراها الا في شكسبير الذى يفضل عليه الفرنسيون عليه راسين .. فنختلف معهم في تلك الاخيرة فقط و نتفق في جلال اندروماك الباقي عبر العصور

دينا نبيل
يونيو ٢٠١٦


اسم القصة: مزرعة الثعالب  "Boys and Girls"
تأليف: اليس مونرو
ترجمة: ياسر شعبان
منشورة ضمن مجلة الثقافة الجديدة

(كانت كلمة فتاة تبدو لي بريئة و غير مثقلة بالأعباء مثل كلمة طفل ، الان بدا لي انه لا وجود لهذا التصور ، فالفتاة لم تكن كما ظننت، ما كنت عليه ببساطة، بل كانت ما سأصبح عليه. كانت تعريفا ، و دائما مغلفا بقدر من التأكيد يجمع بين التوبيخ و الاحباط، كانت كذلك بمثابة اضحوكة بالنسبة لي)
*******************
عندما تكتب اليس مونرو قصصها الصغيرة تلك تخطف انفاسنا ، تجعلنا في كل مرة نجلس لنتأمل كيف يستطيع الصوت النسوى ان يعبر عن نفسه كبشر اولا ، كيف نحول وجهه النظر النسوية الي انسانية

كيف كيف توصل كل تلك الثورية وسط كل هذا الهدوء و الانسايبية فتلك معجزة الكندية فتية القلب ، و هنا قصة "الولاد و البنات" كما اسمتها المؤلفة او "مزرعة الثعالب" كما اسماها مترجمها تصنع عالم موازى ريفي لفتاة تعيش وسط الطبيعة و المزرعة كبشر اولا قبل ان تدرك ان عملية تحويل "الانسان" الي "شاب" و "فتاة" هى عملية اكثر عمقا و جذرية مما تتصور
*******************
(جاءت جدتي للاقامة معنا لبضعة اسابيع، و سمعت اشياء اخرى : "الفتيات لا يغلقن الابواب بقوة هكذا" ..."الفتيات يحافظن علي ركبتهن مضمومة عندما يجلسن" ، اما الاسوء علي الاطلاق فكان عندما وجهت بعض الاسئلة "هذا ليس من شأن الفتيات" )
*******************
الاب يربي الثعالب فضية الفرو في الهواء الطلق ، و الام تصنع المربي و المخلل في المطبخ الضيق الرطب الساخن، الاخ الاصغر يجرى وراء الفراشات و يسعل و يغني اغاني عيد الميلاد في غير اوقاتها ... هكذا نرى طفلتنا الوجود ، و هى تشعر بالغرابة حين ترى الام في الفناء بشعرها المضموم و ملابسها المبتلة بغسيل الاطباق  ، و تشعر بالارتباك حين يبقي الاب منزليا فترة اطول من نومه و طعامه ، و لا ترى للاخ الاصغر دورا سوى الاحلام و لا لنفسها سوى العمل و المشاهدة للطبيعة

و اليس مونرو تتفنن في التفاصيل الصغيرة و تكاد ترسم لنا المزرعة بدقائق ظروفها ، و ترسم خطا ثابتا للاحداث لدرجة يتصور معها ان التغيير بعيد و ان الحاضر ثابت للابد بمنطقه و بافكاره
*******************
(وشعرت أني أمي ليست مصدر ثقة. كانت ألطف من أبي وخداعها أسهل، لكن لا يمكنك الاعتماد عليها، ولا يمكن معرفة الدوافع الحقيقية للأشياء التي تقولها أو تفعلها. إنها تحبني، فلقد كانت تسهر الليل لتحيك لي فستانًا صعب الموديل حسب رغبتي، لأرتديه عند بداية الدراسة، لكنها كانت عدوي كذلك. فلقد كانت دائمة التآمر. والآن تتآمر لإبقائي بالمنزل لمزيد من الوقت، رغم معرفتها أنني أكره هذا -لأنها كانت تعرف كُرهي لهذا- وتبعدني عن العمل مع أبي. )
*******************
و هنا الصراع قصير الاجل لان العوامل المحيطة لتحويل الطفل الي فتاة اكثر مؤسسية من محاولات المقاومة ، و فتح الابواب للمهرة الهاربة مجرد محاولة لتعطيل سير النهر الذى اعتاد الناس تدفقه ، و تحل الوان الملابس و اطوال الشعر غيرها من الاهتمامات، و يميل الناس الي التألف مع الواقع لان القطيع يجلب السلام النفسي و ان كان مؤقتا ، و تصبح "انها مجرد فتاة" الحقيقة الوحيدة الواضحة

دينا نبيل
يونيو ٢٠١٦

للنص الكامل مترجم:
http://translationhighway.blogspot.com.eg/2014/03/blog-post.html?m=1
اسم الكتاب / صندوق النقد الدولي: قوة عظمى في الساحة العالمية
تأليف: أرنست فولف
ترجمة: د.عدنان عباس علي
اصدارات سلسلة عالم المعرفة

يمكننا نعرف الكثير عن شئ من بدايته ، و صندوق النقد الدولي ولد في ظروف تحكمت لاحقا في تصرفاته و في مصير الدول التي ادعي انه سيساعدها ماديا و تنمويا . حينما كانت رحي الحرب العالمية الثانية لا تزال تدور في اوروبا كانت الولايات المتحدة تجمع وفود شكلية من ٤٤ دولة لوضع تصور "دائم" للنظام المالي ما بعد الحرب العالمية ، نظام مالي اعتمد في اساسه حول الدولار الامريكى مقابل سعر الذهب مقابل الاقتراح الانجليزى بصنع عملة احتياطية محايدة للعالم كان يمكن تسميتها "البانكور"

و ببناء عالم اقتصادى مبني علي الدولار حجبت الولايات المتحدة علي كل الدول الاخرى حق توجيه عملتها الوطنية ، و نحن اليوم نتعجب من مؤسسة مالية كونية تحدد تيارات مال العالم بينما تستخدم عملة دولة واحدة بعينها. حتى ان تلك الهيمنة المالية تلك تمت قبل انتصار الولايات المتحدة في الحرب العالمية اصلا و قبيل القاء القنبلة النووية ذاتها. و لضمان السيطرة وضع شرط اطلاع الدول الراغبة في الانضمام للبنك اطلاع دقيق علي اوضاعها المالية و الاقتصادية. و ختمت الهيمنة تلك بتحديد نظام التصويت بحسب اسهامات الدولة في رأسمال البنك فاصبحت الولايات المتحدة -صاحبة ارض انعقاد المؤتمر- الدولة الوحيدة التى تتمتع بالتصويت المرجح.

و كعلامة نهائية لفرض القوة كان مقر البنك في واشنطن -لا نيويورك كبقية منظمات الامم المتحدة- علي بعض خطوات من البيت الابيض !
********************
و ينشأ "نادى باريس" كاجتماع شهرى لممثلين اطراف دائنة و مدينة و صندوق النقد ، علما بان النادى ليس لديه اي لوائح مكتوبة ولا بروتوكول ولا قوائم باسماء المشاركين  بل مجرد "مبادئ" عامة و لا يطلع الرأى العام في اي بلد علي مناقشاته السرية رغم ان "المحادثات" تلك تغير شكل العالم كل يوم.

و تتوسع دائرة نادى باريس و درجة سيطرته ليضم ١٩ دولة دائنة للعالم تتصدرهم امريكا و انجلترا و فرنسا و اليابان و المانية ، و في ٢٤ يونيو ٢٠١٤ انضمت اسرائيل الي هذة المجموعة لتصل الي ٢٠ دولة و تتداول اخبار عن شراء اسرائيل لديون مصر لفرض الارادة مما يدفع مصر لتسديد قسطها بعناية اكبر و تركيز مكثف  ، و هنا اشارت الحكومة المصرية ان رفع الدعم عن الوقود يوليو ٢٠١٤ جاء في اطار تسديد تلك الديون ... و هنا مثال حقيقي و قريب عن كيفية تحول صندوق النقد من منظمة "عالمية" تساعد نمو الدول الي اداة جديدة لتضيق الخناق السياسي و الضغط الاستراتيجى لدول بعينها
********************
تأتي الخمسينات لتضيف الي البنك "ميزة" جديدة بارتباط الموافقة علي القروض بشروط اقتصادية بعيده عن اتفاقات نسبة الفائدة و نظام السداد و الاقساط ، "ميزة" ستجعل البنك -او بالاحرى الولايات المتحدة بعد نزع القناع-  يقبض علي رقبة المدين بشكل افضل

و في عام ١٩٧٩ وضع الصندوق شروط جديدة لمنح قروضه المتزايدة تتعلق بنقطتين:

الاولي هى "الرقابة" بمعني تجاوز الصندوق للشروط الكلاسيكية في متابعة مديونية الدولة و كم النقد المتداول و مكافحة التضخم ، نقول تجاوز هذا الي حق مراقبة تنفيذ الاصلاحات في القطاعات شديدة الحساسية كالقضائي و المالي مما يعنى تدخل اكبر و اكثر عمقا في شؤون الدول المدينة

الثانية اشتراط مفاهيم سياسة مالية بعينها تضمنت: اعتماد الحكومة للتقشف ، خفض قيمة العملة الوطنية، رفع معدلات الفوائد ، خصخصة مشاريع الحكومة ، الغاء القيود علي الواردات الاجنبية ..... و بمتابعة كل واحدة من المفاهيم نجد المجتمع الراغب فيه الصندوق هو مجتمع يمتلك عملة وطنية هزلية تقاسي في سداد القرض الدولارى لتدفع في النهاية اكثر مما اخذت بحجة ان هبوط العملة المحلية يشجع التصدير ، مجتمع يحمل سوق غارق بالسلع المستوردة الرخيصة -المستثناة من الجمارك- مقابل صناعة وطنية تعاني من رفع معدل الفوائد ، مجتمع تفقد فيه طبقته المتوسطة و الدنيا الرمق الاخير من المساندة الحكومية و تركز فيه خدمات الكهرباء و الماء و الصناعة الاستراتيجية و التعليم و الصحة في يد رجال اعمال لا يهمهم الا السعر
********************
السؤال الاهم -و بعيدا عن تعقيدات آليات السوق- كيف يؤثر هذا كله علي البشر؟ علي المواطنين في الدول النامية الفقيرة اصلا و المحتاجة الي قروض؟ هل سيؤدى المال المقترض الي رفع التنمية فعلا؟

التاريخ يجيبنا ان الشعوب لا تتحمل التشقف و ان الثورات و الاضطرابات الجماهرية اسهل من القبول بزيادة ثمن الخبز او الوقود و ان الصديق الاوفى لاجراءات النقد الدولي هو الاجهزة القمعية للدول المدينة ،  لذا يلخص مؤلفنا ما يمكن ان نسميه "شهداء صندوق النقد الدولي":

٣٠ الف قتيل في الارجنتين عقب مطالبته للحكومة بتجميد الاجور لستة شهور عام ١٩٧٦ ، ٧٩ قتيل و اصابة ٥٥٠ في " ثورة الخبز" المصرية بعد فرض البنك تقليل دعم المواد الغذائية عام ١٩٧٧،  ٦٠٠ قتيل في مظاهرات المغرب عام ١٩٨١ لنفس السبب،  اعتقال ٤٠٠٠ مواطن و قتل ٥٠ في مظاهرات الدومينكان بعد فرض الصندوق للتقشف ادى الي ارتفاع سعر الادوية الطبية الي الضغف،  قتل ٦٠٠ مواطن و جرح الف في مظاهرات فنزويلا ١٩٨٩ لتسبب الصندوق لسعر الوقود و اسعار النقل العمومى، مقتل ٥ طلبة و اعتقال اخريين في النيجر ١٩٩٠ بسبب اشتراط الصندوق علي الحكومة تقليص مخصصات التعليم المتدنية اصلا ...
********************
و يمكننا ببساطة ان ندرك توجه المؤلف اليسارى و كراهيته الواضحة للرأسمالية الامريكية الحديثة ، و هو نفسه لا يعبأ كثيرا لاخفاء الاتجاة الفكرى الخاص به ... لكن السؤال هل يحتاج الامر يسارى فعلا ليشعر بالغضب لتملك ٨٥ فرد من اغني اغنياء العالم علي ثروة تقدر ب١.٧ بليون دولار امريكى بمعنى تملكهم للثروة التى يمتلكها ٣.٥ مليار انسان،  السؤال هل يحتاج الامر ليسارى للغضب من تملك ٨٥ فرد علي نصف ممتلكات البشرية؟!

عبر الفصول المتتالية نجد ان نمط محدد يتكرر علي التوالي بل و يتطور في اتجاة سياسات صندوق النقد الدولي يتمثل في ٣ اتجاهات. الاولي هو استغلال الازمات الاقتصادية و السياسية لادخال الرأسمالية في المجتمعات ذات الاتجاهات الاقتصادية المغايرة تماما كما حدث في تفكك الاتحاد السوڤيتى و سقوط المانيا الشرقية و تشتيت يوغسلافيا . و الثانى هو الاضطرابات تلك لضمان زيادة التدخل الاجنبي مثل ازمة اليابان المالية في التسعينات و ايرلندا و فقاعة عقارات ايسلندا. و الثالثة هى ضمان ان يدفع الطبقات الوسطى و الدنيا دائما ثمن مضاربات الطبقات العليا المحمومة في بحثها عن الثروة اما مباشرة او خلال دفع الحكومات اولا ثم تجميع ما دفعته منهم لاحقا كما حدث في اليونان و الارچنتين و قبرص و المكسيك

و يمكننا تلخيص الامر كله في شرط الصندوق لاشراك بوركينا فاسو في معونة "الحد من الفقر" بالزامها بتخفيض الحد الادنى من الاجور و خصخصة خدمات تزويد المواطنين بمياة الشرب ...

دينا نبيل
يوليو ٢٠١٦

اسم الكتاب: ڤولتير ٣- المجلد التاسع و الاربعون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: علي ادهم
عدد الصفحات: ٢٨٠ صفحة
اصدارات دار نوبليس

فى المجلد التاسع و الاربعون من قصة الحضارة البهيجة الطويلة سنرحل مرة اخرى الى فرنسا فى عصر فولتير و الروكوكو و خليلات الملك و تمهيدات عصر التنوير و كيف انتقلت الافكار الانجليزية فى العهد المتفتح الى فرنسا الكاثوليكية التى حافظت حتى هذا العصر على كنيسة موحدة اقوى من الدولة احيانا و رقابة على المطبوعات ضيقت الخناق كثيرا

كان عدد سكان فرنسا التي عاد إليها فولتير 1727، نحو تسعة عشر مليوناً من الأنفس، مقسمة إلى ثلاث طبقات: رجال الدين والنبلاء، ثم الطبقة الثالثة التي تضم بقية الشعب. وإذا أردنا أن نفهم الثورة الفرنسية فلا بد لنا من أن ندرس كل طبقة منها دراسة دقيقة, ففيها النبلاء ينقسمون -كالعادة التاريخية - نبلاء قدامى ممن يمكن ان نطلق عليهم ومن بين نبلاء السيف هؤلاء، تعقبت أقلية منهم أصول ألقابها وممتلكاتها عبر عدة أجيال، واختصت نفسها باسم "النبلاء ذوي المحتد الكريم"، مقابل من   نظروا لهم بعين الازدراء إلى النبلاء الذين حصلوا على لقب النبالة عن طريق أسلاف حديثي العهد، أو حصلوا عليه هم أنفسهم في عهد لويس الثالث أو لويس الرابع عشر

و رجال الدين كانت الكنيسة الكاثوليكية قوة أساسية ذات وجود بارز في كل ركن في الحكومة. وقدر رجال الدين الكاثوليك في فرنسا بنحو 260 ألفاً في 1667  و420 ألفاً في 1715 و194 ألفاً في 1762 , و معظمهم ابناء الطبقة الاولى من يعملون فى الدين اسما لا فعلا لمنع تقسيم ممتلكات الاسرة و لتمكين اسم الاسرة من الاشتراك فى الكنيسة

و طبقة ثالثة تتضمن الفلاحين تتركز فيها الفقر و الدين و المحافظة ,  البروليتاريا (العمال الكادحون) ممن ستسحقهم الثورة الصناعية قريبا و تدمر تدمير نظامى نقابتهم التى حافظت على شكلها من العصور الوسطى , وفيما بين الطبقتين الدنيا والعليا قامت الطبقة الوسطى، تضمر لها أولاهما البغض والكراهية، وتزدريها الثانية، وكانت تضم الأطباء والأساتذة ورجال الإدارة وأصحاب المصانع والتجار ورجال المال، وهي طبقة شقت طريقها إلى الثروة والنفوذ والسلطة في حذق ومهارة وصبر وجلد هى البرجوازية التى ستشكل مصير فرنسا فى عصورها المقبلة
*************************
ماذا يكون شعور الإنسان عندما يكون ملكاً وهو في سن الخامسة؟, سؤال لم يطرحه احد على لويس الخامس عشر رغم كونه جدير بالاجابة عليه, الطفل الذى تلت فرنسا كل صلواتها للحفاظ على حياته و كادت ان تنساه فى عصر الوصاية المرح و افسد من ربوه بهالة القداسة التي أضفوها عليه، وكان أنانياً في سلطته بليداً عنيداً، ومن ثم نشأ شاباً ضجراً صموتاً،  ليعود فيحكم اخيرا , كان قد خطب (1721) وهو في سن الحادية عشرة، ماريا آنا فكتوريا، وعمرها عامان، ابنة فيليب الخامس ملك أسبانيا. وكانت قد انتقلت إلى باريس، وكانت الآن تنتظر أن تبلغ سن الزواج. ولكن مدام دي بري رأت أنها قد تستطيع الاحتفاظ بنفوذها المتزايد بفسخ هذا القران المرتقب، وتزويج لويس من ماري لزكزنسكي ابنة ملك بولندة المخلوع. وشرعت في تنفيذ خطتها، وأعيدت الأميرة إلى أسبانيا بعد اربع سنوات وتلك إهانة لم يغتفرها البلاط الأسباني قط.

ومع هذا الانحلال الخلقي الجدير بالازدراء وتقلبه بين أحضان النساء الواحدة بعد الأخرى دون أن يبادلهن إخلاصهن حتى خلال زواجه من الملكة مارى، أصبح موريس في ميدان القتال عبقرياً لا يجارى في استراتيجية الحرب، جريئاً في تفكيره، يقظاً لأي خطر يتهدده، وأية فرصة تسنح له.

و لن نجارى التاريخ فى تعقبى لعشيقات لويس الخامس عشر -تماما كجده الاعظم- بل سنركز مع مدام دي بمبادور العشيقة التى دامت اكثر من غيرها و اثرت فى تاريخ الفلسفة و السياسة بل و الفن و سنلتقي بلوحاتها بعد قليل , و نراها تجاوزت دورها الترفيهى فى الجنس و يحبها لويس عقلا بينما يتفرغ ل  "متنزه الظباء" البغيض

وفي "متنزه الظباء" في طرف ناء من فرساي جهز مسكن لإقامة شابة أو شابتين مع خدمهما ومرافقيهما حتى يحين الوقت ليستقبلهما لويس في جناحه الخاص، أو يقصد إليهما في مسكنهما متنكراً في زي كونت بولندي عادة. وتناثرت الشائعات بأن هؤلاء البنات كن كثيرات، وأضافت الأساطير أن سن بعضهن لم تزد على تسع سنوات أو عشر، وكان يؤتى بمجموعات منهن على التعاقب، ليتدربن على أن يقدمن للملك "حق السيادة" فإذا حملت إحداهن أعطيت مبلغاً من المال يتراوح بين عشرة آلاف ومائة ألف جنيه، يساعدها على العثور على زوج لها في الأقاليم، وكان الأطفال الذين يولدون عن هذا الطريق يمنحون راتباً سنوياً قدره أحد عشر ألف جنيه. وعلمت مدام دي بمبادور بأمر هذا "الحريم" الذي لا يصدق، فلزمت الصمت. ورغبة منها في ألا تحتل مكانها عشيقة من النبيلات ستعمل من غير شك على إبعادها عن البلاط، بل ربما عن باريس، آثرت أن تترك للشابات الوضيعات أن يشبعن أذواق الملك الفاسدة، وانهارت حالتها المعنوية إلى الحضيض وقالت لمدام دي هوست "كل ما أضن به هو قلبه، وكل هؤلاء الفتيات غير المتعلمات لن يسلبنني إياه" ... ولم تنزعج الحاشية انزعاجاً ملموساً لهذه الترتيبات الجديدة لأن كثيراً من رجالها احتفظوا هم أنفسهم بأكواخ في "منتدى الظباء" هذا لخليلاتهم
*************************
و اذا تراجعت اهمية الدين فى فرنسا لويس الخامس عشر الطروب فالفن يتقدم درجات كعادته التاريخية, و بينما تتراجع العذراء المقدسة كايقونة للرسم و اعادة الرسم نرى تقدم للسيدة الفرنسية الجميلة التى صعنت  عبادة الجمال و انتصار الروكوكو المبهر .. و نحن اليوم فى عصرنا السقيم نتساءل عن اختفاء مظاهر الجمال فى لوحتنا بينما هى تمرح و تلهو فى متاحفنا الباردة المكيفة

و الرحلة تبدأ ب بوشيه 1703 - 1770 الطروب الذى نراه يتميز فى العاريات على النموذج الفرنسي فى عصره البهيج بعيدا عن عاريات روبنز المملتئات بل نماذج دقيقة تفيض برقة الروكوكو   الأشكال النسوية ذات التقاطيع الكلاسيكية والرقة الناعمة , في كل الأشكال والأوضاع، من الشعر الأشقر الحريري الناعم إلى الأقدام العارية التي لم تنتعل قط. وكان بوشيه هو الروكوكو قلباً وقالباً , و نراها يتقلب بين الموضوعات الدينية فلا يحسنها و بين الاساطير الاغريقية ليمسها فيحولها الى فرنسية ناعمة اخرى , و نرى السيدات يتخين عن طوق الكشكشات فيضجعن على الارائك كما فى اللوحة المفضلة لكاتبة تلك الكلمات "براون اودلاسيك" و يتركز الضوء و الظل على الجسم البشرى فيمتلك اللوحة بالكامل لا يشغلنا فيه تفاصيل خلفيات او حتى المخمل الازرق الناعم , و هو ككل رسام عصره اتيح لى رسم خليلة الملك  بمبادور فنرى فستان اخضر بهيج و قدمين فرنستين يكاد ان يخلوا بالقياسات لولا تغاضي بديع عن حجم القدم النسائية, إن هؤلاء الذين لا يعرفون منا إلا بعض لوحاته الزيتية وقطعه المصورة على القماش ليدهشون إذ يعلمون أن شعبية بوشيه ترجع إلى رسوماته قدر ما ترجع إلى لوحاته الزيتية فنختار رسم "فتاة عارية واقفة" فنرى ابتسامة رقيقة لا تعبئ بالعرى فلا تتفاخر به ولا تخجل

en.wikipedia.org/wiki/File:Boucher_Diane_sortant_du_bain_Louvre_2712.jpg
www.francoisboucher.org/Brown-Odalisque-(L'Odalisque-Brune)-1745.html
en.wikipedia.org/wiki/File:Boucher_Marquise_de_Pompadour_1756.jpg
en.wikipedia.org/wiki/File:Francois_Boucher_-_Standing_Nude_Girl_-_Google_Art_Project.jpg

و منه الى شاردان 1699 - 1779 , كم اختلف عالم بوشيه عن دنيا شاردان-أي تباين بينهما في مفاهيم الجمال وفي الخلق والذكاء! كانت هنا تقريباً حرب طبقية، ثورة الطبقة المتوسطة ضد الأبيقورية المسرفة المبذرة عند رجال المال والأرستقراطية والحاشية. وافتتن شاردان بالأشكال والألوان المتغيرة في الأشياء العادية، ورأى فيها خصائص في لبيئة والتركيب والضوء قلما تلحظها العين الغافلة. فإن جانبي التفاحة أو خديها كانا بالنسبة له يحملان طابعاً رومانتيكياً مثل تورد وجنتي العذراء، و قليل من العنب يمثل افضل موديل للرسم بقليل من العاب الظل و الضوء

وكل إنسان يعرف هذه القصة-أو الأسطورة؟-كيف انساق شاردان إلى رسم الأشكال البشرية. إنه سمع ذات يوم صديقه أفيد يرفض 400 جنيه أجراً لرسم لوحة لأحد الأشخاص، فعجب شاردان أشد العجب، وهو معتاد على الجور الضئيلة، لهذا الرفض. فما كان جواب أفيد إلا أن قال "هل تظن أن رسم إنسان سهل مثل رسم مرق التوابل .  وكانت سخرية لاذعة، ولكن مفيدة. إن شاردان كان قد ضيق مجال موضوعاته تضييقاً شديداً، وسرعان ما كان يمكنه أن يشبع رغبات زبائنه وعملائه في الأطباق وألوان الطعام، وعقد العزم على رسم الأشخاص، وكشف في نفسه عن عبقرية في رسم الأشخاص في رقة وتعاطف

 و نراه هنا ايضا يفضل الحياة اليومية ك رامبرنت , كما  فى أشهر لوحاته "الخير والبركة" الإمساك عن الطعام حتى تكف صغرى البنات  ويداها الصغيرتان مضمومتان  عن الصراخ والبكاء ويشيع في وجهها ابتسام الرضا, او حين يهرب مراهق من متاعب الكبار بالنفخ فى فقاعات  بينما يشاهد صديق عجائب الماء و الهواء و الصابون , و نراه يفضل رسم من تؤجر لغسل الملابس بينما يلهو ابنها بالفقاعات عن تصوير الاميرات و فن الروكوكو الهش

en.wikipedia.org/wiki/File:Jean-Baptiste_Siméon_Chardin_029.jpg
www.jean-baptiste-simeon-chardin.org/Still-Life-with-Tea-Pot,-Grapes,-Chesnuts,-and-a-Pear,-c.1764.html
www.jean-baptiste-simeon-chardin.org/The-Prayer-before-Meal-before-1740.html
www.jean-baptiste-simeon-chardin.org/The-Soap-Bubble-c.-1739.html
www.jean-baptiste-simeon-chardin.org/The-Laundry-Woman-2.html

إن نزعات الذوق المتقلبة لا تقدم اليوم إكليل الغار في فن الرسم الفرنسي في القرن الثامن عشر، إلى بوشيه أو إلى شاردان، بل تقدمه إلى موريس كانتان دي لاتور  1704 - 1788 , وكان وجهاء القوم، ابتداء من الموصى إلى أحداث محدثي الثراء، يفتشون عن لوحاتها المرسومة بالبستل. ووجد لاتور أن مثل هذه الرسوم بالأقلام الملونة تلتئم مع مزاجه القلق، أكثر من الزيت الذي يحتاج إلى جهد وجلد. وقضى عدة سنين يحاول ويجرب ويخطئ، حتى تعلم أن يحقق وينجز بالطباشير ظلالاً ودقة في اللون والتعبير مما لم يتسن لأحد من رسامي الأشخاص في زمانه أن يباريه فيها, وفي 1753 شكا أحد مصوري اللوحات الزيتية "من أن دي لاتور ارتقى برسم البستل إلى درجة قد تثير النفور من اللوحات الزيتية"

 نجد أن اللوحة التي رسمها لاتور أعمق من تلك التي أنتجها بوشيه، وأقل إشراقاً في اللون، واتقاناً في اللمسات الخيرة والتفاصيل، ولكنها أكثر نضجاً من حيث التعبير وإبراز الشخصية. ولا ريب أن لاتور رسم المركيزة، بإيحاء منها، باعتبارها راعية للفن والموسيقى والأدب والفلسفة، وعلى أريكة قريبة منها قيثارة، وفي يدها بعض صفحات موسيقية، وعلى المنضدة كرة أرضية، وحقيبة أوراق من نفش يديها، وقصة فولتير "هنرياد" وكتاب مونتسكيو "روح القوانين" والمجلد الرابع من موسوعة ديدرو.

وفي أحد أعماله البالغة الروعة رسم موريس دي ساكس القائد الوسيم المنتصر على الجيوش والسيدات, و حاول ان يرسم فولتير بهيجا مستمتع بحياة باريس الراقية و حصل على خصم مالى  باستثناءات كما روسو ودالمبرت، حيث أعجب بالفلاسفة من كل قلبه، و نحب ان نرى لوحته للويس الخامس عشر و نتأمل التقاطه لروح الملك المرح خاصة فى اول عهده

en.wikipedia.org/wiki/File:Maurice_Quentin_de_La_Tour_-_Marquise_de_Pompadour_-_WGA12359.jpg
en.wikipedia.org/wiki/File:Maurice_de_Saxe_(1696-1750).PNG
en.wikipedia.org/wiki/File:D%27après_Maurice_Quentin_de_La_Tour,_François-Marie_Arouet,_dit_Voltaire_(château_de_Versailles).jpg
en.wikipedia.org/wiki/File:Maurice_Quentin_de_La_Tour_-_Louis_XV_-_WGA12356.jpg
*************************
ولد شارل مونتسكيو، في مقاطعة مونتاني، في 18 يناير 1689. وكان يفاخر مبتهجاً بأنه من سلالة هؤلاء القوط، وهم الذين بعد أن غزوا الإمبراطورية الرومانية، "أسسوا الملكيات وأقاموا صرح الحرية هنا وهناك في كل مكان" إنه انتسب على أية حال إلى "نبلاء السلاح ونبلاء الرداء" كان أبوه كبير القضاة , و معرفتنا لكون مونتسكيو او مؤلف كتاب "روح القوانين" كما نحب ان نتذكره ارستطوقراطيا يغير من فهمنا و ادراكنا للحكام الذى غير نصف العالم و نحلم ان يغير النصف الاخر خاصة بعد التخلص من سخافاته و هراءه الذى تغاضي عنه القراء

 وكتاب "روح القوانين" بدأ مونتسكيو أروع أعماله هذا حوالي 1729 صدر الكتاب 1748 في مجلدين، دون ذكر اسمه. وحين كشف رجال الدين الفرنسيون عن هرطقاته شجبوه وصدر أمر الحكومة بمنع تداوله في فرنسا. وفي 1750 تولى مالشرب-منقذ دائرة المعارف فيما بعد-شئون الرقابة، رفع الحظر عن الكتاب، وسرعان ما شق طريقه وصدرت منه وعشرون طبعة في عامين، وسرعان ما ترجم إلى لغات أوربا المسيحية. وكانت العنونات على أيام مونتسكيو توضيحية حقاً، دقيقة غالباً. ولذا سمى كتابه "في روح القانون" أو "في العلاقات التي يجب أن تقوم بين القوانين وبين دستور كل حكومة، والعادات والمناخ والديانة والتجارة، وغيرها". وكان بحثاً في العلاقات بين القوى المادية والأنماط الاجتماعية، وفي العلاقات المتبادلة بين مكونات الحضارة, وبمعنى أدق، كانت فكرة مونتسكيو أن روح القوانين "-أي أصلها وطبيعته ونزعتها-إنما يحددها أولاً مناخ البلاد وتربته، ثم فسيولوجية الشعب واقتصاده وحكومته ودينه وخلقه وعاداته.

و تغاضي العالم الان عن هراء مونتسكيو عن كون عند سكان البلاد الحارة نجد الماء الموجود في الدم يضيع إلى حد كبير بسبب العرق، ومن ثم يجب تعويضه بسائل مماثل فيميلون للعنف ,  او ان أهل الشمال يعتنقون البروتستانتية، على حين يظل أهل الجنوب متمسكين بالكاثوليكية يتمسكون إلى الأبد بروح الحرية والاستقلال، وهذا ما لا يتمتع به أهل الجنوب , او ان زنوج امريكا سينقرضون قريبا , إن حكومة معتدلة هي أصلح ما يكون للعالم المسيحي، والحكومة المستبدة أصلح للعالم الإسلامى ... و غيرها من الافكار التى يراها قارئ العصر الحديث ضرب من العنصرية او العلم الزائف لكننا اذ نفعل ذلك فاننا نطبق قواعد اليوم على لعبة الامس

و بعد تغاضي العالم عن افكاره عن المناخ و علم الاجناس نجده قد زرع فكرته الاهم  و أشهر آرائه، نظرية الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الحكومة . فالسلطة التشريعية تسن القوانين لكن لا تتولى تنفيذها، وتتولى السلطة التنفيذية القيام على تنفيذها ولكن لا تسنها. وتقتصر السلطة القضائية على تفسيرها.  ولم ينقل واضعوا مسودة الدستور الأمريكي عن مونتسكيو نظرية فصل السلطات فحسب بل استبعاد أعضاء الوزارة من الكونجرس كذلك وتضمنت كتاباتهم كثيراً من الاقتباسات من الكتاب فنراه تماما ك لوك غير شكل العالم و ابتعد عن شبح النسيان بتأثره على قوة امريكا الصاعدة التى لم يحسب لها احد اى حساب فى القرن الثامن عشر البهيج
*************************
و حين يقرر ڤولتير ان يذهب  المانيا ليهرب من رقابة المطبوعات الخانقة و تقلبات العشيقة المتزوجة و عدم تقدير فرنسا بعد له الي ملك متنور بهيج ، نقول حين بقرر ڤولتير ذلك يذهب بنا ديورانت في المجلد التالي الي هناك، لنتابع الرحلة الطويلة البهيجة العظيمة من قصة الحضارة المثابرة

دينا نبيل
يونيو ٢٠١٦
اسم الكتاب: مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، الجزء الاول
تأليف: بينى موريس
ترجمة: ا.د عماد عواد
عدد الصفحات: ٥١٩ صفحة
اصدارات: سلسلة عالم المعرفة بالتعاون مع المركز القومى للترجمة
التقييم: ٥/٥

يسعدنا دائما ان نقرأ كتاب تاريخ جاد لمؤلف حيادى و مترجم محنك ، و يسعدنا دائما ان تمنحنا الكتب عين علي الماضي و علي مشاكلنا المعاصرة، يسعدنا دائما و ان كان يدمى قلوبنا احيانا مواجهة مأساة البشر .. و الكتاب الذى بين ايدينا ليس استثناء فالمؤلف الاسرائيلي بينى موريس يقدم لنا وجبة دسمة مفصلة حيادية مدعومة بالمستندات و التفكير الباحث عن الحقيقة و يهدى لنا كتاب علي جزءين اثنين يجب ان يقرأه منا القارئ العادى و الساسة علي السواء لكسر الاسطورة السمجة بان "فلسطين ارض بلا شعب لشعب بلا ارض"

و السؤال الاهم في قصة اللاجئين كلها هو عن دور اسرائيل -الدولة الوليدة و المصنعة المصطنعة- في اجلاء قاطنى القرى و المدن الفلسطينية... هل كان عمدا متعمدا قسريا؟ ام بظروف الحرب و هلع الساكنين؟ ام بطريق ثالث؟... و هنا يعاد افتراق طرق الاراء بيننا من نظن ان الجلاء كان منظما محتما مقصود مرسوم باليات القسر و الارهاب المتعمد من اللحظة الاولي لنية قيام دولة "مصنعة" في ارض مغتصبة ،   و بين المؤلف الذى يميل لان اسرائيل قسمت مراحل فبين ديسمبر ١٩٤٧ و مارس ١٩٤٨ اصطنعت حالة رخوة رسمية من المسالمة مع العرب بينما مارست حرب نفسية قادتها ميليشاتها المسلحة تباعد عملياتها و تتفق باليمين علي الهدوء بينما تتبرئ من فروعها التى تفننت في ارهاب العرب و تتوعدهم بتحقيقات و جزاءات

و نحن للاسف لا نمتلك ها هنا علي تدليل موقفنا سوى علي احساسنا و عروبتنا نظرا لافتقاد دراسة عربية جادة بالمستندات بينما يتسلح مؤلفها -الدقيق عموما و الحيادى كثيرا- باطنان من المستندات و الوقائع التي توضح استنتاجه علي الاقل حتى مارس ١٩٤٨

و منها مثلا رفض بن جوريون الهدنة في حيفا تشجيعا لحالة الهجرة الجماعية و خوفا من توقفها خاصة ان حيفا ذكرت في قرار التقسيم كمدينة اسرائيلية بعدد سكانها اليهود ال٧٠ الف و ٦٥ الف عربي وقت القرار ، و يافا التي اعتبرها قرار التقسيم مدينة تحت السيادة الفلسطينية محصورة داخل الدولة اليهودية تقع كل اتصالاتها بالعالم تحت سيطرة اسرائيل و شعور سكانها الطاغي بان ليس لدى المدينة اي فرصة للصمود علي المدى البعيد، و في القدس التي اعتبرها قرار التقسيم مدينة دولية التي كانت تضم ١٠٠ الف يهود و نحو ٩٠ الف عربي بينما هاجر اهل المدينة القديمة العرب بشكل منظم و تحت حماية الانجليز تحت وطأة الحرب و المضايقات اليهودية المتكررة بينما اصدرت المليشيات المسلحة اليهودية امر بمنع اليهود من المغادرة و التشبث بمكانهم

و يمكننا تمثيل موقف المؤلف -الذى تدعمه المستندات السرية المفرج عنها- بما كتبه يوسف ويتز اواخر مارس ١٩٤٨ الي القيادة السياسية العسكرية الاسرائيلية لاتخاذ قرار علي مستوى "قومى" لطرد العرب بشكل منظم منهجى فنجد ان الاخيرة قابلت النداء بمقاومة او مراوغة -حتى لا يتم احراج اسرائيل امام العالم- و اكتفي امثال ويتز علي تشجيع عمليات طرد محلية اما بالترهيب علي طريقة "اننا لا نضمن ما قد تفعله القوات غير النظامية بدون موافقتنا" او بالترغيب علي شكل تسويات مادية علي الاقل حتى مارس ١٩٤٨
**************
"يجب ان يكون واضحا ان الهجوم الذى قام به الارغون باستخدام الهاون لم يميز بين اي شئ و الاخر ، و كان مصمما لخلق حالة الذعر بين السكان المدنيين" ... كانينغهام تعليقا علي ضرب احياء مدينة يافا بالمدفعية الثقيلة يوم ٢٥ ابريل ١٩٤٨ و وقوع اغلبية القتلي بين المدنيين
**************
و المرحلة الثانية يعتبرها مؤلفنا بين ابريل الي يونيو ١٩٤٨ ، فنرى ان القناع يسقط بكامله و تبدأ فكرة "تطهير" مدن بكاملها من العرب السكانيين و نظرية مساواة قرى بكاملها بالارض ، و هنا لا تحتاج اسرائيل الي "مذابح" كثيرة فالواحدة منها تثير رد فعل تسلسلي كافي للحرب النفسية. ف"دير ياسين" تساعد في تفريغ "حيفا" و سقوط طبرية يزعزع يافا ... و هكذا

و في حيفا تتضافر عناصر الارهاب المتعمد الصهيونى و النقل و ممارسة كل طرق الدفع الممكنة لخروج اكبر قدر ممكن من العرب و يضاف هنا عنصر انجلترا التى قدمت "مدن نظيفة" لليهود عند الانسحاب الانجليزى الممنهج فنجد ضغط اسرائيلي من جانب و تسهيل انجليزى -وقيل دفع- للعرب للخروج جماعي كثيف الي عكا و يمكنا ادراك بعد الموقف بان خركة هدم البيوت المتروكة في مايو ١٩٤٨ كانت قد بدأت في يوليو و انتهت بشكل تام في اكتوبر من نفس العام و تبنى حتى اثناء الحرب ذاتها مدينة جديدة تستوعب يهود قادمين جدد لتتغير جغرافيا المكان باسرع شكل متاح.  في طبريا نجد قذف بالهاون للمدنيين في الاسواق يتبعه حركة نزح كثيفة مضطربة

و مع تطبيق عملية "نحشون" توفر الحد الفاصل بين الناحية الاستراتيجية ، فتحولت الخطة الرسمية من دفع العرب الي النزوح الي ازاحة العرب الفعلية. و توفرت النية الرسمية لتطهير مناطق دائمة من القرى العربية سواء هاجمت او لم تهاجم قوات اليهود ، فتحولت الاوامر من "لم تدمير اي قري اذا لم تكن هناك مقاومة" الي اوامر مباشرة ب"تسوية القرى بالارض"
**************
"عندما غادرت كان خبراء المتفجرات يفجرون المنازل. انفجرت المبانر المصنوعة من الاحجار الصلبة الواحدة تلو الاخرى. و علي مقربة من القدس مازلت اسمع اصوات الانفجارات. و في مكان ما موحش و بعيد يتعالي عواء خافت من كلب القرية" صحفي غربي  تعقيبا علي تدمير ٥٥ منزل و تدمير قرية قالونيا و اعدام كل من بقي فيها يوم ١١ ابريل ١٩٤٨ ضمن عملية "نحشون" العسكرية
**************
و لكننا هنا نتسأل عن دور العرب خارج فلسطين في تخليق مشكلة اللاجئين الفلسطنيين في المرحلة الاولي من الجلاء "من ديسمبر ١٩٤٧ الي مارس ١٩٤٨" و التهيئة المرحلة الثانية ، نقول هل اهتم العرب من "تمكين" السكان الاصليين من اماكنهم في الاوقات الاولي الحرجة ؟ ام ان رغبة اليهود في "تطهير عرقي" صاحبها مشاركة غير مقصودة من العرب في ذلك و ان كان لاسباب مختلفة؟

يقول بينى موريس -ولا نجد هنا سبب للاختلاف معه- ان النصيحة الرسمية للجان الفلسطنية المختلفة بل و الجامعة العربية نفسها هي "ابعاد النساء و الاطفال و الشيوخ عن مناطق الخطر" و اتخذ لذلك عدة ذرائع منها: تقليل عدد الضحايا في صفوف العرب غير المحاربين ، تجنب الاعتدائات الجنسية علي النساء ، و تخليص الذكور البالغين من عبء الاسر المعالة

و لنا ان نرى نموذجين مقابلين لاجلاء الاولي في حى العسوية القدسي الذى تم اخلاءه تنفيذ لاوامر اللجنة العربية العليا ، مقابل اجلاء "بيت صفافا" بعد هجمات ميلشيات اليهود عليها

و نحن اليوم حين ننظر بالخلف الي القررات تلك لا نجد نتيجة لها غير تآكل دوافع المحاربين العرب للبقاء و المقاومة ، و تخفيض جماعي مروع لعدد السكان الاصليين الذين كانوا بمثابة كروت ضغط حية ربما لغيرت المعادلة السياسية الي الابد

و التاريخ يخبرنا ان كانت ثمة محاولات عربية مضادة لمنع حركة الفرار الجماعي لكنها لم تكن بالقوة الكافية و يمكن تجازوها بالرشا او الوساطة  و ربما غير ممكنة في حالة هلع كتلك التى عاشها فلسطنيين ذلك العصر الضاغط الصعب ، و يخبرنا ان ثمة ظلم في ان تستثمر آليات طبيعية للدفاع عن النفس -كالنزوح الجماعي في اماكن و اوقات الحرب- التى حدثت و تحدث و ستحدث في كل الازمان ، ظلم ان تحول تلك الي سبب لضياع وطن بالكامل بسبب الوضع الاستثنائي الفلسطينى بمبدأ احلال المجهريين بغيرهم يهود

و نحب هنا ان نورد مقتطف من الكتاب و رأي مؤلفه ص٢٣٨
"لكن في العموم فان ما فعلته الدول العربية و اللجنة العربية العليا و جيش الانقاذ و اللجان الوطنية المحلية و المليشيات المتعددة او ما لم تفعله سواء لتشجيع او تقييد النزوح الجماعي ، هو امر ذو اهمية ثانوية فقد كان اللاعبون الرئيسيون في هذا الخصوص هم اليشوف و منظماته العسكرية ، و كانت عملياتهم هى الباعث الرئيس وراء الهروب"
******************
"لا استطيع ان انسي اننا كنا البادئين بالتفجيرات، كانوا اليهود السباقين الي القيام بمثل هذا الفعل" ... بن جوريون تعليقا علي تفجير الارغون لسرايا مدينة يافا في يناير ١٩٤٨
******************
هل ساهمت طريقة تكوين مجتمع فلسطين قبل ٤٨ في تمزيقه؟ يمكننا حتى عبر تلك السنوات ان نرى ان المجتمع الفلسطينى -كغيره من مجتمعات العرب في ذلك الوقت- ممزق بين فئات تتبادل الابتسامات في اللقاءات المباشرة و الطعنات وراء الابواب... كيف عاش مليون و ربع مليون العربي عام ١٩٤٧ بين ١.١ مليون مسلم و ١٥٠ الف مسيحى؟

يتشكل المجتمع الفلسطينى في ذلك الوقت من اكثرية مسلمة تميل الي الفقر و الجهل و حياة القرية و بين اقلية مسيحية تميل الي المدينة و الثراء المرتبط بالتجارة . فينما كان ثلث اطفال المسلمين الفلسطينيين بين الخامسة و الخامسة عشر يذهبون للمدارس كانت النسبة في المسيحيين الفلسطنيين في الشريحة العمرية نفسها ترتفع الي قرابة ال١٠٠٪ ، و عام ١٩٣١ اظهرت الاختبارات ان ٢٥٪ من الرجال المسلمين و ٣٪ من النساء المسلمات يعرفون القراءة و الكتابة في حين ان النسبة في المسيحيين في الفترة ذاتها ٧٠٪ للذكور و ٤٠٪ للاناث

فينما يميل الاثرياء عموما للهرب اولا اوقات العنف فالاقليات يتبعون نفس القاعدة ، و يمكننا تخيل الوضع خاصة في مراحل المقاومة التي سادتها صبغة اسلامية لمعركة الاسلام ضد اليهودية خاصة في الوقت المبكر ذلك و عدم نضج مفهوم المواطنة في وطننا العربي. و نضيف ان الجو العام للشك و فكرة "الطابور الخامس" و مساعدة اليهود السرية -التى تكشف المستندات السرية المفرج عنها حديثا انها لم تكن اسطورة-  كانت سبب اضافي لحالة النزوح المسيحيي الكبير و تغيير ديموجرافيا المكان

هل كان التعاون المسيحيي/اليهودى سبب لشعور المواطنين الفلسطينيين بالغربة و النزوح المبكر؟ ام ان احساس الغربة كان السبب في التعاون؟ ... ام انها قدر الاقليات عندما توضع بين مطارق التاريخ و سندانه؟
**************
"الحرب هي الحرب و لا توجد امكانية للتمييز بين العرب (الاخيار) و العرب (الاشرار)" .... ياكو شيموني قيادى في قسم الشؤون العربية في الادارة الاسرائيلية تعليقا علي قتل ابرياء عزل من النساء و الاطفال اثناء عمليات المليشيات الاسرائيلية قبيل حرب ٤٨
**************
و نحب هنا ان نورد مثال متكامل لفكرة "تنظيف" المدن من اصحابها و سكانها بمدينة صغيرة تدعي "بيسان" او "بيت شيان" حين اخدت القوات الاسرائيلية ذريعة احتمالية دخول قوات الاردن منها ل"تفريغ الوادى" من العرب، فتقطع خطوط التليفون و الكهرباء و تخريب صهاريج الماء كبداية لاثارة ذعر المدنيين ثم وضعها تحت حصار متقطع، يلي ذلك قذف للمدينة باسلحة الهاون ، فيتبقي من الخمسة الاف نسمة حوالى ١٢٠٠ ساكن -و يمكننا ادراك ان ٨٠٪ من هدف اليهود بازاحة العرب كان بالحرب النفسية- ثم اصدار قرار رسمى بطرد السكان من المدينة و يكتب هنا ضابط بالجيش الاسرائيلي:

"تلقيت امرا باخلاء المدينة من العرب و انتقلنا من بيت لبيت و اخبرنا سكان المدينة عبر مكبرات الصوت بان عليهم الرحيل بحلول صباح اليوم التالي. كانوا في حالة رعب كبيرة، لم تكن سيارات متوفرة مما اضطرنى بامرهم بالرحيل سيرا علي الاقدام الي جسر الشيخ حسن ليعبروه. كان من الصعب على رؤية كبار السن باحمالهم و النساء و الاطفال. لقد كان الطرد صعبا ليس عنيفا و لكنه صعب. و لقد اعطيتهم الطعام و كان القس اخر من رحل. فجأة خلت المدينة و تحولت الي مدينة اشباح تحيطها الالغام"

و يتبع ذلك تسليم المدينة فارغة فيما عدا ٣٠٠ شخص تم ترحيلهم لاحقا الي الناصرة بحافلات قوات الدفاع الاسرائيلية و هكذا تحولت بيسان لتصبح بيت شيان ، و يثبت المفتيشين اليهود علامات صفراء علي ابواب المحال في اشارة انها فتشت، و تجول المفتشون العرب من مكان لاخر و علي اذرعتهم شارات صفراء اللون .... في اشارة ان البشر لا يتعلمون ابدا و ان ربما لا امل في بشرية كتلك

و لا يتبقي لنا ها هنا الا ان نتتبع الجزء الثانى من مأساة "مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين" الذى كتبها مؤلف نكره بلاده و نقدر حياده

دينا نبيل
يوليو ٢٠١٦

اسم الكتاب:الطفولة في التاريخ العالمى
تأليف: بيتر ن. ستيرنز
ترجمة: وفيق فائق كريشات
عدد الصفحات: ٢٩٠ صفحة
اصدارات سلسلة عالم المعرفة
التقييم: ٥/٢

عندما نرغب في القراءة لمجال جديد فاننا نلجأ الي "المداخل" و في موضوع كالطفولة ، يمكن اعتبار الكتب الذي بين ايدينا مدخل جيد اجمالا رغم اغراقه في الاكاديمية و الاحصائيات و بشكل عام رغم عيوبه

ربما العيب الاهم هو اصرار مؤلفه علي تتبع التاريخ مسلسلا و ان غابت المعلومات فعليا عن الازمنة الاكثر قدما و في عصور ما قبل الكتابة مما يجعل ربع الكتاب الاول بمثابة تخمين و تقديرات و كثير من الترجيحات ، ربع الكتاب الاول الذى يحدد ايقاع الكتاب و شهية القارئ له يستهلك في شرح صعوبة تأسيس تاريخ مستقل للطفولة و شرح متاعب كاتب الكتاب ، نقول ان ربع الكتاب الاول كاد ان يفقدنا رغبة الاستمرار في المدخل من الاصل

و حينما يصل الكتاب الي عهد التاريخ المسجل فنجد تتبع لشكل الطفولة -و ليس الاطفال- في عهد الفراعنة و اليونان و الرومان و الصينين و العصور الوسطى و اليهود و الاصلاح الدينى و الحضارات الاسلامية ، حينما يصل الي ذلك في الربع الثانى نجد ان رغم كثرة المصادر -و ربما بسبب ذلك- فان القارئ لا يحظى بمعلومات جديدة او معاد استكشافها لان قارئ التاريخ العام سيكون قد مر و لو عرضيا بطرق التربية و معدلات الوفاة و الميلاد في تاريخ هذا العصر ، و بالتالي فالربع الثانى من الكتاب يتضمن معلومات ليست مفيدة الا لهؤلاء ممكن يفتقدون الخلفية التاريخية لعصور الحضارات الكلاسيكية

 اللهم الا حديث المؤلف الموسع عن الطفولة في الكونفوشية حين حددت خصائص الطفولة نفسها و عينت بشكل مفصل -كعادة الكونفوشية عموما- كيفية الحداد علي الطفل المتوفي و التاكيد علي عدم اظهار كثير من العاطفة و الاصرار علي التمسك بالشكليات حتى حين يدخل طابور الاطفال لاداء التحية الصباحية فاكبر الابناء ناحية يسار الباب و كبرى البنات يمينه و يكون وجه كل منهم ناحية الجنوب و ينحنى لهم الاخوة و الاخوات بالترتيب ، و اطنان اخرى من التفاصيل التى لا تكتسب اهميتها الا من مجهود الصين الخارق للتخلص منها في عصرها الاحدث فوحدها اليابان امتلكت ميراث صعب يجب تركه للدخول في عصر الطفولة السعيد

و حينما نصل -منهكين- الي الربع الثالث اذ نجد ان الكاتب متمكن في هذا الجزء اكثر من غيره حين نرى فعليا كيف صنع مفهوم "الطفل" فى العصر الحديث و بخاصة اليابان التى ابتكرت الاقتصاد الموجه للاطفال باللعب الالكترونية و الدمى و نحن نعلم ان الانسان يهتم بكل جوانحه عندما يكون المال هو المتحكم و محل الحدث، و كاتبة تلك الكلمات تنحاز لبيان المؤلف للنموذج اليابانى فهو صعوبة التحول من "الولاء للبيت الامبراطورى، احترام الرؤساء، الخ" الي تشجيع الفردية و الابتكار و الابتعاد عن التمييز علي اساس الجنس بين الاطفال الذكور و الاناث

و نجد ان الصين قد تنازعت الشيوعية فيها مع الكونفوشية علي الطفولة و دورها، لان الثورة الثقافية استعملت عصابات الفتية الشيوعية للراشدين من المعلمين ذوى الذهنية التقليدية و هذا انقلاب كبير علي الترتيبات الكونفوشية التقليدية .. بالاضافة الي الصعوبات التى تواجهها الصين الان للتخلص من الميراثين معا

و في اجزاء الكتاب الاخرى يعانى المؤلف من صعوبة تناول كالطفولة بين جنابات التاريخ بين بيان التفريق علي اساس الجني و بين الاهتمام بالصحة للطفل و الام و بين تنظيم الاسرة و بين معاناة الطفولة وسط حروب العالم المتصاعدة و مجاعات العالم الثالث، و في تلك التشابكات و الاحصائيات الجافة كلها يفقد الكتاب متعته و يتحول تدريجيا الي نموذج المرجع بدلا من رحابة الكتاب الموجه للقارئ العادى المتشوق لموضوع مختلف

دينا نبيل
يوليو ٢٠١٦


اسم الرواية: خبر اختطاف
تأليف: جابريل جرسيا ماركيز
ترجمة: صالح علماني
اصدارات دار المدى
التقييم: ٥/٣.٥

نعلمها كولومبيا ماركيز الساحرة ، ترتفع عن الارض و المشاكل لتحلق في سماء الواقعية الخيالية و مدن ماركيز الموازية حيث اكبر المشاكل هو حب ضائع لعازف وحيد في منتصف الليل. نعلمها كولومبيا الكتب و الروايات مطبوعة علي ورق مائل للصفرة و خط اسود سميك. نكاد ننسي ان هى ذاتها كولومبيا نشرة الاخبار و المصدر الاول للمخدرات في العالم و ذات اغرب انواع الصراع بين مافيا المخدرات و الحكومات و انها تابعة الولايات المتحدة الاهم في المنطقة.

و في عمل استثنائي يرجع بنا ماركيز لتلك الكولومبيا الحقيقية الملوثة برائحة الدماء و اطنان الهيروين. عمل استثنائي في كونه واقعي اجتماعي حقيقي صادر من كاتب ادمن الخيال و اشتهر به و نال نوبل الذهبية اللامعة بسببه.

هنا يرسم ماركيز قصة مستوحاة من قصة حقيقية لمافيا المخدرات في بلده حين طاردت و قتلت و خطفت صحافيين و سياسين بارزين في الدولة كنوع من الابتزاز للحكومة لضمانات بعدم التتبع و عدم التسليم للولايات المتحدة.
*************
"لقد دخل الي الثقافة الوطنية مخدر اشد ضررا و خطورة من المخدرات المسماة هيرونينية: انه المال السهل ، و قد شاعت فكرة ان القانون هو العقبة الكبرى أمام السعادة، و انه لا فائدة ترجى من تعلم القراءة و الكتابة ، و انه يمكن للمرء ان يعيش كمجرم حياة افضل و اكثر أمنا من حياة الناس المحترمين "
*************
اما كيف نسج صديقنا الخيالي قصته شديدة الواقعية تلك فاستثناء بديع يستحق الانتباه. فنحن نكاد ننسي في مقاطع ان كاتبها ماركيز صاحب السنين المئة من العزلة و نراها بقلم صحافي او سياسي كولومبي تشبع بمعاناة زمنه و مشاكل عصره.

و لعلها اقل قصص ماركيز انتشارا و حبا بين قراءه ، لا لسوء مستوى او تدنى صنعة و حبكة بل لانها حقيقية حتى النخاع.

عصابات و مافيا المخدرات يمارسون انشاء دولة داخل الدولة تحمل نظامها الامنى و المالي الخاص، تكاد تجند احياء باكملها. و دولة لا تخلو من الفساد و البوليسية لا تكاد تلمس شئ الا و افسدته حتى حربها للفساد نفسه. و هنا يتصارع الحدث لمستوى تقرر فيه مافيا المخدرات تلك تكوين لوبي و احزاب و جماعات ضغط  احيانا و ارهاب مسلح احيانا و دبلوماسية انيقة احيانا للمفاوضات.

هل الدولة بفسادهم اسوء او المافيا بعنفها اسوء؟ يقول لنا ماركيز في لحظة تأمل ان  هناك واقعا مع ذلك لا يمكن تجاهله فالاشخاص الذين يخرقون حقوق الانسان لا يجدون حجة لمواصلة عمل ذلك افضل من الاشارة الي خروقات الاخريين لهذة الحقوق نفسها ، و ان تبادل الاتهامات لم يفيد مجتمع من قبل
*************
" لقد كان تجار المخدرات قبل سنوات من ذلك (موضة) تحيط بهم هالة خيالية ، و كانوا يتمتعون بنجاة كاملة من اي عقاب بل وصلوا شيئا من الشهرة الشعبية لاعمال الاحسان التى يقدموها للاحياء الفقيرة حيث عاشوا طفولتهم كهامشيين. و لو ان احد اراد اعتقالهم آنذاك لكان بامكانه ان يرسل لهم اي شرطى علي الناصية القريبة. و لكن قسما لا بأس به من المجتمع الكولومبي كان ينظر اليهم بفضول و اهتمام يشبه الرضي الي حد بعيد "
************
اما الضحية الاهم في "المفاوضات" تلك فالصحفيين من اختطفوا في ظلم الليل او نهار الزحام و ظلوا ايام و شهور في انتظار موت او حياة معلقة بسير المفاوضات. و عن هؤلاء تدور قصتنا الغريبة تلك.

يقرر ماركيز ان تفاصيل الحياة اليومية للمخطتفين اهم من اي حدث سياسي كبير. خاصة ان منهم من اختطف فرادى و منهم الثنائي و منهم الجماعات ، منهم من عاد و منهم لم يعد ابدا. و في خطوط متوزاية يسجل لنا بعين سينمائية احوال هؤلاء و شعورهم و مخاوفهم و كيف عاشوا مرة و ماتوا الف مرة في الاسر.

دينا نبيل
يناير ٢٠١٧

اسم الرواية: چوستين
تأليف: المركيز دو ساد
ترجمة: محمد عيد ابراهيم
عدد الصفحات: ١٩٨ صفحة
اصدارات: اشراقات للنشر و التوزيع
التقييم: ٥/٣.٥

هناك بعض الاعمال تكمن روعتها في ظروفها التاريخية و يكون من الصعب علي القارئ الحديث فهم مدى اهميتها و استثنائيتها و اسباب خلودها الا بعد الاطلاع علي تاريخها و وقت كتابتها و العصر الذى سطرت فيه ، يقع في هذا التصنيف اعمال كثيرة نذكر منها "دون كيشوت" و "كوخ العم توم" لكننا نعلن ان "جوستين" اهمهم علي الاطلاق

يتساءل قارئ العصر الحديث عن سبب عظمة قصة مهلهلة كتلك مليئة بدراما مصتنعة و صدف سمجة و تكرار رتيب و قطع حوارية اطول دائما مما يجب ، لكن القارئ ينسي ان عمل "ثورى" كهذا صنع في القرن الثامن عشر بينما الادب يحارب صدى الاعمال الرومانسية الانجليزية الطويلة الجالبة لدموع المراهقات و محاولات اوروبا لاستخدام الادب كأداة تربوية في يد الكنيسة او الدولة او الرقابة ايهما اقرب ،  و ان مؤلفها الذى لم يعن ابدا بجوده عمله الروائي عانى اشد العقوبات القانونية لانه ولد في عصر غير عصره

لكن "جوستين" مزحة صارخة -تماما ك دون كيشوت- تستعمل نموذج و قالب ادبي بعينه لتحطيم هذا النوع و بيان سخافته و حمقه و جموده فهى تحطم الادب من الداخل و تكاد تفجره و تمنع قارئها من الاستمتاع ابدا بمثيلاتها الكلاسيكية
************
( الهى! تريز! انتى قطعا أكثر الفتيات ابتلاء في العالم، هناك من يتقصدك دائما! )... "فالبو" الي "جوستين"
***********
عندما كتب "موليير" رائعة (طرطوف) ذهلت فرنسا ان البطل الملحد الانانى القاسي لم يندم في نهاية العمل ، و نحن اليوم بعد قرون كثيرة متعددة مازالنا غير قادرين علي اقناع الجمهور ان النهاية الفاضلة وهم و ان الاشرار ينتصرون و الاخيار يدمرون ببطء و ان العالم اكذوبة و ان توازن قوى الاخلاق ليس نهائيا فنحن بعد قرون عديدة لا نستطيع انزال تتر نهاية الفيلم علي شر منتصر! ... لكن مجنون السادية من قرن بعيد يفعلها او يكاد

و هو يقحم مشاهد جنسية و ضروب من السادية الذكورية في قلب الاحداث بلا مقدمات ولا نهايات تقريبا و يتفنن في العابها و التاريخ يثبت لنا ان دو ساد حلم اكثر ما نفذ و خطط اكثر ما رتب ، لكن اللافت لنا ان الباقي من سادية دو ساد في ادبنا هو الشق الجنسي بينما نظرته هو للسادية كانت اوسع مجالا

هل ينتصر الخير دائما؟ ... يجيب دو ساد بان "لا" و ان الفضيلة ضرب من الضعف المستتر و يسبق عندها نيتشه ان القوة و التسلط فضيلة في حد ذاتهم و انه لا دافع ولا تطور بالكون ان عطلنا المسيرة الراكضة للحظات ننقذ فيها من سقط

و التاريخ الطويل الضخم لمنع العمل هذا يجذب اهتمام القارئ اكثر من تاريخ دو ساد نفسه و الاصرار علي منعها يحفزنا و يجعلنا نتداولها سرا علي اساس انها انتاج الحرية المجهضة ،  في نهاية المطاف "ادبيا" رديئة لكنها تدفعك للتفكير و هو مكسب لا يجب ابدا التقليل من شأنه

هل "چوستين" رواية عظيمة؟ بالتاكيد .... هل "چوستين" رواية جيدة؟ ربما لا

دينا نبيل
اغسطس ٢٠١٦





اسم الرواية: جنوب الحدود ، غرب الشمس
تأليف: هاروكى موراكامى
ترجمة: صلاح صلاح
عدد الصفحات: ٢٣٨ صفحة
اصدارات المركز الثقافي العربي
التقييم: ٥/٣

عندما تقرأ الرواية الاولي لك مع سيد الرواية اليابانية و ناقل الشرق البعيد هاروكى موراكامى تكون قد اتجازت -رغم جهلك بهذا- نصف رحلتك معه ، عندما تقرأ عملك الاول مع هاروكى تكون قد علمت بالتاكيد ان القصة بين يديك و كل القصص التالية ستتحدث عن الموسيقي كثيرا ، عن ازمات بداية و منتصف العمر ، عن الجنس الخالي من المعنى مع نساء اكبر ، عن القطط ، عن الطعام ، عن الميتافزيقا و العجائبية ، و اكيد عن الحب الضائع

من قصتك الاولي تلك ستنطلق الي عالم موازى له شروطه الخاصة و ستتنقل من قصة لقصة مختلف في التفاصيل الصغيرة و ليس ابدا في الهيكل العام ، ربما القصة التالية عن القطط اكثر ، او عن الجنس اكثر ، او عن الموسيقي اكثر و اكثر ، تقل و تزيد جرعات الميتافزيقا ... لكنه هاروكى دائما المؤلف الذى ان قرأت رواياته بلا غلاف يوحى باسم كاتبها ستدركه روحك
**************
بادرتنى :"هاجيمى، الحقيقة المحزنة ان بعض الاشياء لا يمكن ان تعود الي الوراء. حين تبدأ في السير للامام، لا يمكن ان تعود كما كانت. اذا انحرف شئ صغير ، يبقي هكذا الي الابد"
**************
يعشق المؤلفين قصص ازمات منتصف العمر لكن هاروكى يصور لنا الازمة متشعبة مطولة متواصلة محبطة ، ازمة في الطفولة الوحيدة و المراهقة الانانية و سنوات الشباب الضائع و ازمات منتصف العمر الساحقة و كثير كثير من ضياع الهوية و محاولات التعرف علي الذات
ها هنا في "جنوب الحدود ، غرب الشمس" خيبات الامل متتالية و هى اميل للرقة عن معظم كتابات هاروكى كأنها تكتسي بلون ازرق خفيف طوال الوقت ، تبتعد عن الميتافزيقا و تقترب من الموسيقي و تتبع ذلك الخدش الصغير في منتصف تسجيل حفلات البيانو ، يميل بنا هاروكى الي الواقعية علي غير عاداته فلا اقمار تنقسم ولا كائنات اسطورية تنبثق ولا اسماك تسقط في الامطار ولا مثيل مطابق يلعب في الملاهي ولا قطط متحدثة ... تميل بنا "جنوب الشمس" الي لون الخيبة الازرق الخفيف
*************
قالت: (و انا خائفة. أشعر كأنى حلزونة دون صدفة)
قلت: (و انا خائف ايضا. أشعر كأنى ضفدع دون عشاء بين اصابع القدم)
رفعت رأسها و ابتسمت. سرنا الي ركن مظلل دون ان ننبس بكلمة ، تعانقنا و تبادلنا القبلات، حلزونة بلا صدفة و ضفدع دون غشاء بين الاصابع
*************
هل يمكن اعتبارها مملة؟! .. ممكن جدا لانها تحتاج وضع مزاجى معين لسبرها ف"جنوب الحدود" لا تضع نفسها كقصة متاحة علي الرف وقت احتياج القارئ للتسلية بل تتعامل معك كقصة حياة انسان معاصر يفشل -دائما- في الوصول الي سبب للحياة ، ان كان الموضوع مبتذل قليلا و مكرر فيكفي وضعه بين ايدى مؤلف محنك ليستخرج عصارته كاملة

ربما يعجبنا قليلا قدرة هاروكى علي تصوير قدرة الانسان الهائلة علي تدمير الاخريين ، كيف يمكن ان تجرح مشاعر شخص بشكل لا يمكن الشفاء منه و ان بامكان الانسان بمجرد العيش ان يدمر انسان اخر بطريقة لا يمكن اصلاحها ، ربما يعجبنا لان زاوية دقيقة للنظر للاشياء ، ولان الانسان لا يحتاج الي اسلحة و قنابل عنقودية و نووية للتدمير بل حتى لا يحتاج الي نية سيئة فيمكن الوصول لنفس الاثر الساحق باقل من هذا بكثير و ربما ذلك ما لم يقصده هاروكى لكنه وصل لروحنا عبر "جنوب الحدود ، غرب الشمس" .

دينا نبيل
سبتمبر ٢٠١٦

المجموعة القصصية: عشيقات الماضي البعيد
تأليف: ماريو بينيديتى
ترجمة: علاء شنانة
عدد الصفحات: ١٩٢ صفحة
اصدارات دار طوى للثقافة و الاعلان و النشر
التقييم: ٥/٢

لسبب ما كانت كل تجاربي مع "ماريو بينيديتى" التي يوصفه الكثيرون من اصدقائي ممن اثق في اراءهم ، نقول انها جميعا لسبب ما شديدة السوء ... رغم تعلقي -شبه المرضي- بادب اللاتينية الساحرة البعيدة و قائمة المؤلفين المفضلة التى تحوى عدد كبير من نجوم ادبها الا ان لسبب ما ظل ماريو بينيديتى بعيدا عن الجمع ، و للاسف المختارات القصصية التى بين ايدينا ليست استثناء

القصص القصيرة جدا و التى تذكرنى بالعبقرى دائما و ابدا و حتى تحترق النجوم اداردو جياليانو نراها هنا مبتورة مجتزئة متوقعة و في بعض الاحيان مملة ، فالاعم الاغلب هى قصص قصيرة متوقعة النهاية محدودة الشخصيات منزوعة الروح احيانا و مكررة احيانا

و بينما تلمع قليل قليل من القصص الكثيرة المكررة و المتوقعة نرى استثناءات  مثل قصة "حلم انه كان سجين" قصة السجين الذى يحلم انه سجين حين تتنزع الواقعية الحلم -حتى- علي عرشه الوهمى فتتعدل شروط السجن قليلا و لكنها تزال جاثمة محيطة حتى في العالم الموازى ، سجين يحلم انه سجين و يقابل الاله الوحيد المصاب بالارق و الذى لا يؤمن به اصلا فيشفق علي حاله، السجين الذى عاش السجن و عشش في عقله مهما قرر البشر ان وقت حريته ان ...  و قصة "اربعة في زنزانة" التي تدور حول مسجونين من البشر و مسجونين من الكائنات الصغيرة و نرى فيها الدراما الدقيقة في مصير العنكبوت و الفأر حين يطلق سراح السجناء و فيها زاوية رقيقة غير معهودة لنا من قصص السجون ... و قصة "المنارة" حيث نشهد بطولة للمنارة ذاتها كبطل غير انسانى جميل في قصة اقصر مما يجب و غير متعمقة كما نحب ... و نرى بوادر عبقرية يفسدها التسرع في قصة "أشيائي المنسية" حين تتكرر دورة التذكر و النسيان في عالم من الكارما الخالصة و كما في قصة "بصمات" حين نرى صورة اخرى اقل تفاصيل من نموذج "المنارة"

و المجموعة القصصية التى تتعدى الاربعون قصة نراها في عمومها ناقصة الحركة و المذاق و الرؤية الرهيفة التى نعشقها في القصص القصيرة و بدل منها نرى مجموعة قصص متسرعة فوضوية سطحية احيانا تعتمد علي الصدف اكثر مما نحب و الخيال اقل مما نفضل ... و تتابع كاتبة تلك الكلمات رحلتها المضنية في محاولة اكتشاف سبب روعة "ماريو بينيديتى" الذى عشقه الجميع الا هي!

دينا نبيل
اكتوبر ٢٠١٦
اسم الرواية: جاتسبي العظيم
تأليف: ف. سكوت فيتزجيرالد
ترجمة: أسامة منزلجى
عدد الصفحات: ٢١٢ صفحة
اصدارات دار المدى
التقييم: ٥/٤

عندما يبدأ القارئ الغير الامريكى في رواية شديدة الامريكية ك " جاتسبي العظيم " يتساءل دائما عن سبب شهرة و اعتزاز القصة الصغيرة تلك علي قلوب قراء كاتبها و يتعجب قليلا عندما تظهر دائما في قائمة الكلاسيكات الحديثة و قوائم الكتب الافضل عبر التاريخ ، و تدعي صاحبة تلك الكلمات ان السبب الرئيسي ليس في جمال الرواية -الجميلة بالفعل- و لكن لاصالتها المذهلة بالولايات المتحدة فقصة كتلك لا يمكن ان تجرى احداثها في مدينة لندن بل يجب ان تكون نيويورك المتفتحة الساحرة الجذابة في عصر الجاز و تهريب الكحول كما يجب ان تفتح أمينة المشربية في قلب القاهرة في اوائل القرن العشرين خلال عيون نجيب محفوظ

اصالة امريكية حقيقة ترتبط فيها ازدواجية الزمان و المكان في قلب التفاصيل الصغيرة الدقيقة تجعلها وحدة متكاملة عصية علي الفهم للقارئ غير الامريكي ربما كرواية "ان تقتل طائر محاكى" تماما ، القارئ العالمى لا يدرك الفروق الدقيقة التى يحدثنا عنها فيتزجيرالد عن الغرب الاوسط بقطارات شبابه العائدة و ظلال الاكاليل المقدسة التى ترمى مع فصول الشتاء الطويلة و بين الشرق المتفوق الواعي المنتفخ علي المدن المملة القديمة ، و توتر الانتقال الحضارى بين الغرب و الشرق هذا و ما يمكن ان تفعله الجغرافية بالانسان هذا المتحول من جانبي القارة الامريكية الشاسعة ... تلك الفروق الحاسمة الدقيقة في رسم "جاتسبي العظيم" تحتاج روح امريكية حقيقية لاداركها ولا يسعنا سوى تخيل ردود افعالها الحسية
***********
"من المحزن دائما ان تنظر من خلال عيون جديدة الي اشياء انفقت طاقاتك للتكيف معها"
***********
لكننا ما ان نترك اسباب العظمة الغامضة تلك و نجرد القصة الي ابعادها الانسانية الاعم نعتقد اننا وصلنا الي القلب، القصة الابدية التعيسة عن امال الماضي و عن اهرام موسلو الصغيرة القابعة في عقولنا التى لا تجعلنا نرضي او نكتفي بالاهم و الاكبر و الاعظم و الافخم الا اذا تحققت لنا احتياجتنا البسيطة اولا ، جاتسبي العظيم الذى غير نفسه و العالم من اجل وهم "ديزى" الصغيرة التى لم نفهم ابدا ان كانت قد احبته فعلا ام لا و هل كانت تستحق كل هذا العناء ام لا

ننظر حينئذ الي الخلف طامحين فيه و ان ملكنا الحاضر من الدنيا كلها و ان امتلكنا كل كروت المستقبل يظل الماضي و حلم "ما كان يمكن ان يكون" جائم فوق عقولنا  ، و نتساءل عن جدوى التعلق ، و نتعجب من قدرتنا علي افساد الحاضر علي انفسنا بالتطلع الي الماضي و نرمى كنوز الارض تحت قدمى من يستطيع ان يغير لنا الماضي و لو قليلا
***********
"لابد من انه رفع بصره الي السماء الغريبة من خلال اوراق الاشجار المخيفة و ارتعش عندما اكتشف كم ان الوردة شئ غريب و كم ان ضوء الشمس المنتشر علي العشب الذى لم يكد ينمو خشن. كان عالم جديد، مادى و ليس حقيقيا، تتنفس الاشباح المسكينة فيه الاحلام كما تتنفس الهواء "
***********
و هي قصة عن الطائر الملون الذهبي الذى يحسده الجميع و يتهافت الكل علي القاء نظرة او خطف ريشة منه في غفلة و لا يهتم احد بما يقبع وراء المظهر الزاهي هذا ، و عن السقوط الحتمى للاحلام الضخمة ، و عن الحساسية المرهفة التى يمتلكها المرء حين يحب ، و عن الطريق السهل المربح مقابل العمل البطئ المضمون ، و "جاتسبي العظيم" قالب درامى كبير يتسع للاسقاطات المتعددة التى يحبها النقاد و يضيفون فيها بانتظام معانى اكبر و رمزيات اكثر رغم اننا نحبها قصة كلاسيكية صغيرة عن أمل مجهض في عالم الثراء المجنون... و عن القوارب السائرة عكس التيار دون توقف الي قلب الماضي

دينا نبيل
اكتوبر ٢٠١٦

كتاب : تنينات عدن، تأملات عن تطور ذكاء الانسان
تأليف:  كارل ساجان
ترجمة: سمير حنا صادق
عدد الصفحات: ١٥٥ صفحة
اصدارات المركز القومي للترجمة
التقييم: ٥/٤.٥

ماذا يحتاج الانسان عند قراءة كتاب علمى في عصرنا؟... يحتاج الي قارئ نابه مستعد للتفكير و كاتب يجمع اكثر كم ممكن من المعرفة الحقة الدقيقة في اخف شكل ممكن علي الروح المتعجلة المستبقة للامور دائما و مترجم دقيق ينقل اللغة و التفاهم بين الاثنين ، و يمكنا ان نقول ان العناصر الثلاثة اجتمعت في الكتاب الغزير الصغير المسلي و المفيد كعادة كارل ساجان معانا مع بعض التحفظات علي الترجمة سنوردها بتفاصيلها لاحقا

رحلة قصيرة شيقة في عالم التطور و الذكاء و ما بينهم ، اجابة طويلة لسؤال "كيف وصلنا الي هنا؟" كيف تحول الانسان البسيط الباحث عن ثمار الاشجار الي ان يكون ارازموس الانسانى او اينتشين العلمى ، كيف صعدنا؟ هل سنستمر في الصعود؟ ماذا لو صعد غيرنا؟ ... رحلة لا تفترض ان التطور شئ يجب اثباته من الاصل كما فعل - ريتشارد دوكنز في " الأدلة على صحة التطور أعظم عرض على الأرض" بل كحقيقة واقعية تدعمها الدلائل و البراهين و تجاوزت مرحلة اثبات الذات المتزعزعة بل تنطلق من قاعدة مشتركة معرفية ان التطور حدث و ربما يجب ان نبسط للقارئ العادى كيف صار ذكائنا في رحلته المقدسة الطويلة

لكننا نتحفظ علي المترجم سمير حنا صادق قليلا في اختياره لترجمة العنوان لكلمة (dragons) ب (تنينات) بدل من (تنانين) الابسط و الاكثر تداولا ، و طبعا نتحفظ جدا علي اصراره علي "حذف" سطور رأي انها مهينة للدين ، و نتحفظ علي اصراره علي البقاء للاصل الانجليزى للابيات الشعرية و الاقتباسات الذى ذكرها ساجان مبررا ان معظم القراء يتقنون الانجليزية! ... و كل تلك التحفظات لا تنفي تفانيه الممتع في شرح بعض اجزاء الكتاب و حتى اضافة ملاحظات صغيرة ذكية مشاركة اثناء الترجمة ، ملاحظات جعلتنا نشعر بانه يقرأ الكتاب معانا لا لنا
*********
( الحقيقة ان القمر ليس مجموعة من الصخور فان له ارتباطات عاطفية و رومانتيكية و هو يؤثر علي المد و الجزر و لكنه قطعا ممكن ان يوصف ايضا بانه مجموعة صخور جمادية في السماء. و الفكر الوجدانى كثير الكفاءة حيثما كان لنا معرفة سابقة او خبرة تطورية، و لكن في مناطق جديدة مثل طبيعة الاجرام السماوية فان الفكر التحليلي العقلانى لا يمثل نهاية الحقيقة ، بل يجب النظر اليه في ضوء المصلحة الانسانية اي ان ينظر الي التفكير التحليلي العقلانى في ضوء التفكير الوجدانى)
*********
يبدأ ساجان من الاساسيات من قلب النواة و الدنا و الرنا و الجينات و تركيبها و انطلاقا الي تشريح مبسط للمخ و علم الوظائف ، يبدأ صغيرا شارحا مفسرا مبسطا من الاصل الذى تشترك فيه كائنات العالم المعجز الكبير وصولا الي التعقيد الخاص بالبشر ، يقدم الشق المعلوماتى باخف طريقة ممكنة علي الذهن و هو كما عبرت عنه النيويورك تايمز كالمدرس الذى طالما تمنينا وجوده صغارا و ربما ان اوان العثور عليه

و هو لا يكتفي بالتقلين المنظم للاساسيات بل يقدم الحجة تلو الاخرى و يفكر معك اكثر مما يفكر لك ( هل وزن الدماغ مقياس ما للذكاء؟ ماذا اذن عن نسبة الماء به؟ ربما معيار كتلة الدماغ للجسم؟ ) ، (هل تتحدث القرود اكثر مما نتصور ؟ هل نحكم عليها بمقايسنا؟ ماذا لو طورت نفسها؟) ، (هل سننمى الذكاء الصناعي؟ ماذا لو افسدته الحكومات كعادتها مع الاشياء؟ كيف نحمى المستقبل من الجمود و الطقوس و زواحف عقولنا؟) ... و عشرات الاسئلة التى تستهدف لتوسيع ذهن القارئ اكثر من تقديم اجابات قاطعة و هو يفعلها بدقة علمية تخرجها من تصنيف الخيال العلمى او العلم الزائف

و حديث ساجان الطويل ذو الشجون عن التعاون و الصراع بين الشق الايمن و الايسر من المخ و بين العقلانية و الخيال ، و حتما بين البديهية و المعرفة ، حديث يقف علي الحدود بين العلم و الفن بحد ذاته
***************
( تقول الفيلسوفة الامريكية سوزان لانجر: "ان حياة الانسان لم تخل تماما من التصرفات الحيوانية و الطقوس ، فهى خليط من المنطق و الشعائر ، العقلانية و الدين ، الشعر و النثر ، الحقائق و الاحلام ، و من الممكن اعتبار الفن نهاية تركيز رمزية الخبرة ،  و هو يولد في القشرة المخية و ليس في المخ القديم و لكنه يولد لحاجة بدائية للمخ" )
***************
و ربما اكثر اجزاء الكتاب اثارة و متعة عقلية هو حين يتحدث ساجان عن مفهوم reptile R complex و الذى شاء مترجمنا تسميته ب"المركب ز زواحف" و هو العقل البدائي المشترك بيننا و بين عقول اجدادنا الزواحف او ما يمكن تسميته ب"الشاسية العصبي" ، و يقول لنا ساجان ان الجزء القديم الاساسي هذا يتعامل اصلا مع "الطقوس" و "مناطق النفوذ" ، و انه يظهر بوضوح حين يتحرر من الطبقة المخية الاعلي -المتطورة احدث- في الاحلام و خاصة الشق الايمن العقلانى و الصارم ، و هو تفكير يذكرنا كثيرا بثلاثية فرويد عن الانا و هو الانا العليا. هل تحمل عقولنا باقي من العصور الاولي القديمة لنا جدا و الحديثة جدا في عمر الكون؟ هل الثقافة و العقلانية و الفن و ما يمكن ان ندعوه الانسانية هو المانع الحيوى الوحيد بيننا و بين الزواحف الباقية فينا؟

يقلق ساجان ان العقل الواعي ربما يجب ان يكبت تفعيل الجزء القديم هذا و يقلفنا معه حين يخبرنا ان في الوقت الذى اتسعت به المعرفة الانسانية الي حدود مذهلة و تطلب الامر الان اكثر من اي وقت افراد قادرين علي التفكير العميق و متسع الافق نرى ان الثقافة العالمية اتجهت الي "تطقيس" عمليات التدريس و اننا نقتل ببطء انتصار الطبقة المخية العليا علي الشق القديم الزواحفي حين نكرس لتعليم و معرفة طقوسية مكررة محدودة و نسمح للعنف و القتل ب"دم بارد" ان يعكس حركة التاريخ ... فهل يحطم الانسان  بنفسه ما صنعته الطبيعة له؟

دينا نبيل
اكتوبر ٢٠١٦

رواية : السيدة دالاوى
تأليف:  ڤيرجنيا وولف
ترجمة: عطا عبد الوهاب
عدد الصفحات: ٢١٢ صفحة
اصدارات المؤسسة العربية للدراسات و النشر
التقييم: ٥/٤.٥

عندما تدخل عالم "تيار الوعي" المتشابك العتيد ستجد ان احد اهم درر تاجه هى الرائعة التعيسة ڤيرجنيا وولف التى لم تتحمل قسوة عالمنا و احد اهم اعمالها هو حتما الصغيرة المركزة "السيدة دالاوى" ... رواية تحمل طيات العالم كله في اصغر حيز ممكن و يتعجب دائما قارئها من كثرة تفاصيلها و شفافيتها المطلقة مع امور الروح و الشعور

ان نقطة واحدة من الماء توضع تحت مجهر تبين لنا عالم كامل يكاد يكون منفصل عن عالمنا ، و هذا بالتحديد ما تفعله ڤيرجنيا وولف العزيزة بنا تتناول شق قصير صغير لا يلمحه احد و توسعه لتخلق منه قصة تتعدى حدود القص الكلاسيكي و هى تماما ك عوليس جيميس جويس -انجيل تيار الوعي المقدس- تهتم بالشعور اكثر من الاحداث و بالانطباع اكثر من الشكل الفعلي ، و هى تذكرنا بالمدرسة الانطباعية الفرنسية في الرسم دائما و هى تلخيص ما استطاع ان يقدمه الانسان الحديث للحكى و الدراما جديد من عصر دراما ارسطو
*********
" لقد شعرت بانها فتية جدا، و في الوقت ذاته هرمة بصورة لا يوفيها كلام. انها ثاقبة تقص كالسكين خلال كل شئ و هى في الوقت ذاته خارجا، تنظر. و اذا كانت ترقب التاكسيات شعرت بحس سرمدى بكونها في الخارج، في عرض البحر ووحدها، كانت تشعر ان من الخطر جدا ، جدا ، العيش حتى ليوم واحد "
*********
و نستطيع ان نقارن بين الليدى دالاوى و بين مدام بوفارى و كلتاهما نموذج ادبي عميق و رائع عن سيدات منتصف العمر فبينما تغرق دالاوى في شكليات الانجليز و تزمت الطبقة العليا و تحلم بماضي السحاقية و علاقات الرجال و ذكريات الخيانة تكون مدام بوفارى الفرنسية تمارس شغفها اولا و تحلم و تندم و تذوى لاحقا ، و بينما تعيش دالاوى في ظل خيالها بزوج محافظ خالي النكهة تكون هى ايضا كذلك في ظاهرها و نصف باطنها و هى تتمنى المغامرة ولا تقدم عليها ابدا ، بينما بوفارى و نضيف لها انا كارترينا الروسية الساحرة ففعالات اكثر من حالمات. و بهذا الاختلاف وحده يظهر الفرق الحاد بين الحكى الكلاسيكي المبنى علي الاحداث اولا ثم الشعور -فبوفارى لا تكون ابدا بوفارى ان حلمت فقط بالخيانة- و بين تيار الوعي المعتمد علي السطح الهادئ و الباطن البركانى

و نستطيع ان نقارن بين استاذنا نجيب محفوظ ممن يستطيع ان يروى قصة انسان و حياته الكاملة في ثلاث صفحات تتضمن ميلاده و احلامه و مخاوفه و همومه و حبه و احزانه كما في رائعته الخالدة "حديث الصباح و المساء" و بين ڤيرجنيا وولف التى تستطيع ان تحكى قصة شراء الزهور في مئة صفحة ، علامة اخرى علي انواع القص و الحكى المختلفة و المحببة لنا و تبين ثراء الانسانية التى تزخر دائما بالاحداث الضخمة الكثيرة و التفاصيل الصغيرة المتشابكة و ما علي المبدع الا ان ينظر و ينتظر ان تبوح له
*********
"و ران عليها الهدوء و السكينة و الرضي، اذ اخدت ابرتها و هى تسحب خيط الحرير بسلاسة حتى يتوقف وقفته الرقيقة فيجمع الطيات الخضر ببعضها البعض، فتربطها ربطا لطيفا بالحزام. هكذا في يوم صيف تتجمع الامواج، تتوازن كل التوزان، و تهوى، تتجمع و تهوى و العالم كله باسره يبدو و كأنه يقول (هذا كل ما هنالك) علي نحو ممل أكثر فأكثر، الي ان يقول حتى للقلب في الجسد المستلقي علي الشمس علي الشاطئ، لا تخش بعد اليوم و هو يودع وقره الي بحر ما ، بحر يتنهد جماعيا لكل الاحزان ، و يجدد الدورة ، فيبدأ ، و يجمع ، ثم يدعها تهوى"
*********
تلمس ڤيرجنيا وولف الوتر الحساس للموت و الحياة و الانتحار و ما بينهم، تتحدث عن "ترف الموتى" عن عزلة و وحدة مليئة بالسمو و حرية ننالها اخيرا لن يعرفها المتعلق بالدنيا ابدا ، و بالخط الدرامى الجميل المرهف ل ريزنا و سپتيموس و حلم دفئ ميلان و افراد يسيرون في الشوارع المرحة بدلا من شبه الاحياء في لندن المحشورين في كراسي المصحات ينظرون في زهرات قبيحة غرزت في قلل ، و فيها تقدم ڤيرجنيا صورة شديدة السلبية عن الطب النفسي ربما لضرورة درامية و ربما من واقع حياتها الشخصية التعيسة ذاتها

سپتيموس الغريق و المستلقي دائما علي منحدر شاهق و النوارس تتصايح من فوقه ، الشخصية المرهفة المميزة اللامعة بشكل خاص وسط زحام حياة دالاوى المشغولة دائما بالفضيات و البياضات و الخزفيات و ادوات الطعام الفضية و الابواب المخلوعة عن مفاصلها و سمك الدولفين البلورية و الشمعدانات الضخمة علي رف الموقد
*********
"ولأن ريزنا تعيسة لاسابيع و لاسابيع الان، فقد اعطت معانى لما يحدث من امور، و كادت تشعر احيانا بانها يجب ان توقف الناس في الشارع اذا كانوا طيبين ، لطفاء، و ذلك لمجرد ان تقول لها (انى تعيسة) "
*********
و السيدة دالاوى تشعر بالخواء الاجوف في اعلي لحظات مجدها و تعبر عن الانتصارات المبعدة ليست عن صميم القلب ... و هذة هى نقطو الصراع في شخصها فهي شخص شديد المحافظة و الانغلاق خارجيا بينما تتصارع داخلها المحافظة و الانطلاق -اليس هذا حالنا جميعا؟- و هى تورث القلق لاليزابيث ابنتها دون ان يتحدثا ، و الشخصيات الذكورية اقل عمقا من نظيراتها الانثوية ها هنا باستثناء سپتيموس -الذى يحوى علي عناصر نفسية نسائية بعض الشئ- الذى خطف عقول كاتبة تلك الكلمات

القصة تبدأ بالسيدة دالاوى تقرر صباحا شراء الورود لحفلتها المسائية و تنتهى بانتهاء الحفلة ذاتها ، و هى باستثناء حدث او اثنين خالية من الاحداث بشكل ساحق ، لكن القدرة العجائبية لتيار الوعى هو كيف تتداعى بشكل حر كل الانطباعات و الذكريات و الاحلام و القرارات و الاحزان و الامال كلها في لحظة درامية بسيطة كشراء الزهور او رتق الفستان الاخضر
*********
"دار في خلد سپتيموس ان الامر قد يكون ممكنا، و هو ينظر , الي انكلترا من نافذة القطار عند عودتهما، قد يكون ممكن ان العالم نفسه بدون معنى"

دينا نبيل
اكتوبر ٢٠١٦