الثلاثاء، 23 يونيو، 2015

المعجزة او سبات العقل فى الاسلام ل جورج طرابيشى

اسم الكتاب: المعجزة او سبات العقل فى الاسلام
تأليف: جورج طرابيشى
عدد الصفحات: 191 صفحة
اصدارات رابطة العقلانيين العرب
التقييم: 5/4.5

اهتم طرابيشى سابقا بالاحاديث ذات المدلول السياسى فى كتابه الاكبر و الاهم "النشأة المستأنفة" ...لكن ها هنا يتداول مفهوم الاعجاز فيها من حيث الاتيان بنبأ الغيب ، و يشير طرابيشى -و نشير معه- الى الجانب السياسى فى الاحاديث النبوية المتأخرة التى نراها وضعت كنوع من التبرير لحوادث صفين و الجمل بل و الحرة و كربلاء بوضعها بقالب نبؤة عن قدر واقع لا محالة ك بديل عن الاشارة لضعف الدين و فساد الحكم و الحاكمين ناهيك عن تكريسها لنصرة افراد دون افراد و جماعات دون جماعات و ذو العقل يدرك تلك الاحاديث الموضوعة بسهولة من متنها و دون النظر حتى الى سندها فى رأينا

و رغم اشارات القرآن الكثيرة عن الغيب و حكره تماما لله وحده مع عدم استثناء لنبى ولا ولى فان السنة قد كرست بمنظومة الحديث المتضخمة قرب القرن السادس الهجرى ففصلت الاحاديث لتأيد و ذم معاوية ، و على كلا حسب فريقه...و احاديث اعجازية اخرى توصى بالحياد ....بل و امتد الامر الى استغلال لمفهوم المعجزة فى الحديث النبوى كذريعة لتأيد اتفاق معاوية/الحسن الذى سرعان ما فشل بعدها بسنين قليلة بواسطة "العسل" لتكتمل التجربة بثنائية يزيد/الحسين

و رغم ترديد القرآن الدائم لانسانيةالنبى و رغم استدلال الفقهاء انفسهم ببشرية الرسول دليل على نسب القرآن الالهى و رغم اشارة القرآن الى ضعف و احتياج الرسول قبل النبوة و تدعو لعدم طلب المعجزة الحسية و احيانا عدم جدواها بدليل كفر اليهود رغم عنها , نذكر منها:
وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ ۖ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ

ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين

وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون

فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ

وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين

فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل
*************
لكن الامر لم يمنع من تكريس طفولة "على نهج عيسى" فنرى فى السير حديث عن ولادة النبى مختونا ، نظيف من تلوث الولادة ، متحدثا فى المهد بل و اشارات الى بعث عبد الله بن عبد المطلب ليؤمن به ، و يروى لنا الحلبى عن امنه ان النبى تحدث بسن ثمانية شهور و تحدث الفصحى فى تسعة و رمى السهم فى العاشرة و نكرر ان وحدة القياس هنا الشهور لا السنين

و حتى رفض النبى لخسوف الشمس لموت ابنه -حتى و ان كان تعاطفا لا بالادارة و الاعجاز- الذى يعترف به السنة و يكثرون من ترديده لم يمنع الحاق نفس الفعل الى النبى فى حوادث اخرى من كتب التراث

فنرى "تحولا" للشخصية المحمدية التى يرسمها القرآن كبشر يلمع -فقط- بتكريم من الله و يحمل شرف و عبء الرسالة و يرهق حينا ...لا يقوى حتى على اختيار زوجاته دون تدخل الارادة الالهية , لانسان "مقدس" مبارك مخاطه و دمائه و سوائله الجسدية و يمنح حذاءه بركة و معجزات
****************
مطلع القرن الثالث الهجرى دونت سيرة ابن هشام فضمت ١٠ معجزات حسية للنبى ، اما فى القرن الخامس فيدون لنا المارودى ٤٠ معجزة مختلفة و متنوعه بينها ما يتشابه مع ابن هشام و منها الجديد علينا ، و بالضرورة عندما نصل للقرن السادس تضاعف عن صورة ابن هشام الاقدم اثنى عشر مره فنقرأ فى "الشفا فى تعريف حقوق المصطفى" ل القاضى عياض تلميذ انس ابن مالك لتصل الى ما يقرب ١٢٠ معجزة رغم ان مالك نفسه فى الموطأ لم يدون الا عن ٣ معجزات و لم يفرد لها باب خاص بها ، لنصل الى ابن كثير فى القرن الثامن الذى سيحافظ على العدد و يجدد فى طريقة العرض فيكثر الروايات و يفصل و يوضح فيما يزيد عن مائتين صفحة و نعود لنقارن ذلك ب موطأ مالك الذى لم يكلف فصلا خاص حتى لها ، و تصل فى "السيرة الحلبية" الى الاشارة الى ثلاثةالآف معجزة
****************
و كما فعل طرابيشى فى النشأة المستأنفة و هرطقات بجزئيه لا يتحدث عن الاسلام وتراثه و سنته و الفقه -كما عودنا مؤلفينا- حديث السنة فقط بل يتبعه بالمقارنة دائما بنظيرها الشيعى ... و هنا ندرك الاستخدام الشيعى الكلاسيكى او السلفى للتكريس لوصية على كما استخدم فقهاء السنة نفس المسلك ، فنجد نفس المعجزة ذاتها باختلاف اسم الصحابى المرافق للاعجاز...فيهتز الجبل بالنبى و عثمان و عمر و ابو بكر فيضرب النبى الجبل بقدميه و يخبره ان يثبت "فعليه نبى و صديق و شهدين " فى كتب السنة ، بينما يتهز نفس الجبل بصحبه على فينطق النبى "اثبت فعليك نبى و وصى" كما فى كتب فقه الشيعة...

و كما استخدم فقة السنة التابع للسلطة الزمنية معجزات علم الغيب النبوية ل"شرعنة" حكم الاموية و العباسية , استخدم فقهاء الشيعة المعارضين احاديث مضادة لتأكيد امامية نسل الحسين ...و يلفت انتباهنا احد تلك الاحاديث على لسان سلمان الحلبى انتهت ان خلق النبى و على و فاطمة و الحسن و الحسين و النقباء التسعة كان من "نور" الله لا من طين ولا من لحم و دماء فى الاصل
***************
و لم يرد طرابيشى ان يغلق هذا الباب العجائبى دون ان يورد لنا دليل من الاضافات التى اضافها الفقة الشيعى لمعجزات الأمام تلو الاخر و اولهم على ... و المدقق المتأمل يرى جانب -ربما اقل سطوعا- حين اضيف الى الفقه السنى عدد ضخم من المعجزات للصحابة منها احياء الموتى و المشى على الماء

و يتوقف طرابيشى و نتوقف معه على تلك الرواية التى رواها محمد بن جرير الشيعى -تميز له عن نفس المسمى السنى الشهير- لتلك لن تكتفى بكسر تابوه اسلامى قرآنى بمنع المعجزات الدنيوية عن النبى بل ستضيف كسر للتابوه النبوى ذاته حين يروى ان على بعث بالرسول محمد حيا ليشهد له بالخلافة امام ابى بكر ...و الذى وفقا للمعتقد الشيعى الاعم "سارقى" الخلافة هو و عمر بن الخطاب

و التوقف هنا ليس للدلالة على "هوس" الشيعة كما يبدو و كما يحب ان يردد فقهاء الكلاسيك.. بل علامة على التمادى فى ذلك الباب الذى فتحه فقهاء السنة ذاتهم و بفعل عام الزمن الذى وسع من القاعدة حتى وصلنا لتلك المرحلة

و الامر لا يخلو من بعض المعجزات للتسلية فنرى عليا يمسخ شخص يصرخ فى وجهه كلب , او ان يروى عن سهم قوس العلى ينقلب ثعبان عند انطلاقه و ركوب للسحاب احيانا...و لا مانع من اضافة معجزات "اتوماتكيه" لرجل من النواصب -لفظ شيعى شهير يوصف به اهل السنة المتشددين و مقابل للفظ الرفاضى عند المعسكر المقابل- فيتحول دون تدخل من احد الى كلب برأسه و وبره و يصلى متمنيا من الله العودة

و لم يمنع كل هذا قليل من التفكير عن سبب عدم استخدام "على" او غيره لخصائص العجائب تلك على قاتله او على المشركين ايام الذلة او حتى فى النصر على معاوية و كان يكفيه ان يمسخه حيوان لتحسم الحرب التى قتل فيها الالالف من عامة المسلمين و الصحابة على السواء....و بالفعل يسأل السؤال فتضاف جمل جمه من اقوال على "اذا اراد" ان يكسب الحرب تلك ..و لكن تلك ال"اذا" و ال"لو" تبقى فى حيز الامانى و سطور فى كتب الشيعة المنسحقة تحت دوالايب السلطة الزمنية
*************
يرى احمد امين ان الشيعية طائفة تشل العقل و تميت الفكر و برر ذلك بزيادة سقف الغرائبية و العجائبية فى قصصهم , و يرى طرابيشى ان تلك نتيجة لا سبب و يبرر ان الضغط الدينى و السياسى لفترات طويلة و نزول الطائفة "تحت الارض" اسهم فى الشطط فى قصصهم..و اى كان التبرير الذى تفضله تبقى حقيقة غلو الشيعية فى المعجزات و توسع رقعتها الضخم لجميع الأمامة , و صحيح ان للصوفية الاسلامية كما للقديسين المسيحين فى العصور الوسطى معجزات و كرامات لكن فى حالة الصوفية ظلت تلك دائما خارجة عن الدين الرسمى و محفوظة فى صدور و عقول البسطاء فقط

تعدد الاسباب و النتائج و ان كانت تلك نواتج الاضطهاد ام من احساس ب"النعرة" و الفخر فالمحقق يرى فعلا مبالغة و فى قصة "الخيط" يروى عن خيط جلبه جبرائيل من عهد موسى للنبى و يحمله ابناء على و فاطمة من الجيل الثالث يؤدى حركته الهينة الى الزلزال و الكبيرة منها الى فناء البشرية...و تنتهى تلك العجائبية الكبيرة الى قول على لسان محمد بن الباقر يقول فيها ما معناه ان "عترة بيت النبى" سبب خلق الله للارض و السماء و الناس و الدواب ولا قمر ولا شموسا

و نرى فى رواية قرآنية النبى ابراهيم يطلب من الله التأكد فيكون التأكيد على ربوبية الرب و الوهية الاله هى احياء الطير بعد قتلها و توزيع لحومها ...و نفاجئ براوية فى كتب الشيعة عن سلمان الفارسى يريد التأكد من امامية على فيطلب منه تقطيع لحوم طيور مختلفة ليحيها عليا بنظره من عينيه

و ذكر عجائب الأمامة الشيعة يضيق به كتاب طرابيشى ذاته علاوة على حديثتا هذا ...لكن محاولات التوفيق بين علم الامام "الكلى"و الشامل و الجامع لعلوم الغيب و بين عموم قتلهم بالسم الذى يشتهر بالغدر و عدم المعرفة الذى حصد ارواح أئمة الشيعة واحد تلو الاخر...و فى تخريج كتبه الشيعة لذلك الامر أمر طويل يتقضى غالبا رواية علم الامام بالمكيدة و استسلامه لها و بذلك يتحول موت الامام -براوية سابق علمه لها-دليل فى حد ذاته على قوته لا برهانا طبيعى عن كذبه

و لا ندرى سبب تفضيل الشيعة لفكرة الامام المهدى المنتظر بدلا من قتله كسابقيه و يبرر طرابيشى ان فى ظل الشدة زادت الحاجة الى المعجزة لدرجة تفضيل الشيعة ل"اخفاء" امامهم بدلا من قتله كما قتل من قبله

و عموما فالمعجزات الامامية تماما كالمعجزات النبوية تتبنى منحنى تصاعدى ففى كتب الشيعة الاوائل تكون المعجزات قرب الخمسين لترتفع فى عهد الطبرى الشيعى الكبير 250 ثم تتضخم الى 300 فى كتب الطبرى الصغير و من ثم ترتفع فى كتاب "دليل المعاجز" للبحرينى الى قرابه الالفين معجزة موزعة فى اربعة الف من الصفحات المكدسة و التضخم هنا ليس كما فقط بل كيفا و تصاعدا حقيقيا فى كسر الواقع و قواعد الناموس فنرى دائما المعجزات المتأخرة اكثر عجائبية من زميلتها الاقدم... ذلك دون معجزات فاطمة التى لم يحصيها طرابيشى عددا و لم يحيطنا بفحواها
**************
و قرب النهاية نتسأل عن سبب اعادة تأسيس الاسلام على اساس نبى مثقل بالمعجزات المادية رغم تفاخره الاول بمعجزته القرآنية الاثيرة و الاعجاز اللغوى الذى نكاد نراه يتوارى وراء سحابة كثيفة من الاعجازات التى اخذت تتوسع كما و كيفا و امتدادها خارج عصر النبوة ذاته؟

يرجح طرابيشى ان ما اسماه "دين الفتوحات" ما كان ليستمر بمعجزة حسية عقلية كالقرآن تحتاج الى لغة قوية و عروبة ظاهرة لسبر اغواره و لبيان قوته و اعجازه, فى ظل مسيحية تطورت فى ذلك العصر الى ديانة مادية تزدحم بالمعجزات ليس لليسوع فقط ولا لحواريه فقط بل بامتداد طبيعى الى القديسين و ما اكثرهم فى ذلك العصر ...

بمنظور التركيبة السكانية لبلدان الفتوحات المقصودة بالدخول فى دين الله افواجا نستطيع ان نرى التحول من اعجاز الرسالة و القرآن الذى يتطلب اعمال للعقل حتى ان كان نسبيا محدودا بحدود الممنوعات , الى دين المعجزات الحسية التى تشل العقل حسب تعبير احمد أمين حين تحدث على معجزات أئمة الشيعة

و بما تداخل العنصر الاجنبى بشده فجلب معه تقاليده "السحرية" فيؤثر العموم الضعيف فى الخاص القوى فى مثال مشابه لقول ديورانت عن اجبار الرجل العادى فى العصور الوسطى الكنيسة ذاتها على ادخال افكاره البدائية فى الدين الرسمى

و الحقيقة ان تأثر و تأثير الاديان ببعضها البعض واقعا ملموسا شاء من شاء و أبى من أبى فنرى لمحات من "الحمل بلا دنس" للائمة و للنبى نفسه كما نراها جلية فى المسيحية و ربما البوذية نفسها ...و تأثير الاسلام فى مسيحية القرون الوسطى واضحا خاصة فى وضوح مفاهيم الحساب و العقاب و ليرى ذلك أولى الالباب ان ارادوا

فاستعملت المعجزة كتخريج لمشاكل النصر و الهزيمة , قيام و سقوط الدول , الخلافات الداخلية , تنفيس عن ضغط فئة مظلومة احيانا , و لتوطيد حكم قائم غالبا,

و لأن المعجزة الحسية فعل لاحق على الاسلام -ان اعترفنا بقليل من اعمال العقل بوضعية تلك الاحداث- فنقدها لا يقوض اساس الاسلام ذاته ولا عقيدته بل فقط يشككنا فى صحة الفعل التاريخ التالى لحجر التأسيس الالهى الاول على عكس المسيحية التى يقبع الاعجاز فيها محل التأسيس نفسه فى النص المقدس...و ربما يجب ان نسعد لهذا اذا اخذنا الخطوة النقدية بعد كل تلك السنين فنحطم "هياكل الوهم" التى اشار لها محمد عبده قديما لكننا لم ننتبه بعد

دينا نبيل
مايو 2015
رفـــايـــع

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....