الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

اسم الرواية: منافي الرب
تأليف: أشرف الخمايسي
عدد الصفحات: ٤٠٧ صفحة
اصدارات الدار المصرية اللبنانية
التقييم: ٥/٤.٥

رحلة طويلة متشابكة صاخبة مزاجية لذو المئة العام يحارب الموت و يكافح الفناء بكل وسيلة ، لم يمل الي الخلود مثل جلال ابن زهيرة الذى انشأته يد نجيب محفوظ في رصيد شخصيات الحرافيش ، و لم ينزع الي البقاء الابدى في ذاكرة الادب الانسانية مثل الخالدين في روايات ميلان كونديرا ، و لم يهدف اطلاقا الي مدينة بلا موت علي شكل سيدة بنفسجية الهوى كحكايا جوزية سارامجو ، كانت دائما خطط حجيزى ابسط و اقل تطلبا ، طلب ان يتحول الي فواحة تطلق رائحة البرتقال يقتنيها الاحياء.

رحلة تختلط فيها الصوفية باللاهوت مع شذرات من الخيال و كثير من المأساة ليصل الانسان من مصاف العبيد الي مثيل للاله الذى خلقه ، رحلة تتشابك فيها خطوط درامية متفرقة تعجب بطريقة تقطعها و توقفها ، قد تنسي انت "سريرة" امام مكحلتها العتيقة لكن اشرف الخمايسي لن ينساها ، و قد تعتقد ان "زليخة" قد ذهبت بلا رجعة لكنك تفاجئ بشذى قصتها بين الحين و الاخر.

***********
"لم تنسي الموت ابدا يا حجيزى ، قضيت عمرك تفكر فيه ، و تظن أنك تعرف ، لكنه الان يطل عليك بوجه لم تعرفه ابدا ، رأيت الناس يموتون ،و العالم حولك باق كما هو، يركض في الحياة بعنفوان الحي ، الان انت من سيموت ، انظر يا حجيزى ، و املأ عينيك و صدرك و ودع"
***********
تعلقت عيناه بالموت فقد الحياة؟ ام ان جعل الموت بين عينيك يترك العشب اكثر اخضرارا و المتع الصغيرة اكثر تجسدا و خيالا؟ ام عقدة طفولية علي طريقة فرويد تجعل من مواقف صغيرة في الحياة الاولي تأثير ضخم مكبر في حياة البالغين؟

قصة تجمع الاله و الانسان و ما بينهم في تضافر مدهش يحافظ علي وتيرة الدراما ولا يتركها تهبط الي حدود الملل و اللاجدوى ، قصة نراها تفتقد فقط الي شيطان سواء فعلي ام مجازى. انتظرت كاتبة تلك السطور طيلة العمل ظهور الشيطان محدثا حجيزى مما تحدث المسيح و المعزى و الراهب و الصديق و الابن و الزوجه ، و تخيلت ما قد يقوله لمصارع الفناء هذا و لكنها كانت لتكون قصة اخرى ليست مما في ايدينا

و قد سمعنا قراء يعيبون علي الرواية تفاصيلها الجنسية و انها انحطت الي حدود الابتذال و المبالغة و الاسراف. و نحب ان نقول ان كاتبة تلك الكلمات لم تشعر بذلك اطلاقا بل ان الحياة الجنسية و المشاهد الايروتيكية في الرواية عمود اساسي في صرح "منافي الرب" و لولاها ما كانت سواء كانت ثنائية الجانب بين رجل و امرأته يحاربون العقم و سوء القدر بطريقتهم الخاصة ، او احادية الجانب كمراهق يكتشف سر الجنس لاول مرة بمعونة يده و خياله ، او ذهنية الاتجاة في عريس يفشل في فض بكارة زوجته لان الموت كان ثالث في الغرفة و يفسد الليلة. واحة تتوسط صحراء جرداء يتهدد فيها مزيج الموت و الفناء و النسيان الجميع يجب ان تتوفر فيها حياة جنسية نشطة و الا فسنقع في مصيدة "السينما النظيفة" مرة اخرى تلك التى "نظّفت" ذهننا من التفكير و الشكر لدعاة الاخلاق الجدد ممن يمارسون هوايتهم في خصى الافكار اول باول.
***********
"يحيون بقلوب مقفلة ، يؤلهون تقاليدهم ، و يحطمون الجمال ، يخترعون قيما قاسية ، كأنهم يحبون تعذيب انفسهم ، ما اردت من الانسان تقديس ما يفقده بهجته ، او ما يمنع خلوده ، الاب الذى ارسلنى قال لي هذا ، و قال ان مسرته في ان يصير الانسان ربا ، لا عبدا ، الاب ارسلنى لأعلم هذة الحكمة ، و لاكرز بان المجد لله في الاعالي"
***********
في رواية "الجبل الخامس" لباولو كويلو يخوض البطل قصة كفاح طويلة ضد المصاعب و يكاد يفقد ايمانه لولا ان ذهنه انقذه بان الله لم يرد ان يصير عبد منتظر للمنح و الهدايا و الشفقة و الرحمة، و انه تماما كالاب يفرح حين يهزمه الابن احيانا. و ربما كان حجيزى اقل طموحا و اكثر تحديدا في افكاره و تقبل وجودها في اي دين في مستوى من التسامح لا اظن ان صحراء مصر كانت قد شهدته ابدا.

نذبح بعضنا باسم الدين و نقتل الحب باسم الاله و نكبت قدرتنا باسم التواضع ، نقص بايدينا اجنحة تكاد تنمو علي اكتافنا ثم نشكو ان الله لم يمنحنا هبة الطيران ، نصلي في سجون صنعتها ايدينا و نترك الفضاء للذئاب ثم ننوح بضيق النفس ... لكن حجيزى -فقط- اراد رائحة برتقال ابدية.

دينا نبيل
فبراير ٢٠١٧

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....