الثلاثاء، 23 يونيو، 2015

قصة الحضارة 23- عصر الايمان 4 -الحضارة العبرانية

اسم الكتاب:عصر الايمان 4 -الحضارة العبرانية- المجلد الثالث و العشرين من قصة
الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: محمد بدران
اصدارات: دار نوبليس
عدد الصفحات: 350 صفحة
التقييم: 5/4

فى ذلك الوقت فى العصور الوسطى و عند اقسام العالم الابيض الى كتلتين عظيمتين الاولى اسلامية متحضرة تفرض سلطانها بالدين و الدولة على شمال افريقيا و اجزاء كبيرة من اسيا و اوروبا ...و حضارة مسيحية تعيش عصورها المظلمة بعد سنين من السلم الرومانى مسيطر عليها من كائن اعلى اخطبوطى يسمى الكنيسة الكاثوليكية و على رأسها البابا تضعف قوتها حينا و تقوى حينا تهيمن دينيا على باقى اوروبا و اجزاء من اسيا .... يقف مشتت وسط كل شعب صغير يجمعه دين ولا يجمعه وطن , يتمسك جدا بكونه "مختلفا" عن باقى المواطنين و يعيش حياته ليعاد تجميعه
اليهودى يظل يهودى مهما كانت دولته , و بداخله حنين دائم و هدف نصب عينيه يردده فى كل صلاة و كل اجتماع لطائفته لم ذلك الشمل الغريب
ما هدف الكتاب؟ و كيف نطلع عليه نحن العرب؟ ... فاما الهدف فصورة شاملة لتاريخ و شخصية و أداب و دين اليهودى بغض النظر عن وطنه و بلده فى العصور الوسطى الطويلة الممتدة لعشرة قرون...و اما السؤال التانى فصعب و مرهق لنا و يخرجنا من نطاق حياديتنا المعتادة كقراء للتاريخ , فكيف الفصل بين يهودى القرون الوسطى من عام 135 ل 1300 و بين صهيونى عصرنا؟ و كيف نرسم فى اذهانا انهم بشر عاشوا على الارض كغيرهم و تركوا تراث كغيرهم
ديورانت معجب باصرار اليهود و احترامهم لحلمهم ... لكن ديورانت مغرم بالحياة الروحية فى الهند ايضا و بقيام حضارات الصين دون سند دينى و بفن اليونان و بقوانين روما و ببهرجة بيزنطة و ببساطة المسيح و بقيادة و اخلاق محمد , ديورانت مغروم بالانسانية و
اليهود معه ليسوا استثناء ... ذلك شأن ديورانت و لنا شأننا
***************
حرم اباطرة الرومان على اليهود دخول القدس و سمحوا لهم بعد فترة بدخول المدينة فقط فى يوم ذكرى تدميرها للبكاء على اطلالها و الخروج نظير أجر مادىو عند ظهور المسيحية اتضطدهم بدورها و اعتبروها دين غريب مندس و تعاملوا معاملة عباد الهة روما القديمة مضطهوا الامس
فتم الشتات بين القارات ال3 الكبرى ...و نستعين بكلمات ديورانت:
وكان اليهود في البلاد التي انتشروا فيها ينتعشون على الدوام بعد هذه الخطوب، فكانوا يعيدون بناء معابدهم في صبر وأناة، وينظمون شئون حياتهم ويكدحون، ويتجرون، ويرابون، ويصلون، ويأملون، ويزدادون ويتضاعفون. وكان يطلب إلى كل جالية في بلد أن تقيم على نفقتها مجتمعة ما لا يقل عن مدرسة ابتدائية وأخرى ثانوية يضمهما في العادة الكنيس نفسه
وكان يشار على العلماء ألا يعيشوا في بلد يخلو من هاتين المدرستين. وكانت لغة العبادة والتعليم هي اللغة العبرية، أما لغة التخاطب اليومي العادي فكانت الآرامية في بلاد الشرق، واليونانية في مصر وفي بلاد أوربا الشرقية؛ أما في غير تلك البلاد فكان اليهود يتخاطبون بلغة من يعيشون بينهم من الأهلين.
وكان الدين هو الموضوع الذي يدور حول التعليم اليهودي، أما الثقافة غير الدينية فكادت في ذلك الوقت أن تهمل إهمالاً تاماً. ذلك أن اليهود المشتتين لم يكونوا يستطيعون أن يحفظوا كيانهم جسمياً وروحياً إلا عن طريق شريعتهم، وكان الدين عندهم هو دراسة هذه الشريعة والعمل بها. وكان دين آبائهم يزداد قيمة لديهم كلما زاد الهجوم عليه، وكان التلمود والكنيس الدعامتين والملجأين اللذين لا غنى عنهما لشعب حائر تقوم حياته على الرجاء ويقوم رجاؤه على الإيمان بالله.
كان لليهود وقتئذ شريعة ولكن لم تكن هناك دولة، كان لهم كيان، ولم يكن لهم وطن. ذلك أن أورشليم ظلت إلى عام 614 مدينة مسيحية، وإلى عام 629 فارسية، وإلى عام 637 مسيحية مرة أخرى، ثم ظلت من ذلك الوقت إلى عام 1099 حاضرة إسلامية. وفي ذلك العام الأخير حاصرها الصليبيون، وانضم اليهود إلى المسلمين في الدفاع عنها، فلما سقطت في أيدي الصليبيين سيق من بقي فيها حياً من اليهود إلى إحدى بيعهم وأحرقوا عن آخرهم ، ولما استولى صلاح الدين على المدينة عام 1187 أعقب ذلك ازدياد سريع في عدد اليهود،
واستقبل السلطان العادل أخو صلاح الدين ثلاثمائة من أحبارهم الذي فروا من إنجلترا وفرنسا في عام 1211 استقبالاً حسناً. لكن ابن نحمان لم يجد فيها بعد خمسين عاماً من ذلك الوقت إلا حفنة صغيرة من اليهود ، ذلك أن سكان بيت المقدس كانوا قد أصبحوا كلهم تقريباً مسلمين.
****************
و بالانقسام بين البقية الضئيلة فى فلسطين و بابل نشأت الموجة الثانية فى الدين اليهودى .... التلمود
بعد الشتات و خروج اليهود من مجتمعهم الضيق المنظم بدقة تحت مراقبة و قوانين الحاخامات كان لابد من اقامة شقين للحفاظ على النوع و الحفاظ عليهم من الذوبان فى المجتمعات الجديدة الاول دينى و الاخر سياسى/اجتماعى
فاما الشق الدينى فرؤية ان الاسفار الخمسة لموسى بل و العهد القديم كله لم يعد كافيا و ان تدوين الاراء الشفوية و انشاء حالة من السلفية اليهودية , و التلمود نوعين بابلى و فلسطينى ...و البابلى اطول ب11 مرة و استغرق قرن فى تجميعه
ليس التلمود موسوعة من التاريخ، والدين، والشعائر، والطب، والأقاصيص الشعبية وحسب، بل هو فوق هذا كله رسالة في الزراعة، وفلاحة البساتين، والصناعة، والمهن، والتجارة ، وشئون المال، والضرائب، والملك والرق، والميراث، والسرقة، والمحاكمات القضائية، والقوانين الجنائية.
و هو كتاب مرهق لليهودى و شبه مستحيل لغيره ... و يتطلب كم من الوعى بالثقافة و احداث التاريخ اليهودى , التلمود عالم متناقض من الافكار تجمع بين اطراف التشدد و التسامح ... يرى فى بعض اجزاءه ان النظر لخنصر امرأة بحب أثم و فى أخر ان عدم الاستمتاع خطيئة... يحرم القتل و يشجع عليه ... ميال للوسطية و ملئ بالتطرفملئ بالسب للمسيحية و لكن ديورانت يراه -و نرى معه- انه رد فعل طبيعى لحالة الكنيسة فى القرون الوسطى التى كادت تنسى رقة المسيح و رفعته لهيئة الملك المنتقم لا كلمة الله الرحيمة
و نشأوا منه وطن يجمعهم و سجن يشل حركتهم الفكرية ... فضلوا الوحدة و الرابطة عن التطور ... و تبنوا القديم كملجأ و كرهوا الحديث
(ولقد كان التلمود على حد قول هيني وطناً منتقلاً لليهود يحملونه معهم أينما ساروا. فحيثما وجد اليهود، حتى وهم جالية واجفة في أرض الغربة، كان في وسعهم أن يضعوا أنفسهم مرة أخرى في عالمهم، وأن يعيشوا مع أنبيائهم وأحبارهم، وذلك بأن يرووا عقولهم وقلوبهم من فيض الشريعة. فلا غرابة والحالة هذه إذا أحبوا هذا الكتاب الذي نراه يدافعان عنه، وعدوه في أيامنا هذه أثمن ما تمتلكه معابدهم وبيوتهم، واتخذوه ملجأ وسلوى، وسجناً للروح
اليهودية.)
و بمجرد اكتماله اصدر الامبراطور البيزنطى الوارث الطبيعى لروما قرار بتحريمه لانه على حد قوله "خليط من الصغائر، والخرافات، والمظالم، والإهانات، والسباب، والكفر، والتجديف" ... لكن القرار لم يكد ينفذ لان اليهود لم يعلنوا كثيرا عن افكارهم و لان العبرية صارت لغة محلية ضيقة المعرفة و دام الامر و يا العجب 7 قرون كاملة لم يكسرها الا احد اليهود تحول للمسيحية رفع شكوى للبابا من ما حواه التلمود لتقوم فتنة كعشرات الفتن التى ضاق بها العصر المظلم فى كنيسة رأت كل شئ هرقطة حتى الاديان الاخرى و اضئ ليل اوروبا بنيران احتراق نسخ التلمود لفترة طويلة
***************
فاما يهود الدول الاسلامية فحظوا بنوع من الحكم الذاتى تحت سلطتهم الدينية تتبع مباشرة للملك او الخليفة و عملوا كتجار و أطباء و انعزلوا فى قوقعتهم لكن المجتمع الاسلامى المتفتح انذاك حائز الحضارة لم يجد فى ذلك خطبا .... لكن يهود اوروبا من عاشوا فى ظل ظلمة العصور الوسطى تحت سيطرة الكنيسة و الاقطاع و الملوك المتقلبين لم يكونوا بمثل ذلك الحظ
فالضرائب بالابتزاز كانت القاعدة , و المصادرة للاموال هو الاساس ... و عندى اى شدائد منها الحملات الصليبية نفسها التى طرد اليهود الباقيين بسببها كانت باموال اخوانهم الاوروبين...و حرم عليهم امتلاك الارضى او استئجار رقيق مسيحى إذ أعلن أن كل ملك ألماني جديد "يجوز له، عملاً بالسنن القديمة، إما أن يحرق جميع اليهود، أو يظهر لهم رحمته، فينقذ حياتهم، ويأخذ ثلث أملاكهم" ولقد لخص براكتن كبير المشترعين اليهود في القرن الثالث عشر هذه النقطة بعبارة موجزة فقال: "ليس من حق اليهودي أن يكون له ملك خاص، لأن ما يحصل عليه أياً كان نوعه لا يحصل عليه لنفسه بل للمِلك"
ولم يكن الكنيس معبداً دينياً فحسبن بل كان فوق ذلك المركز الاجتماعي للعشيرة اليهودية؛ والمعنى الحرفي للفظ سناجوج، وإكليزيا، وسينود، وكلية هو مجتمع؛ ولقد كان الكنيس قبل المسيحية مدرسة ولا يزال يسمى شوله عند اليهود الإشكنازيين، ثم أخذ على عاتقه في عهد التشتت عدداً كبيراً من الواجبات العجيبة المختلفة، فكان من عادة بعضها أن ينشر في كل سبت ما يصدره بيت الدين من قرارات خلال الأسبوع المنصرم، وأن يجبي الضرائب، وأن يعلن عن الأمتعة المفقودة، وأن ينظر في شكاوي بعض الأفراد من البعض الآخر، وأن يذيع أخبار الأملاك قبل موعده حتى يستطيع من له حقوق في هذه الأملاك أن يعترض عليه. وكان الكنيس يوزع الصدقات العامة، وكان في بلاد آسية مسكناً لأبناء السبيل. وكان مبناه على الدوام أجمل المباني في الحي اليهودي، وكان في بعض الأحيان وبخاصة في أسبانيا وإيطاليا آية من آيات العمارة، مزداناً أعظم زينة وأجملها؛ وكثيراً ما كان ولاة الأمور المسيحيون يحرمون على اليهود إقامة معابد تطاول أعلى كنيسة مسيحية في المدينة
*************
و يكتب ديورانت فصل ملخص جميل فى احداث عدائية اليهود فى تلك الفترة و الفتن التى كانت تحدث بين الفينة و الاخرى و الاتهامات الشهيرة لليهود بذبح الصغار و عمل فطائر العيد بدمائهم , و عند حدوث اى وباء كان يشار الى اليهود بتسميم الابار و الانهار , و كان عمل اليهود المعتاد فى التجارة و خاصة الربى عامل اضافى للكراهية التى كثيرا ما انفجرت و قتل العاطل بالباطل فيها
وكان موقف الكنيسة من هذه الأحداث يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. ففي إيطاليا كانت تحمي اليهود بوصفهم "حراس الشريعة" الواردة في العهد القديم وبوصفهم شهدوا أحياء على صحة الكتاب المقدس من الوجهة التاريخية وعلى "غضب الله". لكن مجالس الكنيسة كانت من حين إلى حين تعمل على زيادة متاعب الحياة اليهودية،
وحرم استخدامهم في المناصب العامة. وحرم مجلس لاتران على القابلات أو المرضعات المسيحيات أن يخدمن اليهود، وندد مجلس بزيير باستخدام المسيحيين أطباء من اليهود؛ ورد مجلس أفنيون على قوانين الطهارة اليهودية بتحذير "اليهود والعاهرات" من لمس الخبز أو الفاكهة المعروضة للبيع؛ وأعاد القوانين الكنسية الصادرة بتحريم استئجار اليهود الخدم المسيحيين، وحذر المؤمنين من تبادل الخدمات مع اليهود، وأمر بتجنبهم لنجاستهم وأنذرت الحرب الصليبية الثانية بأنها ستفوق الحرب الأولى من هذه الناحية، فقد أشار بطرس المبجل القديس رئيس دير كلوني على لويس السابع ملك فرنسا أن يبدأ بمهاجمة اليهود الفرنسيين، وقال له: "لست أطالبك بأن تقتل أولئك الخلائق الملاعين... لأن الله لا يريد محوهم من الوجود، ولكنهم يجب أن يقاسوا أشد ألوان العذاب كما قاساه قائين قاتل أخيه، ثم يبقوا ليلاقوا هواناً أقسى من العذاب، وعيشاً أمر من الموت"
**********
لكن الادب عند يهود ذلك العصر أدب دينى قليل الاثر و العلوم تتركز فى علم الطب ... لكن تظل فلسفة ابن ميمون و معها فلسفة ابن رشد اكبر مؤثر فى اوروبا العصور الوسطى و التى مهدت ببطئ لعصر النهضة الفكرى
لتسافر الى اوروبا جنبا الى جنب مع كتب ابن رشد -التى لا نعلم اذا كان أثر فى ابن ميمون ام انه وجه من توارد الافكار- الى اوروبا لتشعل الحرب التى لك تكسبها الكنيسة الا باحتوائها و لكن لذلك قول أخر
ليختم ديورانت مجلده الجميل بحديث مطول عن الصوفية فى اليهودية و تأثرها من الاسلاميه و تأثيرها على المسيحية ... فنرى عادة القدماء فى محاربة الالحاد او العقل بنزعة صوفية تنزع الاسئلة ولا تمنح الا ايمان مغضوب عليه من السلطة الدينية التقليدية
لتنتهى البانوراما التى رسمها ديورانت ليهود و يهودية العصور الوسطى لنرجع الى اوروبا فلنكمل رحلتنا فى المجلد الخامس من عصر الايمان
مايو 15 .. 2015
دينا نبيل

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....