الأربعاء، 16 ديسمبر، 2015

البلدة الأخرى تأليف: ابراهيم عبد المجيد

اسم الرواية: البلدة الأخرى
تأليف: ابراهيم عبد المجيد
عدد الصفحات: ٣٨٧ صفحة
اصدارات دار الشروق
التقييم ٥/٤
هل يحتاج ابراهيم عبد المجيد رفيق الدرب الطويل الى اثبات قدراته ك أديب قادر على الامساك بتلابيب خطوطه الدرامية؟ بالطبع لا ، على الاقل بعد ابداعه فى عتبات البهجة و لا احد ينام فى الاسكندرية ....لكنه يصر على تقديم عمل متماسك انسانى فى المقام الاول ك: البلدة الأخرى
الامر اذن عن كيف الوصول الى ذلك التوازن بين حركة الاحداث و كثرة الخطوط و تفاصيلها و تقلبات السياسة دون المساس بعمق النفس البشرية و كل ما يدور بها من تأملات و مشاعر و جمل مبتورة كمم الصمت انفاسها ....الامر ان تتحدث عن الكون باكمله و حال سبعة مليار من البشر دون ان تنسى ثراء ذلك الواحد الذى يستحق اهتمام لا يقل عن الاولى
**************
"لا اصدق انه يمكن ان تنزل من فندق و تدخل المسجد النبوى فى دقائق ، توقعت ان اهتز و ابكى ....ربما لهذا السبب لم يحدث شئ"
"كيف حقا لا ابكى؟ ...من ينقذنى من حالة الخلاء الروحى التى تلبستنى منذ زمن طويل؟"
هرب اذن عبد المجيد من فخ النمطية عن ذلك البطل الذى يشعر بالشك و البرود الذى سيركع على ركبتيه يبكى و تنزل دموع الايمان حين يمس الارض المقدسة .....لم يكن ولا كان الامر بسيطا قط لكن سطحه الادب فترة طويلة و جاء اخيرا رواد الرواية المصرية الحديثة ليفكوا الشفرة
هل سمعت فيروز تشدو "فى أمل" حين تسألت "حبيبى احساسى ، ها القد معقول يزول؟!"
**************
فى جو خانق متعمد طيلة العمل ...فى تبوك ، المدينة المنورة ، القاهرة ، الاسكندرية ....يستمر الضيق و الخناق ، لا شئ يدفع للامام و لا شئ يشد للبقاء
حتى الديار لم يعد فيها الدعاء الحزين بعد الاذان ، قلق الام حين تمرض .....او رائحة الوطن
دينا نبيل
١٧ يناير ٢٠١٥

الاثنين، 14 ديسمبر، 2015

‏‏‎Diary of a Madman

و لسبب ما انا لسه بتفاجئ من مستوى و اسلوب جوجول على الرغم من انه كتابى الرابع معاه , لكن كون الدراما الممتعة دى اتكتب قبل 200 سنه تقريبا فده شئ رائع

عموما اسم القصة معبر جدا عن محتواه , مذكرات رجل مجنون ...و فى وسط جنونه بنعيش معاه فى الاوهام و الاحلام وسط الكلب اللى بيتكلم , وسط ترسيمه ملك لاسبانيا , وسط تواريخه اللى بيجى فيه يناير بعد فبراير

انا قريتها بالانجليزى و الى حد كبير الترجمة كانت جيدة

لعل "الانف" و "المعطف" تتفوق...لكن تظل مذكرات رجل مجنون من الطف اعمال جوجول


الأحد، 6 ديسمبر، 2015

الاصلاح الدينى 5 - المجلد الثامن و الثلاثون من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 2 - المجلد الثامن و الثلاثون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: محمد على ابو درة
عدد الصفحات:255 صفحة
اصدارات دار نوبليس

شارفت رحلة الاصلاح الدينى و عصره الغريب على الانتهاء , و شارفت 2015 على الرحيل ايضا... و كعادته معانا سنجلس نحن امام ديورانت يحكى فننصت و يلم خيوط الماضي فنتفهم و نحاول التمسك بالتفاصيل و الاحداث

في سنة 1300 لم يكن لروسيا وجود...هكذا يروى لنا التاريخ لذا فرحلتنا ممتعه دوما فى مشاهدة الرحلة الروسية فى جمع شتاتها و توسيع مملكتها و قبلها بالتاكيد خلق الحرية الكاملة لوجود مملكة من الاصل , و قصة احتلال المغول لروسيا او قبائل ما قبل روسيا قصة شائقة ممتعه متوفر لها كتب خاصة بها كحادثة تاريخية فردية فكيف سيتحكم الغازى البعيد المدجج فى "للقبيلة الذهبية" فى مصير القبائل و الممالك الصغيرة قبل ان تنتفض لتنهى العهد الطويل المظلم الذى غير طبيعه روسيا الى الابد و فصلها عن العالم الغربى رغم مرور قرون متعاقبة....وكانت النتائج الأساسية التي ترتبت على طول خضوع روسيا "للقبيلة" نتائج اجتماعية: وهي استبداد أدواق موسكو، وولاء الأهالي ولاء ذليلاً لأمرائهم، والمركز الوضيع للمرأة في المجتمع، وتنظيم حكومة موسكو وفقاً لأساليب التتار من النواحي العسكرية والمالية والقضائية. وقد عاقت سيطرة التتار محاولة روسيا لمدة قرنين من الزمان أن تصبح دولة أوربية غربية.

هل حقا احتاجت روسيا الى ايفان الثالث -جد ايفان الرهيب الشهير- ليحرر روسيا فعلا؟ ربما ينظر له اهل بلده تلك النظرة لكنه ديورانت و نحن معه نؤمن بصيرورة التاريخ و ان حتمية التاريخ تضع احيانا الاشخاص المناسبين فى الاوقات المناسبة و ان احنلال مؤسسة المغول العسكرية كان قادم بالتاكيد كما توقع ابن خالدون عن اى شعب غازى

وبدا أن التحرر من ربقة التتار مستحيل، ولكن ثبت أنه أمر يسير . ذلك أن بقايا الغزاة المغول - الأتراك كانوا قد استقروا في ثلاث جماعات متنافسة متنافرة، وتركزوا في سراى وقازان وفي القرم، وكان إيفان يضرب كلا منها بالأخرى حتى وثق أنها لن تتحد ضده. وفي 1480 امتنع إيفان عن دفع الجزية، وقاد خان أحمد جيشاً كبيراً من الفولجا حتى ضفاف نهري أوكا وأوجرا جنوب موسكو. وقاد إيفان جيشاً قوامه 150.000 رجل إلى الضفاف المقابلة، وواجه العدوان بعضهما بعضاً لعدة شهور دون أن تقع بينهما معركة. وتردد إيفان في أن يغامر بعرشه وحياته في رمية واحدة، كما خشى التتار مدفعيته التي أدخل عليها تحسينات. ولما تجمدت الأنهار، ولم تعد تحمى الجيوش بعضها من بعض، أصدر إيفان أوامره بالانسحاب، وبدلا من تعقب الجيش المنسحب، انسحب التتار كذلك، حتى وصلوا إلى سراى < وكان انتصاراً هائلاً ولكنه مضحك، ومنذ ذلك الحين لم تدفع موسكو جزية إلى التتار. وسمى الأمير العظيم نفسه الحاكم المطلق، أى الذي لا يدفع الجزية لأحد. واستدرج الخانات المتنافسون إلى محاربة بعضهم بعضاً، وهزم أحمد وذبح، وانقضى سلطان المغول في سراى، واندثرت "القبيلة الذهبية".

و كانت روسيا و كان تاريخها الحقيقى بعد هذا الانتصار المضحك عسكريا و الرائع سياسيا ... لكن الادب الروسي قال لنا كثيرا ان التتار رحلوا و سوطهم لم يرحل ابدا
*******************
ينقلنا ديورانت سريعا من روسيا الى نظرة طائر محلق عن بلاد الاسلام فى عصر الاصلاح الدينى الاوروبى ... فينما كانت اوروبا تكافح من اجل التغيير كان المسلمين يكافحون ضد التتار فينهزموا عسكريا و ينتصروا فكريا , و كانت القاهرة تتألق فى ظل المماليك ولا تعلم ان الذبول قادم كما كان القدر دائما

و كان حافظ الشيرازى يقنع نفسخ للحظة وجيزة بقبول دعوة من السلطان أحمد بالاقامة في القصر الملكي في بغداد ولكن حبة لشيراز أبقاه حبيساً بها، وكان يشك في أن بالجنة نفسها مثل هذه الأنهار الفاتنة أو مثل هذه الورود الحمراء في شيراز و كان يتجول مرددا:
إن عمرنا قصير، ولكن طالما أننا قد نفوز
بالمجد وهو الحب، فلا تحتقر
الاصغاء إلى توسلات القلب
فإن سر الحياة سوف يبقى فيما وراء العقل

و كان تيمور لنك يمتلك اكبر امبراطورية فى عالمه و يثير صوت الذهب فى جنوده و الرعب فى رجال المدن خوفا من التحول الى مأذنة جديدة من مأذانه البشرية الكثيرة... ولما استسلمت مدينة سبزاوار بعد حصار كلفه كثيراً، أسر ألفين من رجالها، وكدسهم أحياء، الواحد فوق الآخر، وضرب عليهم بنطاق من الآجر والطين، وأقام منهم مئذنة، حتى إذا استقين الرجال جبروت غضبه، لا يعود يغويهم شيطان الصلف والكبرياء". وهكذا روى القصة مادح معاص . وغفلت مدينة زيرية عن هذه الحقيقة وأبدت مقاومة، فأقام الغازي من رؤوس أبنائها عدداً أكبر من المآذن.

و كان ابن خالدون يكتب (كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر) واضعا اهم مقدمة لكتاب كتب .. يضع فيها اساس علم جديد ينظر للتاريخ ككتلة واحدة كبيرة متحركة ثم يكتب الكتاب ذاته على الشاكلة القديمة مكتفيا ان يضئ الشعلة الاولى ليتلقطها بعد ذلك من له اذن فيسمع و عينان فيرى

و كانت يد الرسام و الخطاط المسلم يرسم رسم المنمنمات الفارسية الذى بلغ الذروة في هراة على عهد التيموريين وكان كمال الدين بهزاد، هو كيتس الزخرفة الحقيقي أو رافائيل الشرق. لقد عركته تجارب الحياة، وويلات الحرب وتقلباتها، فعكس هذا كله بالفن ... وكانت المراكز العظمى للزخرفة الإسلامية في هذا العصر هي تبريز وشيراز، هراة. ويحتمل أنه قد جاء من تبريز في عهد الأيلخانات، للورقات الخمس والخمسون من كتاب "شاه نامه"، (كتاب الملوك للفردوسي) - وهي من عمل رسامين مختلفين في القرن الرابع عشر

و كان بربروسه قرصانا و ملاحا و حاكما و مغيرا لقواعد السياسة فى البحر المتوسط كله و كان حلقة الوصل بين شارل و سليمان القانونى و البابا و جميلة جميلات ايطاليا كما يليق باى قرصان فى عالم القصص الخيالية لكن التاريخ السوداوى كثيرا يقدم لنا قصته ملطخة بدماء كثيرة لكن تحمل نهاية لا نراها الا سعيدة عندما يحل سن السابعة والسبعين اعتزل القرصان المنتصر الظافر تحيط به كل مظاهر الإجلال والتكريم، ليقضي نحبه في فراشه 1546، وقد بلغ الثمانين

و كانت فارس تؤرق مضاجع تركيا و تنقذ اوروبا من تيار كان من الممكن ان يجرفها و تتيح للبروتسانتية ان تعيش فى لعبة الكراسي الموسيقية العجيبة للتاريخ

يبدأ التاريخ بعد اختفاء الأصول. فلا أحد يعرف أين نشأ الأتراك. "فذهب بعض الناس إلى أنهم كانوا قبيلة فنلندية أوجرية (شعب أسيوي شرقي الأورال) من الهون، وأن اسمهم يعني "خوذة" وهي في إحدى اللهجات التركية وقد شكلوا لغاتهم من اللغتين المغولية والصينية، وأدخلوا بعد ذلك ألفاظاً فارسية أو عربية، وهذه اللهجات التركية هي الوسيلة الوحيدة لتصنيف المتكلمين منهم بوصفهم أتراكاً. واتخذت واحدة من هذه العشائر اسمها من اسم زعيمها سلجوق. ونمت بالنصر تلو النصر، وتكاثرت سلالتها، وحكموا في القرن الثالث عشر فارس والعراق وسوريا وأسيا الصغرى. وفرت عشيرة أخرى من أقرباء العشيرة الأولى، بقيادة زعيمها طغرل، أر، من خراسان في نفس القرن، حتى لا يكتسحها طوفان المغول. واستخدمها سلجوق أمير قونية بآسيا الصغرى، في الأعمال الحربية، وأقطعها جزءاً من الأرض لرعي ماشيتها. وفي 1288 (؟) مات أرطغرل، فاختير ابنه عثمان، وهو إذ ذاك في الثلاثين من عمره، ليخلف أباه، ومنه اشتق اسم "العثمانيين".

و بينما كانت اوروبا تبحث عن حل لثورة الفلاحين و هجمات لوثر على الكنيسة و بينما كانت اسبانيا تجمع ذهب امريكا الجديدة و تعقد المحاكم لحرق كل من يطلق ما يمكن الاشتباه بكونه هرطقة و البرتغال تسحب البساط التجارى من البحر المتوسط مقر الحضارة العتيق كانت القسطنينية تتكون بعلامات شرقية اسلامية فتحمل حريتها الخاصة و قوانينها المعقدة .... وكان الهراطقة من المسيحين يدفعون جزية الابناء مقابل ان يصمت الجميع عن ما اعتقدوه فى قلوبهم

و بينما كان هنرى الثامن يبحث عن زوجة جديدة كان قد شن سليمان حروباً كثيرة، وذبح نصف ذريته، وأمر بذبح وزير مبدع دون إنذار أو محاكمة، إنه ارتكب الأخطاء التي تلازم السلطة المطلقة غير المحدودة، ولكنه كان أعظم وأقدر حكام عصره دون منازع
***********************
مرة اخرى نرجع لنكرر ما عبرنا عنه فى مجلدات حضارات العبرانيين فى العصور الوسطى ...ما هدف الكتاب؟ و كيف نطلع عليه نحن العرب؟ ... فاما الهدف فصورة شاملة لتاريخ و شخصية و أداب و دين اليهودى بغض النظر عن وطنه و بلده فى العصور الوسطى الطويلة الممتدة لعشرة قرون...و اما السؤال التانى فصعب و مرهق لنا و يخرجنا من نطاق حياديتنا المعتادة كقراء للتاريخ , فكيف الفصل بين يهودى القرون الوسطى من عام 1300 ل 1564و بين صهيونى عصرنا؟ و كيف نرسم فى اذهانا انهم بشر عاشوا على الارض كغيرهم و تركوا تراث كغيرهم

ديورانت معجب باصرار اليهود و احترامهم لحلمهم ... لكن ديورانت مغرم بالحياة الروحية فى الهند ايضا و بقيام حضارات الصين دون سند دينى و بفن اليونان و بقوانين روما و ببهرجة بيزنطة و ببساطة المسيح و بقيادة و اخلاق محمد , ديورانت مغروم بالانسانية و اليهود معه ليسوا استثناء ... و نكرر كما نكرر دائما ان ذلك شأن ديورانت و لنا شأننا

لكن ما يلفت انتباهنا حقا هو كيف عاش اليهود فى شتاتهم الاول بعد سقوط اورشليم عام 71 و بعد الشتات الثانى عندما قررت اسبانيا انها ستكون كاثوليكية اكثر و ان بترت كل مواطنيها حرقا و نفيا و الحكم الطويل بالموت كمدا

فنرى ان اذا كان الطاعون يغزو اوروبا فخسارة اليهود مضاعفة نتيجة ميراث الكراهية المتبادل بين مسيحية القرون الوسطى و بين اليهودية المتحدية الصامدة بكل اختلافتها و ريبتها ... ففى الطاعون سيخسر اليهود موتى مرضي كغيرهم و فوق ذلك سيخسروا الكثيرين من القتلى , و بيان ذلك كما يخبرنا ديورانت ان : وكان الموت السود كارثة خاصة حلت باليهود في العالم المسيحي. لقد أودى الطاعون نفسه بحياة المغول والمسلمين في آسيا،وهناك لم يفكر أحد في إلقاء اللوم على اليهود، ولكن في أوربا الغربية حيث جن جنون الأهالي لهول الوباء وما أحدثه من دمار، اتهم اليهود بتسميم الآبار في محاولة لاستئصال المسيحيين. ونسج الخيال المسعور كثيراً من التفاصيل. فقيل بأن يهود طليطلة أرسلوا رسلهم بصناديق ملآى بالسم الذي صنعوه من السحالي والعظاءات (نوع من الزواحف) وقلوب المسيحيين، إلى جميع الجاليات اليهودية في أوربا، مع توجيهات بإلقاء هذه السموم المركزة في الآبار والعيون مع ذلك عذب اليهود حتى اعترفوا بتوزيع السم. وأغلق المسيحيون آبارهم وعيونهم، وشربوا ماء المطر أو الثلج المذاب وانتشرت المذابح الرهيبة في فرنسا وأسبانيا وألمانيا

و نرى ان خلاف المسيحيين الكاثوليك و البروتسنت على مغزى و تجسيد المسيح فى القربان المقدس الذى مزق اوروبا بين لوثرية و كالفنية و زونجلية فى شقها البروتسنتى بخلاف الشقاق الكبير اصلا فى الكنيسة , نرى ان النقاش ذلك حتى دفع اليهود ثمنه كعادة اى اقلية فى عصر متشدد و متقلب وأصبحت قصة القربان المقدس مأساة لليهود. فقد طلب إلى المسيحيون أن يؤمنوا بأن الكاهن كان يحول رقائق الخبز غير المخمر إلى جسد المسيح ودمه، وقد ارتاب في هذا بعض المسيحيين، مثل "طائفة المتمتمين "، وربما أمكن أن يقوى من هذا الاعتقاد ما روى من قصص عن بعض رقائق الخبز المكرس التي تقطر دماً عند أية وخزة من سكين أو دبوس. ولكن من ذا الذي يقدم على هذه الفعلة الشنيعة غير اليهود؟ -هكذا فكر الجميع- وفي القرون الخيرة من العصور الوسطى كانت مثل هذه الأساطير التي تروي عن القربان الذي يقطر دماً كثيرة جداً. وفي حالات عديدة: في نيوبرج 1338، أدت هذه المزاعم إلى ذبح اليهود وإحراق بيوتهم. وأقيم في كاتدرائية سانت جود ول في بروكسل مصلى خاص لتخليد ذكرى القربان الذي أدمى 1369،

و نرى ان التطور الاقتصادى الذى تابعه كل من قرأ مجلدات قصة الحضارة الى مجلدنا الحالى من اقطاعيات زراعية الى رأسمالية صاعدة و تكوين طبقة جديدة ادى بدوره الى سحق عدد اضافي من اليهود واستترت المنافسات الاقتصادية وراء العداء الديني. فعلى حين امتثل المسيحيون لأمر البابا بتحريم الفوائد الربوية، حصل اليهود على ما كاد يكون احتكاراً لإقراض النقود في العالم المسيحي. ولما تجاهل بعض أصحاب المصارف المسيحيين هذا التحريم و اصبح مجال المنافسة متاحة من جديد , طردت و قتلت اوروبا الاصلاح الدينى بلا رعاية ... و عاد من جديد لا صوت يعلو على صوت الذهب

ولاقى يهود "الشتات" هؤلاء أقل العناء والشقاء في ظل السلاطين الأتراك والبابوات في فرنسا وإيطاليا، وعاشت الأقليات اليهودية آمنة في القسطنطينية وسالونيك وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين والجزيرة العربية ومصر وشمال أفريقية وأسبانيا تحت حكم العرب وكتب اليهود الألمان الذين لجئوا إلى تركيا إلى أقربائهم وصفاً خماسياً للحياة الطيبة التي ينعمون بها هناك

و وسط كل ذلك ماتت اضافات اليهود للتراث الحضارى و اكتفوا بصوفية صامتى و كابالا غارقة فى التعقيد تنتظر المخلص , باستثناء كرسكاس آخر هذه الصفوة اللامعة من فلاسفة اليهود في العصور الوسطى حتى جاء سبيبوزا
***********************
يتبقي لنا ملاحظات متفرقة , الاولى فيها عن تأثير البروتسنتيه على الاقتصاد الاوروبى حتى عندما تلغى اجازات اعياد القديسين فتزيد اعباء العامل او حتى عندما يبيح لوثر اكل اللحم يوم الجمعة ليتضرر تجار و صيادون السردين فى ضربة قاصمة و صعود الرأسمالية التى ربما صيرورة التاريخ كانت لتصعد بها حتى دون الالمانى الثائر المحافظ

و الثانية عن اثر اليهودية فى البروتسنتية كما يرى ديورانت و نرى معه من حيث تنفيذ الوصية الثانية بكل القوة و توقف عجلة الفن بها و نضيف ان لوثر ربما بدأ معادية للسامية المانية صغيرة دون ان يدرك فى عز حماسته

و الثالثة عن اختلاف ترجمة المجلد ذاك بالذات و هو المجلد الوحيد الذى ترجمه لنا الدكتور ابو درة لذا فسنراه يترجم اسم مارى تيودور الى "مارى اللعينة" رغم ما عودنا عليه مترجم الاجزاء السابقة عندما فضل استخدام تعبير "مارى الدموية" خاصة مع احتمالية اللفظ الانجليزى لكلا معنى منهم ... و نرى عموما ان الترجمة هنا اضعف قليلا من المعتاد لكنها قطعا ليست مقيدة لنا للاطلاع على المجلد الجميل ذلك
***********************
يحكى لنا ديورانت عن ان التاريخ، من بعض الوجوه، ليس إلا تعاقباً لموضوعات متعارضة، فإن الطباع والأشكال السائدة في عصر ينكرها ويبرأ منها العصر الذي يليه، والذي يضيق ذرعاً بالتقاليد، ويتحرق لهفاً إلى التجديد: فالكلاسيكية تنجب الرومانتيكية، وهذه تلد الواقعية، وهذه تأتي بالتأثرية، كما تدعو فترة إلى الحرب العدوانية....نصدقه كالعادتنا فنتجه رأسا الى المجلد التاسع و الثلاثون و الاخير ضمن مجلدات الاصلاح الدينى السته لكنه ابدا ليس الاخير فى ملحمة قصة الحضارة الطويلة و المرهقة و الممتعة

دينا نبيل
ديسمبر 2015

الاصلاح الدينى 4 - المجلد السابع و الثلاثون من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 1 - المجلد السابع و الثلاثون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 279 صفحة
اصدارات دار نوبليس

(وكان كل الحكام في أوربا يفرضون المكوس على شعوبهم ليهيئوا لأنفسهم صورة مصغرة لهذا الحلم الباريسي)

فاما الحلم الباريسى ذلك فبلاط الملك فرانسيس الاول ملك فرنسا الذى حاز كل مغامرات الحب و الحرب و السياسة و التحالفات المتقبلة كأنه فرنسا متجسدة فى شخص و اما البلاط المبهر ذلك فيرسمه المؤرخين لنا بكل ما ملكت ايديهم من جمال و بذخ

وكان النبلاء يقومون بوظيفة مزدوجة: تنظيم الجيش وخدمة الملك في البلاط. وكانت الحاشية التي تتألف من الرؤساء الإداريين ورؤوس النبلاء وزوجاتهم وأبناء الأسرة وأصفياء الملك، قد أصبحت وقتذاك على رأس فرنسا وفي الصدر منها، ومرآة تعكس البدع والمهرجان الملكي الدائم المتحرك، وعلى قمة هذه الدورة كان مدير قصر الملك الذي كان ينظم كل شيء ويرعى البروتوكول، ثم الحاجب المكلف بغرفة نوم الملك، ثم أربعة من السادة الموكلين بمخدع الملك، أو كبار الوصفاء الذين كانوا دائماً رهن إشارة الملك لتلبية رغباته، وكان هؤلاء الرجال يستبدل بهم آخرون كل ثلاثة أشهر، وذلك لمنح غيرهم من النبلاء فرصة يحل فيها الدور عليهم للقربى البهيجة من الذات الملكية. ولكيلا يتعرض أحد للإغفال كان هناك عدد من السادة يتراوح بين عشرين وأربعة وخمسين لمخدع الملك يخدمون الأربعة الكبار، يضاف إلى هؤلاء اثنا عشر وصيفاً للمخدع، وأربعة حجاب للمخدع، وكانت أجنحة نوم الملك تلقى العناية المناسبة. وكان هناك عشرون سيداً يعملون مشرفين على مطبخ الملك، وينظمون أعمال جماعة تتألف من خمسة وأربعين رجلاً وخمسة وعشرين من سقاة الخمر. وكان هناك نحو ثلاثين غلاماً من وصفاء الشرف - أولاد لهم نسب جليل - يعملون وصفاء للملك، ويتألقون في زي مفضض خاص، وجمع من أمناء السر يضاعفون من طاقة الملك على التدوين والتذكر

وكان القس الأكبر للكنيسة الملكية كردينالاً، ويشرف أسقف على المحراب أو المصلى، وسمح لخمسين من الأساقفة الأبروشيين بإسباغ البركة على البلاط، وبذلك يزدادون شهرة، ولا يفوتنا أن نذكر سبعة أطباء وسبعة جراحين وأربعة حلاقين وسبعة مرتلين وثمانية صناع ماهرين وثمانية كتبة للطبخ وثمانية حجاب بقاعة الاجتماعات. وكان لكل ولد من أبناء الملك خدمه الخاصون به... مشرفون وكتاب سر ومربون ووصفاء وخدم. وكان لكل واحدة من الملكتين في البلاط - كلود ومرجريت - بطانة خاصة تتألف من خمس عشرة سيدة أو عشر سيدات يعملن وصيفات وست عشرة أو ثمان من وصيفات الشرف - آنسات. ومن أعظم ما اشتهر به فرانسيس أنه جعل للنساء مكانة عليا في بلاطه، وأنه كان يغمز بعين الخبير إلى علاقاتهن غير الشرعية، ويشجع ويستمتع باستعراض حليهن ومفاتنهن الرقيقة.

وتحت هذا السطح المصقول كانت هناك قاعدة عريضة من الخدم: أربعة من الطهاة وستة من مساعدي الطهاة، وطهاة متخصصون في أطباق الحساء أو المرق المتبل أو الشواء، وعدد لا يحصى من الأشخاص، لتقديم الطعام إلى الملك وخدمته على المائدة، وفي المطبخ المشترك للحاشية، وتلبية احتياجات السيدات والسادة والسهر على راحتهم، وكان هناك موسيقيو البلاط يقودهم أشهر المغنين والملحنين والعازفين على الآلات في أوربا خارج روما. ويشرف على الحظائر الملكية مدرب للخيل، وخمسة وعشرون من رؤساء الركائب النبلاء، وحشد من الحوذية والسواس، وهناك رؤساء يشرفون على الصيد، ومائة كلب و 300 صقر يدربها ويعنى بها مائة مدرب للصقور تحت إشراف كبير مدربي الصقور. وتألف حرس الملك من أربعمائة من الرماة، يضيئون البلاط بأزيائهم الملونة.

ولم يكن هناك مبنى في باريس يكفي لمآدب البلاط وحفلاته الراقصة وحفلات الاستقبال الدبلوماسية. وكان قصر اللوفر وقتذاك حصناً كئيباً، فانصرف عنه فرانسيس إلى القصور المنسقة المعروفة باسم ليه تورنل (الأبراج الصغيرة) قرب الباستيل، أو إلى القصر الفسيح الذي اعتاد المجلس النيابي أن ينعقد فيه، ومع أنه كان لا يزال يعشق الصيد فقد انتقل إلى فونتنبلو أو إلى قصوره الممتدة على نهر اللوار في بلوا أو شامبور أو أمبواز أو تور - ساحباً معه نصف الحاشية وثروة فرنسا. وقد وصف شليني بمبالغته المعهودة ولي نعمته الملك بأنه كان يسافر ومعه بطانة مكونة من 18.000 شخص و 12.000 جواداً واحتج السفراء الأجانب على ما يتكبدونه من نفقات ومشقة، في سبيل لقاء الملك أو مسايرته، وإذا وجدوه فإنه يكون على الأرجح، نائماً في فراشه حتى الظهر، يفيق من المتع التي نعم بها في الليلة الماضية، أو منصرفاً إلى ما يلزم لرحلة صيد أو مباراة للفروسية. وكانت نفقات هذا المجد الطواف باهظة. وكانت الخزانة دائماً على شفا الإفلاس، والضرائب ترتفع على الدوام، والمصرفيون في ليون يكرهون على تقديم قروض للملك، يتعرضون فيها للمخاطر.

وعندما أدرك الملك عام 1523 أن نفقاته تتجاوز موارده، وعد بوضع حد لإشباع رغباته الشخصية "وهي لا تشمل على أية حال المطلب العادي لاحتياجاتنا ومتعنا القليلة وكان يلتمس لنفسه عذراً في تبذيره بحاجته إلى التأثير في المبعوثين والتغلب على النبلاء الطموحين، وإدخال البهجة على قلوب العامة، ورأى أن الباريسيين يتعطشون للعروض، وأن إعجابهم بأبهة ملكهم يفوق استياءهم منه.
***************************
لكن هل يمكننا تلخيص ملك فرانسيس الاول الطويل و الهام فى مظاهر ابهه حكمه ؟ بالطبع لا و هنا يكيفينا الاشارة الى الحرب و المنافسة الطويلة بينه و بين شارل الاسبانى الذى سيصير الامبراطور لاحقا بعد محاولات فرنسية طويلة للحيلولة دون ذلك

واقتضى الأمر أن تتصدى امرأتان لتلقين الحاكمين فن السلام وحكمته، فقد اتصلت لويز أميرة سافوي بمرجريت النمسوية نائبة الملك في الأراضي المنخفضة، واقترحت عليها أن يتخلى فرانسيس، المتلهف على عودة ابنيه، عن كل مطالبه في الفلاندرز وارنوا وإيطاليا وأن يدفع فدية قدرها 2.000.000 كارون ذهبي، لإطلاق سراح ولديه، على ألا يتنازل أبداً عن بورغنديا، وأقنعت مرجريت ابن أخيها بإرجاء مطالبته ببورغنديا وأن ينسى مطالب الدوق بوربون، الذي مات وقتذاك في الوقت المناسب.
وفي 3 أغسطس عام 1529 وقعت المرأتان ومعاونوهما الدبلوماسيون معاهدة صلح السيدات في كامبراي، وحصلت الفدية من التجارة والصناعة ودم فرنسا، ونعم بالحرية من جديد أميرا البيت المالك بعد أربع سنوات من الأسر، وعادا بقصص تروى عن المعاملة القاسية التي أثارت فرانسيس وفرنسا. وبينما وجدت المرأتان القديرتان سلاماً دائماً- مرجريت عام 1530 ولويز عام 1531- أخذ الملكان يعدان العدة لاستئناف الحرب بينهما.

و يضيق هنا الحال بالحديث عن "مغامرات" فرانسيس الاول و شارل الخامس و تذبذب هنرى الثامن وسط موجة الجنون الاوروبى فى القرن السادس عشر خاصة عندما تغيب امثال لويز و مرجريت من المشهد
***************************
هل يمكن ان نسطح الامر قليلا و نقول ان سبب انفصال الكنيسة الانجليزية عن الكثالوليكية الرومانية هو -فقط- غراميات هنرى الثامن المتعددة و ان غرامه ب ان بولين كان ساحرا الى تلك الدرجة لتغيير عقيدة الملك و بالتبعية الالاف و الملايين من الانجليز؟ .... هل يمكن ان نقول ان انشقاق دينى كبير و عميق و دموى كهذا كان لاجل الحب و الهوى؟ بالاضافة الى رغبة هنرى الثامن -المشهور فى كتب التاريخ كصاحب اشهر قضية طلاق فى الشق المسيحيي من العالم- فى ترك زوجته؟

ربما كان ليعجبنا ذلك قليلا و يخفف من قساوة السياسة و العاب التاريخ الجافة لكنه سيكون قول جذاب خادع كبير و ربما دماء ان بولين تفسها المراقة بعد قطع رأسها الصغير بعد فترة قليلة من الزواج المشوش اثبات على ان الحل الرومانسي لم يكن حلا تاريخيا ... ربما الاصح ان نقول ببساطة ان الملكية الانجليزية كانت قد وصلت الى درجة من القوة و البخل جعلتها قادرة على ان ترفض التسليم بسلطة البابا فى التدخل فى شؤون انجلترا السياسى و الاهم رافضة بالتسليم فى حقه فى التحكم بمواردها المالية و تسرب النقود الانجليزية الى روما تزين قصور البابا و ثمن صخور تماثيل مايكل انجلو

زواج سياسي بين هنرى الثامن و بين كاثرين الارجوانية ابنة فرينارد و ابيزابيلا الشهرين فى ظل صغر سن هنرى ثم عجزهما فى ايجاد وريث ذكر للعرش جعل الملك تواقا -ولاسباب سياسية اكثر منها غرامية- فى حل الزواج السياسي بعد انتقضاء الهدف منه اصلا مع تغيير لعبة التحالفات السياسية فى عالم القرن السادس عشر المجنون ذلك

و تتدخل السياسة فى مخادع الرجال , فالبابا اسير عند شارل ز بالتبعية لدى كاثرين الارجوانية فلا يجد هنرى سوى الخروج عن سلطة البابوية كلها و ربما للابد مصطحبا معه الشعب الانجليز برغبته او رغم انفه فى سبيل الحكم -لا الوطن طبعا- ولا من اجل اصلاح دينى ما ولا لجمال ونة جمال لوثر الذى ارتكب موبيقة سب هنرى المغرور فى هوجه من الغضب فجعل انفصال كنيسة بحجم الانجليزية لا يعد نصرا للوثر الالمانى البعيد

و ينتصر هنرى الثامن لهنرى الثانى الغائب فى غياهيب التاريخ وهدم ضريح سانت توماس بيكيت التاريخي في كانتربري، وأعلن هنري الثامن أنه في انتصاره على هنري الثاني لم يكن قديساً حقاً ... و قارئ تاريخ العصور الوسطى لن ينسي تلك القصة الثنائية العجيبة عن الدين و السياسة ابدا

واستخف الطرب الملك فطالب وقتذاك بان يعترف به رجال الأكليروس "حامياً للكنيسة ورجال الدين في إنجلترا والرئيس الأعلى الوحيد لهم" أي أن ولاءهم للبابا لابد أن ينتهي وعرضوا اثنتي عشرة مصالحة وجربوا اثنتي عشرة عبارة مبهمة، وكان هنري قاسياً لا يرحم، وأصر على أن يردوا بكلمة "نعم" أو "لا". وأخيراً (10 فبراير سنة 1531) عرض رئيس الأساقفة واهرام، وكان وقتذاك في الحادية والثمانين، في تبرم، إقرار صيغة الملك وأضاف إليها عبارة فيها تحفظ "بقدر ما تسمح شريعة المسيح"، وسكت المجلس الأكليروسي، واعتبر السكوت رضاً، وأصبحت الصيغة قانوناً، وهدأت ثائرة الملك، فسمح عندئذ للأساقفة بمطاردة الهراطقة.

وكانت الروح القومية، وهي في إنجلترا وهي في إنجلترا أقوى منها في ألمانيا، تقف في تلك المسألة إلى جانب الملك، وعلى الرغم من فزع رجل الدين من تصور أن يكون هنري سيداً لهم فإنهم لم ينفروا من الاستقلال عن بابوية لا شبهة في خضوعها لسلطة أجنبية.... فى موقف يذكرنا كثيرا بحركات التحرر الاولى حينما كانت البابوية فى أفنيون اسيرة فرنسا القوية و لم يقف فى وجه التغيير حينها الا رجوع سريع رشيق لسلطة البابوية حاولت كثيرا تكراره لكن المرونة صفة عصور الشباب و فقط

وظهرت أول نسخة كاملة بالإنجليزية في زيورخ عام 1535. ونشرت عام 1539 طبعات منقحة، وأمر كرومويل بأن يوضع هذا "الكتاب المقدس العظيم" في كل كنيسة إنجليزية. ومنح هنري "بدافع من الكرم والطيبة الملكيين" المواطنين امتياز تلاوة الكتاب المقدس في بيوتهم، وسرعان ما أصبح تقليداًيومياً عند كل أسرة إنجليزية تقريباً. ولكنه كان ينبوعاً للشقاق والإلهام أيضاً، فقد أنبتت كل قرية مفسرين هواة، أثبتوا أي شيء أو عكسه بما ورد في الكتاب المقدس، وتجادل المتعصبون حوله في الكنائس، وتعرضوا لضربات بشأنه في الحانات . ومنح بعض الرجال الطموحين زوجاتهم أوامر قضائية بالطلاق، أو احتفظوا بزوجتين في آن واحد، بحجة أن هذا عمل سليم أباحه الكتاب المقدس . وأسف الملك لحرية التلاوة التي منحها للناس، وعاد إلى مظاهرة الكاثوليك. وحث المجلس النيابي عام 1543 على سن قاعدة بأنه لا يجوز قانوناً حيازة الكتاب المقدس إلا للنبلاء والملاّك، ولا يجوز لغير القساوسة الوعظ به أو الجدال فيه علناً

و قرر هنرى او ربما ما استقر عليه بعد كثير من التخبط هو نوع خاص من الكاثوليكية تحتفظ بالشكل الدينى و تنتزع العلاقة البابوية تضطهد بقوة اى كاثوليكي يدين بادنى قدر من الولاء لبابا و تعدها خيانة للوطن و تحالف مع قوات اجنبية معادية و حرق الكثيرين او سجنوا بسبب ذلك و تدين البرونسنت بنفس الحزم كنوع من الهرطقة و يسجن و يحرق الكثيرين بسببه و يتجاور الاعداء سويا على المحرقة و يتمسك كلا منهم برأيه فيما اسماه ديورانت عصر اليقين المخيف

واستمر الكثالكة يرسلون إلى المحرقة أو المقصلة بسبب إنكارهم سيادته في الشئون الكنسية، والبروتستانت بسبب جدلهم في اللاهوت الكاثوليكي؛ وعُلِّق فورست وهو رئيس شعبة المتشددين من الفرنسسكان الممتثلين في جرينوتش، رفض أن ينكر سلطة البابا، على نار وهو مكبل بالأغلال، وشوي ببطيء حتى مات (31 مايو سنة 1537) . وقبض على جون لامبرت؛ وهو بروتستانتي بسبب إنكاره وجود المسيح حقيقة في القربان المقدس، وحاكمه هنري بنفسه، وحكم عليه هنري بالموت وأحرق في سمثفيلد (16 نوفمبر سنة 1538)

و اخيرا ماذا ورث هنرى الثامن لانجلترا؟ وريث ذكر عليل و اختين غير شقيقتين سيكتب على احداهما ان تكون كاثوليكية و الاخرى بروتسنت ... الاولى دموية و الثانية متأمرة و كالعادة يحرق الالاف على نفس الاوتاد الخشبية و يحمل المواطنين الشرفاء الحطب بنفس الحماس و الشغف
***************************
و ربما سيتجول بنا ديورانت وسط محارق الهراطقة و قطع روؤس اعداء السياسة لكنه ابدا لن ينسي او يتوانى ان يروى لنا اداب توماس مور و تلخيص اجزاء من مدينته الفاضلة الاستوائية البعيدة ... و حماس جون نوكس الاسكتلندى و كتبه عن تاريخ مارى الدموية

سيتلوث الادباء بالسياسة كما تلوث الجميع فى هذا العصر و ربما يتورط مور فى اضطهاء البرونسنت الانجليزى و تغوص يد جون نوكس فى دماء بعض الكاثوليك الاسكتلنديين ... لكن العالم سيتذكر الكتب و ينسي المذابح و يحتفظ فى صحفاته بالفنانين و الادباء اكثر مما يحتمل من اسماء و افعال الملوك المجنونة و المتناقضة

و يروى ديورانت قصة الملوك و التاريخ بإنصاف لا يشوبه إلا تحامل يصدر عن اللاوعي ،لكنه يسمح لنفسه بإضافة تعليق افتراضي يعترف به نستمتع به و بتحليلاته كما اعتادنا معه عبر مجلداته الممتعة المرهقة ... فنفعل ما نفعله دائما فنتتقل سريعا الى المجلد الثامن و الثلاثين من الملحمة الديورانتية الطويلة و الملهمة

دينا نبيل
نوفمبر 2015

الاصلاح الدينى 3 - المجلد السادس و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الانشقاق الدينى - المجلد السادس و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 280 صفحة
اصدارات دار نوبليس

العقل ينتصر ام الدين؟ معركة ظهر كثيرا فى صفحات التاريخ انها حسمت لكن الانسان فشل دائما فى انهاء الامر ففى كل عصر نتخيل ان الدين قد انتصر للابد كما فى القرون العشرة للعصور الوسطى و تنتصر العبرية على اليونانية و المسيح على سقراط نرى عنقاء الفلسفة و الفن تنتفض فى عصر النهضة الايطالى المبهر ... لكن المعركة لم تحسم ابدا فحتى فى عهد انجلو و روما الذهبية كان هناك سفنرولا , و بينما كانت تنعم روما بتلك المعادلة الحساسة سريعة الفشل بين الحرية و السلطة الدينية كان لوثر يمزج التقدم بالتراجع و ينزع من الانسان سلطة العقل و يرجع الى عهد اوغسطين الاول

فنسمع لوثر يعلن فشل و تفاهة العقل من اصله و ارجاع الامر للسلطة السماوية و حدها : "نحن المساكين، الناس التعساء... نسعى في غرور إلى فهم الجلال الذي يدق على الفهم لنور عجائب الله التي لا تدرك... ونحن نتطلع بعيون مغمضة، مثل حيوان الخلد، إلى مجد الله" . وقال لوثر: "أنت لا تستطيع أن تقبل كلاً من الإنجيل والعقل فأحدهما يجب أن يفسح الطريق للآخر ... إن كل آيات عقيدتنا المسيحية التي كشف لنا الله عنها في كلمته أمام العقل مستحيلة تماماً منافية للمعقول وزائفة. فإذن كيف يعتقد ذلك الأحمق الصغير الماكر أن هناك شيئاً يمكن أن يكون أكثر مجافاة للعقل واستحالة من أن المسيح يعطينا جسده لنأكله ودمه لنشربه في العشاء الأخير؟... أو أن الموتى سيبعثون من جديد يوم القيامة؟... أو أن المسيح ابن الله حملت به مريم العذراء وولدته ثم غدا رجلاً يتعذب ثم يموت ميتة مخجلة على الصليب؟ ... إن العقل هو أكبر عدو للإيمان... إنه أفجر صنائع للشيطان كبغي فتك بها الجرب والجذام، ويجب أن توطأ بالأقدام ويقضى عليها هي وحكمتها... فاقذفها بالروث في وجهها... وأغرقها في العماد"
**************************
أتفيد الثورة الاصلاح الدينى؟ الاكيد ان الاصلاح الدينى و سقوط هيبة الكنيسة ذاته كان محرك لتلك الثورة الاجتماعية ذات البعد الشيوعى الواضح لكن السؤال الذى حير المؤرخين بل و معاصرين تلك الاحداث هو لم تبرأ لوثر منها رغم ان حماسته هى من اشعلت النار فى القش من الاساس ... الان بعد هدوء كل العواصف التاريخية نرى ان لوثر صاحب الفكرة و ربما الاراء الصارخة كان كغيره لا يحتمل ان تترجم افكاره الى دماء تراق و سلطات "دينوية" تسقط و فوضي تنتشر و كان محافظ اكثر مما يحب و ثوريا اكثر مما يتحمل الواقع فى ان واحد , و كان بعيد النظر نسبيا عندما تيقن ان أن الثورة الدينية التي خاطر من أجلها بحياته سوف تتعرض للخطر الشديد بسبب الرجعية المحافظة التي كانت مضطرة إلى أن تتبع ثورة فاشلة.... و سبق الاخريين عندما تأكد من ان قانون "الرجعية" سينصر بالتاكيد بعد الثورات العارمة خاصة الفاشلة منها

هل يمكن ان نعزى الامر ايضا الى دموية الثورة الاجتماعية الالمانية؟ بالتاكيد لكننا نرى ايضا ان خسارات الفلاحين -التى تخلى عنهم لوثر بقسوة- لم تكن اقل دموية عن تلك التى اترتكبوها فى ساعات الانتصار المظفر قصير المدى كعادة ثورات الفقراء من قبل عهد اليونان حتى ... و قصة ثورات اللامعمدانيون و اليوتوبيا التى حلموا بتحقيقها على الارض من القصص التى يندى لها جبين العالم الرأسمالى محب الملوك و المحافظ بشكل لا يحمل قدر كبير من الانسانية
**************************
لوثر ... أرازموس ... كالفن ... زونجلى

اربعة من العظماء قدر لهم ان يجتمعوا فى عصر واحد و ربما بهدف واحد و هو هز الاستقرار الكثالوليكى الايطالى الهادئ منذ قرون , و نتعجب قليلا عندما ندرك الان ان اراء الاربعة التى قيلت فى القرن السادس عشر غيرت من وجه حياتنا الان و جعلتها مختلفة كثيرا لو لم تقال قط

الغريب هو ان علاقة الاربعة الكبار لم تكن قط مثالية فلوثر يعادى زونجلى ذو الميول الانسانية و اتساع أفق لاختلافهم فى تفصيلة لاهوتية نراها اليوم لا تستحق كل هذا العداء وقد اتفق في الرأي مع لوثر بأن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحصل على الخلاص بالأعمال الصالحات، بل يجب أن يؤمن بالقدرة التكفيرية لموت المسيح المقترن بالتضحية , ورفض لوثر أن يصافح اليد التي مدها إليه زونجلى، وقال: "إن روحك تختلف عن روحنا" . وعندما سمع لوثر بموت زونجلى هتف يقول "إن هذا حكم السماء على كاف وانتصار لنا" ويروى أنه قال: "كم أود من أعماق قلبي لو أمكن إنقاذ حياة زونجلى ولكني أخشى أن يحدث العكس لأن المسيح قال إنه: "ملعون كل مَن يكفر به"

يكره ارازموس لانه غير حاسم ... لكن ماذا كان يتوقع من عالم انسانيات رقيق المشاعر يحافظ على وعد الرجال الشرفاء بين الكنيسة و المثقفين ان يحظى الطرف التانى بقليل من الحرية باللاتنية الميتة مقابل غض طرف الاول عن اى هرطقة مزعومة , و مع ذلك فبعد انتهاء فوران لوثر لم يتبقي غير كلمات الانسانى الجميل تنير القرون الطويلة اللاحقة

ويضيف مؤرخ كاثوليكي تقديراً يكاد يكون مطابقاً لمقتضيات العقل: "إن أرازموس كان ينتمي فكرياً إلى عصر لاحق علمي وعقلاني أكثر من عصره. والعمل الذي قد بدأ به والذي أوقفته الاضطرابات التي حدثت في عهد الإصلاح الديني استأنفه علماء القرن السابع عشر في وقت لاقى فيه قبولاً أكثر"
**************************
يتبقي لنا ان نذكر ان دورانت واضح الاتجاة و العقيدة و الافكار لكن فى الاجزاء الاولى من الموسوعه الطويلة يتحفظ العملاق الامريكى قليلا فى ابداء رأيه الشخصى و هو ما يراه النقاد ميزة و نراه عيبا ثم فى الاجزاء اللاحقة سيبدأ ديورانت فى الانطلاق فى ابداء مشاعره فى احداث و افكار التاريخ

لذا فالتحفظ الصغير الذى ابداه ديورانت تجاه جبرية و قدرية اوغسطين يتحول لغضب تجاه كالفين الذى سيفعل تلك الاراء فى منظومة الدين الفعلى و يخرجها من سجون الاوراق اللاتنية فى دير ما فى العصور الوسطى ... لن يغفر له ان افكاره كانت حجر اساس ارهاب والمتطهرون (البيوريتان)الانجليز

و سيرى و نرى معه ان كالفن اهدى العالم مجتمع اورويل مستلط و عقيدة متصلبة تمحو حرية الانسان فى الدنيا و الاخرة , لكنه منحها خلود فردى مستقل عن الكنيسة و قوة تحميه من الانسحاق الثقافى او العسكرى

لكنه سيحاول دائما ايجاد الجانب المشرق فى الامر فيقول:
وفي غضون ذلك كانت حكومة رجال الدين الصارمة التي أقامها كالفن تنبت براعم ديمقراطية، ثم إن جهود الزعماء الكالفينيين في سبيل توفير التعليم للجميع تفقيههم وغرسهم شخصية مهذبة قد ساعد أوساط الناس الأشداء في هولندة على إبعاد الحكم المطلق الإسباني الدخيل ودعم ثورة النبلاء ورجال الدين في سكوتلندة ضد ملكة فاتنة ولكنها مستبدة. وكان للنزعة الرواقية في عقيدة صارمة الفضل في خلق أرواح قوية للمعاهدين السكوتلنديين والمتطهرين الإنجليز والهولنديين والحجاج في نيوانجلاند، وثبتت قلب كرومويل واهتدى بها قلم ميلتون الكفيف وحطمت سلطان آل ستيوارد المستبدين. وشجعت الناس الباسلين والقساة على الظفر بقارة وعلى نشر أساس التعليم والحكم الذاتي إلى أن يستطيع كل الناس أن يصبحوا أحراراً. وسرعان ما طالب الناس الذين اختاروا كهان أبرشياتهم بأن يكون لهم حق اختيار حكامهم وأصبحت جماعة المصلين التي تحكم نفسها بنفسها بلدية تحكم نفسها بنفسها، وهكذا أبرزت أسطورة الانتخاب الإلهي نفسها في صنع أمريكا. وعندما تم أداء هذا العمل أهملت النظرية البروتستانتية التي تقول بالجبر، ولما عاد النظام الاجتماعي إلى أوربا بعد حرب الثلاثين عاماً وفي إنجلترا بعد ثورتي عام 1642 و 1689 وفي أمريكا بعد عام 1793 تغير الفخار بالانتخاب الإلهي إلى اعتزاز بالعمل وإنجازه وشعر الناس بأنهم أقوى وأكثر أمناً.

و كعادتنا سنفعل ما نفعله دائما عند الانتهاء من مجلد من مجلدات قصة الحضارة الطويلة ... سنتجه رأسا الى المجلد التالى فرحين بما اتانا الله و رزقنا به

دينا نبيل
نوفمبر 2015