الجمعة، 6 مارس، 2015

قصة الحضارة ١٨: روما ٥

اسم الكتاب: روما ٥ : روما و الولايات...المجلد الثامن عشر من قصة الحضارة
تأليف: وول ديورانت
ترجمة: محمد بدران
عدد الصفحات: ٢٣٢ صفحة
اصدارات دار نوبليس
التقييم: ٥/٥

المجلد الخامس فى رحلتنا مع الرومان و فيه يفعل ديورانت ما يعيب عليه بعض النقاد و ما اراه الا ضرورة ...الا وهو عدم السير تبعا للتسلسل التاريخى

نعم انتهى المجلد الرابع بحوادث عام ١٩٢ ميلادى ، لكن المجلد الخامس يمر بتلك المرحلة الواسعه من ١٤٦ ق م الى ١٩٢ ميلادى ...لماذا؟ لان التاريخ مسرح ضخم يضم العديد من الاحداث فى نفس الوقت لكن العقل البشرى غير قادر على استيعاب ذلك و بهذا تتضح اكبر عيوب الدراما و فشلها فى المساواة بالواقع : لا يمكن وقوع حدثين متوازيين على خشبة واحدة ابدا...لذا لجأ ديورانت ان يحكى لنا تاريخ روما ذاتها مكثفا فى البداية ثم يخصص مجلد اخر لاحوال الولايات فى هذا الوقت

و يقسم ذلك لاقاليم : ايطاليا ، اوروبا ، اليونان ، الشرق الادنى ...و فلسطين
***************
فى ذلك العصر سترجع قرطاجة لتنتعش و تعيد و لو جزء من مجد قديم قبل مسح تاريخها ، تقتيل اهلها ، تمليح ارضها و اخيرا انزال اللعنة عليها...ربما لم يرجع مجد قرطاج القديم المستقل ايام هانبيال النبيل لكنها بفضل اغسطس عادت مركز للتجارة و لم يمض قرن على تأسيس المدينة الجديدة حتى اضحت اكبر مدائن الولايات الغريبة حسب تعبير ديورانت

و سنرى ان اسبانيا التى ظلت حبيسة للاستغلال عبر تاريخها ، و ظل تملكها للمعادن و البرونز كأنه لعنة عليها جعلتها مطمع لقرطاج و اليونان من قبل و روما من بعدهم...فكما كانت مصر سلة الغلال فكانت اسبانيا سبب غنى روما بالمعادن و اساس من دعامتها الاقتصادية ...و ربما فى مقابل استفادت اسبانيا من ذلك فتضاعف عدد مدنها و وسعت رقعتها و تهيأت لعصر لاحق عاشت فيه اجمل ايامها

و نرى فى ذلك المجلد اوروبا تتشكل امام عيوننا ، فنتعرف على بلاد الغالة التى عصت الى قدوم قيصر و صارت مصدر لصداع روما المتواصل لنرى فيها فرنسا الوليدة و بلجيكا و سويسرا ، و نسمع لاول مرة اسماء مرسيليا و ليون و نيس و غيرها...و فيها "تشذب" اللاتنية لتصبح الفرنسية

و بريطانيا تتحول من ثقافة الكلت القاسية الى "فنون الانسانية المهذبة" كما كانوا يدعون اللاتينية بطرز الرفاهية ...و يتساءل لاى حد نفذت الحضارة الرومانية فى روح بريطانيا؟ يرى ديورانت ان على الرغم من ان اللاتنية صارت لغة السياسة و القانون و الادب و الاقليات المتعلمة لكن اللسان الكلتى ظل يقاوم فى الريف و ربما مازال كذلك حتى الان فى ويلز  مثلا ...نعم عينت الصورة الرومانية للابجدية الانجليزية لكن ظل الامر احتلال مكروه صبروا عليه طمعا فى رخاء و سلم مثمر

و نتجول فى بلاد "البرابرة" التى عجزت روما و من قبلها اليونان فى غزوها لتمتلك ثقافة مختلفة عن ثنائية اليونانية-الرومانية الشهيرة رغم تطور اللغة الالمانية من الحروف القوطية التى نتجت ك تكييف من اليونانية ...لتجد ان هؤلاء البرابرة هم المانيا ، بلغاريا ، رومانيا ، الصرب ، النمسا ، بولندا المستقبلين ...عن تلك المنطقة التى صمدت طويلا عسكريا و ثقافيا الى ان شاخت روما و احتاجت رجالها و قوتهم فبدأ بانتشارها داخل روما ل"تبربرها" فيما بعد عصر تراچان
****************
لنصل الى مهد الحضارات الاول فنرى اليونان و مصر تحديدا و احتلالهم لمكانة "عزيز قوم ذل" ان صح التعبير فعطاء كل منهما للحضارة عموما و للثقافة التى صارت ملك للرومان تدخلت لترحم البلدين من كثير مما صار لبلاد اخرى و منحتهم قليلا من الحرية و الحكم الذاتى

و يخبرنا ديورانت بان "مصر بقيت خارج الاسكندرية محتفظة بمصريتها عابسة صامتة و قلما اصطبغ فيها شئ بالصبغة الرومانية" و ان "الاسكندرية كانت زعيمة العالم الهلنستى فى العلوم لا ينازعها فى هذة المكانة منازع"

لنأخذ جولة أخرى فى بلاد سوريا ، ايران ، تركيا ...
************
لييدأ ديورانت فى فصل طويل مهم عن اليهود و فلسطين

و للاسف يقع المترجم محمد بدران فى شرك المبالغة فى التعليقات و الهوامش و الاعتراضات على النص و افكاره و ارقامه و يتهم ديورانت بالتحييز و المبالغة و هو امر ينم على فشلنا فى الفصل بين مشاكلنا السياسية و بين الثقافة ليصر محمد بدران على تنصيب العداء بينه و بين يهود تلك الحقبة بأثر رجعى ، فطيلة ال١٨ مجلد تذكر اراء و ارقام تحمل قدر ما من المبالغة و لم يعترض قط محمد بدران الا على فصل اليهود و اليهودية فى تحسس غير مفهوم..
************
لكن فصل الكتاب الاهم -فى رأيى- فصل تيار الشرق الجارف الذى يتحلل فيه ديورانت من دوره المحايد ك مؤرخ ليرتدى قبعة المفكر ...ليقدم لنا تفسيره عن كيف تهيأ العالم للمسيحية؟

فى ذاك العصر خاصة القرن الثانى الميلادى حين اقرت الفلسفة بعجزها و تفشل حتى الرواقية فى سد خانة ايجاد سبب للاخلاق و الابيقورية فى سد رغبات البشر  ليحدث النكوص عن عصر الفلسفة ليدور التاريخ دورته المعتادة لترمى البشرية نفسها ثانية فى احضان الدين...و لكن اى دين؟

مزيج هائل ساد ذلك العصر فتجد تموز و ادونيس و مثراس و اوزريس  من جاب و ليديا و ايزيس و عشتار من جانب ...نموذج دائم عن الاله المقتول و الام الثكلى.. لم تكن الوثنية دين واحد بل عقائد متشابكة ، متناقضة ، متنافسة و كثيرا مختلطة

اديان وثنية متشابكة تمتلئ باحتفالات تطهر ، تضحية، موت للاله و بعثه ، و صوم و تقشف و طوائف من الصوفية

و ينهى ديورانت فصله المكثف البديع باقتباس اعذر لطوله:

" قد سما الناس في وقت من الأوقات بما كانوا يتوقعون له من عظمة وخلود، فجعلوهما مرتبطين بمجد الأسرة والقبيلة والإبقاء عليهما، ثم انتقلوا بهما إلى مجد الدولة التي كانت من صنعهم والتي هي نفوسهم مجتمعة. أما في الوقت الذي نتحدث فكانت الحدود الفاصلة بين القبائل تذوب في حركة السلم الجديد، ولم تكن الدولة الإمبراطوريّة تعبر إلا عن الطبقات العليا السائدة، ولم تكن تمثل جماهير الشعب التي لا حول لها ولا طول. وكان على رأس الدولة ملكية مطلقة تحول بين المواطن وبين اندماجه فيها واشتراكه في أعمالها

وكانت تخلق بعملها هذا الفردية في أسفلها وتشيعها بين الدهماء من السكان، وكان ما في الأديان الشرقية وما في المسيحية، التي أخذت منها خلاصتها ثم امتصتها وقضت عليها من وعد بالخلود الشخصي، وبالسعادة الدائمة بعد حياة المذلّة، والفاقة، والمحن، والكدح، كان هذا كله إغراء لا تستطيع الدهماء مقاومته، ولاح أن العالم كله أخذ يأتمر ليمهّد السبيل إلى المسيح"
************
اذا لا بد من الانتقال للمجلد ال١٩ لنشهد بداية التغيير الذى سيحل على العالم القديم

دينا نبيل
٢٤ فبراير ٢٠١٥

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....