الأحد، 6 ديسمبر، 2015

الاصلاح الدينى 4 - المجلد السابع و الثلاثون من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 1 - المجلد السابع و الثلاثون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 279 صفحة
اصدارات دار نوبليس

(وكان كل الحكام في أوربا يفرضون المكوس على شعوبهم ليهيئوا لأنفسهم صورة مصغرة لهذا الحلم الباريسي)

فاما الحلم الباريسى ذلك فبلاط الملك فرانسيس الاول ملك فرنسا الذى حاز كل مغامرات الحب و الحرب و السياسة و التحالفات المتقبلة كأنه فرنسا متجسدة فى شخص و اما البلاط المبهر ذلك فيرسمه المؤرخين لنا بكل ما ملكت ايديهم من جمال و بذخ

وكان النبلاء يقومون بوظيفة مزدوجة: تنظيم الجيش وخدمة الملك في البلاط. وكانت الحاشية التي تتألف من الرؤساء الإداريين ورؤوس النبلاء وزوجاتهم وأبناء الأسرة وأصفياء الملك، قد أصبحت وقتذاك على رأس فرنسا وفي الصدر منها، ومرآة تعكس البدع والمهرجان الملكي الدائم المتحرك، وعلى قمة هذه الدورة كان مدير قصر الملك الذي كان ينظم كل شيء ويرعى البروتوكول، ثم الحاجب المكلف بغرفة نوم الملك، ثم أربعة من السادة الموكلين بمخدع الملك، أو كبار الوصفاء الذين كانوا دائماً رهن إشارة الملك لتلبية رغباته، وكان هؤلاء الرجال يستبدل بهم آخرون كل ثلاثة أشهر، وذلك لمنح غيرهم من النبلاء فرصة يحل فيها الدور عليهم للقربى البهيجة من الذات الملكية. ولكيلا يتعرض أحد للإغفال كان هناك عدد من السادة يتراوح بين عشرين وأربعة وخمسين لمخدع الملك يخدمون الأربعة الكبار، يضاف إلى هؤلاء اثنا عشر وصيفاً للمخدع، وأربعة حجاب للمخدع، وكانت أجنحة نوم الملك تلقى العناية المناسبة. وكان هناك عشرون سيداً يعملون مشرفين على مطبخ الملك، وينظمون أعمال جماعة تتألف من خمسة وأربعين رجلاً وخمسة وعشرين من سقاة الخمر. وكان هناك نحو ثلاثين غلاماً من وصفاء الشرف - أولاد لهم نسب جليل - يعملون وصفاء للملك، ويتألقون في زي مفضض خاص، وجمع من أمناء السر يضاعفون من طاقة الملك على التدوين والتذكر

وكان القس الأكبر للكنيسة الملكية كردينالاً، ويشرف أسقف على المحراب أو المصلى، وسمح لخمسين من الأساقفة الأبروشيين بإسباغ البركة على البلاط، وبذلك يزدادون شهرة، ولا يفوتنا أن نذكر سبعة أطباء وسبعة جراحين وأربعة حلاقين وسبعة مرتلين وثمانية صناع ماهرين وثمانية كتبة للطبخ وثمانية حجاب بقاعة الاجتماعات. وكان لكل ولد من أبناء الملك خدمه الخاصون به... مشرفون وكتاب سر ومربون ووصفاء وخدم. وكان لكل واحدة من الملكتين في البلاط - كلود ومرجريت - بطانة خاصة تتألف من خمس عشرة سيدة أو عشر سيدات يعملن وصيفات وست عشرة أو ثمان من وصيفات الشرف - آنسات. ومن أعظم ما اشتهر به فرانسيس أنه جعل للنساء مكانة عليا في بلاطه، وأنه كان يغمز بعين الخبير إلى علاقاتهن غير الشرعية، ويشجع ويستمتع باستعراض حليهن ومفاتنهن الرقيقة.

وتحت هذا السطح المصقول كانت هناك قاعدة عريضة من الخدم: أربعة من الطهاة وستة من مساعدي الطهاة، وطهاة متخصصون في أطباق الحساء أو المرق المتبل أو الشواء، وعدد لا يحصى من الأشخاص، لتقديم الطعام إلى الملك وخدمته على المائدة، وفي المطبخ المشترك للحاشية، وتلبية احتياجات السيدات والسادة والسهر على راحتهم، وكان هناك موسيقيو البلاط يقودهم أشهر المغنين والملحنين والعازفين على الآلات في أوربا خارج روما. ويشرف على الحظائر الملكية مدرب للخيل، وخمسة وعشرون من رؤساء الركائب النبلاء، وحشد من الحوذية والسواس، وهناك رؤساء يشرفون على الصيد، ومائة كلب و 300 صقر يدربها ويعنى بها مائة مدرب للصقور تحت إشراف كبير مدربي الصقور. وتألف حرس الملك من أربعمائة من الرماة، يضيئون البلاط بأزيائهم الملونة.

ولم يكن هناك مبنى في باريس يكفي لمآدب البلاط وحفلاته الراقصة وحفلات الاستقبال الدبلوماسية. وكان قصر اللوفر وقتذاك حصناً كئيباً، فانصرف عنه فرانسيس إلى القصور المنسقة المعروفة باسم ليه تورنل (الأبراج الصغيرة) قرب الباستيل، أو إلى القصر الفسيح الذي اعتاد المجلس النيابي أن ينعقد فيه، ومع أنه كان لا يزال يعشق الصيد فقد انتقل إلى فونتنبلو أو إلى قصوره الممتدة على نهر اللوار في بلوا أو شامبور أو أمبواز أو تور - ساحباً معه نصف الحاشية وثروة فرنسا. وقد وصف شليني بمبالغته المعهودة ولي نعمته الملك بأنه كان يسافر ومعه بطانة مكونة من 18.000 شخص و 12.000 جواداً واحتج السفراء الأجانب على ما يتكبدونه من نفقات ومشقة، في سبيل لقاء الملك أو مسايرته، وإذا وجدوه فإنه يكون على الأرجح، نائماً في فراشه حتى الظهر، يفيق من المتع التي نعم بها في الليلة الماضية، أو منصرفاً إلى ما يلزم لرحلة صيد أو مباراة للفروسية. وكانت نفقات هذا المجد الطواف باهظة. وكانت الخزانة دائماً على شفا الإفلاس، والضرائب ترتفع على الدوام، والمصرفيون في ليون يكرهون على تقديم قروض للملك، يتعرضون فيها للمخاطر.

وعندما أدرك الملك عام 1523 أن نفقاته تتجاوز موارده، وعد بوضع حد لإشباع رغباته الشخصية "وهي لا تشمل على أية حال المطلب العادي لاحتياجاتنا ومتعنا القليلة وكان يلتمس لنفسه عذراً في تبذيره بحاجته إلى التأثير في المبعوثين والتغلب على النبلاء الطموحين، وإدخال البهجة على قلوب العامة، ورأى أن الباريسيين يتعطشون للعروض، وأن إعجابهم بأبهة ملكهم يفوق استياءهم منه.
***************************
لكن هل يمكننا تلخيص ملك فرانسيس الاول الطويل و الهام فى مظاهر ابهه حكمه ؟ بالطبع لا و هنا يكيفينا الاشارة الى الحرب و المنافسة الطويلة بينه و بين شارل الاسبانى الذى سيصير الامبراطور لاحقا بعد محاولات فرنسية طويلة للحيلولة دون ذلك

واقتضى الأمر أن تتصدى امرأتان لتلقين الحاكمين فن السلام وحكمته، فقد اتصلت لويز أميرة سافوي بمرجريت النمسوية نائبة الملك في الأراضي المنخفضة، واقترحت عليها أن يتخلى فرانسيس، المتلهف على عودة ابنيه، عن كل مطالبه في الفلاندرز وارنوا وإيطاليا وأن يدفع فدية قدرها 2.000.000 كارون ذهبي، لإطلاق سراح ولديه، على ألا يتنازل أبداً عن بورغنديا، وأقنعت مرجريت ابن أخيها بإرجاء مطالبته ببورغنديا وأن ينسى مطالب الدوق بوربون، الذي مات وقتذاك في الوقت المناسب.
وفي 3 أغسطس عام 1529 وقعت المرأتان ومعاونوهما الدبلوماسيون معاهدة صلح السيدات في كامبراي، وحصلت الفدية من التجارة والصناعة ودم فرنسا، ونعم بالحرية من جديد أميرا البيت المالك بعد أربع سنوات من الأسر، وعادا بقصص تروى عن المعاملة القاسية التي أثارت فرانسيس وفرنسا. وبينما وجدت المرأتان القديرتان سلاماً دائماً- مرجريت عام 1530 ولويز عام 1531- أخذ الملكان يعدان العدة لاستئناف الحرب بينهما.

و يضيق هنا الحال بالحديث عن "مغامرات" فرانسيس الاول و شارل الخامس و تذبذب هنرى الثامن وسط موجة الجنون الاوروبى فى القرن السادس عشر خاصة عندما تغيب امثال لويز و مرجريت من المشهد
***************************
هل يمكن ان نسطح الامر قليلا و نقول ان سبب انفصال الكنيسة الانجليزية عن الكثالوليكية الرومانية هو -فقط- غراميات هنرى الثامن المتعددة و ان غرامه ب ان بولين كان ساحرا الى تلك الدرجة لتغيير عقيدة الملك و بالتبعية الالاف و الملايين من الانجليز؟ .... هل يمكن ان نقول ان انشقاق دينى كبير و عميق و دموى كهذا كان لاجل الحب و الهوى؟ بالاضافة الى رغبة هنرى الثامن -المشهور فى كتب التاريخ كصاحب اشهر قضية طلاق فى الشق المسيحيي من العالم- فى ترك زوجته؟

ربما كان ليعجبنا ذلك قليلا و يخفف من قساوة السياسة و العاب التاريخ الجافة لكنه سيكون قول جذاب خادع كبير و ربما دماء ان بولين تفسها المراقة بعد قطع رأسها الصغير بعد فترة قليلة من الزواج المشوش اثبات على ان الحل الرومانسي لم يكن حلا تاريخيا ... ربما الاصح ان نقول ببساطة ان الملكية الانجليزية كانت قد وصلت الى درجة من القوة و البخل جعلتها قادرة على ان ترفض التسليم بسلطة البابا فى التدخل فى شؤون انجلترا السياسى و الاهم رافضة بالتسليم فى حقه فى التحكم بمواردها المالية و تسرب النقود الانجليزية الى روما تزين قصور البابا و ثمن صخور تماثيل مايكل انجلو

زواج سياسي بين هنرى الثامن و بين كاثرين الارجوانية ابنة فرينارد و ابيزابيلا الشهرين فى ظل صغر سن هنرى ثم عجزهما فى ايجاد وريث ذكر للعرش جعل الملك تواقا -ولاسباب سياسية اكثر منها غرامية- فى حل الزواج السياسي بعد انتقضاء الهدف منه اصلا مع تغيير لعبة التحالفات السياسية فى عالم القرن السادس عشر المجنون ذلك

و تتدخل السياسة فى مخادع الرجال , فالبابا اسير عند شارل ز بالتبعية لدى كاثرين الارجوانية فلا يجد هنرى سوى الخروج عن سلطة البابوية كلها و ربما للابد مصطحبا معه الشعب الانجليز برغبته او رغم انفه فى سبيل الحكم -لا الوطن طبعا- ولا من اجل اصلاح دينى ما ولا لجمال ونة جمال لوثر الذى ارتكب موبيقة سب هنرى المغرور فى هوجه من الغضب فجعل انفصال كنيسة بحجم الانجليزية لا يعد نصرا للوثر الالمانى البعيد

و ينتصر هنرى الثامن لهنرى الثانى الغائب فى غياهيب التاريخ وهدم ضريح سانت توماس بيكيت التاريخي في كانتربري، وأعلن هنري الثامن أنه في انتصاره على هنري الثاني لم يكن قديساً حقاً ... و قارئ تاريخ العصور الوسطى لن ينسي تلك القصة الثنائية العجيبة عن الدين و السياسة ابدا

واستخف الطرب الملك فطالب وقتذاك بان يعترف به رجال الأكليروس "حامياً للكنيسة ورجال الدين في إنجلترا والرئيس الأعلى الوحيد لهم" أي أن ولاءهم للبابا لابد أن ينتهي وعرضوا اثنتي عشرة مصالحة وجربوا اثنتي عشرة عبارة مبهمة، وكان هنري قاسياً لا يرحم، وأصر على أن يردوا بكلمة "نعم" أو "لا". وأخيراً (10 فبراير سنة 1531) عرض رئيس الأساقفة واهرام، وكان وقتذاك في الحادية والثمانين، في تبرم، إقرار صيغة الملك وأضاف إليها عبارة فيها تحفظ "بقدر ما تسمح شريعة المسيح"، وسكت المجلس الأكليروسي، واعتبر السكوت رضاً، وأصبحت الصيغة قانوناً، وهدأت ثائرة الملك، فسمح عندئذ للأساقفة بمطاردة الهراطقة.

وكانت الروح القومية، وهي في إنجلترا وهي في إنجلترا أقوى منها في ألمانيا، تقف في تلك المسألة إلى جانب الملك، وعلى الرغم من فزع رجل الدين من تصور أن يكون هنري سيداً لهم فإنهم لم ينفروا من الاستقلال عن بابوية لا شبهة في خضوعها لسلطة أجنبية.... فى موقف يذكرنا كثيرا بحركات التحرر الاولى حينما كانت البابوية فى أفنيون اسيرة فرنسا القوية و لم يقف فى وجه التغيير حينها الا رجوع سريع رشيق لسلطة البابوية حاولت كثيرا تكراره لكن المرونة صفة عصور الشباب و فقط

وظهرت أول نسخة كاملة بالإنجليزية في زيورخ عام 1535. ونشرت عام 1539 طبعات منقحة، وأمر كرومويل بأن يوضع هذا "الكتاب المقدس العظيم" في كل كنيسة إنجليزية. ومنح هنري "بدافع من الكرم والطيبة الملكيين" المواطنين امتياز تلاوة الكتاب المقدس في بيوتهم، وسرعان ما أصبح تقليداًيومياً عند كل أسرة إنجليزية تقريباً. ولكنه كان ينبوعاً للشقاق والإلهام أيضاً، فقد أنبتت كل قرية مفسرين هواة، أثبتوا أي شيء أو عكسه بما ورد في الكتاب المقدس، وتجادل المتعصبون حوله في الكنائس، وتعرضوا لضربات بشأنه في الحانات . ومنح بعض الرجال الطموحين زوجاتهم أوامر قضائية بالطلاق، أو احتفظوا بزوجتين في آن واحد، بحجة أن هذا عمل سليم أباحه الكتاب المقدس . وأسف الملك لحرية التلاوة التي منحها للناس، وعاد إلى مظاهرة الكاثوليك. وحث المجلس النيابي عام 1543 على سن قاعدة بأنه لا يجوز قانوناً حيازة الكتاب المقدس إلا للنبلاء والملاّك، ولا يجوز لغير القساوسة الوعظ به أو الجدال فيه علناً

و قرر هنرى او ربما ما استقر عليه بعد كثير من التخبط هو نوع خاص من الكاثوليكية تحتفظ بالشكل الدينى و تنتزع العلاقة البابوية تضطهد بقوة اى كاثوليكي يدين بادنى قدر من الولاء لبابا و تعدها خيانة للوطن و تحالف مع قوات اجنبية معادية و حرق الكثيرين او سجنوا بسبب ذلك و تدين البرونسنت بنفس الحزم كنوع من الهرطقة و يسجن و يحرق الكثيرين بسببه و يتجاور الاعداء سويا على المحرقة و يتمسك كلا منهم برأيه فيما اسماه ديورانت عصر اليقين المخيف

واستمر الكثالكة يرسلون إلى المحرقة أو المقصلة بسبب إنكارهم سيادته في الشئون الكنسية، والبروتستانت بسبب جدلهم في اللاهوت الكاثوليكي؛ وعُلِّق فورست وهو رئيس شعبة المتشددين من الفرنسسكان الممتثلين في جرينوتش، رفض أن ينكر سلطة البابا، على نار وهو مكبل بالأغلال، وشوي ببطيء حتى مات (31 مايو سنة 1537) . وقبض على جون لامبرت؛ وهو بروتستانتي بسبب إنكاره وجود المسيح حقيقة في القربان المقدس، وحاكمه هنري بنفسه، وحكم عليه هنري بالموت وأحرق في سمثفيلد (16 نوفمبر سنة 1538)

و اخيرا ماذا ورث هنرى الثامن لانجلترا؟ وريث ذكر عليل و اختين غير شقيقتين سيكتب على احداهما ان تكون كاثوليكية و الاخرى بروتسنت ... الاولى دموية و الثانية متأمرة و كالعادة يحرق الالاف على نفس الاوتاد الخشبية و يحمل المواطنين الشرفاء الحطب بنفس الحماس و الشغف
***************************
و ربما سيتجول بنا ديورانت وسط محارق الهراطقة و قطع روؤس اعداء السياسة لكنه ابدا لن ينسي او يتوانى ان يروى لنا اداب توماس مور و تلخيص اجزاء من مدينته الفاضلة الاستوائية البعيدة ... و حماس جون نوكس الاسكتلندى و كتبه عن تاريخ مارى الدموية

سيتلوث الادباء بالسياسة كما تلوث الجميع فى هذا العصر و ربما يتورط مور فى اضطهاء البرونسنت الانجليزى و تغوص يد جون نوكس فى دماء بعض الكاثوليك الاسكتلنديين ... لكن العالم سيتذكر الكتب و ينسي المذابح و يحتفظ فى صحفاته بالفنانين و الادباء اكثر مما يحتمل من اسماء و افعال الملوك المجنونة و المتناقضة

و يروى ديورانت قصة الملوك و التاريخ بإنصاف لا يشوبه إلا تحامل يصدر عن اللاوعي ،لكنه يسمح لنفسه بإضافة تعليق افتراضي يعترف به نستمتع به و بتحليلاته كما اعتادنا معه عبر مجلداته الممتعة المرهقة ... فنفعل ما نفعله دائما فنتتقل سريعا الى المجلد الثامن و الثلاثين من الملحمة الديورانتية الطويلة و الملهمة

دينا نبيل
نوفمبر 2015

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....