الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

اسم الكتاب: عشت لأروى
تأليف: غابرييل غارسيا ماركيز
ترجمة: صالح علماني
عدد الصفحات: ٦٨٠ صفحة
اصدارات دار المدى
التقييم ٥/٤

يعتبر "عشت لاروى" الكتاب قبل الاخر لي مع ماركيز بعد رحلة طويلة امتدت سنوات طوال أقرا فيها رواياته الطويلة و النوفيلات و مقالات و قصص قصيرة كثيرة فقدنا عددها

و يتبقي لي فقط مع الكاتب العظيم الذى سرق قلوب كل من اطلع علي اعمال فقط رائعته "الحب في زمن الكوليرا" التي اراني اتلكأ قليلا في البدء بها خشية من انقطاع سيل التواصل و خوفا من ان اغلاق الصفحة الاخيرة فيها يعني ببساطة موت ماركيز فعليا و لن يتبقي حينها الا نسخ اقل بهاء من اعادة قراءة لاعماله

و الان بعد ملحمة ال٦٨٠ صفحة التي دوخنا فيها ماركيز مع شرق البلاد و غربها و بين تشابكات قصته و اغوارها لا نرى الا انها كانت الخاتمة المناسبة و ان قراءة "عشت لأروى" يجب ان تكون في نهاية الاطلاع علي اعمال الكولومبي العظيم فعليا

لكن الامر المثير للاهتمام حقا ان ماركيز هنا لا يقدم لنا بداية او نهاية او حتي اقل نوع من الترتيب الزمني بس يكتب علي طريقة "التداعي الحر للذكريات" فيقدم بعضها علي بعض ... طريقة تبدو خلابة في الحكي الشفوى لكنها تبلبل القارئ ها هنا و تلزمه بقدر عالى -اعلي من اللازم؟!- من التركيز ، فالتنقل من فقرة لاخرى يغير فورا زمن و مكان الحدث و سن ماركيز وقت تلك الذكرى بعينها

و نحن القارئ المدمن لاعمال الاب الروحي للواقعية السحرية نتعجب من انه يهتم بتفاصيل عن اخرى تبدو لنا اكثر اهمية ، فمثلا ماركيز لا يهتم ابدا ان يروى لنا كواليس كتابته ل"مئة عام من العزلة" التي دوخت العالم و اجبرت نقاد رابطة العنق علي الغوص حتي الركبتين في العالم الشعبي نصف الخيالي ، بينما يصر ماركيز علي اخبارنا لتفاصيل مدرسته الداخلية او عشيقته الخلاسية او تفاصيل مقالاته اليومية و وقت عمله كناقد سينمائي

و نحن نرى ان الرواية الاكثر ذكرا خلال الكتابة الذى قارب السبع مئات من الصفحات هي "عاصفة الاوراق" التي لا تتصدر اعمال ماركيز من حيث الاهمية او الانتشار بل فقط من حيث الترتيب الزمني للروايته الاولي الحقيقية ... بينما لا نلمح ذكر لرائعته "خريف البطريرك" سوى مرة واحدة عابرة جدا بشكل لا يتساوى مع ما تراه كتابة تلك الكلمات اهم و اكثر ما كتب ماركيز تعقيدا و تقنية

و طبعا هنا تتصدر مشكلة "النهاية" غير الموجودة ... فالصفحة الاخيرة من "عشت لاروى" مبتورة و كأن صفحات كثير بعدها قد فقدت او تلفت ، و لولا ترجمة صالح علماني العظيم و ثقتنا في "دار المدى" -و مراجعة للنسخة بالانجليزية- لقلنا ان الكتاب ناقص
**************
لكننا ما ان نودع كل تلك الانتقادات و نترك الراوى يروى روايته و تفضيله الشخصي لما هو مهم و ما هو اضافي ، سنرى كيف كانت عين ماركيز استثنائية كفاية لان تصنع من عالمه شديد الواقعية لمسة من عالم أخر

سنرى كيف ان رحيل شركة الموز -التي كتب لها ماركيز خلود لم تتوج به ابدا اي شركة رأسمالية في العالم- عن بلدة الجد البعيدة أخدت كل شئ: المال ، نسمات يناير ، سكين تقطيع الخبر، رعد الساعة الثالثة مساءا، اريج الياسمين، و حتي الحب ... بينما لم يترك سوى اشجار اللوز المعفرة و أناس مكفهرين فتكت بهم الذكريات

و نحن نستمتع بالفصول الاولي التي تحكى عالم جدة و جد كاتبنا الكولومبي الكبير ، نرى فيه نواه صغيرة لعالم سحرى تسوده النساء اتاح له الشعور دائما بالراحة و الامان وسطن باعتبارهن عماد حماية العالم بينما يشبع الرجال فيه الفوضي بهمجيتنا التاريخية ... و حلمه القديم ان يكون واقعي كالجد و سحرى كالجدة يتمتع بمزية الامتياز الخارق لنزع الاسنان ليلا و وضعها في كوب بدل من فرشها حتي الدماء
******************
و نرى رواية "عن الشياطين و اشياء اخرى" في ذكرى عابرة لصحفي روى له عن فتاة يطول شعرها بعد الموت ، و نرى ان "مئة عام من العزلة" ولدت من رحم رواية "البيت" المجهضة التي كان سيكتبها ماركيز عن حرب الالف يوم عن اسرة لا تخرج من بيتها قط ... و نرى كيف ولدت "قصة موت معلن" من قصة واقعية اقسم ماركيز الا يكتبها الا بعد وفاة ام القتيل

و نرى ان تفصيلة البدلة الخضراء المخملية التي يرتديها الطفل في "عاصفة الاوراق" حقيقة مطابقة لزى الطفل ماركيز نفسه ولا أخر ... و عن ولادة الجنرال "بوينديا" من مزيج خارق بين جد ماركيز و جد زميل اخر ... و حبكة "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" من امل الاسرة الابدى في معاش عسكرى
*****************
لكننا نرى كيف ان قراءته ل "دونيا باربارا" ل جييجوس ضمنت له الفوز برضا امه و جاره القديم عن كونه كاتبا ، و ان "عوليس" جيميس جويس كانت انجيل جديد يسبر اغواره بلا ملل ، و ان "السيدة دلووى" ل فيرجنيا وولف جاءته مع وعد انه سيحفظها عن ظهر قلب ، و "الصخب و العنف" لفوكنر كانت وقود حركته الاولي ، و ان نهاره الاول بعد قراءة "المسخ" ل كافكا كان ليس كأى نهار ، و ان "الف ليلة و ليلة" تركته مبهور مقطوع الانفس

و ان "دون كيشوت" لم يرى فيها سوى كوميديا بائسة الا ان وضعها في حمامه الي جانب نظافته الشخصية فتحولت بفعل حركات قولونه الي متعة ساحقة ، و عن "اربع سنوات علي متن نفسي" ل ادوارد ثالاميا التي فتحت أفاق اما جيل بأكمله ، و ان "القرين" ل دوستوفيسكي التي حاول سرقتها من المكتبة العامة و لم يستطع و جعلته يتلهف بجنون لقراءتها الي ان اهداها اليه غريب عابر ، و عن "موبي ديك" ل ملفيل انه كان الاستثناء الوحيد الذى يستحق الانضمام للادب الاثيني ، و عن "البيت ذو الاسقف السبعه" ل ناثانيال هورثون التي اثرت به مدى حياته

و نحن نرى ان ماركيز كون شخصيته -في عز فقره- من كتب مستعارة ، متجولا بلا مكتبة الا من توصيات الاصدقاء و توفير المكتبات العامة ... و نحن نرى فيه مثالا اخر و جرس انذار ان الكتب ليست رفاهية و ان اسعار كتب اليوم ربما خنقت -او في طريقها- موهبة ماركيز اخر
***********
لكن ماركيز يظل كما هو ... ولد ليروى و عاش حياته ليتأمل كثيرا و ينطق ب هذيانات يجن لها جنوننا من فرط بساطتها و شدة تعقيدها و اصالتها المطلقة ... اما كيف امتص ماركيز العالم من حوله في احداث و كتب تماما مثل اسفنجة و يفككها الي اجزاء فعندما يرويها للاشخاص انفسهم فتتملكهم الحيرة ، كيف يحول العادى و الشائع الي حدث استثنائي مبتكر اصيل فهذا سر عبقرية الكاريبي الساحر التي يمكن لقارئ "عشت لأروى" ان يلمح طيفه من بعيد ... قليل و شاحب لكن كافي

دينا نبيل
فبراير ٢٠١٦

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....