الثلاثاء، 18 أبريل 2017

اسم الكتاب: روسو و الثورة ١- المجلد الثانى و الخمسون من قصة الحضارة
تأليف: ول و ايريل ديورانت
ترجمة: فؤاد أندراوس
عدد الصفحات: ٢٥٣ صفحة
اصدارات دار نوبليس

استغرق الامر من ديورانت خمسة مجلدات لقص علينا حكاية عصر قرر ان يسميه "عصر ڤولتير" و هو يغطى مبدئيا عصر لويس الخامس عشر ، و سيستغرق الامر منه سبعة مجلدات اخرى لقص كيف كانت فرنسا و العالم في عصر "روسو و الثورة"

و نحن هنا نتابع ارتداد فرنسي لطيف عن عهد التنوير و فن الروكوكو المرهف ، بالطبع لم يحدث الامر قاطعا -فهي ابدا ليست الطريقة الفرنسية في فعل الاشياء- بل نرى تبديل لطيف متدرج من لهيب فلاسفة محطمى "الرجس" المتمثلة في ڤولتير الرشيق الربوبي و ديدرو المنطلق الملتهب و جماعة مكسرى عادات الدين و المجتمع الي جان جاك روسو وحيدا متمسكا ب"الطبيعة" و يبلل ملابسه من الدموع دائما.

و كما وجدنا دائما ثنائية شاردان و بوشيه ، و الابيقورية و الرواقية ، نجد دائما روسو و ڤولتير متناقضان ممتعان ، الاول يهفو الي البساطة و الطبيعية و يجد سعادته في حقل مع فلاحى قرية منسية و الثانى تعجب نفسه الرهافة و الدقة و الاسلوب و متعة الحياة الفرنسية الرشيقة. و بينما قضينا مجلدات متتالية مع روكوكو هش دقيق في الرسم و باروك معقد زاهي مختال في العمارة سنرجع -كما رجعنا دوما- الي كلاسيكية العمارة الرومانية و اعمدتها المستقيمة و تتبدل ڤينوس ربه للعالم بدلا من مريم في مزيج غير مستقر يتغير دائما. و قارئ قصة الحضارة الذى صبر حتى الان في العدد الضخم للصفحات و الفصول و المجلدات و الاجزاء يرى تلك الثنائيات تتبدل دائما و ترقص رقصتها الابدية في الاختفاء و الظهور حسب العصر.

نحن الان في اواخر عصر الروكوكو و تحديدا بين اعوام ١٧١٢ الي ١٧٥٦ قبيل سنوات من الثورة التى ستحطم كل الاشياء قبيحها و جميلها. و نحن في ضيافة روسو الذى سيقرر ديورانت انه يستحق ان نرى العالم بعينيه. و نحن ندين بالفضل لديورانت بتلخيصه ل"اعترافات" جان جاك روسو بشكل معقول قدر لنا ان نتابع قصته و اسباب رهافته و رقه و افكاره التى غيرت شكل البشرية و اطلقت عهد الرومانسية منطلقا من دموع روسو التى سالت في كل المواقف تقريبا. نقول نشكر ديورانت علي مجهوده هذا رغم توفر النسخة العربية المترجمة لل"اعترافات" و رغم جودة تلك الترجمة و سهولة اسلوبها الا اننا لا ندرى ان كان مزاج القارئ الحديث -و به نعنى كاتبة تلك السطور- تتحمل ما يصل الى ال١٠٠٠ صفحة من اهات روسو و شعوره بالمؤامرة.

توجب علي اوروبا في عز مجدها ان تجيب علي سؤال روسو "هل الحضارة مرض؟ هل هى سم نسمم به نفوسنا و يجب التطهر منه؟" و هو شهور يطغى دائما عقب نجاحات الحضارة و هو سؤال طرحته كل الحضارات علي نفسها و كل الفلاسفة، ربما لم يصل احد الي دعوه روسو الي اغلاق المكتبات و تكبيل العلم خاصة ان روسو نفسه مدح التعليم لاحقا ، لكن توسع حملة الفلاسفة الفرنسيين علي الكنيسة الكاثوليكية في البداية ثم الكنيسة عموما وصولا الي الاديان قاطبة و حتى مشارف الدين الطبيعي نفسه كان قد دفع لردود فعل متطرفة طبيعية. و رهافة و كياسة و مدنية فلاسفة التنوير و صالونات نساء فرنسا المهذبات المذهبات كانت قد دفعت لتيار يرى الجمال فقط في الخلو من هذا كله.

و نحن اليوم نتعجب من ان روسو قد ظهر في عهد ديدرو و كيف لهذين الروحين شديدة التناقض ان تحيا في عصر واحد و تتناول الوجبات سويا رغم تأثير كل منهما المتناقض علي حركة التاريخ.

و عموما سيكتفي ديورانت في المجلد هذا بالنصف الاول فقط من حياة روسو و سيفعل كما فعل مع ڤولتير لنسير في حياة العالم خلال تلك الفترة جانبا الي جنب الي حياة روسو نفسه.
***********
أحد مناطق قوة ديورانت هى طريقته المثالية -غير الخالية من التسلية- عندما يقرر ان يحكى عن الحرب، فهو يسرد خلفياتها السياسية و اطرافها مع توضيح لمجال الصدف و مناطق التحول فيها ، ثم هناك السرد نفسه لاحداث المعارك واحدة تلو الاخرى. و قارئ قصة الحضارة العتيد قد رأي القدرة تلك مرات و مرات خاصة في حروب المئة عام و حروب الوراثة النمساوية و حرب الثلاثين عام و ها نحن اليوم مع "حرب السبع سنين ١٧٥٦-١٧٦٣"

حرب تضم روسيا و النمسا و فرنسا و جزء من المانيا من جانب ، و بروسيا و انجلترا و جزء من المانيا من جانب اخر. تحتاج مننا رجوع قليل الي ثنائية ماريا تيريزا و فريدريك الاكبر التى قرأناها في مجلد سابق. ماريا رئيسة الامبراطورية الرومانية المقدسة التى وصمها ڤولتير يوما انها لا امبراطورية ولا رومانية ولا مقدسة. و فريدريك الاكبر صديق الفلاسفة و المادح السلام في الكتب و المؤسس للحرب في الواقع.

هل كانت مقاطعة صغيرة ك"سيليزيا" تتنافس عليها النمسا و بروسيا هى سبب الحرب؟ .. نعلم -كما علم اي حاكم دخل تلك الحرب- انه سبب رسمى واهي و ان القصة كلها تعلقت بالصراع الابدى بين فرنسا و انجلترا و ربما بان العالم يحتاج لحرب بين الحين و الاخر. أكانت "سيليزيا" هى محل الخلاف؟ او عداوة فريدريك و جمعه للجيوش و تهديده للمنطقة؟ ام ببساطة خلاف علي كندا و الهند و امريكا بين جيوش الاستعمار بين فرنسا و انجلترا ؟ و خلاف علي تمدد الاساطيل البحرية التجارية منها قبل الحربية؟

قصة دراما حرب السبع سنين نبراس في كيف تقوم الحروب و تسقط و كيف ينقلب الحظ في ثانية و دور الصدفة في مسار العالم. و خلاصة الامر ان جاءت لحظة في تلك الحرب حين حُوصر فريدريك و كتب مدح مطول في مزايا الانتحار.

حين  استطاعت فرنسا بتعاون روسي الانتصار في معركة ضخمة ضمت ما يفوق ال١٢٥ الف جندى بائس فعزلوا فردريك عن بروسيا عزلاً تاماً، و استقال ويليم بت رئيس وزارء انجلترا و المدافع الاول عن دعم بلاده لبروسيا ، ودعت أوربا كلها تقريباً بما فيها الكثير من البروسيين فردريك إلى بذل التنازلات. وكان جنوده قد فقدوا كل أمل في النصر، وأنذروا ضباطهم بأنهم لن يهاجموا العدو مرة أخرى، وأنهم يستسلمون إذا هوجموا.

وما أختتم عام 1761 حتى وجد فردريك نفسه يقف وحيداً أمام أكثر من عشرة أعداء. واعترف بأن لا خلاص إلا بمعجزة. وقد أنقذته معجزة.  ففي 5 يناير 1762،ماتت القيصرة اليزافيتا التي تمقت فردريك، وخلفها بطرس الثالث الذي كان يعجب به مثلاً أعلى للفاتح والملك.  أعلن بطرس نهاية الحرب مع بروسيا. وفي يونيو دخل بطرس الحرب من جديد، ولكن حليفاً لبروسيا، وارتدى حلة عسكرية بروسية وتطوع للخدمة "تحت قيادة مولاي الملك". فكان هذا من أعجب الانقلابات في التاريخ !

وفى النهاية  وقعت بروسيا، والنمسا، وسكسونيا، والأمراء الألمان، المعاهدة التي أنهت حرب السنين السبع. وبعد كل ما أريق من دماء ودوقاتيات، وروبلات، وطالرات وكرونات، وفرنكات، وجنيهات، أعيد "الوضع السابق للحرب" في القارة. واحتفظ فردريك بسيليزيا، وجلاتز، وفيزل، وجلدرلاند، وأخلا سكسونيا التى كسبها خلال الحرب.

و قارئ العصر الحديث يتعجب من حرب بتلك الحجم و عدد قتلي بالصورة التى وصلت لنا في مثال مبكر للحرب العالمية التى ابدا لم تكن اثنتان كما يدعي المؤرخون خاصة عندما تكون نتائجها المباشرة هى خسارة النمسا ل سيليزيا نهائيا و انتصار انجلترا اميرة للبحور العالمية بين الهند و كندا و زعزعة الحكم الملكى الفرنسي بعد تورطه في حرب مكلفة بلا مبرر واضح.
***********
يتبقي لنا ان نلقي نظرة طويلة لاحوال فرنسا الزاهية في عصر ما قبل الطوفان الثورى و تحديدا لحين موت لويس الخامس عشر ، فنرى فيها رحيل الخليلة مدام دبومبادور الصديقة الاوفي للفلاسفة و المخلدة بريشة معظم فناني هذا العصر و قدوم عهد مدام دوباري المتألقة المبذرة و عدو مارى انطوانيت و شوازيل. كان الدين للويس الخامس عشر بمثابة حمى متقطعة تختفي لاشهور و سنين يخوض فيها الملك متعه و يقيم بيت مخصص للممارسة الجنس مع المراهقات و شبيهات الاطفال و يقتنى التحف و يشجع الفلاسفة و يقلل ممتلكات الكنيسة ، ثم ترتد فيطرد الخليلات و يطرد اليسوعيين و يضطهد الهچينوت و ينكل بالچانسيين.

و في العصر هذا ستولد "الفيزوقراطية" و هو مصطلح معقد لافكار ليست بهذا التعقيد و فيها دعوة لحرية السوق و تحرير الاقتصاد من عبء الدولة من قبل ادم سميث و كتبه الثورية و ربما ولد المصطلح في هذا العصر لكن الفكرة ذاتها رأيناها سابقا في شذرات متفرقة لوزاراء مالية سابقيين في الحكم الفرنسي الذى اسرف -ربما بسبب ملكيته المطلقة- في السيطرة علي السوق.

و في عهد الروكوكو المتأخر هذا سنجد فنون نحت مرهفة و لوحات زيتية علي الطريقة الفرنسية الرشيقة اللطيفة. و نحن ندين بالفضل لديورانت بتعريفنا علي الخطوط العامة للفن في هذا العصر و ما سبقه حتى اننا حين يقول ديورانت في حديثه "لقد كان چروز اشبه بشاردان صغير فيه مسحه من بوشيه" فاننا نستمتع بقدرتنا علي فهم ما قاله لان الصراع الابدى بين مدرسة بوشيه في الاغراء الشهوانى و بهجة مسترخية و بين شاردان المكسو بالحب للطبقة الوسطى و للجمال المحافظ المعتدل. فنرى براءة بنات في "الجرة المكسورة" فيكشف عن صدرها في طريقها للبئر.
https://encrypted-tbn2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRrArfg-_VubkhVZvuyPaJAQK3wyXR5Lf29QXKx8HQfxPk7krd8tJvcYOw_

و تأسرنا بهجة "فراچونار" كما أسرنا "فاتو" من قبل بصنعة و شهوانية و يذكرنا بعصر اكثر لطافة و اقل تزمتا و قبل عصى الثورة التى ستستمتع بتحطيم تراثها الفنى. و مازال جيلنا يستطيع ان يتذوق مزيج الرقة و الايروتيكية في لوحة "الارجوحة" حين يتأمل عاشق مختلس ملابس عشيقته الداخلية بينما تعلو بها اللعبة  بينما تتحرر من حذاءها بتحرر مرح. و يفاجئنا بلوحة "شابة تقرأ" بجمال محافظ خالد بروح فرنسية روكوكو الهوى.
https://en.m.wikipedia.org/wiki/File:Fragonard,_The_Swing.jpg

https://www.google.com/culturalinstitute/beta/asset/-/JgFJCH9wxBktkg?utm_source=google&utm_medium=kp&hl=en

و نرجع للنحت بعد غياب علي يد "بيچال" و حدث تاريخى ان يصنع تمثال لحى علي وجه الارض غير الملك و كان المختار هو "ڤولتير" ولا اقل ، و قرر النحات ان يصنعه عاريا لولا تدخل الصفوة و الوصول لحل وسط . و نراه كلاسيكى ممتع في "عطارد يثبت خفيه" و هو استثناء رائع لحصر فن النحت في عهد النهضة الايطالي البديع.
https://www.histoire-image.org/sites/default/pigalle-voltaire-nuf.jpg

و لكن الي هنا مسيرة روسو كانت قد بدأت فقط في طريقها الطويل الي الثورة التى ستغير شكل العالم. و سنرحل من هنا الي المجلد الثالث و الخمسين في رحلة قصة الحضارة الطويلة المبهجة التى غيرت وجهة نظرنا للتاريخ و الحاضر علي السواء.

دينا نبيل
فبراير ٢٠١٧


0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....