الثلاثاء، 23 يونيو، 2015

قصة الحضارة 26- عصر الايمان ٧ - النهضة الدينية

اسم الكتاب: عصر الايمان ٧ - النهضة الدينية - المجلد السادس و العشرين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
عدد الصفحات: ٢٦٢ صفحة
ترجمة: محمد بدران
اصدارات دار نوبليس
التقييم: ٥/٤

اذا كان هدفك معرفة روح الدين من مطلع الالفية الاولى لثلاثة قرون لاحقة فى اوروبا فسيكون هذا المجلد مقصدك الاول ، سنترك السياسة قليلا و نرتاح من مشاكل ملوك اوروبا لويس ، هنرى ، فريدرك و جون ... فى مجلد كهذا اخبار البابوات و الرهبان و القديسين هى الاهم

كيف كان ايمان العامة فى تلك العصور؟ ... ببساطة عادت دورة الايمان الابدية فى التبادل بين التوحيد و التعدد ، بين الروحية و الوثنية ... الدورة التى فشلت معظم الاديان فى حسمها و لسبب ما يجد الانسان البسيط طريقه لفرض افكاره على المؤسسات الاكثر تعقيدا

تعلق العامة -بأصول انثربولوجية يصعب حتى الوصول لبدايتها- بالاشجار فحولت الكنيسة الوثنية الى دين فعلقت على الاشجار صور للقديسين ... تحول الانقلاب الربيعى الى عيد القيامة ... و اتحدت ديانة و ارتميس و ازيزيس الى مريم العذراء

و بعدوا الاله الى علياء بعيدة فتقربوا للمسيح الذى صار بدوره بعيدا فتعلقوا فى اهداب القديسين و ان كانوا عظاما و ملابس محفوظة فى صناديق زجاجية ... و غلى ثمن ال"مخلفات المقدسة" و فى زحام التنافس ظهرت على السطح حرب تجميعها و هنا نستعين باقتباس طويل قليلا لكن معبر عن طبيعى الايمان فى العصور الوسطى:

(ما دام القديسون قد كثر عددهم إلى هذا الحد، فقد كثرت تبعاً لذلك مخلفاتهم - عظامهم، وشعورهم، وأثوابهم، وأي شيء استعملوه في حياتهم. وكان المفروض أن كل مذبح يشمل واحدا أو أكثر من واحد من هذه المخلفات، فكانت باسلكا القديس بطرس تباهي بأنها تحتوي جسدي القديسين بطرس وبولس اللذين أصبحت روما بفضلهما كعبة الحجاج من جميع أنحاء أوروبا.

وكانت كنيسة في سانت أومر تدعى أن فيها قطعاً من الصليب الحقيقي ومن الحرية التي اخترقت جسم المسيح، ومن مهده، وقبره، ومن المن الذي نزل من السماء، ومن عصا هارون، ومن المذبح الذي تلا عليه القديس بطرس القداس، ومن شعر تومس أبكت وقلنسوته، وقميصه المنسوج من الشعر، والشعر الذي جزء من مقدم رأسه، ومن الألواح الحجرية الأصلية التي سجلت عليها الوصايا العشر أصبح الله نفسه

وتحتوي كنيسة أمين رأس يوحنا المعمدان في كأس فضية وتحتوي دير القديس دنيس جسم ديونيسيوس الأريويجي وتاجه الشوكي. وتدعى واحدة من ثلاث كنائس متفرقة في فرنسا أن فيها جسد مريم المجدلية كاملا

كما تؤكد خمس كنائس في فرنسا أن في كل منها الأثر الحقيقي الوحيد الباقي من ختان المسيح وتعرض كنيسة إكستر أجزاء من الشمعة التي استعملها ملاك الله لإضاءة قبر عيسى، وأجزاء من العشب الذي تحدث منه الله إلى موسى

وفي دير وستمنستر بعض دم المسيح وقطعة من الرخام عليها طابع قدمه. ويعرض أحد أديرة در هام مفصلا من مفاصل القديس لورنس، والفحم الذي أحرقه، والصفحة التي قام عليها رأس يوحنا المعمدان إلى هيرود، وقميص العذراء، وقطعة من الصخر عليها علامات نقط من لبنها

وكانت كنائس القسطنطينية قبل عام 1204 غنية أكثر من غيرها بالمخلفات المقدسة، فكان فيها الحرية التي نفذت في جسم المسيح، والتي لا تزال حمراء من دمه، والعصا التي ضرب بها، وقطع كثيرة من الصليب الحقيقي مغلفة بالذهب، وثريد الخبز الذي قدم ليهوذا في العشاء الأخير، وشعرات من لحية المسيح، وذراع يوحنا المعمدان اليمنى.....

وسرقت كثير من هذه المخلفات حين نهبت القسطنطينية، ثم أشترى بعضها، وأخذت تنتقل من كنيسة إلى كنيسة في بلاد الغرب إلى أيدي من يؤدي فيها أكثر الأثمان. وكانت تعزى إلى جميع المخلفات قوى معجزة، وتروي مئات الآلاف من القصص عما تحدثه من المعجزات. وكان الرجال والنساء يبذلون كل ما في وسعهم للحصول عما تحدثه من المعجزات. وكان الرجال والنساء يبذلون كل ما في وسعهم للحصول على أقل أثر، أو أقل أثر من أثر ليتخذوه طلسماً - كخيط من ثوب قديس، أو قليل من تراب علبة مخلفات، أو نقطة زيت من مصباح مقدس في ضريح. وكانت الأديرة تتنافس وتتنازع في جمع المخلفات وعرضها على العباد الأسخياء، لأن امتلاك المخلفات الشهيرة كان يدر على الدير أو الكنيسة ثروة طائلة.

وحسبنا مثلا لهذا أن نذكر أن "نقل" عظام تومس أبكت إلى ضريح جديد في كنيسة كنتر بري الكبرى (1220) جمع من الذين شاهدوا هذا العمل ما يقدر بنحو 000ر300 ريال أمريكي بنقود هذه الأيام

واجتذب هذا العمل الرابح كثيراً من ممارسيه، فكانت مخلفات زائفة كثيرة تباع للكنائس والأفراد، وكانت بعض الأديرة يغريها الكسب بـ "كشف" مخلفات جديدة حين تحتاج إلى المال. وكان شر هذه المساوئ هو تقطيع الأولياء الأموات ليتيسر لعدد من الأماكن أن يحظى برعاية القديس وقوته. )
********************************
و بينما كان الايمان الشعبى معتلا مختلا مضطربا بصكوك غفران و مزاج للقصص الشعبية بأصول الدين ... كانت الكنيسة الرسمية تتألق فى دورها السياسى و كان فى البابا انوسنت الثالث مثال مجيز واضح ... بابا فى السابعة و الثلاثين يموت الامبراطور هنرى السادس تاركا وريث فى الثالثة من عمره يتولى الحكم من وراء الابواب عندها البابا ذاته يضم الاراضى للاقطاعيات البابواية فيصير حاكما دينيا و روحيا و فى الدنيا فوق ذلك كله

فيعترف بان زحام الدنيا يخنق الدين فيقول : "ليس لدي متسع من الوقت أفكر فيه في الشؤون السماوية، بل إني قلما أجد وقتاً للتنفس، ولقد كرست حياتي لغيري حتى كدت أصبح غريباً عن نفسي"

امتنعت كنيسته حتى عن ان تعده قديسا بعد موته -كما ضمت اكثر من ٢٥ الف شخص- لكنها تذكرت له موجوده الدنيوى الذى استحق ان يسمى اوج البابوية استطاعت ان تكون نقطة شجن و حلم للرجوع فيما بعد حين انفرط العقد
****************************
اقتصد ديورانت فى روايته عن محاكم التفتيش قليلا فاهتم بنتائجها السياسية و قلل من دورها الانسانى و نظر اليها فى نطاق عصرها المتشبع اصلا بالتعصب و العنف و طبقات الجهل المتتالية

قواعد الخروج عن الدين فى العهدى القديم و الجديد مسطورة ، نعم كانت معلقة بظروف لكن اليقين الذى وصفه ديورانت بالحسام البتار يتدخل حين تقرر السلطة الدينية "تفعيل" قوانيها المنسية لحماية نفسها و القضاء على اعدائها

نعم صرحت الكنيسة اكثر من مرة بمنعها عن اراقة الدماء لكن تفعيل ذلك المبدأ صار عجبا فى عجب و هنا نستعين باقتباس اخر:

(ولم تنطق الكنيسة قط بحكم الإعدام، فقد كان شعارها القديم هو: إن الكنيسة تحجم عن إراقة الدماء (ecclesia aphorret a sanguine)، ولهذا كان القسيسون يؤمرون بألا يسفكوا دماء، ومن أجل ذلك فإن الكنيسة حين تبعث إلى السلطات الزمنية باللذين تدينهم لم تكن تطلب إلى ولاة رجال الدولة أكثر من أن يوقعوا عليهم (العقاب الذي يستحقونه) وتنبههم إلى أن يتجنبوا (كل ما من شأنه سفك الدماء أو التعريض لخطر الموت). ثم اتفقت الكنيسة والدولة بعد جريجوري التاسع على ألا يؤخذ هذا التحذير بمعناه الحرفي، بل أن يقتل المذنبون دون أن تسفك دماؤهم أي أن يحرقوا عند عمود الإحراق)
****************************
كان ذلك فى الكنيسة الرسمية لكن ماذا عن نظام الرهبنة؟ يبدو ان حتى ذلك ظهرت فيه بذور الشقاق فنسمع ان راهب شديد الترف بفضل اقطاعيات محلية و راهب يرهن كتبه لاطعام الفقراء ... و بفضل بعض الحركات الاصلاحية يبدو ان النوع الاول بادر فى الانحسار خاصة بعد طمع الملوك المحليين خاصة فى فرنسا من ثروة القطاع الكنسى و الاديرة

و يظهر نظام الرهبات بدء من عام ١١٢٥ م ، و لا يحدثنا للاسف عن اذا ما كانت للكنيسة الشرقية ريادة فى الامر او عدمه...فنسمع قصص القديسات و الراهبات التى ابكت مواطن العصور الوسطى طويلا و حملت السائرين فى جنازة احدهن ان يقطعوا اذنها و حلمات ثديها و قص نتفات من شعرها تباركا
****************************
ترى ماذا كانت اوصاف ، ملابس ، تصرفات مواطن العصور الوسطى ؟ ... يوصف لنا المؤرخين صورة مواطن يكافح فى عمله مقابل اجر تافه لكنه لا يمتنع ابدا عن امتاع نفسه كلما استطاع ، مواطن رغم تحذيرات الكنيسة و نغمات التخويف بالنيران المستعرة فى الجحيم يقبل على التزوير فى المستندات و الغش فى الميزان

و نساء رغم كل شئ استطاعن ان يمارسن حياتهن بكل ما متعة طالتها ايديهن ... و نستعين بمواقف بعينه شاهد على "مرونة" نساء ذلك العصر:

(كانت ثياب النساء في حفلات البرجاس موضعاً للتعليقات المثيرة من رجال الدين، وقد وضع الكرادلة قوانين يحددون بها طول أثواب النساء، ولما أمر رجال الدين أن تلبس النساء النقاب حرصاً على أخلاقهن "جعلن هذا النقاب يصنع من الموصلين الرقيق والحرير المشغول بالذهب، فظهرن فيه أجمل عشرات المرات مما كن بغيره وأتلفتن عيون النظارة وأغرينهم بالفساد أكثر من ذي قبل")
**********************
بين الكنيسة المنظمة و الرهبان و قربنا من احلام و افكار فرد العصور الوسطى لا يمكنا الا ان ننطلق للمجلد السابع و العشرين لنكمل رحلتنا فى عصر الايمان

دينا نبيل
مايو 2015
رفـــايـــع

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....