الثلاثاء، 2 نوفمبر 2010

المعطف....


فى احدى امسيات شهر اكتوبر كان هناك شاب انيق فى طريقه الى السوق الرئيسيه بعد ان قطع شارع ديفس..لكنه عاد فغير وجهته نحو التقاطع فى منطقه تشيرنج.. كان له شعر املس و شاربان ظهرا كما لو انهما رسما بقلم رصاص. و كان يرتدى معطفا بنيا وضع فى عروته ورده نصف متفتحه ، و قبعه خضراء مصنوعه من اللباد، أمالها على رأسه ليزيد فى تبرجه و تظرفه ، و على عنقه وشاح حريرى ابيض. كانت احدى يديه منسدله فى جيب معطفه بينما يمسك باليد الثانيه عصا قصيره مصقوله كان يلجأ الى فتلها بازدهاء بين الفينه و الاخرى.

كان اليوم هو احد ايام السبت من منتصف شتاء شديد البرود. فقد كانت الريح قالزمهرير تلفح الوجوه و ترتطم على الاجسام كالسياط.، لكن صاحبنا الشاب بدا كما لو انه  لديه حصانه ضد تلك اللفحات القارصه. و هكذا ، بينما كان بقيه الناس يكدون فى مشيتهم لشئ من الدفء ، كان يتهادى فى سيره مستمتعا على ما يبدو بنزهته الغريبه فى ذلك الطقس البارد.

كان تأنقه الزائد يدفع سائقى عربات التونجا الذين كانوا يلمحونه و لو من بعيد الى سوط جيادهم نحوه. لكنه هو كان يردهم بتلويحه من عصاه ملمحا اليهم بعدم رغبته فى الركوب. كما ان احدى سيارات الاجره سارعت نحوه و توقفت قربه بينما سائقها ينظر اليه مستفسرا لكنه هو الاخر رد على اعقابه مع بعض كلمات الشكر هذه المره.

و بينما يقترب من الجزء الاكثر حيويه من منطقه الاسواق انتعشت نفسه و اخد يصفر لحنا راقصا بدا يخطو مسرعا على ايقاعه، لكن خطواته تحولت فجأه الى ركض متظاهرا انه يهم بتمرير كره كما لو انه يمارس لعبه الكريكت. و عند المنعطف الذى يؤدى الى حديقه لورانس ، توقف للحظه ليقرر على ما يبدو اى طريق سيسلك..

كانت الحديقه تبدو كئيبه منفره للنفس تحت ضوء ذاك المساء المصقع، لذا فقد توجه مباشره نحو مقاطعه تشيرنج. و ما ان وصل تمثال الملكه حتى سكن طيشه . و سحب منديلا من كم معطفه حيث كان قد وضعه و بدأ يمسح وجهه.

و على المرج الذى كان يقع على مقربه من التمثال، كان بعض الاولاد الانجيلز يلعبون بكره مطاطيه كبيره . وقف يتفرج على اللعب لكن الاولاد لم يلحظوه فى بدايه للامر ، و ما ان شاهدوه وهو يحدق بهم شعروا بالارتباك فحملوا كرتهم و انطلقوا نحو الطرف الاخر من المرج و هم يتضحكون و يتصايحون اما صاحبنا فقد وقع نظره على مقعد اسمنتى على جانب الطريق جلس عليه بعد ان نفض ما تراكم عليه من غبار..

و ما ان حل الظلام حتى بدأت حده البرد تتزايد . كان البرد من النوع الذى دفع الناس لالتماس الراحه و الدفء بالمتعه و اللهو . ففى اوقات كتلك لم يكن المسرفون وحدهم يتجولون خارج منزلهم فحتى اولئك الذين اعتادوا ان يقنعوا بالعيش فى طوق وحدتهم كانوا يخرجون من مخابئهم ليشاركوا فى متعه التجول فى الطرقات و الاستمتاع بدفء تقارب الاجسام . و هكذا فقد تدافع الناس نحو مركز المدينه حيث الفنادق الضخمه و المطاعم و المقاهى و غير ذلك من ضروب البهجه و التسليه كل حسب طاقاه . فاؤلئك الذين لا يستطيعون تحمل نفقات الاستمتاع فى الداخل حسبهم التجول فى الخارج و يجولوا نظراتهم عر الاضواء الملونه و الدعايات المتألقه فى الخارج.

أما الشاب الظريف الذى يجلس على المفعد الاسمنتى فقد اكتفى بالتفرج على الماره و هو يعبرون الرصيف امامه. و كان اهتمامه ينصب على لباسهم دون وجهم و اشخاصهم التى كانت تمثل كل مسارات الحياه فمنهم التاجر والموظف و الطالب و الفنان و السائح و المراسل و غيرهم . كان معظمهم يرتدون المعاطف بشتى اشكالها و انوعها بدءا من تلك الصديريه المصنوعه من وبر الخراف الفاخر الصنع حتى تلك المعاطف الخشنه التى يجدها المرء فى اكداس كبيره فى محلات الثياب المستعمله.

كان معطفه قديما ، لكنه كان حسن التفصيل و القماش و كانت قبته و ثنيه صدره مجسمه و اكمامها طويله اما ازاره الكبيره اللامعه فكانت مصنوعه من عظم القرن. و باختصار فقد بدا الرجل فى منتهى السرور وهو يرتدى معطفه هذا.

و بينما هو جالس يراقب الماره ..مر صبى يبيع السجائر و ارواق التنبول فاستوقفه قائلا:
-هل لديك فكه عشر روبيات؟
- لا يا سيدى و لكن سأذهب لاصرفها لك.
- و لكم ماذا لو لم تعد؟
-اذا كنت لا تثق بى يا سيدى فبامكانك ان ترافقنى على اى حال، ماذا تريد ان تشترى؟
- لا بأس ...خد لقد وجت انه واحده...اعطنى سجائر من النوع الفاخر و انصرف.

اشعل سيجارته و بدا وهو يستمتع بكل نفس فيها . و بينما كان يستمتع بتديخنه احس بقطه بيضاء صغيره ناحله تموء وهو تلتصق بساقه.. "يا لها من حيوانه صغيره " دمدم قائلا وهو يلمس على فروها الناعم.

و لم تمض دقائق قليله حتى هب وقفا، ثم انطلق يجوب شوارع منطقه الاسواق الرئيسيه حتى استهوته الاضواء المتألقه لاحدى ردهات دور العرض السينمائى.. كان الفيلم قد بدأ و كان ثمه اشخاص يتفرجون بتثاقل على لوحه العروض  القادمه. و من بين اولئك الاشخاص كان هناك ثلاثه فتيات انجليزيات المولد هنديات الموطن انجيلزيات الموطن يقهقهن على مجموعه من الصور المعلقه . اقترب الشاب منهن لكن بقى على بعد خطوتين منهن حسب ما تقتضيه الياقه.

نظرت احداهن الى الخلف وسط لكزات و نظرات الاخريات. فجأه انفجرت ضاحكه بينما دفعتها رفيقاتها اللتان كانتا تحاولان ضبط نفسيهما نحو الخارج. و ماهى الا ثوان قليله حتى كن خارج ردهه السينما. بدا الشاب غير مكترث بمغارتهن  ثم غادر هو نفسه المكان بعد قليل من التردد.

كانت الساعه قد تجاوزت السابعه . تابع من جديد جولته فى قلب المدينه. كانت الالحان الموسيقيه تنبعث من احد المطاعم حيث تجمع العديد من الناس فى الخارج. عابرو السبيل و سائقى سيارات الاجره و عربات التونجا و عمال ومتسولون . وفى احد الاطراف وقف عدد من بائعى الفاكهه امام سلالهم الفارغه يستمتعون بالالحان الشجيه التى تعزفها مجموعه من الموسيقيين البارعين داخل المطعم . و بدا المتفرجون اكثر استمتاعا من اولئك الذين كانوا داخل المطعم فقد كانوا ينصتون بصمت رغم ان الموسيقى كانت اجنبيه حديثه.

كانت المحطه التاليه فى جولته عند محل لبيع الكتب و المجلات . التقط بعض المجلات و اخد يقلب صفحاتها ثم اعادها بعنايه الى مكانها. و على بعد امتار قليله لفت نظره سجاده عجميه كبيره كانت معلقه خارج احد المتاجر و ما ان راه صاحب المحل الذى كان يرتدى ثوبا طويلا و عمامه حريريه حتى ادره بتحيه حارة.

- اريد ان اتفحص هذه السجاده.."قال الشاب"
- اجاب صاحب المتجر : بكل سرور يا سيدى
و عندما هم صاحب المتجر لانزل السجاده سارع الشاب قائلا :
- لا تكلف نفسك هذا العناء فانا استطيع مشاهدتها على هذه الحاله كم هو ثمنها؟
- 1430 روبيه يا سيدى "اجاب التاجر ببشاشه
ارتسمت علامات العبوس على وجهه الشاب و بدا كما لو انه يريد ان يقول بان الثمن ياهظ جدا
سارع التاجر الى القول " ما عليك الا ان تختار يا سيدى و سوف اخفض لك السعر الى الحد الادنى"
شكره الشاب ممتنا و قال : انها حقا سجاده رائعه سوف اجئ فى وقت اخر.. ثم انطلق فى مسيره من جديد . كادت الورده البضاء التى تزين عروه معطفه ان تقع بعد ان انزاحت من مكانها قليلا لكنه راح يحاول ان يثبتها بعد ان ارتسمت على وجهه ابتسامه عريضه غريبه.

كانت حده الزحام فى هذه المنطقه قد بدأت تخف كثيرا و بدت الارصفه شبه خاليه من الماره و بينما الشاب يحاول ان يسلى نفسه ببرم عصاه ، سقطت العصا على الارض فعاد ليتقطها وهو يأيف بدهشه لاخفاقه.

وفى تلك الاثناء مر به شاب و فتاه كانا يسيران خلفه ثم تجاوزواه . كان الشاب طويل و يرتدى سروال سميك و ستره جلديه اما الفتاه فكانت ترتدى ثوب متهدل مصنوع من الساتان الابيض و معطف احضر . كانت قصيره القامه ضخمه الحجم و كانت ضفيره شعرها ترتطم بمؤخترها بصوره مثيره وهى تسير مع رفيقها امام بطل قصتنا الشاب الذى شعر بالبهجه وهو يراقب هذا المشهد مما دفعه الى متابعه السير خلفهما. و بعد فتره من الصمت سمع الشاب يهمس فى اذن فتاته لكنها اجابه محتده : "لا"
- لكنى اخبرتك ان الطبيب هو احد اصدقائى و لن يعرف احد شئ عن تلك القضيه.
- لا ..قلت لك لا
- لن ينطوى ذلك على اى الم..
ظلت الفتاه صامته دون اجابه
- انك تدركين كم سيكون ذلك مزعج لوالديك..عليك ان تفكرى بشرفهما
- اخرس والا ساخرج عن شعورى

لم يجد الشاب حتى ذلك الحين ما يمكن ان يثير اهتمامه فى كل ما شاهده فى ذلك المساء فقد كان غارقا فى نفسه . لكن هذه المشاهده الاخيره كانها استحوذت على تفكيره . فقد وجد نفسه امام شخصيتين غريبيتن بدتا كما لو انهما خرجتا من صفحات قصه رومانسيه.تابع اللحاق بهما محاولا الاقتراب اكثر عله يحظى بنظره اكثر لوجيهما و يسمع الكزيد من الحديث.

و ما ان قطع الشاب و فتاته بضعه امتار اخرى بعيد عنه حتى اسرع الخطى حتى يلحق بهما. و كاد ان يقطع منتصف الطريق عبر الشارع عندما صدمته شاحته بالقرميد مرت منطلقه من خلفه مثل ريح عاصفه تركه اياه ملقى على الارض وتابعت ميرتها مسرعه نحو الشارع التالى.. سمع سائق الشاحنه صيحه فحاول للوهله الاولى ان يخفف من سرعته لكنه بعد ان ادرك ان شيئا خطيرا قد حدث عاد فانطلق بشاحنته مسرعا مستغلا جناح الظلام ليختفى فى عتمه الليل.

صاح اثنان او ثلاثه من عابرى السبيل ممن شاهدوا الحادث :"اوقفوه خذوا رقم سيارته" لكن الشاحنه كانت قد توارت عن الانظار.

و ماهى الا لحظات قليله حتى تجمهر بعض الناس حول المكان. و توقف احد شرطه المرور ليرى ماذا يحدث. كان الشاب قد اصيب بجروح بالغه و حالته تدعو الى القلق . اوقف الشرطى احدى السيارات العابره حيث نقل بواستطها الى احدى المستشفيات القريبه وهو يلفظ اخر انفاسه.

و فى قسم الاسعاف سارع الجراح المساعد و اثنان من الممرضات بذل المجهود لاسعافه حيث مددوه على طاوله العمليات مرتديا معطفه البنى و وشاحه الحريرى. كانت بقع الدم الكبيره تغطى مساحه كبيره من ثيابه قد قام احدهم من قبيل الشفقه بوضع قبعته الخضراء على صدره اثناء نقله حتى لا تضيع وهو فى طريقه الى المشفى.

-قالت الممرضه لزميلتها : ان مظهره يدل على انه ميسور
 - مسكين لقد لبس احسن ثيابه ربما لمناسبه سعيده ما فى هذه الليله.
- هل امسكوا بالسائق؟
- لا..لقد لاذ بالفرار
- انه لامر يبعث على الشفقه..حقا!!

و فى غرفه العمليات كان الجراح المساعد و الممرضتان الذين ارتدوا كمامات العمليات الجراحيه يقومون بمحاوله يائسه لانقاذ حياته. و كان الشاب ممدد على منصته و رائحه الزيت المعطر القويه التى وضعت عليه فى تلك الليله لا زالت تنبعث منه بصوره باهته.
سارعت الممرضه بنزع ثيابه . وكان وشاحه الحريري اول قطعة ثياب اريد نزعها . وفجأه !!! تبادلت الممرضتان النظرات ، فلم يكن بمقدورها التعبير بالكلمات وهما يرتديان الكمامات.

لم يكن تحت ذلك الوشاح ربطة عنق او قميص . إذ لم يكن هناك اثر قميص . تحت ذلك المعطف البني الانيق كان الشاب مرتديا صدريه باليه مليئه بالثقوب التي كشفت عن قميص داخلي غير نظيف لم يكن احسن حالا من تلك الصدريه الممزقه. وقد لجأ ذلك الشاب الي ارتداء الوشاح بطريقه اخفي من خلالها عنقه ومعظم صدره . كان طبقات الوسخ تغطي انحاء جسمع الذي بدا وكأنه لم يلامس الماء منذ فتره طويله . اما الجزء العلوي من عنقه فقد بدا وكأنه نظيف وزاه . بعد ذلك ، جاء دور سرواله ، الذي ما أن وقعت عيون الممرضتين عليه حتي عادتا تتبادلان النظرات من جديد . فقد كان سرواله مربوطا باحكام حول ركبته بشريط قماشي قديم ربما كان في يوم من الايام عباره عن ربطه عنق. كان دون ازرار . اما قماشه فكان مهترئاً عند الركبتين ، لكن المعطف الذي يرتديه ساعد في اخفاء كل تلك العيوب .

كان حذاؤه قديما ، لكنه مطلي لامع . اما بالنسبه لجواربه فقد كانت عباره عن فردتين متنافرتين شكلا ولونا ، علاوه علي انهما كانتا ممزقتين من ناحية الكاحل

وها هو الشاب الأن مجرد جسم هامد بلا حياه ممدد علي الرخامه البيضاء كان وجهه قبل ان تخلع ثيابه باتجاه السقف ، لكنه اصبح متوجها نحو الجدار بينما كانت الممرضتان تزيحان الملابس عن جسمه . لعله فعل ذلك خجلا من هذا التعري المزدوج للجسد والروح
 وفي داخل جيوب معطفه تم العثور علي ما يلي :

مشط اسود صغير ، مبلغ يسير من النقود ، نصف سيجاره ، مفكره صغيره كتب فيها اسماء وعنواين بعض الاشخاص ومنشورات دعائيه دفع بها اليه الموزعون خلال جولته المسائيه .

اما عصاه الصغيره التي ربما فقدت اثناء وقوع الحادث فلم تكن للأسف مشموله في قائمة مقتنياته الخاصه.







القصه القصيره : المعطف  
تأليف : غلام عباس "كاتب هندى معاصر"
ترجمه : جلال السعيد الحفناوى
من كتاب : نظرات حائره و قصص اخرى من الهند
"احد اصدارات مكتبه الاسره لعام 2009" 

"يمكن يجى اليوم اللى افصص فيه الكتاب الممتع ده اكتر بس تدوينه تانيه ان شاء الله"









امضاء
دودى
مدونه رفايع...مجرد رفايع

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....