الأحد، 15 نوفمبر، 2015

طريق اخوان الصفا ل فراس السواح

اسم الكتاب: طريق اخوان الصفا ، المدخل الى الغنوصية الاسلامية
تأليف: فراس السواح
عدد الصفحات: ٢٩٢ صفحة
اصدارات دار علاء الدين
التقييم: ٥/٤

يرجع فراس السواح الى مقعده الاكاديمى كما فعل في كتاب ملحمة جلجامش و يترك -ربما لنوعية الكتاب- انطلاق المفكر كما عهدنا به في مغامرة العقل الاولى ، دين الانسان ، و الشيطان و الرحمن عندما بهرنا بالمقارنات و الملاحظات ، لذا فيزعجنا قليلا ان نقرأ كتاب دراسة هادئة كلاسيكية عن اخوان الصفا في كتاب يحوى غلافه اسم فراس السواح... فنراه يتخلي عن دور المفكر ليسيطر دور الباحث بدلا عنه

خاصة عندما يكون اخوان الصفا فئة بكل هذا القدر من الغموض و الانتماء المرتبك لفيثاغورس و الفلسفة اليونانية في محاولة اخرى لجمع الفلسفة و الدين و حل الخلاف التاريخى بين سقراط و المسيح الذى حير نصف العالم و شغل كبار عقولها شرقا و غربا حتى قبل اوغسطينوس و توما الاكوينى من جانب و الكندى و اخوان الصفا من النصف الاخر من عالم تلك العصور

فرقة تجمع -او تحاول- ثقافات ما قبلها و تجسد افكارها في رسائل طويلة متتالية سهلة اللغة صعبه المنال و كثيرة الاشارات ... يحاول هنا استاذنا فراس ان يقدم لنا خلاصة تلك الافكار في الصفحات التالية للاربعون صفحة الاولي في مقدمة اراها هزيلة و غير مشبعة عن التيار الفكرى الغامض للغنوصية الاسلام في العصر العباسي المتشابك حد الجنون

و هو يتبع في طريقه للحصول علي تلك الخلاصة علي اكثر الطرق تعقيدا حين يقرر تفكيك الرسائل ال٥٢ الى مقاطع حسب موضوعها و يعيد تنظيمها حسب الموضوع فقد ترى مقطع من الرسالة الخمسين يتبعه مقطع -يراها فراس السواح مكملا له- من الرسالة العاشرة و يكتفي بالاشارة في نهاية المقطع برقم الرسالة و صفحتها
***************
و العجيب حقا ان الطريقة تلك تجعلك تحيط بفكرة اخوان الصفا فعلا عن الفكرة موضوع بحثك -عيبها الوحيد انك تضع ثقتك بالكامل في ترتيب فراس السواح مغمضا عينيك- و هى تجعلك تلمس التأثر بافكار الروح الكلية و النفس الفعالة و عناصر الكون الاربعه الترابية و الهوائية و المائية و النار، و نظرية ابقراط القديمة عن تكوين الجسم من الاخلاط الاربعة ، و منح الاعداد الاولية قوة غامضة ما و جعلها مركز خفي لتقلبات الكون ، و تضع ضوء هام علي فكرى "الهيولي" و تسربها لفكر تلك الجماعة ... و الاهم من ذلك كله المحاولات المستميتة في التوفيق بين ذلك كله و بين مفهوم الاله بمنظوره الاسلامى

و ربما المثال الاهم علي ذلك هو محاولات التوفيق بين مفاهيم "كن فيكون" و خلق العالم التوراتى في سته ايام و بين ما اعتقدوه هم دائما ان الكون تكون ببطئ و خلق بتطور و تدريج فيلجأ دائما لواسطة عناصر : العقل الفعال ، النفس الكلية ، الهيولي الاول ، الصور المجرد ... لتكون وسيلة للتوفيق بين مفهوم الفورية و التطور

و هم يحاولون في ذلك العصر البعيد ما ما نحاول نحن ايجاده و هو صيغة توفيقية ما بين العلم و ما اكتسبه الانسان من دراية باصول الاشياء و عاداتها و بين الدين و خاصة الاسلامى ، و يحاولون طيلة الوقت نفى تهمة "التلقائية" عن الاشياء

و بها نلخص ان رأي اخوان الصفا في مسألة الخلق و التطور والثبات و الحركة انه فعل الطبيعة دائم مستمر ، متصلة بها آلة فلكية متحركة دورية ، مربوط بها النفس الكلية بقوة عقلية تبد عن مشيئة الهية و رعاية ربانية من امر من الله

و هم حين يقولون ان "الطبيعة" فعلت كذا يقولون ان ذلك بلفظ العلم و الفلسفة اما بلفظ "الشرع" فهم الملائكة ، و ان الفعل ينسب الى الاله كما ينسب الى ملك ما فيقال بنى الملك مدينة ، و انما يفعلها بادواته و قوله لا فعله الشخصى .... و هم موحدون الى اقصى حد ، مؤمنون بالعلم للنهاية

و هو كما ترى -بعد تجاوز معضلات اللغة- حديث قديم لمعضلة حديثة و حجة اسلامية تحت الانشاء حاليا لتبنى نظريات التطور و الحركة كجزء من ميكانزم الخلق بعيدا عن المفهوم الحرفي لقصة الست ايام الثابته في الاديان الابراهيمية عموما
***************
و اخوان الصفا كما قدموا انفسهم متأثرين باليونانية بدرجة حجبت عنهم قليلا نور الحقيقة و محاولات التوفيق تلك تنجح احيانا و تفشل حينا و منها تأثرهم المبالغ فيه بمركزية الارض وسط الافلاك و التفضيل اللامتنهى للشكل الكروى و الصاق صفة الكروية و المدارات الدائرية بكل شئ كشكل سامى عن غيره ، معتبر عما سواه و ربطهم الغريب بين سبعه من اعضاء الجسم (الكبد ، الطحال ، الكلي، الخ) و بين سبعه من الكواكب و سبعه من صفات البشر و سبعه من الادلة الشرعية و اسماء الملائكة .... و هم رغم نظرتهم التقدمية في العلم كوضع نموذج اولى للجاذبية الارضية و النشوء و الارتقاء قبل انتباه العالم لهم و حديثهم فائق الدقة عن موجات الصوت و حاسة السمع و دقائق البصر و بيان تشريح العين و كأنك تقرأ كتاب في فيزياء حديثة لكنهم كانوا ابناء جيلهم و افكار عصرهم

و هم كأي عالم مؤمن بشئ مهما علت قدرته علي النقد و التحليل ينحاز -احيانا لا شعوريا- لما يؤمن به ... فنراهم يتحدثون عن سبب ثبات كرة الارض معلقه في هواء فنراهم يذكرون اسباب محتملة علمية ك تساوى الضغط عليها من جميع جهاتها او ثبات درجات جذب قلبها و مصدر ثقلها لجميع انحاءها و نرى ان السبب المحتمل الثالث هو "خصوصية" وضعها من الله ..... و حين يقررون وصف جغرافيا العالم و وصف اقليمها نفاجئ بقدر كبير من العلم الجغرافي للعالم المعلوم وقتها كما نفاجئ لضمهم اقليم خاص ل"يأجوج و مأجوج" في فعل نراه غير علمى بمقايس عصرنا
************
هذا هو قولهم في العلم ، اما قولهم في حديث الروح فتقليدى لاى غنوصية و هى تحمل احتقار للجسد ولا ترى فيه الا "كنيف قذر" تضطر النفس (الروح) احتماله الى حين ، لذا فنظرتهم للموت مبشرة فهى فراق بين طهارة الروح و قذارة الجسد و هى ولادة للروح لا موت ، و ان الاصل في الجسد الموت لولا اقتران بالروح كما ان الاصل هو الظلام الا حين يتواجد النور

و هم بفطرتهم العالمة و نفسهم المطمئنه الهادئة يعتقدون ان الايمان بحرفية وصف الجحيم كنيران و تنانين و جلود ذائبة ايمان باطل يفسد قلب الدين ، و ان الاقتناع بجنة حرفية يحظى فيها الرجال بالابكار و الثمار فكر خائب لا يصلح الا للعامة .... و في تلك النقطة تحديدا نرى شجاعه اخوان الصفا و ربما سبب و فائدة سريتهم

و لهم في التناسخ قول لطيف يوازن بين التصوف الاسلامى و الكارما الهندية و هم بكلماتهم الهادئة و روحهم المتسامحة يفتحون باب "الترقي" لكل الاديان بقدر من الانفتاح يفاجئ القارئ العصرى و يعلمه ان خط التطور العقلي ليس في صعود دائما عبر العصور اللاحقة
************
و رغم اصرار شيعة الاسماعيلية المتأخرين ان اخوات الصفا جزء منهم نرى و يرى السواح معنا فروق اولها و اهمها اهمالهم لمفهوم الامامة الشيعي و تفضيلهم لنموذج اقرب لنموذج القطب الصوفي ، و انهم جمعية روحانية فلسفية لا سياسية و ربما لهذا السبب -و للسرية عامل- تمت حماية الصفا من بطش العباسيين المعتاد

و قارئ اليوم يعجب بوحدة اخوان الصفا و تطابق افكارهم و تقبلهم و توحيد اقوالهم عبر الرسائل و كأن يد واحدة هى من خطت بالقلم... و الكتاب ينتهى فجأة كما بدأ فجأة ، لكن تأثير كلمات اخوان الصفا علي الروح يدوم، كثيرا

دينا نبيل
سبتمبر ٢٠١٥

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....