الاثنين، 6 يوليو، 2015

قصة الحضارة 31- عصر النهضة 3 - النهضة و الكنيسة الكاثوليكية 1

اسم الكتاب: عصر النهضة 3 - النهضة و الكنيسة الكاثوليكية 1 -المجلد الحادى و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمه: محمد بدران
عدد الصفحات: 242 صفحة
اصدارات دار نوبليس

فى المجلد الثالث من رحلة عصر النهضة الطويلة و الحادى و الثلاثين من رحلة النهضة الاكثر طولا يتجول بنا ديورانت فى رحاب البابوية و علاقتها المتذبذبة الغريبة مع عصر النهضة الذهبى و اخلاقه المثيرة للتشكك

تركنا البابوية فى المجلد قبل السابق فى معركتها الحاسمه فى العودة الى روما بعد فترة الغياب تحت السيطرة الفرنسية فى افنيون ... أعاد جريجوري الحادي عشر البابوية إلى روما؛ ولكن هل تستطيع البابوية البقاء فيها؟ ... و كيف ستتعايش الكنيسة التى اغلب افرادها فرنسيين؟

من اول اجتماع كنسى ظهر ان الامر سيكون صعبا و مع محاصرة غوغاء روما للاجتماع جاء اختيار كبير أساقفة باري وتسمى باسم إربان السادس لمجرد كونه ايطالى , لكن الامر الذى خيل للبعض انه حسم كان قد تفاقم اكثر .. واجتمع الكرادلة الفرنسيون في أنانيي، ودبروا الثورة، فلما كان اليوم التاسع من أغسطس عام 1379 أصدروا منشوراً يعلنون فيه أن انتخاب إربان باطل لأنه تحت ضغط غوغاء روما، وانضم إليهم جميع الكرادلة الطليان، وأعلن المجمع أن ربرت الجنيفي هو البابا الحق. واتخذ ربرت مقامه في أفنيون وتسمى باسم كلمنت السابع...و انقسمت الكنيسة الكاثوليكية شطرا فى ايطاليا و شطر فى فرنسا و اصبحت ل"عروس المسيح" بابان لا واحد , كلا منهم يكفر الاخر و ينكر مسيحية و جدوى خدماته الدينية...وبلغت العداوة بين الطائفتين درجة لا تعادلها إلا العداوة في أشد الحروب مرارة وعنفاً، ولما أن ائتمر كثيرون من كرادلة إربان الجدد عليه ليقتلوه لأنه عاجز شديد الخطورة أمر بالقبض على سبعة منهم، وعذبهم، ثم أعدمهم

و تخيل عموم مسيحى العالم الغرب ان موت البابان سيصلح الامر فما كان الا بونيفاس التاسع اصبح البابا الايطالى الجديد و بدل بندكت الثالث البابا الفرنسى و استمر الشقاق .... و اقترح مصلحوا الدين ما قبل لوثر و جامعات المانيا ان يقام مجلس اكبر و اعم من الكنائس القديمة لحل الصراع و اصلاح الكنيسة وأعلن المجلس خلعهما، ونادى بكردنال ميلان بابا باسم اسكندر الخامس (1409). وطلب هذا المجلس إلى البابا. وكان هذا المجلس يرجو أن يقضي على الانشقاق البابوي؛ ولكن بندكت وجريجوري كلاهما رفضا أن يعترفا بسلطانه، فإن النتيجة لم تسفر إلاّ عن وجود ثلاثة بابوات بدلاً من اثنين.

و بكثير من المؤامرات و الرشاوى و السياسة انفرد البابا مارتن الخامس بالحكم سنه 1418...و بحكمه تماسكت الكنيسة لكنها نسيت سبب اقامة المجالس الكنيسة اصلا و تأجل الاصلاح الدينى الى لوثر و انتقال ما كان يمكن ان يحدث فى ايطاليا الى المانيا و لكن لذلك قول اخر فلا داعى للتسرع
****************************
أحس البابوات بوصفهم حكّاماً سياسيين أنهم مضطرّون إلى استخدام نفس الأساليب السياسية التي يستخدمها أندادهم الحكّام الزمنيون. فكانوا يوزعون- وأحياناً يبيعون- المناصب والرتب الكهنوتية إلى ذوي النفوذ، حتى القصَّر منهم، لكي يوفوا بما عليهم من الديون السياسية، أو يحققوا أغراضاً سياسية، أو يكافئوا أو يعينوا رجالاً من الأدباء أو الفنانين. وكانوا يزوجون أقاربهم في الأسر ذات القوة السياسية.

و يتعدد البابوات و تختلف افكارهم و ميولهم و دائما يتأجل الاصلاح الدينى لكن النهضة الفكرية و الفنية تستفاد و يضاف لرصيد الانسانية عصر مميز

من نقولاس الخامس بابا المؤلفين الانسانين و جامع التراث اليونانى رومانى و لو باموال الكنيسة , الى كلكستس الثالث الاسبانى مبتدئ محاباة الاقارب تلك السنه التى فجرت الموقف لاحقا و من احتفال الرومانين بموت كانتهاء حكم البرابرة و انتظرت بابا ايطالى , الذى لم يكن سوى بيوس الثاني التقى الذى حلم بضم سلطان الترك الى المسيحية و فشل فى حربه الصليبية المبتسرة لكن حظى القلوب بالتقى , ثم البابا بولس الثاني الذى خسر التاريخ بتشاجره مع مؤرخ اخد على عاتقه توصيل اسوء صفاته للمستقبل , سكستس الرابع المتوسع فى استخدام الاقارب قساً استعمارياً شديد الشكيمة يحب الفن و الحرب و السلطان

ثم إنوسنت الثامن اخر البابوات قبل مجئ بابوات النهضة الذى دارت فى حياته احد اعجب قصص التاريخ و تعقيدها

. وتفصيل ذلك أن بايزيد الثاني وجم ابني محمد الثاني أوقدا نار حرب داخلية بعد موت أبيهما (1481) في نزاعهما على عرش آل عثمان. ولمّا هزم جم في بروصة أراد أن ينجو من القتل بالاستسلام إلى فرسان القديس يوحنا في جزيرة رودس (1482). وأبقاه رئيس الفرسان بيير دو بسون عنده يهدد به بايزيد. وارتضى السلطان أن يؤدي إلى الفرسان 45.000 دوقة كل عام لإنفاقها على جم في الظاهر ولكنها في الحقيقة كانت إغراء لهم على ألاّ يشجعوا جم على المطالبة بعرش السلطنة العثمانية، وألاّ يتخذوه عوناً نافعاً لهم في شن حرب صليبية مسيحية على الأتراك. وأراد دوبسون أن يضمن سلامة هذا الأسير الذي يدر المال الكثير فبعثه ليقيم تحت حراسة الفرسان في فرنسا. وعرض كل من سلطان مصر، وفرديناند وإزبلا ملك أسبانيا وملكتها، وماتياس كرفينوس ملك المجر، وفيرانتي ملك نابلي، وإنوسنت نفسه، عرض كل واحد من هؤلاء مبالغ طائلة على أوبسون....وفاز البابا إذا رضى بأن ينقل جم إلى بلده ليكون فيها مشمولاً بعنايته. وفاز البابا بذلك لأنه وعد رئيس الفرسان بقلنسوة حمراء فضلاً عن الدوقات، وأنه ساعد شارل الثامن ملك فرنسا على أن يتزوج آن صاحبة بريطاني ويحصل بذلك على هذه المقاطعة لنفسه. وبناء على هذا سار "التركي العظيم" كما كن جم يسمى في ذلك الوقت، في الثالث عشر من شهر مارس عام 1489 في موكب فخم من الفرسان مخترقاً شوارع روما حتى وصل إلى قصر الفاتيكان حيث سجن سجناً يستمتع فيه بضروب الترف والمجاملة. وأراد بايزيد أن يضمن حسن مقاصد البابا فبعث إليه بمرتب ثلاث سنين نفقة لجم، ثم بعث إليه في عام 1492 رأس حربة أكد له أنه هو الذي نفذ في جنب المسيح. وشك بعض الكرادلة في هذا، ولكن البابا أعد العدة لنقل هذا الأثر من أتكونا إلى روما

تمر السنين و يموت البابا انوسنت و يمسك البابا اسكندر السادس و يختلف مع ملك فرنسا خلاف حاد ... يخلى البابا يفكر يلجأ ل بايزيد الثاني لمحاربة شارل ملك فرنسا

رد بايزيد على البابا فيه خلاف تاريخى شوية و شهادات متناقضة منها شهادة بتقول انه طلب من البابا يقتل اخوه الاسير عنده و لما توصل راسه عنده يبعت له 300 الف دوقية ... لكن كلام مش محقق

اى كان , لاحقا هينتصر شارل ملك فرنسا على البابا و هتكون من ضمن بنود الصلح -او الهزيمة بمعنى ادق- انه يسلم "جم" ل ملك فرنسا المنتصر .... و هتنتهى القصة العجيبة دى نهاية اقل عجبا لما يموت "جم" من نزلة شعبية نتيجة لتغيير الجو

***********************

ثم البابا اسكندر السادس وبدأ أعماله بداية حسنة. فقد حدثت في روما في الستة والثلاثين يوماً بين موت إنوسنت وتتويج الإسكندر مائتان وعشرون من حوادث الاغتيال التي عرفت. ولكن البابا الجديد ضرب المثل بأول قاتل قبض عليه؛ فقد شنق هذا المجرم، وشنق معه أخوه، وهدم بيته، وارتضت المدينة هذه القسوة، وأخفت الجريمة رأسها؛ وعاد النظام إلى روما، وأبتهجت إيطاليا كلها إذ وجدت يداً قوية تقبض على أزمة الشئون

وكان الإسكندر في ذلك الوقت يواجه المشاكل السياسية القائمة أمام بابوية تكتنفها القوى الإيطالية التي تأتمر بها من كل جانب. وكانت الولايات البابوية قد وقعت مرة أخرى في أيدي طغاة محليين، يدعون أنهم خدام الكنيسة ولكنهم انتهزوا الفرص التي أتاحها لم إنوسنت الثامن فاستردوا الاستقلال الفعلي الذي فقدوه هم وأسلافهم في عهد ألبرنوز أوسكستس الرابع.وكانت الدول المجاورة للمدن البابوية قد استولت على بعض هذه المدن، فاستولى نابلي مثلاً على سورا Sora وأكويليا في عام 1467، استولت ميلان على تورلي في عام 1488.ولها كان أول واجبات الإسكندر هو أن يخضع هذه الولايات تحت حكم بابوي مركزي، يفرض عليها الضرائب، كما أخضع ملوك أسبانيا، وفرنسا، وإنجلترا السادة الإقطاعيين. وكانت هذه هي المهمة التي عهد بها إلى سيزاري بورجيا والتي أنجزها بسرعة وقسوة جعلت مكيفلي يعجب به ويدهش من مقدرته.

************************

و بالتأمل فى شخصية سيزاري بورجيا نجد مثال حى لشكل عصر النهضة و المثال الحى الذى كتب له ميكافييلى اهم كتبه و اعظم كتب السياسة و اكثر ما انكر الناس قراءتها

وجد الإسكندر أخيراً في هذا الشاب الجريء والمحارب السعيد القائد الذي ظل يبحث عنه زمناً طويلاً ليقود قوات الكنيسة المسلحة ويستعيد بها الولايات البابوية. وأمده لويس بثلاثمائة من حملة الرماح الفرنسيين، وجند أربعة آلاف من الغسقونيين والسويسريين، وألفين من المرتزقة الإيطاليين. وكان هذا جيشاً أقل مما يحتاج إليه للتغلب على اثني عشر من الحكام المستبدين، ولكن سيزاري كان تواقاً إلى هذه المغامرة.

جليل عظيم، وإنه ليبلغ من الجرأة حداً يبدو معه كل مشروع مهما عظم شأنه صغيراً في عينه. وهو يحرم نفسه من الراحة ليظفر بالمجد ويستحوذ على الأمصار، ولا يجد الخطر ولا التعب سبيلاً إلى نفسه.

لكن إيطاليا كانت مع ذلك لا تخلو من رجال في أماكن مختلفة منها يتمنون سقوطه. فالبندقية مثلاً، وإن كانت قد منحته مواطنيتها الفخرية، لم يكن يسرها أن تعود الولايات البابوية قوية كما كانت من قبل، وأن تسيطر على جزء كبير من شاطئ البحر الأدريادي. وامتعضت فلورنس وهي تفكر أن فورلي التي لا تبعد عن أرضها أكثر من ثمانية أميال كانت في يدي شاب عبقري في شئون السياسة والحرب مجرد من الضمير ولا يحسب حساباً للعواقب. وعرضت بيزا عليه أن يتولى أمرها؛ فرفض هذا العرض في أدب؛ ولكن من يدري، فقد يبدل خطته كما بدلها وهو في طريقه لكميرينو.

سيزاري بورجيا فنقول إنه بعد أن شفى شفاءً بطيئاً من المرض الذي قضى على حياة البابا، وجد نفسه محوطاً بما لا يقل عن عشرة أخطار لم يكن يتوقعها. ومن ذا الذي كان يتنبأ بأنه هو وأباه سيعجزان كلاهما عن العمل في وقت واحد. فبينا كان الأطباء يحمونه استرد آل كولنا المخلوعون من رومانيا، تشجعهم البندقية يطالبون باستعادة إماراتهم؛ وكان غوغاء روما الذين أفلت الآن زمامهم بعد أن مات الإسكندر يتحفزون لنهب الفاتيكان في أية لحظة من اللحظات. وينهبون الأموال التي يعتمد عليها سيزاري في أداء رواتب جنده. فلم ير سيزاري بداً من أن يرسل عدداً من الرجال المسلحين إلى الفاتيكان؛ وأرغم هؤلاء الكردنال كسانوفا بقوة السيف على أن يسلمهم ما في الخزانة من الأموال

ولعله حين طافت هذه الأعمال العظيمة برأسه قد راوده الحلم الذي راود بترارك ومكيفلي: وهو أن يهب إيطاليا، بالفتح إذا لزم الأمر، الوحدة التي تمكنها من أن تقف في وجه قوتي فرنسا وأسبانيا المرتكزتين . ولكن انتصاراته، وأساليبه، وقوته، وأعماله السرية الخفية، وهجماته السريعة التي لا يحصى لها عدد، جعلته سوط عذاب على إيطاليا بدل أن تجعله عاملاً على تحريرها. ذلك أن عيوبه الخلقية كانت سبباً في القضاء على ما أنجزه من الأعمال بقوته العقلية. وكانت مأساته الأساسية أنه لم يتعلم قط أن يحب.

******************

و ب يوليوس الثاني 1503 - 1513 و علاقته بالفن على يد رافائيل و مايكل انجلو و نتائج ذلك المبهرة بنقش حجرة التوقيعات و سقف سستيني يختم ديورانت رحلته الثالثة فى رحاب عصر النهضة الذهبى و لا يتبقى لنا سوى دراسة ادق فى المجلد الرابع للبابا ليو العاشر قبل تقييم الموقف العام و الانطلاق الى لوثر فى اصلاحه الدينى و لكننا كالعادة نتعجل الامر و نستبق مجلدين اثنين نتوقع كونهما مفيدين كعادتنا مع ديورانت

دينا نبيل
يونيو 2015

قصة الحضارة 30- عصر النهضة 2- ايطاليا فى عصر النهضة

اسم الكتاب: عصر النهضة 2- ايطاليا فى عصر النهضة - المجلد الثلاثون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: محمد بدران
اصدارات: دار نوبليس
عدد الصفحات: 354 صفحة

فى المجلد الثانى من قصة عصر النهضة الايطالى و الثلاثون من عموم قصة حضارة العالم الذى اهدنا ديورانت بها مكافأة لخير لم نفعله بعد نترك فلورانس و نتطلق فى مدن ايطاليا المتنوعة نشاهد درجات نهضتنا و اختلافها العميق احيانا

عصر النهضة حالة فكرية اكثر منها فترة من الزمن الايطالى و نجد فى ذلك دليل ان ايطاليا كلها لم تكن فى نفس العصر ان صح التعبير فمثلا لنأخذ مدينة فيرونا فلانها لم تكن مختلطة الاهل و التجارة كما البندقية , او لم تكن ميلان قوة سياسية كما فلورانس مركز للمال او كما روما بيتا دوليا و لم تتوفر لها عنصر الميل الشرقى فتقلل من مسيحيتها الصامته فظلت فى عصورها الوسطى هادئة , مقتنعة بفن العصور الوسطى الرزين الجاف و حتى عندما انجبت الفنانين اكتفت باهداء هؤلاء الى مدن النهضة الاخرى التى تلألأت واحدة تلو الاخرى فى سماء ايطاليا و العالم

لم تكن الحياة الاقتصادية في الدول الإيطالية خلال القرن الخامس عشر أقل تنوعا من مناخ المدن، ولهجاتها، وأزيائها. فقد كان شمالي شبه الجزيرة ينتابه أحيانا شتاء قارس تتجمد فيه مياه نهر البو من منبعه إلى مصبه، بينما كان الإقليم الساحلي المحيط بجنوى والذي تحميه الألب الليجورية يستمتع بجو معتدل يكاد يدوم طول العام. وكان الضباب يلف قصور البندقية، وأبراجها، وشوارعها المائية، وكانت روما مشمسة ولكن العفن يتصاعد في سماءها، أما نابلي فهي الفردوس في مناخها. وكانت هذه المدائن أينما وجدت وما يتصل بها من أقاليم الريف تنتابها من حين إلى حين تلك الزوابع، والفيضانات، والحدب، والأعاصير، والمجاعات، والأوبئة، والحروب، التي لا تنفك الطبيعة تسيرها على العالم لتوازن بها إسراف بنى الإنسان في التناسل والإخصاب

لذا فالمجلد الثانى مرهق قليلا و مسرف احيانا فى تنقله بين مدينة لاخرى و من حكم لاخر و يتطلب من القارئ قليل من التركيز و يوعده بكثير من المتعة
********
و كما وصفنا ال ميدتشى قبلا انها مثال على عصور النهضة و كما سنتطلق التسمية نفسها على البابا ليو العاشر فيمكن ان نرى جيان جلياتسو فسكونت مثال رائع لسياسة و اداب هذا العصر الذى لم يعلم معاصروه انه ذهبى بعد

و قلما يمر بالتاريخ شخصية جذابة و رائعة و تصعب على التحليل ك لدوفيكو اسفوردسا رابع أبناء فرانتشسكو اسفوردسا ,وأصبح رغم أخطائه وآثامه من أعظم رجال التاريخ تحضراً

و غريب ان نعلم ان لدوفيكو هذا لم يكن الملك المتوج اصلا ظل ثلاثة عشر عاما (1481 - 1494) يحكم ميلان نائبا عن أبن أخيه. وكان جلياتسو اسفرودسا جبانا يميل إلى العزلة، يرهب تبعات الحكم، كثيرا ما تنتابه الأمراض، عاجزا عن القيام بالأعمال الجدية، يسميه جوتشيارديني العاجز، وكان يستسلم للهو أو المرض، يسره أن يترك تصريف شؤون الدولة إلى عمه الذي كان يعجب به إعجاباً ملؤه الحسد، ويثق به ثقة ممزوجة بالشك. وقد نزل له لدوفيكو عما في لقب الدوق ومنصبه من أبهة وفخامة، فكان جيان هو الذي يجلس على العرش، ويتقبل الولاء، ويعيش الترف الملكية،

و لا تكتمل قصة لدوفيكو دون ان نحكى عن زوجته الشابه التى منحها الحظ فرصة ان تتجمل بكل انتاجات عصر النهضة الفنية الظريفة , بيتريس دست الظريفة التى دخلت المدينة فى سن الرابعة عشر و صدمتها فى البداية حرية لدوفيكو الجنسية و علانية علاقاته مع المحظيات و العشيقات

وأضحى بلاط ميلان وقتئذ، وفيه بيتريس تتزعم الرقص، ولدوفيكو الكادج يؤدي نفقات الحفلات أضخم بلاط للأمراء لا في إيطاليا وحدها، بل في أوربا بأجمعها، وأتسع قصر اسفورديسكو حتى بلغ ذروة مجده، ببرجه الأوسط الشامخ، ومتاهة حجراته المترفة التي لا تعرف بدايتها من نهايتها، وأرضه المطعمة، ونوافذه الزجاجية الملونة، وأرائكه المطرزة، وطنافسه العجمية؛ وسجفه التي نقشت عليها مرة أخرى قصص طروادة وروما، هنا سقف من صنع ليوناردو، وهناك تمثال أخرجته يد كروستوفورو سولاري أو كروستوفور روماني، ولا يكاد يخلو مكان فيه من أثر بالغ الجمال من آثار الفن اليوناني، أو الروماني، أو الإيطالي. في هذه البيئة المتألقة أختلط العلماء بالمحاربين، والشعراء بالفلاسفة، والفنانون بالقواد، وأختلط هؤلاء جميعا بالنساء اللاتي أضفن إلى مفاتنهن الطبيعية كل ما يمكن أن تسبعه عليهن من رقة مستحضرات التجميل، والجواهر، والثياب، وكان الرجال حتى الجنود منهم يعنون بتصفيف شعرهم وبأثوابهم. وكانت الفرق الموسيقية تعزف على مجموعة الآلات المختلفة، والأغاني تتردد في جنبات الأبهاء. وبينما كانت فلورنس ترتعد فرقا أمام سفنرولا وتحرق أباطيل الحب، والفن، كانت الموسيقى والآداب الخليعة تسود عاصمة لدوفيكو.

و بولادة مكسميليان الابن الاهم ل لدوفيكو و براتيس ظهرت مشكلة صورية الحكم و مدى ضبابية مستقبل الوليد فى ظل عدم شرعية الملك فى يد الاب ...و بدأت الالعاب السياسة و الرشوى لضمان مستقبل الطفل

و سقط لدوفيكو فى حبال السياسة المتأرجحة حين وافق على دعم شارل الثامن الفرنسى على غزو نابلى فاكتسب عداوة البابا و كثير من سياسين ايطاليا خاصة بعد فشل حملة شارل و ترك ميلان تواجه مصير مقامرتها وتبين لدوفيكو وقتئذ انه أرتكب خطأ موبقاً حين رحب بشارل، فأسرع يقلب سياسته رأسا على عقب، وسعى إلى عقد "حلف مقدس" من البندقية، وأسبانيا، وإسكندر السادس، ومكسميليان ليطرد الفرنسيين من شبه الجزيرة. فما كان من شارل إلا أن رجع على أعقابه مسرعا، ومنى بهزيمة غير حاسمة عند فرنوف

و يأتى موت بيتريس فى الثانية و العشرون عقب الولادة السبب الحقيقى فى كسر لدوفيكو التى لم تستطيع ان تهزمه مدن ايطاليا و فرنسا متحدة وغلب على لدوفيكو الأسى والندم فكان يقضي أياما طوالا في العزلة والصلاة، ولم يكن هذا الرجل القوي الذي قلما فكر من قبل في الدين يرجو إلا مرحمة واحدة - هي أن يلقى منيته، ويرى بيتريس مرة أخرى، وينال منها المغفرة، ويستعيد حبها

و ربما لم يكن اسر لدوفيكو و هزيمته على يد لويس الثانى عشر هو سبب موته قدر المه بعد موت رفيقته التى هجرها كثيرا و لم يكن يدرك انها حياته نفسها
*************
و يدور بنا ديورانت فى مدن ايطاليا المختلفة بدرجات الاستقلال المختلفة منها بستويا التى فضلت فلورنس على الحرية، ذلك أن الصراع بين البيض والسود قد أشاع الاضطراب في المدينة، فلجأت الحكومة إلى مجلس السيادة في فلورنس أن يتولى هو شئونها وشرعت بستويا من ذلك الحين تأخذ فنها كما تأخذ شرائعها من فلورنس سنه 1306 م ... وكانت بيزا قد بلغت من قبل درجة من الثراء استطاعت معها أن تحول جبال الرخام إلى كنيسة كبرى، وموضعا للتعميد، وبرجاً مائلاً. وكانت تدين بهذا الثروة لى موقعها المنيع على مصب الآرنو، ومن أجل هذا أخضعتها فلورنس إلى سلطانها قوة واقتداراً عام 1405، لكن بيزا لم تقبل لنفسها هذا الإذلال، فكانت تثور المرة بعد المرة...كادت سيينا في القرن الرابع عشر تلاحق فلورنس في التجارة والحكم والفن. أما في القرن الخامس عشر فقد أنهكت قواها في أعمال العنف والتعصب الحزبي إلى حد لم تصل إليه أي مدينة أخرى في أوربا، فقد تناوبت على حكم المدينة خمسة أحزاب أسقطت كلا منها ثورة جامحة

و نابلى التى حازت الحضارة فى مدينتها و نزعتها فيما خارجها و واجهت كل اطماع فرنسا , وكانت وحدها المدينة العظيمة في المملكة. وكان الإقليم في خارجها وخارج الثغور إقليماً زراعياً، إقطاعياً، منطبعاً بطابع العصور الوسطى: فكانت التربة يفلحها أرقاق الأرض أو العبيد، أو فلاحون ((أحرار))في أن يموتوا جوعاً أو يعملوا ليحصلوا على الكفاف من العيش تحت سيطرة بارونات يحكمون ضياعهم حكماً قاسياً مجرداً من الرحمة متحدين سلطان العرش. وقلما كان الملك يحصل على إيراد له من هذه الأراضي، ولكن كان عليه أن يدبر المال اللازم لحكومته وبلاطه من إيراد أملاكه الإقطاعية الخاصة، أو باستغلال سيطرته الملكية على التجارة إلى أقصى حد مستطاع.

و ربما لا يعلم احد بمدينة إيمليا الصغيرة المستقلة لكن لا احد يجهل رسومات كريجيو ... و رسومات عبادة الرعاة او الليل و رسمه الممتع للقديس جروم فى الرسومات الدينية او جمال اللعب بتأثير الضوء فى دانائى
*************
اما البندقية العظيمة التى عانت كثيرا لكن صدمت فى خلافات فرنسا-ايطاليا , و طمع البابوية ربما بنظام حكمها المحكم

سجلت في عام 1315 أسماء جميع المرشحين لهذا المجلس في كتاب ذهبي، وكان على المجلس أن يختار من بينهم ستين صاروا فيما بعد مائة وعشرين مدعوا يعملون في فترات تدوم عاماً كاملاً بوصفهم مجلس شيوخ تشريعي؛ ويعين المجلس رؤساء المصالح الحكومية الكثيرة العدد الذين تتكون منهم الهيئة الإدارية؛ ويختار رئيس الهيئة التنفيذية الخاضع على الدوام لهذا المجلس وهو الدوج أو الزعيم الذي يتولى رياسته ورياسة مجلس الشيوخ، ويحتفظ بمنصبه مدى الحياة إلا رأى المجلس أن يخلعه. ويعاون الدوج في عمله ستة مستشارين يؤلفون معه مجلس السيادة

وكان الدوج في العادة وكيل المجلس الأكبر ومجلس الشيوخ، ولم يكن هو سيد المجلسين إلا في الأحوال الاستثنائية المحضة؛ وكانت الأبهة التي تحيط به تعلو كثيراً على سلطانه؛ فقد كان إذا ظهر أمام الجماهير ارتدى أفخم الثياب، وأثقل الجواهر، وكانت قلنسوته الرسمية من الجواهر ؛ ولربما كانت حلله التي علمت المصورين البنادقة الألوان الفخمة التي جرت بها أقلامهم، وشاهد ذلك أن عدداً من أعظم صورهم لآلاء يمثل الدوج في حلله الرسمية. وكان مصدر هذه الفخامة أن البندقية تؤمن بالاحتفالات والمظاهر تؤثر بها في نفوس السفراء والزوار، ترهب بها الأهلين، وتخلع من الأبهة ما تستعيض به عن السلطان. وحتى الدوقة نفسها كان يحتفل بتتويجها أعظم احتفال وأفخمه. وكان الدوق هو الذي يستقبل كبار الوافدين عليه من الأجانب، ويوقع جميع الوثائق الهامة المتصلة بأعمال الدولة، وكان له نفوذ شامل واسع متصل يضمنه له بقاؤه في منصبه مدى الحياة بين أشخاص يختارون لعام واحد لا أكثر؛ أما من الوجهة النظرية فلم يكن أكثر من خادم الحكومة والناطق بلسانها.

وكانوا يعظمون الدوج تعظيماً لا يعلوا إلا تعظيمهم الله وحده...فجمعوا بين استقرار الملكية و تطور الديموقراطية

و فى رحاب جيورجيوني و تيشيان و الفصل المطول عن ليوناردو دافنشى عالما و رياضيا و راساما نقضى اوقات ممتعة فى رحاب تاريخ ايطاليا الممتع بشرح ديورانت المخفف و نتوجه الى المجلد الثالث ننتقل به من المدن الى روما قلب ايطاليا النابض دائما

دينا نبيل
يونيو 2015