الثلاثاء، 18 أبريل 2017

اسم الرواية: الأمواج
تأليف: ڤيرجنيا وولف
ترجمة: عطا عبد الوهاب
عدد الصفحات: ٢٧٣ صفحة
اصدارات المؤسسة العربية للدراسات و النشر
التقييم: ٥/٤.٥

حين يقدم القارئ علي تيار الوعي عموما و ڤيرجنيا وولف خصوصا يتوقع قدر معين من الصعوبة ، من المقاومة ، من تطلب درجة اكبر من التركيز و التأمل. قارئ تيار الوعي يعلم مقدما انه سيجد رواية شديدة المراس لا تفتح ابوابها الا بالجهد. قارئ روايات تيار الوعي مدرك ان الرحلة شاقة. لكنى ادعي ان "الأموج" ل ڤيرجنيا وولف هى اصعب روايات مؤلفتها و ربما تيار ذلك النوع من الكتابة كله ، قراءة "الامواج" صعوبة لا متناهية و هى كصدفة المغلقة تحتاج صبر و مجهود لكنها تحمل لؤلؤة نفيسة لم ترى مثلها عين

"الامواج" عبارة عن قصة شعرية في مضمونها و لغتها و اسلوبها. و هى تفترض ان القارئ مطيع نابه رهيف ولا اقل ، تدور حول ستة من الاصدقاء (بيرنارد، لويس، چينى، سوزان، رودا، نيفيل ) منذ الطفولة و حتى موت احدهم و لكن القصة لا تسير علي شكل احداث او افعال او جمل بل سلسال طويل من الخواطر و الانطباعات و الاحلام شديدة الغموض احيانا .
*********
"و مع ذلك فالحياة لطيفة ، الحياة محتملة، الثلاثاء يعقب الاثنين، ثم يأتى الاربعاء. العقل ينشئ حلقات، الهوية تمسي متينة ، الالم يمتصه النمو ، و مع الفتح و الغلق ، الغلق و الفتح ، مع الطنين المتزايد و الصلابة ، فان عجالة و حمى الشباب يستدرجان للخدمة الي ان يبدو الكيان باسره و كأنه يتسع باطنا و ظاهرا كرفاص الساعه. يالها من السرعه التى يجرى فيها التيار من كانون الثانى الي كانون الاول! اننا ننجرف بدفق الاشياء التى تصبح مألوفة الي درجة بحيث انها لا تلقي اي ظل. اننا نطفو ، اننا نطفو...."
*********
لذا فقارئ الامواج يجد صعوبتين في الامر الاولي مهارة التمييز بين شخصية و اخرى و رسم الحدود الفاصلة بينهم و ڤيرجنيا لا تحمل لنا هذا الوصف علي هيئة شكل خارجى و طريقة ملبس او تغيير في لهجة او اسلوب كما يفعل المؤلفين الكلاسيك بل تجبرك علي نزع وجوههم و النظر فقط الي داخلهم. تلخص البشر في كومة من الاحلام و التأملات و المخاوف و الامال . و انت في رحلتك للتميز بين الشخصيات الست المتشابكة تأخذ ملاحظات جانبية ان سوزان تحب الارض المفتوحة و الطبيعة ، و ان لويس يقدس المدير و يخفي لكنته الاسترالية ، و ان چينى تذكر قبلة حب لويس الضائع ، و  ان بيرنارد بكافح ليكون نفسه و ان مخترع للقصص الصغيرة و للتفاصيل ، و ان نيفيل كأنه شاب رومانى منضبط علي الاقل من الخارج ، و ان رودا يحمل نصف هموم العالم علي رأسها
لذا فالقارئ يتذكر التفاصيل الشخصية و الانطباعات اكثر من الاحداث -و الحقيقة ان الرواية تكاد تكون بلا احداث حقيقية- فنحن مثلا لا نعرف كيف تزوجت سوازن و ممن؟ و نحن لا نتساءل كثيرا لان ڤيرجنيا تجبرنا علي نزع الاقنعة و الوجوة و تجعل لكل من شخصياتها الست منجم عميق تحمل انت مسؤولية استخراج بواطنه

و اللغة في "الامواج" شعرية شاعرية شديدة الرهافة و الطبيعية و هى تضغط علي القارئ احيانا بكثافتها، فوصف ورقة حضراء تسقط علي الارض عند ڤيرجنيا وولف اهم بكثير من اسم ابن "بيرنارد" الاكبر ، و البحث عن معنى لموجة بيضاء تنكسر علي الشاطئ يستهلك عشرة اضعاف حجم الكتابة عن اين ماذا يعمل لويس ... و هى علي قدر جمالها مزعجة اشبه بالادغال التى تضطر لقطع الكثير منها لصنع طريق تمشي فيه لتصل و لو ان التيه في قصص ڤيرجنيا وولف ليس بالحدث السئ ابدا
**************
"يا لله، كم هي الحياة مقززة بصورة لا يسعها النطق! يا لها من مكائد قذرة تكيدها لنا، حر في لحظة و في التالية هذا الحال. ها نحن هنا بين فتات الخبز و مناديل الطعام الملوثة مرة اخرى. تلك السكين اخدت اصلا تتخثر بالدهن. الفوضي ، القذارة، و الفساد. تحيط بنا. اننا كنا نلتقم في افواهنا اجسام طيور ميته. اننا علينا ان  نبتنى بهذا الفتات المدهن ، ملوثة باللعاب علي المناديل ، و بجثامين طيور صغيرة......ادفع الحساب ، يجب ان نجد معاطفنا، يجب ان نذهب، يجب ، يجب ، يجب ، يجب -كلمة بغيضة. و مرة اخرى فاننى انا الذى ظننت نفسي محصنا ، انا الذى قلت ، الان انا تخلصت من هذا ، اجد الموجة قد قلبتنى رأسا علي عقب "
**************
و هى تشبه الطفولة بالدقة الخيالية ذاتها فسوزان حين يقبل لويس جينى  تضع غرامها في منديل تغلقه و تشد عليه حتى يتكور و تأخذ لوعتها لتضعها فوق جذور اشجار الزان ، و رودا تجد ان صعوبة في درس الرياضيات ترى الساعه تدق و العقربان هم قافلتان تسيران في الصحراء و الخطوط ف الساعه واحات خضر و العقرب يتعثر في احجار الصحراء الساخنة ، و نيفيل حين يكره دروس الانجيل يرى المدير وحش يهدد حريته و تكتسب كلماته برد كالاحجار دون ان تكتسب دفئا من الخيال كمرور تمثال المسيح المسجى في صندوق زجاجى .... هكذا تعبر ڤيرجنيا وولف عن متاعب الصغار و هكذا تتخيلهم ليسوا ابدا كم مهمل سريع الحركة بطئ التفكير

لكنه بيرنارد هو من يجذب انتباهنا ها هنا بمعركته الخالدة بين الخيال و الواقع، كيف انه ادمن الاغطية الدافئة في بيت و زوجه و طفل و كلب بينما يتيقن انه لن يرى همج في تاهيتى يصطاود السمك بالرماح ولن يتعلم الروسية و لن يهم بقراءة كتب الهندوس الدينية التى أجلها كثيرا ، و انه فقد اصدقائه بمحض عدم المقدرة علي عبور الشارع اكثر بكثير مما فقدهم بالموت ، لن يفهم الفلسفة و معضلاتها الاصعب ، تيقن انه ليس بالموهبة التى تخيلها يوما و انه لن يكون پيرون ولا بطل قصة دوستويفسكي الذى نسي اسمه، بيرنارد المتعب من الحكايات و العبارات ، بيرنارد الذى اكتشف متأخرا جدا ان الكلمات المنطوقة الا كسمكة فضية صغيرة اتيحت لنفسها ان تقتنص بينما الف الف يمكة تثبت و تئز كالغليان فتنزلق بين اصابعه .... ربما بيرنارد هو ڤيرجنيا العزيزة نفسها التى لم تتحمل حياتنا القاسية

دينا نبيل
اكتوبر ٢٠١٦

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....