الثلاثاء، 30 نوفمبر، 2010

احترس.. هذا المقال به جُرعة من الأمل

الكاتب


هل ستتغير مصر ونحن على قيد الحياة؟ يصادفنى هذا السؤال دائما من أناس من مختلف الأعمار والطبقات والثقافات يجمعهم معنى وحيد هو اليأس، ودائما يستغرب هؤلاء عندما أقول لهم إن مصر تغيرت بالفعل وتواصل التغير كل يوم ونحن على قيد الحياة، لكن يبقى الأمر هل نريد أن ندرك هذا التغير وهل نريد أن نتفاعل معه، أم نفضّل الركون لراحة اليأس ونعيم الاستموات؟
غالبا يسخر منى بعض من أقول لهم هذا الكلام، ويتعاطف معى البعض الآخر على أساس أنى «لازم يقول كده عشان يعرف يكمّل»، ودائما أقول للساخرين والمتعاطفين إننى لو لم أكن أشعر بأمل أو جدوى من الكتابة لما كتبت، ومع أننى أدرك أن اليأس شعور إنسانى طبيعى خصوصا فى بلد كمصر يشجع عليه ويتربح القابضون على مقاليدها من ترويجه وانتشاره، كما أننى لا أعرف مصلحا أو ثائرا أو حالما فى مصر لم يصبه اليأس فى فترة من فترات حياته،
لكننى أيضا لم أحب مصلحا أو ثائرا أو حالما فى مصر إلا ووجدته مستمرا فى مقاومة اليأس والإحباط حتى الرمق الأخير من حياته، ولذلك مهما شهدت (وما سأشهد) من إحباطات أو تعثرات أو بلاوى مهببة، فإننى أوقن دائما أن مصر تتغير بالفعل إلى الأفضل، لأنه لا يمكن أن يموت بلد فيه هذا القدر الرهيب من المواهب فى الآداب والفنون والعلوم، وهى مواهب لا يدرى بها أولئك الذين لا يسعون لقراءة وسماع ومشاهدة الجديد، بل يظلون قابعين فى كهوفهم التى يأنسون لها ثم يسألون لماذا يخيم الظلام دائما.
طب والله العظيم ثلاثة لا أذكر أننى كتبت يوما على كثرة ما كتبت فى مجال كنت أتخيل أنه جديد وغير مطروق إلا وجاءتنى رسائل من مواطنين مصريين أغلبهم شباب، وبعضهم لايزال يقاوم داخل مصر وبعضهم انتشر فى الأرض لطلب العلم والرزق، لأعرف من تلك الرسائل أنهم حققوا درجات علمية أو خبرات عملية فى كل مجال كتبت عنه. لذلك ومن خلال هذه الخبرة الشخصية أؤمن بأنه رغم كل ما تمت ممارسته من تخريب وتجهيل وتدمير للشخصية المصرية طيلة سنوات القهر والاستبداد،
فإن العنصر البشرى فى مصر لا يزال قادرا على صنع التغيير، وإذا سألتنى متى وكيف وبأمارة إيه وأنت تظن أن أسئلتك ستدفعنى لليأس فدعنى أقل لك من جديد إننى لا يمكن أن أيأس وأنا أرى هذا الكم المدهش من الشباب الذى يتفاعل مع دعوات التغيير، ليس تفضلا منه بل لإدراكه أن مصلحته ورزقه وأمانه ومستقبله ترتبط ارتباطا عضويا بالتغيير، وهؤلاء الشباب وحدهم هم الذين سيغيرون واقع مصر، أو فى أسوأ الأحوال سيجبرون من يختطفونها على تحسين أوضاع المخطوفين تمهيدا لتحريرهم فى يوم من الأيام يتوقف موعده على رغبة المخطوفين فى التحرر السريع.
لماذا أفتح لك سيرة الأمل والتفاؤل التى «تموّع النِفس» على الصبح؟، لأننى مؤخرا كتبت مقالين بعنوان (نكاح الأفكار) تحدثت فيهما عن منتدى تقيمه مؤسسة اسمها TED لتداول الأفكار الجديدة التى يمكن أن تغير شيئا فى العالم، سواء كانت أفكارا جنينية فى طور التشكل، أو أفكارا قابلة للتنفيذ الفورى وتحويلها إلى منتجات يتداولها الناس، كنت أتصور من خلال الرسائل والاتصالات التى جاءتنى أننى جئت بالتايهة وقدمت للقراء شيئا لا «يُسدكه عكل» على رأى ستنا شويكار، لكن عددا من الرسائل التى جاءتنى كشفت لى أننى أنا المتخلف عن مسايرة حركة الواقع فى مصر، لأننى أنا أيضا مثل القارئ ضحية لواقع الجزر المنعزلة التى يعيش عليها أناس يحاولون أن يقدموا شيئا ينقذنا من الغرق فى بحر الظلمات العظيم المحيط بنا.
ولو وجدتْ تلك الجزر المنعزلة من يقوم بربط أصحابها ببعضهم لقدمنا شيئا لبلادنا غير اليأس، مع مراعاة أننى لم أكن أبدا ولن أكون من أنصار نظرية «بدلا من أن تلعن الظلام أشعل شمعة»، لأننى أؤمن بوجوب لعن الظلام الذى رفع أسعار الشموع وتسبب فى تدهور صناعة الكبريت.
الرسالة الأولى جاءتنى من الأستاذة «يامن العوامرى» مديرة مشروع بأحد المراكز التنموية والذى فشلت فى ترجمة اسمه بدقة، تقول فيها «أردت أن أخبرك بأن TED ومجتمعها وجدت طريقها إلى مصر من خلال مجموعة من الشباب الطموح، الذين أطلقوا بالفعل المنتدى الأول فى مايو الماضى، ويعدون الآن للمنتدى الثانى، ويمكن أن تزور موقعهم لمزيد من المعلومات على الموقع الآتى: http://www.tedxcairo.com. بعدها جاءتنى رسالة من الأستاذ أحمد الجوهرى جاء فيها «أحببت أن أخبرك أن هناك مجموعة من الشباب حديثى التخرج من كلية الهندسة جامعة عين شمس قمنا بإعداد وإطلاق منتدى TED فى مايو 2010 ويعدون الآن للدورة الثانية منه خلال أشهر،
وأنا نفسى جزء من فريق العمل الذى أطلق الحدث الأول، ويمكن أن تجد تفاصيل وافية عن المناقشات التى تمت فيه والأفكار التى تم تقديمها بالفعل على موقع المنتدى (الذى نشرته سلفا) وعلى الجروب الخاص به فى الفيس بوك، بل تشاهدها على اليو تيوب بالصوت والصورة، أخيرا أريد أن أشكرك على الإشارة إلى هذا الموضوع فى مقالك بصفتك شخصا تقوم دائما بنشر الأفكار الجديدة واللامعة، وأعترف بأنك دائما كنت تلهمنى بكتابتك،
وبالمناسبة ستجد على الموقع قسما خاصا للقصص الجديدة التى يروى أصحابها كيف أثرت فيهم الخطابات التى قدمها متحدثونا على الجمهور وهل كانت ملهمة فعلا، ولك أن تعلم أننى كنت فعلا من الأشخاص الذين ألهموا الحضور كما قيل، وأنا سعيد بذلك، يمكن أن تراجع هذه القصص على الرابط التالى: http://www.tedxcairo.com/stories/mboard.php . وأتمنى أن تنضم إلينا كمتحدث فى المنتدى القادم الذى سنقوم به».
الأستاذ أحمد عيسى من الإسكندرية قال إنه كان مع أصدقاء له من إسكندرية يريدون عمل مؤتمر آخر فى المكتبة بالتعاون مع TED «بس لظروف امتحاناتنا اللى لسه ماخلصتش ماقدرناش بس هنحاول نعمله قريبا إن شاء الله»، ما أثلج صدرى ليس فقط أن هناك مؤتمرا كهذا يمكن أن يقام فى الإسكندرية،
بل إن من يعد لإقامته طالب فى مرحلة دراسية ما حتى لو كانت مرحلة دراسات عليا فهذا أمر يشرح القلب المخنوق. أما الأستاذ أحمد جاد فقد أشار فى رسالته إلى واحد من كتابى المفضلين هو الأستاذ معتز بالله عبدالفتاح الذى أشارك الأستاذ أحمد وكثيرين فى الحرص على قراءة مقاله اليومى الممتع والمهم فى صحيفة (الشروق)، وكان الأستاذ معتز قد كتب أكثر من مقال عن ضرورة تشكيل بنك للأفكار فى مصر يتم فيه تداول الأفكار المصرية «لعلنا نحفظ قريحتنا الجمعية من الضياع»،
ثم شكرنى لأننى دللته على موقع TED الذى استمع فيه إلى عدة محاضرات مهمة منها محاضرة جوزيف ناى صاحب مصطلح القوة الناعمة، ومحاضرة مهمة أخرى للسيدة جيسيكا جاكلى عن بنوك الفقراء «لا أريد أن أستبق المشاعر التى ستغمرك بعد الاستماع إليها، لكن لا يسعنى إلا أن أدعو للمسلم العظيم محمد يونس مؤسس جرامين بنك أو بنك الفقراء الذى حصل بسببه على جائزة نوبل للسلام، وألهم أمريكية مسيحية مخلصة هى ملقية المحاضرة لكى تنشئ موقعا فريدا هو kiva.org وقد أصبح بمثابة فيس بوك خاص ببنوك الفقراء فى العالم. ويمكن مشاهدتها هنا:
الأستاذ باسم راشد تحدث بالإنجليزية فى رسالته عن بعض الأفكار التكنولوجية التى أشرت إليها فى مقالى قائلا «أحب أن أؤكد أن هذه المشروعات تتطلب معيارين اثنين هما: تحويل ومعالجة الصورة وخلق البيئة. خلق البيئة أمر سهل وقد بدأ منذ أن بدأت ألعاب الكمبيوتر تدخل كل بيت فى العالم. لكن الجزء الأصعب هو معالجة الصور، وهى عملية تكنولوجية نادرة الاستخدام، ليس فى مصر بل فى العالم، وأنا فخور بأن أقول إننا فى الجامعة الألمانية فى القاهرة لدينا خبرة جيدة فى معالجة الصور وقطعنا خطوات عديدة فى هذا الجانب».
أما الدكتور نبيل محمد شلبى فقد تحدث عن مشروع اسمه (نبع الأفكار) تم إطلاقه يوم 1 نوفمبر الجارى «لكى يرتوى منه الباحثون عن الأفكار الجديدة والجيدة لمشروعات صغيرة»، والمشروع مقتبس من كتابه (ابدأ مشروعك ولا تتردد) والذى يبدو أنه حقق إقبالا لأنه طبع خمس طبعات، وستجد إن أحببت المشروع على الفيس بوك لو بحثت عنه.
أما الأستاذ أحمد عزت فقد قال فى رسالة له «من خلال عملنا فى التنمية كمؤسسة أهلية تستهدف دعم ريادة الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة، نجد أن أكبر الصعوبات التى نواجهها هى تغيير النهج الفكرى للشباب»،
ثم قال لى إن المؤسسة التى يعمل بها قامت خلال الأيام الماضية بتجربة شبيهة لما تم فى TED ولكن بشكل مختلف قليلا يستهدف تغيير فكر الشباب عن طريق التقائهم مع «أشخاص عاديين يتحدثون عن تجربتهم» دون محاضرات أو تلقين للحديث فى الجوانب الآتية «الإخفاق، التأثير، الإنصاف، المشاركة، الحظ، السرعة، الثقة»،
وكلها جوانب تكتسب بعدا خاصا عندما نسمع عنها من خلال تجارب قام بها أناس عاديون، قائلا إن مؤسسته تأمل من خلال هذه الفعالية فى أن تزرع «فى الشباب هذه القيم الأرضية التى اضمحلت نتيجة لتوارث الاستبداد ورسوخه فى وجدان الجيل السابق لشباب اليوم». أتمنى أن يرسل الأستاذ أحمد فى المستقبل إلى (المصرى اليوم) دعوة لتغطية الفعالية المقبلة التى ستقوم بها المؤسسة ليتسنى لمن يرغب الحضور والمشاركة.
الأستاذ إبراهيم التهامى الذى لم ينورنى بمعلومات حول طبيعة دراسته أو خبرته أراد أن يشرح لى فكرة الاختراع الذى توصلت إليه المخترعة تان لى وهو عبارة عن سماعة أذن يمكنها قراءة موجات العقل وترجمتها إلى تصرفات فعلية، بحيث يمكننا مثلا إسدال الستائر بمجرد التفكير فى ذلك، وقبل أن تقول وإيه الفكاكة دى ما أقوم أقفل الستارة بنفسى، دعنى أذكرك بأن هذا الاختراع سيقدم خدمات عظيمة لمن يتحدون الإعاقة البدنية، بحيث يمكنهم حتى تشغيل كرسى متحرك عن طريق استخدام تعبيرات الوجه، فضلا عن العديد من الأعمال اليدوية التى لا يمكنهم القيام بها،
كنت فى مقالى قد تساءلت عن فكرة عمل هذه السماعة، والأستاذ إبراهيم يشرح لى أنها «معتمدة على فكرة سلسلة الكلام speech chain  أو الخطوات التى يمر بها الكلام بداية من كونه أفكارًا فى مخ المتحدث إلى أن تصل إلى مخ المستمع. تبدأ الحكاية بأن يقوم المتحدث بتنظيم أفكاره ويقرر ما يريد أن يقول ثم يضع ما يريد أن يقوله فى شكل لغوى. توضع الرسالة فى شكل لغوى عن طريق اختيار الكلمات والتعبيرات المناسبة للتعبير عن المعنى. هذه العملية مرتبطة بنشاط معين فى مخ المتحدث الذى يقوم بتحويل هذه الأفكار أو تلك الرسالة إلى نبضات يرسلها عبر الأعصاب الحركية إلى عضلات أعضاء النطق مثل اللسان والشفتين والأوتار الصوتية.
تقوم النبضات العصبية بتحريك عضلات أعضاء النطق والتى بدورها تحدث تغييرات معينة فى ضغط الهواء المحيط وهو ما نسميه بالموجات الصوتية. تنتج الحركة التى تقوم بها أعضاء النطق موجات صوتية تنتقل عبر الهواء بين المتحدث والمستمع. هذه التغييرات التى تحدث فى الضغط عند أذن المستمع تنشّط أعضاء السمع عند المستمع والتى تقوم بدورها بإنتاج نبضات عصبية تُنتقل عبر الأعصاب السمعية إلى مخ المستمع. وفى مخ المستمع تحدث مجموعة من الأنشطة العصبية تُعدل طبقا للنبضات العصبية القادمة من الأذن.
وهذا ما يجعلنا ندرك رسالة المتحدث. يعنى هذا أن الرسالة تأخذ أشكالاً متعددة بناء على الوسيط الذى تمر فيه، فهى فى شكل نبضات كهربية وعصبية فى مخ وأعصاب المتحدث تنتهى عند المتحدث بإنتاج موجات صوتية وتكتمل السلسلة عند المستمع بأن يقوم بعكس الخطوات التى فعلها المتحدث. فإذا كسرنا السلسلة فى أى حلقة من حلقاتها ووضعنا وسيطا مختلفا يحول النبضات إلى شكل آخر غير حركة أعضاء النطق فإن الرسالة تُنقل بشكل آخر.
 فعلى سبيل المثال لو أن هناك جهازا يخلق وسيطا يمكن أن يستقبل النبضات العصبية من مخ وأعصاب الشخص المتحدث بشكل معين ويحولها إلى رسالة فى شكل آخر مثل أوامر أو كلمات تكتب على الكمبيوتر مثلا دون أن نتكلم أو أن يكون الشخص غير قادر على الكلام نتيجة لعجز فى أعضاء نطقه، ولكن ليس هناك مشكلة فى باقى السلسلة فإن هذه على ما أعتقد نفس فكرة عمل السماعة التى تحدثت عنها.
 الأدهى من ذلك أن هناك تجارب متقدمة جدا لنقل تلك النبضات عبر وسيط إلى جهاز كمبيوتر يكتب ما نفكر فيه دون أن نتحدث، وأعتقد أن هذه الفكرة ستنال إعجاب مسؤولى أمن الدولة فى بلادنا البهية حيث إنهم لن يضطروا إلى تعذيب أى شخص للحصول على معلومات منهم دون أن (يشعروا بالذنب) أثناء التعذيب.
 منذ عدة سنوات وأنا فى المرحلة الثانوية وقبل أن أعرف هذا الذى يسمى سلسلة الكلام كنت أفكر فى فكرة تجعلنى أتمكن من نقل كل ما هو واجب علىّ أن أحشو رأسى به من معلومات غير مفيدة حتى أضعها فى ورقة الإجابة، وكنت أتخيل جهازا يتصل برأسى وبالكمبيوتر،
 ونقوم بعمل عملية نسخ لكل المناهج ببساطة ونلصقها فى المخ ثم نمحوها بعد الامتحان مباشرة وواضح أن هذا سيكون متاحا فى أسواق الثانوية العامة المصرية فى القريب العاجل ولا الحاجة إلى محاربة الكتب الخارجية والدروس الخصوصية لأن الطلاب بأنفسهم سيكونون فى غير حاجة إلى ذلك».
انتهت رسالة الأستاذ إبراهيم التهامى المفيدة والممتعة، ولا أدرى إذا كنت بعد نشر كل هذه الرسائل تشاركنى الأمل فى مستقبل مصر أم لا. أنت حر فى قرارك، لكن أنا عن نفسى سأغنى مع فيروز وزياد الرحبانى «فيه أمل.. إيه فى أمل.. أوقات بيطلع من ملل.. وأوقات بيرجع من شى حنين.. لحظات تا يخفف زعل.. وبيذكِّرنى فيك لون شبابيك.. بس مابينسينى شو حصل». وكم هو عبقرى المعنى الذى التقطه زياد الرحبانى العظيم، «من قال إن الأمل يجب أن ينسينا أبدا ما حصل

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....