الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

اسم الرواية: حرب نهاية العالم
تأليف: ماريو بارجاس يوسا
ترجمة: أمجد حسين
عدد الصفحات: ٧٢٠ صفحة
اصدارات دار المدى
التقييم ٥/٥

(الا ترى؟! ان "كانودوس" ليست قصة ... انها شجرة من قصص)
*************
ملحمة عظيمة الحجم و الشأن و التفاصيل و التفرعات و تدور عن كلمة واحدة "اليقين" ، يقين يعيش في نفس كل من مر علي الرواية ملحمية الطول و التأثير ، يقين ثابت يحمو الشك و التشكك و النقد و يطيح بالانتقاد. يقين جحيمى يمتص كل الهواء في دولة مزعزعة التكوين.

عقائد سياسية ثابتة يقينية لا تقبل نقاش او مفاوضات ، عقائد دينية صماء مثبتة موشومة علي جلود المؤمنين بها. عقيدة يقينية تحول كل نقاش الي حوار الطرشان ، الكل يتحدث ولا احد يسمع.

و الامر هنا يتعدى مسيح ضامر متجول في عباءة ارجوانية يدور بين القرى مبشرا بنهاية العالم بين الملكيين و الجمهوريين ، و الامر هنا لا يتوقف عن مدينة طوباوية علي الارض تبدو كقميونات العصور الوسطى ، و الامر يتجاوز عقيدة عسكرية راسخة يحكمها الانضباط و الانصياع و خطط الحرب الطويلة ، و حرب نهاية الكون لا تقتصر علي املاك الارستوقراطيين الصغيرة و جنة الارض المزروعة بالفواكهة.
*************
(شخّص "البارون" نبرة الصوت تلك، كانت نبرة الاباء الكابوتشينين و الارساليات المقدسة ، نبرة الطوائف الجائلة المقدسة التي كانت تحج الي "مونته سانتو" ، نبرة " موريرا سيزار" ، نبرة "غاليليو غال"، فكر انها نبرة اليقين ، نبرة أولئك الذين لا تساورهم الشكوك أبدا)
***********
يلعب يوسا بكل اوراق السرد و الحكايا. يطيل و يقصر و يسهب و يقتضب ، يخلق خطوط درامية تكفي لعشر روايات مجتمعة ثم يعيد تجميعها و تفريقها كاوراق اللعب. يهتم بتفاصيل شخصية جندى اصيب في حرب اللامنطق تلك اهتمامه برسم شخصية المسيح الارجوانى و الچنرال العتيد و الصحفي نصف الاعمى ، لا يفضل احد عن احد الا في مساحة الدور.

ان الذى يعذب اليسارى المتحمس لم يكن عفته عن النساء لتحقيق هدف الانتصار الاكبر علي الرجعية بل انه كان يمارس نفس حياة اعدائه الطبعيين الكهنة الكاثوليك. كيف يمكن ان تحقق غاية مختلفة بالوسائل نفسه؟! ، لكن مشكلة وجودية كتلك لم تؤرق محاربين جيش المسيح المبارك عن كيفية الوصول لنتيجة مختلفة الا و هى اقامة مملكة السماء علي الارض ان كانت الحرب هى وسيلتها بنفس طريقة جيش الجمهورية الذى لا يفكر سوى في اقامة مملكة الارض علي الارض؟! ، انتصر حنين غير مفسر في نفس جوريما لتلك المدينة المغبرة التى لا يظل رجالها يقتلون بعضهم في شوارعها الضيقة رغم ان حياتها تمثلت كلها في الهرب من الخوف الا انها تلك المرة تلقي نفسها فيه. أهل كانودوس يصلحون يعدلون بينما يعلم الجميع ان كرة نار جديدة ستحمى كل الاشياء في لمحة بصر لكن ذلك لا يؤدى الا لعمق صلاتهم.

حرب كونية بين معسكر يجد نفسه مؤمن في عالم بلا مؤمنين يحارب الظلم و السلطة و التسلط و العد الحكومى ، مقابل معسكر يرى في نفسه وطنى في مجتمع خائن يحارب الظلامية و الجهل و سلطة التدين الزائفة. معسكرين لا يرى كل منهم سوى نفسه و بينهم عالم صغير من الشخصيات الدرامية متقنة الصنع تتأرجح و نتأرجح معها.
***********
(كلا لن يفهم ذلك ، كان عبثا محاولة تحكيم العقل معه مثلما كان مع " موريرا سيزار" او مع "غال"  ،شعر البارون بقشعريرة تسرى هبوطا في عموده الفقري ، كما لو ان العالم فقد صوابه و حلت محله عقائد عمياء لا عقلانية)
**********
و مشهد اجتماع الحواريين حول المرشد ارجوانى العباءة يذكرنا بمشاهد من الاخوة كارمازوف حين يتمنى المؤمن الصغير معجزة صغيرة تثبت له ايمانه متمثلة في جثمان الشيخ الصوفى ، ربما كان يوسا اقل قسوة من دستوفيسكى الذى سيكرس كل سلطاته كمؤلف في صنع اكبر عثرة في طريق ايمان اليوشا ، لكن يوسا يحطم اركان العالم الثابت الراسخ هذا علي رؤوس المؤمنين به في هدوء يحسد عليه.

سيضع يوسا جزء من نفسه في شخصية " البارون" ينظر و يحلل ابعد من الحدث بمنظار اوسع عن قيمة يقين يقابلة يقين كلاهما متمسك حتى الموت و كلاهما متناقض حتى النهاية، و في نفس الوقت يمنح البارون منظار ضيق محدود يجعله لا يرى في حرب نهاية الكون لا حرب بين الدين و الدنيا ولا اللاهوت و الدولة ولا الملكية و الجمهورية بل سبب لضياع اشياء عزيزة علي نفسه ، يهمس يوسا في الاذان ان الخسارة احيانا تكون مؤثرة دون ان تكون فادحة ، لا يجب ان يحرق بشر و تنمحى مدن من علي الخريطة ربما يكفي ان يكسر قلب انسان حريق صغير يأكل جزء من مجهوده او تغيير في طريقة حياته مزعجا غير قابل للاصلاح.

تمنح دار المدى غلاف سئ للقصة العظيمة لا يعبر عن احداثها ولا مضمونها بل و يذكر باعمال هوليوود التى سخفت مفهوم الحرب النهائية لحد لا يطاق ، و يمنع حجم الرواية بعض القراء من الحماس لها و يؤخر ترتيبها في قوائم القراءة و تظل تؤجل و تؤجل مقابل اعمال اقل جودة و افضل تسويقا. لكن كاتبة تلك السطور تدعو الى القفز علي تلك المعوقات و الاستماع -فقط الاستمتاع- برائعة يوسا الضخمة الرشيقة تلك.

دينا نبيل
ابريل ٢٠١٦

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....