الخميس، 9 ديسمبر، 2010

عقبالنا....

و انا بقلب فى ارشيف "لومند ديبلوماتيك" لاقيت المقاله المعبره دى عن حاله الطرف الاخر من الكوره الارضيه ...هى صحيح مأساه لكن اتمنى ان نتحول لتلك المأساه بدلا من الحياه فى مأساتنا الحاليه طبعا مش من حيث الظلم الواقع على الجنس الناعم لكن وجود ذاك النوع من عدم التوازن.....مش فاهم حاجه طب اقرا المقاله وانت تعرف ....

إيزابيل أتاني

آسيا بحاجة إلى نساء

نحو العزوبية الاضطرارية

تأخذ الفروقات بين الجنسين في عددٍ من البلدان الآسيوية بعداً دراماتيكياً تُسيء إلى التوازن الديموغرافي. فلولا التدخل البشريّ لكان عدد الإناث يفوق عدد الذكور بتسعين مليون - ما يساوي عدد سكان فرنسا مرة ونصف المرة. ولكن الإجهاض الانتقائي وسوء معاملة الإناث وسياسة الولد الواحد في الصين، مع الضغوط من أجل الحدّ من الولادات في البلدان الأخرى، كل ذلك أوصل إلى نقصٍ كبيرٍ في عدد النساء، فريدٍ من نوعه في العالم. والأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية في آنٍ واحد ... لكنها في الغالب بعيدة عن الأفكار النمطية المسبقة، فالعائلات الأكثر ثراءً لا تتساهل أكثر من غيرها مع البنات.

يردّ شاب صينيّ في الثلاثين من عمره مندهشاً: " أيّ نوعٍ من النساء أحبّ؟ لا يهمّ! أصبح من الصعب جداً إيجاد امرأة في هذه الأيام. أريد واحدة، هذا كلّ شيء!" ففي بعض دول آسيا، لم يعد العثور على زوجة بالأمر السهل.
ويُقدّّر أنّه في كلّ سنة، بدءاً من العام 2010، سيظلّ أكثر من مليون صينيّ مرشّحين خائبين للزواج، بسبب النقص في عدد النساء. وفي بعض قرى مقاطعة البنجاب الهنديّة (في الشمال)، مثلاً، يذهب بعض الرجال بحثاً عن زوجة لهم في المقاطعات المجاورة، كراجاستان أو أوريسا، بحكم النقص في النساء القابلات للزواج.
وفي الواقع، تتشاطر كلٌّ من الهند والصين، اللّتيْن تضمّان وحدهما أكثر من ثلث سكّان الكرة الأرضيّة (37%)، ميّزة غريبة: هي النقص في النساء. إلاّ أنّ هذه العاهة الديموغرافية لا تثير أبداً الاهتمام الذي تستحقّه، ولم تتمّ الاستجابة حتى الآن لصفّارة الإنذار الأولى التي أطلقها، في العام 1990، أمارتيا سين، عالم الاقتصاد الهنديّ الذي حاز على جائزة نوبل للاقتصاد في العام 1998: "هنالك نقصٌ يبلغ أكثر من مئة مليون امرأة اليوم [1]" حول العالم، والغالبيّة الساحقة في الصين والهند.
فعندما يكون هنالك مساواة في مجتمعٍ ما بين الرجال والنساء، وفي حال لم يكن للنساء ميْلٌ إلى الهجرة يفوق ميل الرجال، سيكون عددهن هو الغالب في طبيعة الأحوال. ولو كانت آسيا تتبع هذه القاعدة العامّة وتسجّل تقدّماً خفيفاً في عدد النساء، لأحصيْتَ حوالي تسعين مليون امرأة إضافيّة، أي ما يوازي مرّة ونصف عدد سكّان فرنسا.
أمّا الصين التي كانت، منذ ثلاثين عاماً، تفرض نفسها كإحدى أفضل دول الشيوعيّة العالميّة والمُدافِعة بحماسة عن المساواة بين الجنسيْن، فقد أصبحت اليوم إحدى دول العالم حيث التمييز العنصريّ بحقّ المرأة، على الصعيد الديموغرافي، هو الأكثر قساوةً. ينتج هذا عن الآثار السلبية للتحرر الاقتصادي الاجتماعي، إذ تعود للظهور مجدّداً في البلاد موازينُ السلطة التقليديّة المُسيئة بحقّ النساء، بشكلٍ يتعذّر كبحه. والهند أيضاً التي أصبحت تشكّل قوّةً اقتصاديّةً صاعدة - حالياً في المرتبة السابعة بين القوى الصناعية العالمية- تمارس التمييز العنصريّ بحقّ نسائها.
وبالإضافة إلى هذيْن العملاقيْن، تطال هذه المشكلة باكستان، بنغلاديش، تايوان، كوريا الجنوبية وإندونيسيا بنسبةٍ أقلّ - إذ تضمّ مجموعة هذه الدول وحدها ثلاثة من أصل الـ 6,5 مليار نسمة التي تحصيها الكرة الأرضية. والعديد من الأمور التي تتفرّد بها هذه الدول تساهم في النقص في عدد النساء، ومنها: التخلّص من الجنين الأنثى باللّجوء الى الإجهاض الإختياريّ، والتمييز في المعاملة بين الصبيان والبنات، وموقع اجتماعي ثانوي وظروف صحّية سيّئة تؤدّي إلى ارتفاع في نسبة الوفيات لدى الإناث في سنّ الطفولة وسنّ النضوج.
إنّ التركيبة المرتكِزة على التوزيع الجنسيّ لدى شعبٍ ما، ترتبط بنسبة كلٍّ من الجنسيْن عند الولادة من جهة، وبنسبة وفاة الرجال والنساء في كلٍّ من مراحل العمر من جهة أخرى. وفي الأحوال العاديّة، أي عندما لا يتمّ تشويش نتائج تلك القوانين الطبيعية، من خلال أيّ نوعٍ من أنواع التدخّل من قبل الإنسان، نلاحظ نسبة صبيان أعلى بقليل من نسبة ولادة البنات وارتفاعٌ في نسبة الوفيات لدى الرجال في كافّة مراحل الحياة، تعوّض بشكل طبيعي عن الزيادة في عدد الصبيان عند الولادة. إلاّ أنّه في العديد من الدول الآسيويّة، يتمّ التصدّي لهذا القانون أو ذاك - ربّما كلّ القانونيْن أحياناً- من خلال الممارسات الاجتماعية. وبالتالي، يولد عددٌ من الإناث أقلّ ممّا هو مفترض، ويموت أكثر من اللازم، ومن هنا النسب المتزايدة لعدد الرجال.
في الكرة الأرضيّة، يتأكد المعيار البيولوجيّ - حوالي 105 ولادة من الصبيان مقابل 100 للبنات- بانتظامٍ مذهل. وتبقى الفوارق ضعيفة: فقد تمّ تسجيل النسبة الأقلّ في رواندا حيث يولد عدد 101 من الصبيان مقابل 100 من البنات، والنسبة الأعلى خارج الدول الآسيوية، هي في سورينام، حيث يصل عدد الصبيان الى 108.
الوضع مختلفٌ كلّياً في العديد من الدول الآسيوية. وفي حين يجب ألاّ نستثني بالطبع تأثير العوامل البيولوجيّة والوراثيّة والبيئيّة التي يتمّ طرحها عادةً لتفسير الفروقات بين الدول، لكنّها هذه العوامل لا تكفي في أيّة حالٍ من الأحوال، لتفسير التطوّر المُلاحَظ منذ عشرين إلى خمسة وعشرين عاماً. ففي كلّ من الصين والهند وكوريا الجنوبية وتايوان، كان الذكور والاناث يولدون بنسب طبيعيّة في بداية الثمانينات. لكن منذ ذلك الحين، ومع انخفاض الإنجاب، عادت الأفضليّة التقليديّة للصبيان بزخم وحلّت مكان القوانين الطبيعيّة، ممّا أدّى الى تشويش التوازن الطبيعي.
من الآن فصاعداً، أصبح من الممكن لأيّ شخصٍ، بفعل التطوّرات التكنولوجيّة، التدخّل لتحديد جنس سلالته : فبعد بضعة أشهر، تُجري الأمّ الحامل صورةً صوتيّة أو فحصَ عيّنةٍ من السائل المُحيط بالجنين. فإذا كان الجنين ذكراً، يعود الأهل إلى منزلهم لانتظار الحدث السعيد بفارغ الصبر. ولكن المشكلة تقع في حال كان الجنين أنثى: إذا احتفظنا بها، فهل ستتسنّى لنا الفرصة لنحصل على مولودٍ ذكر؟ وفي حال تمّ ذلك، هل سنتمكّن من مواجهة ارتفاع التكاليف التي تتطلّبها إعالة الأولاد؟ وهكذا في أحيانٍ كثيرة، بدل العدول عن الإبن، يأخذ الأهل قرار التخلّص من الفتاة الصغيرة غير المرغوب بها، عن طريق الإجهاض. هكذا، أصبح الفائض من الذكور عند الولادة، في الصين، يفوق المعدّل الطبيعي بنسبة 12%؛ و6% في الهند. في كوريا الجنوبية، تحسّن الوضع بعد الذروة التي تمّ بلوغها في وسط التسعينات (115 صبياً مقابل 100 فتاة)، وعادت لتصل إلى 108 للصبيان في العام 2004.
ومنذ فترة قصيرة، بدأت هذه الظاهرة تنتشر في أجزاءٍ أخرى من القارة. ففي مقاطعة فييتناميّة من أصل إثنتيْن، يتمّ حالياً تسجيل أكثر من 110 ولادات من الذكور مقابل 100 من الإناث. وقد ارتفعت هذه النسبة بقوّة في دول القوقاز (أذربيدجان، جورجيا، أرمينيا)، بدءاً من منتصف التسعينات، لتبلغ مستويات شبيهة ببعض مناطق الصين والهند (راجع جدول "عدم التوازن الديموغرافي). لكنّ التوازن لا يزال قائماً في الدول المجاورة ، وهي روسيا وأوكرانيا وإيران وتركيا.
وفي إندونيسيا، ارتفعت نسبة الصبيان بين الأولاد ما دون السنة من العمر، وقد كانت لا تزال طبيعيّة في التسعينات، لتصل الى 106,3 بعد عشرة أعوام. إنها عمليّة زحفٍ للجنس الذكوريّ باديةٌ من خلال النقص في عدد النساء الذي أصبح من أحد أسبابه، إضافة الى الهجرة النسائية الكثيفة إلى المملكة العربية السعودية، عدم التوازن في الأجناس عند الولادة [2].
عوامل متشعّبة تساهم في تخصيص الأفضليّة للرجال وسوء معاملة النساء. لكنّ المجتمعات الآسيوية، المُتمثّلة بنقص في ولادات الإناث، لديها قاسمٌ مشتركٌ، ألا وهو التفضيل القويّ للأبناء الذي زاد من حدّته التراجع الأخير في الولادات. ففي الصين، انخفض معدّل الأولاد للمرأة الواحدة من أكثر من خمسة، في بداية السبعينات، إلى أقلّ من إثنيْن حالياً، وذلك تحت تأثير السياسة القسريّة للحدّ من الولادات [3]. وفي الهند، يتوجّه هذا المعدّل نحو الانخفاض إلى ما دون الثلاثة أولاد، مقابل أيضاً حوالي خمسة أولاد منذ عشرين سنة. أمّا في كوريا الجنوبية وتايوان، فقد أصبحت النساء تلدْنَ بمعدّل 1,2 ولداً، وهي من أقلّ معدّلات الخصوبة في العالم. إذن، ما العمل، في حال لم يرغب الأهل - أو لم يستطيعوا كما في الصين- الحصول سوى على عددٍ محدودٍ جداً من الأولاد، وكانوا يفضّلون الحصول على إبنٍ مهما كان الثمن؟ فهنالك خيارٌ واحدٌ: منع ولادة فتاة ضمن الممكن، أو في حال ولِدتْ، القيام بكلّ ما في المستطاع كي لا تحرم أهلها من إمكانيّة الحصول على إبن.
في الهند، بدأت الحكومة، منذ الستّينات، تطالب باتّباع نموذج العائلة المُقلَّصة. هكذا، أصبح المعيار الاجتماعي الأمثل، كما في غالبيّة أنحاء العالم، هو إنجاب صبيٍّ وفتاة - فكما يقول الصينيّون "يجب الحصول على صبيّ وفتاة كي يكتمل الزواج" - وهذا مقبولٌ بسهولة أكبر. لكن في الواقع، يرغب الأهل بالحصول على صبيٍّ وحتى أكثر، وفتاة واحدة كحدٍّ أقصى.
"حراثة حقل الآخرين"
في بنغلادش وباكستان، حيث لا تزال النساء تلدْنَ عدد أطفالٍ يفوق بمرّتيْن أو ثلاث عددهم في الصين وتايوان أو كوريا، ليس هنالك انتشارٌ كبير لوسائل اختيار جنس المولود قبل الولادة. لكنّ التمييز الجنسيّ بحقّ الفتيات والنساء ليس أقلّ قدراً. إذ ينتمي هذان البلدان، مع الهند، إلى الدول النادرة حيث معدّل حياة النساء مساوٍ، لا بل أدنى، من معدّل حياة الرجال، في حين أنّ قوانين الطبيعة تميّز النساء إيجابياً (راجع "عدم مساواة أمام الموت").
إنّ إهمال الأهل لبناتهم وتفضيل أبنائهم عليهنّ في إطعامهم والاهتمام بهم وتلقيحهم، هي ممارسات شائعة ومأساويّة في غالب الأحيان. ومن هنا انعدامٌ كبيرٌ في المساواة بين الجنسيْن في وجه الموت، خصوصاً في مرحلة الطفولة. إن معدّل الوفيّات في مرحلتي الطفولة والفتوّة، أي بين الولادة وسنّ الخامسة، هو أعلى عادةً لدى الصبيان منه لدى البنات. أمّا في الهند فهو أعلى بنسبة 7% لدى البنات مقارنةً بمعدّل وفاة الصبيان؛ وأعلى بـ5% في باكستان و3% في بنغلاديش. على سبيل المقارنة، ففي الدول الإسلامية، تونس ومصر أو موريتانيا، التي تبلغ مستويات مُشابهة من التنمية البشرية [4]، يفوق معدّل الوفيّات لدى الصبيان ما دون الخامسة معدّل الوفيّات لدى البنات ببضعة نقاط، وفق المعيار المُلاحَظ عامّةً. ويبلغ هذا الخروج عن القياس ذروته في الصّين، حيث معدّل الوفيّات لدى البنات، في مرحلتي الطفولة والفتوّة، أعلى بنسبة 28 بالمئة منه لدى الصبيان (!).
إنّ الإجهاض الانتقائي حسب جنس المولود والإهمال في الاهتمام بالفتيات الصغيرات، الذي هو مصدر الفائض في معدّل الوفيّات، هما المُسبِّبان للجزء الأكبر من النقص في عدد النساء، في حين لم تعد تلعب أشكال التمييز الأخرى (خصوصاً قتل الأطفال البنات) سوى دورٍ ثانويّ. وترتبط هذه الممارسات مباشرةً بالموقع الأدنى للنساء في المجتمع: النظام الذكوريّ، السلالات الذكوريّة، الإندماج الاجتماعي الذي يحفِّز الخضوع إلى الزوج وعائلة الزوج، الزيجات المدبَّرة... ويجب إنجاب صبيّ للمحافظة على العائلة وتخليد إسم الأب وضمان التكاثر الاجتماعيّ والبيولوجيّ.
ففي الصين وتايوان وكوريا الجنوبية، غياب الوريث الذكر يعني إنقراض سلالة العائلة وإرث الأسلاف. وفي الديانة الهندوسيّة، يحكم هذا الأمر على أرواح الأهل بالتشرّد الأبديّ، لأنّ الابن هو المُكلَّف بحسب التقاليد بمراسيم التشييع لدى موت الأهل. وفي الهند كما في الصين، تمكث الفتاة عند أهلها لفترة محدّدة. فهي ستذهب بعد زواجها وتنذر نفسها لعائلة زوجها، ومنذ ذلك الحين لا تعود ملزَمَة بأيّة واجبات تجاه أهلها. فمن المعروف في الأرياف الصينيّة أنّه يجب "تربية إبنٍ لضمان شيخوخة الأهل"، طالما أنهم لا يتقاضون معاش تقاعد. ويقول المثل الصينيّ "الذي يربّي فتاة كالذي يزرع في حقل غيره"؛ أو "كمَنْ يسقي حديقة جاره" كما يقول الهنود.
غير أنّ ممارسات التمييز الجنسيّ لا تتعلّق بكافّة الأسر، بمعزلٍ عن موقعها الاجتماعي، الاقتصادي أو الديني. ففي الهند مثلاً، إن اللّجوء إلى اختيار جنس المولود قبل الولادة يطال بكثافة الطبقات الأكثر يسراً إقتصادياً والأكثر تعلّماً. والغريب أنّ الاستقلاليّة التي حصلتْ عليها الأم إتّضحت أيضاً أنّها تشكّل عاملاً حاسماً. حيث أنّ النساء الأكثر استقلاليةً يلجأْنَ إلى الإجهاض الاختياريّ أكثر من الأُخريات. والأمر مماثلٌ في الصّين حيث تمارس النساء الأصغر سنّاً والأكثر تعلّماً، خصوصاً في المدن، أساليب الاختيار ما قبل الولادة هذه، بصورة أكثر منهجيّةً.
هذا لا يعني أنّ باقي الناس يوفّرون بناتهم. على العكس. إنّ المحافظة على الإرث الاقتصادي العائلي أو أساليب إنتاجه، سواء في الهند أم في الصين - الذي غالباً ما يكون هو الأرض -، تؤثّر بشكل كبير على قرار تفضيل الإبن. وهكذا، فإنّ نظام منح الأراضي القابلة للزراعة الذي تمّ وضعه في الصين، خلال العودة عن تأميم الأراضي الزراعية في الثمانينات [5]، والذي أُضيف إليه نظام إرثٍ تحكمه قوانين ترتكز على السلالة الذكوريّة، يحضّ العديد من الفلاحين على إعطاء الأفضليّة للمولود الذكر. وفي الهند، يشكّل التضخّم الأخير لقيمة المَهر الذي أصبح يهدِّد أكثر فأكثر التوازن الاقتصادي للعائلات، أحد أهمّ الأسباب التي تحثّ على التخلّص من البنات. وفي الأوساط الفقيرة أيضاً، يُعتبر إنجاب البنت مصيبةً من القدر. فلدى زواجها، يجب التخلّي عن جزءٍ من الثروة العائليّة لعائلة الصهر، بمثابة مهرٍ، في حين أنّ تزويج الإبن يعني مدخولاً منطقيّاً للمال: "إذا كانت لديك ثلاث بنات قُضيَ عليك؛ وإذا كان لديك ثلاثة صبيان أُنقِذت!".
من هنا، يلعب الإنتماء الدينيّ، الذي يؤثِّر على ميْل الأسر إلى تفضيل الابن على البنت، دوراً حاسماً في اللّجوء إلى الإجهاض الإختياريّ. وتشكّل كوريا الجنوبيّة، التي تُحصي 47% من البوذيّين و37% من البروتستانت و14% من الكاثوليك، مثلاً مُثيراً للاهتمام. في الواقع، إنّ البوذيّة المُتوافقة مع القيم الكونفوشيوسيّة، التي تفضّل الأبناء، أكثر منه مع البروتستانتيّة والكاثوليكيّة، والتي تتسامح أكثر مع الإجهاض، قد تكون عاملاً يزيد من حدّة التمييز الجنسيّ عن طريق الإختيار في فترة ما قبل الولادة. وفي الهند، في حين أنّ المسلمين والمسيحيّين لا يمارسون كثيراً التمييز بحقّ بناتهم ويأتي عدد المواليد الذكور لديهم مطابقاً للمعيار الطبيعي، هنالك في المقابل ميْلٌ أكبر لدى الهندوس، والسيخ والجاين بشكلٍ أكبر، إلى ممارسة الإجهاض الإختياريّ.
إنّ حجم الرهان الديموغرافي كبيرٌ على صعيد الدول المعنيّة. وستُقاس النتيجة في المستقبل الأقرب بدءاً من منتصف العقد المقبل، عندما ستبلغ المجموعات العازبة، التي تعاني من نقصٍ في عدد البنات، سنّ الزواج، فستكون عندها إمكانيّة الشباب في العثور على زوجة تحدياً غير مضمون النتائج.
وفي الصين، سيزداد انعدام التوازن بين الجنسيْن حدّةً في سوق الزواج بدءاً من العام 2010، مع احتمال بلوغ الفائض من الرجال نسبة 20 بالمئة قرابة العام 2030، حيث قد يستحيل الزواج على حوالي 1,6 مليون رجل سنوياً. وفي مرحلةٍ أولى، سينتظم سوق الزواج تلقائيّاً، فالمتقدّمون للزواج سيتوجّهون في بادىء الأمر الى شريكاتٍ أكثر فأكثر صغراً في السنّ، قبل أن يستقوا من احتياطيْن لم يكن مرغوباً بهما قبل الآن: إحتياط الأرامل، في حال لم يعد زواجهنّ من جديد يشكّل نوعاً من المحرّمات، ثم خصوصاً احتياط المُطلّقات الذي أصبح أكثر فأكثر توفّراً. على كلّ حال، يجب على المرشّحين أن ينتظروا لوقتٍ أطول للعثور على زوجة، وسيكونون بالتالي أكبر سنّاً لدى زواجهم.
على المدى الأبعد، ستصبح العزوبيّة مفروضةٌ على الرجال الذين يجدون أنفسهم، في المقابل، مجبورين على التخلّي عن سلالتهم، ما يؤدي الى قطع السلسلات العائلية، علماً أنّ استمرار هذه الأخيرة هو الذي يشكّل حالياً أهمّ العوامل المُؤدّية الى تخصيص الأفضليّة للأبناء.
ولتلبية هذا الطلب المُتزايد على الزوجات، خصوصاً في الصين، فقد تمّ تنظيم شبكات تربط بين الدول. فعلى الحدود بين الصين وفييتنام مثلاً، هنالك توسّعٌ كبيرٌ لهجرة النساء بحثاً عن الزواج. ويوجد عدّة عوامل لتفسير ذلك. الأوّل مرتبط بالنقص الحادّ في عدد النساء في المقاطعات النائية. أمّا العامل الثاني فاقتصاديّ، ناتجٌ عن التضخّم في التكاليف المُرتبطة بالزواج منذ الإصلاحات الاقتصاديّة التي تمّ وضعها في الثمانينات. وبالنسبة إلى بعض العائلات الصينيّة الفقيرة، أصبح شراء زوجةٍ هو الوسيلة الوحيدة للعثور بأقلّ كلفة على امرأة لابنهم. في المقابل، يستجيب هذا الطلب للاستراتيجيّات الاقتصادية التي تطوّرها المُهاجرات الفييتناميّات اللّواتي يضعْنَ كلّ آمالهنّ في الحصول على حياةٍ أفضل، في زواجهنّ من رجلٍ صينيّ.
وتشهد الهجرة، بحثاً عن الزواج، ارتفاعاً قويّاً أيضاً باتجاه تايوان حيث أنّ 8% من الزّيجات، التي تمّت في العام 2000، تجمع بين زوجةٍ فييتناميّة ورجلٍ تايوانيّ. بذلك تكون فيتنام قد أمّنت، منذ منتصف التسعينات، زوجة لحوالي مئة ألف تايواني راغبين، في غالبيّتهم، بعقد رباطٍ ثابتٍ مع امرأة تحترم تقاليدهم التقليديّة المشتركة، بالإضافة إلى كونها أقلّ ميْلاً للمطالبة باستقلاليّتها من الإمرأة التايوانيّة.
أمّا في الصين، فتتوسّع عمليّات تهريب الزوجات. الشارون هم، بشكلٍ عام، فلاّحون فقراء وغير متعلّمين كثيراً. وبالنسبة إليهم يكون اللّجوء إلى المهرّبين أسهل وأقلّ كلفةً من تدبيرٍ عاديٍّ للزواج. ويشجّع التساهل والفساد، في المناطق "الشارية"، على التهريب. ففي بعض القرى، تسمح مراكز تسجيل الزّيجات لنفسها بتبسيط الإجراءات، ممّا يسمح للشارين، مقابل دفعهم المال، بالحصول على شهادة تؤكّد اقترانهم بالزوجة التي تمّ شراؤها وتسجيلها رسميّاً في سجلاّت الدولة المدنيّة. فمثلاً، بعد أن عثرت الشرطة على شابّة صينيّة تم اختطافها وبيعها، طالبت هذه الأخيرة بعد تحريرها بالعودة إلى عائلتها. لكنّ الشخص الذي كان الزوج والشاري، في الوقت نفسه، اعترض وقدّم شهادة الزواج للتأكيد: "نعم إنّها زوجتي، لقد اشتريتُها، لكنّنامتزوّجان أمام القانون!".
ولكن هل ستسمح ندرة النساء، في نهاية المطاف، بتحسين أوضاعهنّ؟ حاليّاً، لا شيء يشير على ذلك. إذ نشهد، خصوصاً في الهند والصين، تسويقاً للنساء، فلا تعود المرأة تشكّل، في بعض المناطق، سوى سلعةً استهلاكيّة كسواها. وبدل أن يؤدّي تحديث الاقتصاد وظاهرة الحاجة إلى النساء إلى رفع قيمتهنّ الرمزيّة، وبالتالي زيادة الاهتمام الذي من المُفترَض أولاؤهنّ إيّاه، ساهم هذا على العكس في الرّفع من حدّ اعتبارهنّ مجرّد سلع. الأمر كذلك في الهند، خاصّةً من خلال نظام مهر العروس. وأيضاً في الصين، حيث ارتفعت القيمة التجاريّة للمرأة على أثر عمليّات الإصلاح، دون أن يؤدّي ذلك بالضرورة إلى منحها المزيد من الاعتبار، خصوصاً في الأرياف.
أن تكون المرأة أكثر ندرةً لا يعني بالضرورة أن تصبح قيمتها أثمن. هذا ما يجسّده، بشكلٍ مُلفت، الفيلم الخياليّ من تأليف السينمائي الهندي: "ماتروبومي، عالمٌ دون نساء" (2005). وتجري أحداث الفيلم في منطقةٍ ريفيّةٍ في الهند، حيث تمّ إبادة الشريحة النسائيّة بكاملها من خلال قتل الأطفال. هنا، يحاول رجلٌ يُدعى رامشاران، يائساً، تزويج أبنائه الخمسة. وعلى مقربةٍ من هنا، يُخفي أحد الفلاحين ثروته الأثمن: وهي إبنته كالكي البالغة من العمر 16 سنة والتي تتمتّع بجمالٍ باهر. إشتراها رامشران، الذي علم من صديقٍ له بوجود هذه الفتاة الشابّة، لقاء مبلغٍ كبيرٍ، لتزويجها رسميّاً بابنه البكر. لكن بعد الاحتفال بالزواج، شُرِّعت الفتاة لرغبة الأخوة الخمسة والأب أيضاً. وفيما بعد، تمّ ربطها داخل إسطبلٍ حيث تُرِكَت لإشباع شهوات رجال القرية، وفي الأخير أنجبتْ ...بنتاً! ويُظهر هذا الفيلم، الخياليّ أكثر منه رؤيويّ، بعض الإنحرافات المُمكنة في مجتمعٍ محرومٍ من شريحته الأنثويّة.
قوانين ضد التمييز
تحاول سلطات الدول المعنيّة التي تعي خطورة الوضع، إيجاد حلولٍ سياسيّة. ففي الهند مثلاً، تمّ وضع قانون "تقنيّات التشخيص خلال الحمل" الذي منع منذ العام 1994 الكشف عن جنس الجنين. ولكن بالرغم من عقوبات السجن والغرامات التي يتضمّنها القانون، يتمّ خرقه باستمرار دون عقاب. وفي الصين، هنالك عدة قوانين عائدة للتسعينات، تمنع أيّ سوء معاملة أو تمييز بحقّ البنات، بالإضافة الى اختيار جنس المولود قبل الولادة. لكن بمساعدة الفساد، لا يزال الإجهاض الاختياريّ خدمةً معروضةً بشكل واسع. وتحاول الحملة، التي أُطلِقَت في الصين عام 2001 من أجل "المزيد من الاعتبار للفتيات"، نشر فكرة المساواة بين الجنسيْن، خصوصاً في الكتب المدرسيّة، وكذلك تحسين ظروف المعيشة لدى العائلات التي ليس لديها سوى بنات. هكذا، تستفيد مثلاً بعض الأسر المعنيّّة، في بعض المناطق، من مساعدات ماليّة، ويتمّ إعفاؤها من الضرائب الزراعيّة والتكاليف المدرسيّة لبناتها إلى أن يبلغْنَ سنّ الزواج. من جهةٍ أخرى، وضعت الحكومة الصينيّة برنامجاً يهدف إلى إنزال نسبة المولودين الذكر إلى مستوى طبيعيّ، من هنا حتى العام 2010.
بيد أنّ القوانين لا تكفي. فالقيم الذكوريّة، في هذه المجتمعات، مُتأصِّلة عميقاً في العقليّات لدرجة أنّه، حتى ولو اعترفت بعض النساء أنّ البنت تبقى متعلّقة بوالدتها أكثر من الصبيّ، وبأنها أكثر اهتماماً بأهلها لدى بلوغ هؤلاء سنّ الشيخوخة، فهنّ يفضّلن أن يُنجبنَ إبناً. لذى يجب أن نُخشى أن علينا انتظار عدّة أجيال قبل أن يصبح الأزواج غير مكترثين لجنس أولادهم، وذلك مع تحسّن موقع المرأة.
يبقى هناك أملٌ واحد، وهو أن تتوصّل القوانين المختلفة والإجراءات التي تمّ وضعها، على غرار كوريا الجنوبية، إلى عكس هذه النزعة بسرعة. وفي الواقع، إنّ الأزواج الشباب أقلُّ ميلاً، من الذين سبقوهم، إلى تعظيم القيم الذكوريّة وإلى الاستمرار في التصرّفات التقليدية التي تميّز بين الجنسيْن. وفي هذا البلد استعادت نسبة المواليد الذكور تدريجيّاً، منذ منتصف التسعينات، مستويات أقرب إلى المعدل الطبيعي.
مستقبل هذه الأجيال الأنثويّة ما زال يجب أن يُكتب. فإذا استمرّ النقص في عدد النساء، وفق سرعته الحاليّة، ووصل إلى عدّة ملايين كلّ عشرة أعوام، سيكون لذلك تداعيات خطيرة. لأنّ عدداً أقلّ من النساء يعني عدداً أقلّ من الأولاد، إذاً، منطقيّاً، عدد أقلّ من البنات، وبالتالي عدد أقلّ من النساء في الأجيال المقبلة. ممّا يعني تراجعاً سريعاً في النموّ الديموغرافي في هذه الدول التي تضمّ اليوم أكبر كثافة سكّانية. حينها، نصبح أقرب إلى القصّة الخيالية التي ألّفها أمين معلوف في كتابه "القرن الأوّل بعد بياتريس" [6]: "لو استطاع غداً الرجال والنساء اختيار جنس أولادهم بطريقةٍ سهلة، لن تختار بعض الشعوب سوى الذكور. سيتوقّفون إذاً عن التكاثر ليختفوا في نهاية المطاف. سيتحوّل حينها تأليه الذكر من عاهةٍ اجتماعيّة اليوم إلى انتحار جماعيّ". وسنشهد حينها على "إبادةٍ ذاتيّةٍ للشعوب المُبغِضة للنساء".


* Isabelle ATTANE عالمة ديموغرافيا وعالمة بالحضارة الصينيّة، مكلَّفة بالأبحاث في المعهد الوطنيّ للدراسات الديموغرافية (INED) في باريس، من أهمّ كتبها:Une Chine sans femmes ?, Perrin, Paris, 2005.
[1] Amartya Sen, "More than 100 million women are missing", The New York Review of Books, 20 d�cembre 1990.
[2] ومن أسبابه أيضاً فائضٌ في معدّل الوفيّات لدى النساء في سنّ الخصوبة ونقصٌ في تسجيل النساء في الإحصائيّات. إنّ عدم التوازن بين الجنسيْن، عند الولادة، يأتي فقط كسبب في المرتبة الرابعة.
[3] إقرأ Florence Beaug�, � Politique de l’enfant unique, la fin d’un diktat �, Mani�re de voir, no 85, � Jusqu’o� ira la Chine �, f�vrier-mars 2006.
[4] حسب مؤشرات برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (PNUD).
[5] شكّلت العودة عن تأميم الزراعة أوّل عمليّة إصلاحS أساسيّة، أطلقها دينغ زياوبينغ في الثمانينات. وقد أعادت للفلاحين حق استثمار الأرض.
[6] Amine Maalouf, Le Premier Si�cle Apr�s B�atrice, Grasset, Paris 1992.

عدد يوليو 2006

2 التعليقات:

ماشي بنور الله يقول...

هذا المقال من الدسامة بحيث لا يمكنني قرائته مرة واحدة..وعلي الرغم اني قرأت مقال مشابه له من قبل بل ربما كان يحتوي علي اجزاء من هذا المقال الا انني سأحتفظ به في مكتبتي لأعود اليه بين حين وآخر.

تحية وتقدير

د/دودى يقول...

هو المقال كبير و دسم شويه فعلا لكن عموما اللى بيضايقنى ان الاهتمام بالمشاكل الخارجيه بالنسبه لنا قليل قوى اخدنا نركز فى صغائرنا بينما نغمل عظيم مشاكل الاخريين...

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....