الأحد، 15 نوفمبر 2015

عصر النهضة 5 -المجلد الثالث و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: عصر النهضة 5 -الانحطاط الحضارى و السياسى -المجلد الثالث و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمه: محمد بدران
عدد الصفحات: 238 صفحة
اصدارات دار نوبليس

حين يبدأ المرء فى سلسلة تبلغ 58 مجلد لا يكاد يصدق انه سوف يصل حتى الى منتصفها يوما و ها نحن قد وصلنا للمجلد ال33 و الاخير ضمن المجلدات الخمسة التى تحكى فى طياتها قصة عصر الحضارة الذهبى الايطالى الرشيق بين مولد بترارك الى موت تيتشيان

نصل الى نهاية العصر الذهبى للفن فما اسماه ديورانت الانحطاط السياسى و الحضارى و فيه نرى رحلة مدن ايطاليا المنقسمة فى القضاء على نفسها و تسهيل الغزو الخارجى , علمنا ديورانت فى مجلدات العصور الوسطى التسعه التى تمثل الف عام ان وسائل الدفاع كانت قد تقدمت على الهجوم و نذكر دور الاقطاعيات و رقيق الارض فى اقامة عدد هائل من الحصون و القلاع لكن ها هنا و حين ارادت فرنسا ان تدخل شبه الجزيرة الايطالية الممزق ساعدتها التكنولوجيا المدفعية الخفيفة المتنقلة فى هزيمة حتى تنظيم جنود سويسرا فما بالك بجيوش المرتزقة التى تجرها الثيران البطيئة

و حين تفوقت اساليب الهجوم على الدفاع قدر للبشرية ان تدفع تمن ذكاءها بالدماء فكثر عدد الضحايا بعد فترات تاريخية طويلة من الخسائر الاقتصادية

كان تدخل فرنسا فى ايطاليا عموما و فى نابلى خصوصا درسا للمدن المتصارعة فى سوء التدبير فقد اتفق معظم اللاعبين على الساحة -فى السر دائما- كلا مع شارل الثامن لدخولها و وعد كل منها الفرنسين بحسن الاستقبال و ربما كان من الممكن ان يقضى شارل على الامر من اول محاولة لولا الكسل و الزهرى...لكنها عموما لم تكن النهاية

لكن ايطاليا الممزقة جذبت مكسمليان الالمانى و فرنارند ملك اسبانيا يشتركون بطرقهم الخاصة فى التحالفات المتصارعة..و يفاجئ الجميع البابا بان يرضى تقسيم نابلى بين الفرنسيين و الاسبان , يؤدى الى بقاء نابلى تحت سيطرة اسبانيا من اعوام 1505 ل سنه 1707
**********
أضحى نصف إيطاليا الآن في أيدي الأجانب: فقد كان جزؤها الجنوبي ملكاً لأسبانيا، وجزؤها الشمالي الغربي الممتد من جنوى مجتازاً ميلان إلى حدود كريمونا في يدي فرنسا، وكانت الإمارات الصغرى خاضعة لنفوذ فرنسا، ولم يكن فيها بلد مستقل استقلالاً نسبياً سوى البندقية والولايات البابوية، ولطالما اشتبكتا في حري متقطعة للاستيلاء على مدن رومانيا. ذلك أن البندقية كانت تتوق إلى المزيد من الأسواق وإلى موارد الثروة في شبه الجزيرة لتعوض ما استولى عليه الترك من أسواقها ومواردها أو هددته طرق الملاحة البحرية إلى الهند عن طريق المحيط الأطلنطي. ولهذا اغتنمت فرصة موت الإسكندر ومرض سيزارى بورجيا للاستيلاء على فائنزا، ورافنا، وريميني، وأخذ يوليوس الثاني يضع الخطط لاستعادتها لنفسه؛

فأقنع لويس ومكسمليان في عام 1504 بأن يضعا حداً لنزاعهما الذي يخالف تعاليم الدين المسيحي، وأن ينضما إليه في مهاجمة البندقية، وأن يقتسما فيما بينهما أملاكها في شبه الجزيرة ولم يجد مكسمليان في نفسه ما يمنعه من قبول هذا العرض، لكن خزائنه كانت خاوية، ولم تحقق هذه المؤامرة نتيجة ما. غير أن الفكرة ظلت تراود يوليوس وظل هو يحاول إخراجها إلى حيز الوجود.
*************
كان كل نصر لمدينة ايطالية يؤدى لخراب مدينة اخرى و احتلال مدينة ثالثة و غير الجميع ادوار احلافهم السياسية فى مهارة تحسد لم ينتج عنها الا ضياع مزيد من الارواح حول التنافس فى تجارة البحر المتوسط

خافت الكنيسة من ايطاليا موحدة تضيع قوتها الزمنية فعطلت حركات التوحد تباعا و فضلت ان تحد حدودها الشمالية دائما دولة محتلة مختلفه عن تلك التى تحيط بالجنوبية ... فى ظل بابوات لم يمتلكوا اكثر من مهارة ميكافيلية فى وجه الاسلحة الثقيلة و ملوك متصارعين و فقدان سلاح الحرمان الدينى الذى جعل فريدريك الثانى يركع على ركبته قبل ذلك بزمن طويل

و عادت دورة التاريخ سريعا ب "ادريان السادس" الذى كسر احتكار بابوات ايطاليا من جانب و العائد بسلطان فرنسا مرة اخرى كايام بابوات افنيون , و هو يشبه شخصيات العصور الوسطى اكثر من النهضة ...و يحزنا قليلا ان نرى مسيحى حقيقى متزمت فى ذلك العصر المتحرر يحتقر الفنون و لا يرى فى الفساد المالى الا فساد اخلاقى , و يغض الطرف رغم جمال روما الخلاب عن ايات الجمال القديم و الحديث و بلاغة كتاب الانسانيين لكنه لم يكن عصره بالضبط كما لم يكن عصر سفنرولا و قضت دورة التاريخ على كلاهما ببساطة لانها شخصيات جاءت فى الوقت الخاطئ
***************
لكن حتى بابا تقليدى -بمعايير عصر النهضة- ك كلمنت السابع كان قادر على حل معضلة ضعف روما العام و وقوعها بين قوة فرنسا و المانيا

و ارتكبت روما فى عصر الخطيئة الكبرى حين تحيزت للطرف الخاطئ من الصراع فجلبت على نفسها الويلات و ثانيا عندما نفذت نصف افكار ميكافللى فقط فاستعانوا بالمكر و تغيير المواقف دون تبنى نموذج الجيش الوطنى المتجمع تحت "امير" واحد ...و عموما قد بدأ السلب على يد ال كولونا قبل ان يبدأ على يد فرنسا

و قصة نهب روما 1527 من اتعس ما كتب فى التاريخ و ربما يتساوى مع اجتياح روما سابقا بعد انفصال شقى الامبراطورية قبل ذلك باثنى عشر قرن ...و هى تجرح القلب الان و كأن 5 قرون لم تمر و تشابك التقتيل بالطاعون و الملاريا تزيد الامر مأساوية ...و ربما يعجب الانسان لالمه من فقدان و سرقة لوحات عصر النهضة الفنى و التماثيل اكثر من العدد المروع من القتلى
***************
اندفع الجنود الالمان في شوارعها أخذوا يقتلون كل من واجهوه في طريقهم دون أن يفرقوا بين الرجال، والنساء، والأطفال. واشتد تعطشهم إلى سفك الدماء، فدخلوا مستشفى سانتو اسبيرتو (الروح القدس) وملجأ اليتامى فيه، وذبحوا كل من فيهما من المرضى كلهم تقريباً. ثم اتجهوا إلى كنيسة القديس بطرس، وذبحوا من لجأوا إلى هذا الحرم المقدس، ونهبوا بعدئذ كل ما استطاعوا أن يصلوا إليه من الكنائس والأديرة، وحولوا بعضها إلى إسطبلات لخيولهم، وقتلوا مئات من القساوسة، والرهبان، والأساقفة، ورؤساء الأساقفة، وجردت كنيسة القديس بطرس والفاتيكان من أعلاهما إلى أسفلهما من كل ما فيهما، وربطت الخيول في حجرة رافائيل

. ونهب كل بيت في روما وحرق الكثير منها عجا اثنين لا أكثر هما قصر الكانتشيلريا الذي كان يشغله الكردنال كولنا، وقصر آل كولنا الذي لجأت إليه إزبلادست، ومعها بعض أغنياء التجار، ونفح هؤلاء زعماء الغوغاء بخمسين ألف دوقة لينجوهم من الهجوم، ثم سمحوا لألفين من اللاجئين أن يحتموا وراء الأسوار. وأدى كل قصر من القصور الفدية نظير حمايته، ولكن هذه القصور نفسها هاجمتها جماعات أخرى واضطرت أن تفتدي نفسها من جديد. وقد حدث في معظم البيوت أن اضطر من فيها جميعاً إلى افتداء أنفسهم بمبلغ محدد؛ فإذا لم يوفوا به كله تعرضوا لألوان من العذاب، وقتل منهم آلاف، وألقى بالأطفال من النوافذ العليا، لكي يضطر آباؤهم إلى إخراج ما اكتنزوه من المال وأخفوه، حتى غصت الشوارع بالقتل.

وكان نصف الغوغاء المنتصرين من الألمان، لم يكن يشك معظمهم في أن البابوات والكرادلة لصوص، وأن ثروة الكنيسة في روما سرقة ونهب من الأمم، وفضيحة للعالم. وأرادوا هم أم يخففوا من هذه الفضيحة، فاستولوا على جميع ما في الكنائس من ثروة منقولة بما فيها الأواني المقدسة، والتحف الفنية، وخرجوا بها ليذيبوها أو يفتدوا بها أنفسهم، أو يبيعوها. أما المخلفات المقدسة فقد تركوها مبعثرة على الأرض.

يلق الكرادلة الألمان، الذين ظنوا أنفسهم بمنجاة من شر أبناء وطنهم، خيرا مما لقيه غيرهم. وهتكت أعراض الراهبات والمحصنات من النساء في بيوتهم أو في الأديرة نفسها، أو حملن ليشبع فيهم جماعات من الجند شهواتهم بوحشية في أماكنهم

وليس من المستطاع إحصاء عدد من قتلوا في هذه الكارثة المدلهمة؛ وكل ما نستطيع أن نقوله أن ألفي جثة ألقيت في نهر التيبر من شاطئه الذي تقع عليه الفاتيكان؛ وأن 9.800 من الموتى دفنوا؛ وما من شك في أن عدداً آخر كبيراً من الناس قد قتل. وتقدر قيمة المنهوبات تقديراً متواضعاً بأكثر من مليون دوقة، وقيمة ما دفع من مال الفداء بثلاثة ملايين

125.000.000 الموازى بقيمة الان باكثر من دولار
*****************
و لن يستطيع ديورانت ان يمر على البندقية دون ان يحكى لنا عن أريتينو 1492 - 1556

صعد من الخدم و الغناء و المطابخ وتنظيف المراحيض الى ان يكون صاحب اللسان الاهم و الاطول فى ايطاليا الممزقة كلها , مستخدما فصاحة شعبية و اندفاع بدئ محبب و صراحة قاسية قريبة من قلوب الشعب , و يسعدنا قليلا ان نرى ملوك اوروبا الجابرين يحاولون رشوته و على رأسهم البابا نفسه
*****************
لم تكن الحروب التي اندلع لهيبها لغزو إيطاليا قد خبت نارها بعد ولكنها قد غيرت وجه إيطاليا وطبيعة أهلها، فالأقاليم الشمالية قد خربت تخريباً جعل مبعوثي هنري الثامن يشيرون عليه بأن يتركها لشارل عقاباً له على ما فعل بها. ونهبت جنوي، وفرضت على ميلان ضرائب فادحة قاتلة، وأخضع حلف كمبريه مدينة البندقية، كما أضعفها وأذلها فتح الطرق التجارية الجديدة، وقاست روما، وبراتو، وبافيا الأمرين من جراء السلب والنهب

وانتشرت المجاعة في فلورنس واستنزفت مواردها المالية، وكادت بيزا تدمر نفسها في كفاحها لنيل حريتها، وأما سينا فقد أنهكتها الثورات، كما أفقرت فيرارا نفسها في نزاعها الطويل مع البابوات، وأتت بما يغض من كرامتها بتحريضها على الغزو المستهين لروما. وحل بمملكة نابلي ما حل بلمباردي من سلب ونهب وتخريب على أيدي الجيوش الأجنبية، وذوى غصنها الرطيب زمناً طويلاً كانت فيه خاضعة للأسر الحاكمة الأجنبية، وصقلية؛ وما أدراك ما صقلية؟ لقد أضحت معششاً لقطاع الطرق، وكانت السلوى الوحيدة لإيطاليا هي أن خضوعها لشارل الخامس قد أنجاها في أغلب الظن من اجتياح الأتراك لها وانتهابهم إياها.
***************
الى هنا تنتهى مجلدات قصة الحضارة الخمسة التى اعطى لنا ديورانت فيها بانوراما ممتعة عن تاريخ ايطاليا من مولد بترارك الى موت تيشيان 1300 ل 1576فى عز فترات الفن و الرفاهية التى مرت على العالم... و هو المجلد الاخير فى ترجمة محمد بدران و به نختتم رحلة طويلة جدا مع الرجل لكن رحلتنا مع ديورانت لم تنتهى و لا رحلتنا مع قصة حضارته الممتعة

و لا يتبقى لنا كعادتنا الا الاتجاة راسا للمجلد التالى فى رحاب الاصلاح الدينى

دينا نبيل
يوليو 2015

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....