الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

اسم الكتاب: روسو و الثورة ٢- المجلد الثالث و الخمسون من قصة الحضارة
تأليف: ول و ايريل ديورانت
ترجمة: فؤاد أندراوس
عدد الصفحات: ١٦٠ صفحة
اصدارات دار نوبليس

اعتادنا مع ديورانت ان نرى العالم من خلال سيرة رجل معين من عظماء الفكر او الفن او الدين ، نتابع سيرته الشخصية و رحلته الفكرية بالتوازى التام مع استعراض احوال العالم و تطور الحضارة خطوة خطوة. و نحن في المجلد الثالث و الخمسين من قصتنا الطويلة في احد الاجزاء الكلاسيكية لخطة ديورانت هذه. فالمجلد كله يروى جزء اخر من قصة جان جاك روسو المرهف الحس ، الغضوب ، السوادى المزاج ، المتكبر.

و سنفعل ما فعلناه من قبل مع ڤولتير اذ سنسير معه في رحلة للهرب من قطر لقطر من محكمة تفتيش لاخرى. و ان كان ڤولتير الربوبي الرشيق سيجد راحته في النهاية في "فرنى" الخلابة سيد اقطاعي مدير محاسب لضيعته فلن يقابل ذلك المصير روسو.

يسرنا -قليلا- ان نرى العظماء من الفلاسفة و المفكرون يتخاصمون و يرمون بعضهم بالسباب و الشتائم و احيانا بقول الزور. يسرنا هذا السرور الشرير الصغير لبيان ان الغرور البشرى مشترك بين أفئدة الفلاسفة و القديسين و نحن علي السواء. و ان ڤولتير كان رجلا له ما له و عليه ما ذكره التاريخ ، و ان ديدرو لم يكن نصف اله ، و ان هيوم كان بشرى الهوى ، و ان روسو شكاك سودوى. و نقول ان من يسر مثلنا هذا السرور الشاذ سيجد متعة خاصة في هذا الجزء من قصة الحضارة.

قصة الهروب الكبير من الارميتاج الي سويسرا ، و من باريس الي برن ، و من الجميع الي انجلترا و رجوعا الي فرنسا البهيجة التى لم يرى فيها روسو الا قبحها و توحشها و غاب عنه رهافتها و دورها الابدى في هدايه العالم الي فن الجمال.

في طبعة تيودور بسترمان الكاملة تملأ رسائل ڤولتير ثمانية و تسعون مجلد. ڤولتير متحدث للجميع من ملوك الي مفكرين الي رحالّة ، و الرسائل هى فن ذلك العصر و قلبها النابض ولا نعلم اذا كان قارئ عصرنا يطيق تصفح المجلد المقاربة علي المئة تلك رغم شهادة ديورانت ان "لا نجد صفحة مملة في هذا الحشد برمته". لكنها كانت طريقة تأريخ ديورانت لتلك الفترة لذا فالمجلد الذى بين ايدينا زاحر بمقاطع مطولة من خطابات روسو لڤولتير ، و ديدرو ل چريم ، و ولبول ل هيوم و بالعكس. و في دراما الرسائل المتبادلة تلك سنرى كيف شاهد الفلاسفة بعضهم و عصرهم. و بنفس الطريقة سيلجأ روسو نفسه في كتابه " هيلوز الجديدة" بطريقة الرسائل المتبادلة بين العاشقة المترددة و العاشق بروتستنى العقيدة و نحن كعادتنا نشكو من عدم توفر الترجمة العربية لها ، فنحرم من درر الادب العالمى واحدة تلو الاخرى لنفس السبب.

و نحن لم نعد نطالع "اميل" كما طالعه جيل روسو ، و نتساءل -كما تساءل ڤولتير - ان كانت طريقة التربية تلك فلسفية ام محض جنون. و العالم لم يستطيع ان يقبل كتاب ضخم في فن التربية لكاتب اسكن ابناءه دار اللقطاء واحد تلو الاخر. لكنه كان خطوة ضرورية علي الطريق من التعليم الكنسي و مدارس اليسوعيين الي تعليم مدنى و ان كان غير مشابه لطريقة "الفرد لفرد" لروسو و اميل.

حين نطلع علي "العقد الاجتماعي" لروسو سنغض النظر عن تناقضاته و عن افكاره الشاذة في اعدام من لا يحلو للمجتمع و عن صعوبة تطبيق بعض اجزاءه او حتى انه استبدل الملكية المطلقة باوليجركية مثقفة في افضل الاحوال. سنتصرف حيال "العقد الاجتماعي" كما تعاملنا مع "روح الشرائع" ل مونتيسكو ، سنتقبل ثوريته عن احوال زمانه و تطوره عن عصره و اصالة كثير من افكاره ، و سنتغاضي عن هزل و سخافة و اقتباس بعض افكاره. و فيه نرى ان روسو هو الوحيد بين فلاسفة التنوير من سيتقبل العامة احيانا خلافا لاحتقار ديدرو و ڤولتير ل"الرعاع" و ان كان التقبل غير ثابت و مستقر تماما ككل افكار روسو حيال كل شئ.

و سوف يجمد ديورانت قصة روسو و يتركه في رحلته الصعبة متحديا جهله بالجغرافيا بين انجلترا و فرنسا ، سيقرر ديورانت ان يوقف خط سير روسو تجاه البلد الذى اصدرت بالفعل امر اعتقال له بينما يذهب بنا الي ايطاليا الدافئة و النمسا الباروكية و روسيا النافرة و بلاد الاسلام المتوقفة و انجلترا الملكية الدستورية و المانيا المفكرة في عدة مجلدات متتالية تضم تاريخ تلك البلاد و احوالها بين اعوام ١٧١٥ الي ١٧٨٩ قبيل الثورة التى ستغير شكل العالم ، و نتابع نحن رحلتنا الطويلة البهيجة وصولا الي المجلد الرابع و الخمسبن من قصة الحضارة التى نتمنى احيانا الا تنتهى.

دينا نبيل
فبراير ٢٠١٧

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....