الخميس، 12 فبراير، 2015

قصة الحضارة ١٥: روما ٢

اسم الكتاب: روما ٢ :  الثورة
المجلد الخامس عشر من قصة الحضارة
تأليف: وول ديورانت
ترجمة: محمد بدران
عدد الصفحات: ٢٦٥ صفحة
اصدارات دار نوبليس- بيروت

فى المحطة الثانية من رحلتنا مع روما نشاهد امبراطوريتنا الوليدة تكاد تتمزق من ازمتها الداخلية ، يروى لنا ديورانت تلك المحطة فى مجلد دسم ممتلئ بالافكار و بالاحداث التاريخية المؤثرة

ينجح ديورانت مرة أخرى فى ان يدخلنا فى داخل المشهد الثورى و يصمم صورة ثلاثية الابعاد ل الاخوين جراكس و من جاء بعدهما انتهاء بقيصر العظيم

بلد اجتاح العالم عسكريا ، انتصر على كل اعداوه و منافسيه ابتداء ب قرطاج الحزينة التى ملحت ارضها و ركبتها اللعنة ، الى اليونان محطة تنوير العالم السابقة ، و كل ما بينهما ... يتخيل القارئ للوهلة الاولى ان كل تلك الانتصار و كل تلك "الاصفار" امام ارقام الوارد على الخزانات و ضرائب الحرب على الامم المغلوبة و وارد القمح و خلاقه سيسهل من حياة روما

لكن حتى للنصر وجه أخر كما للهزيمة ... فحينما كان هانيبال على ابواب روما متوعدا لها بالذل تضافر المجتمع و التحم و باعت النساء الحلى و كادت ان تحارب من اجل بلدها فيما بدا لهم الرمق الاخير ، بينما حين انتصر الرومان لم يزدهم النصر الا بؤسا

يمكن تفسير الامر انطلاقا من القاعدة الشهيرة للعرض و الطلب ، عندما يزيد القمح يقل السعر ، و حين يتضاءل السعر يكف الفلاح عن زراعته ، و حين تتعطل الفلاحة ينتقل هؤلاء الى المدن متبطلين متعطلين منتظرين اموال الدولة و الطعام الجاهز ، و حين يتحول الفلاح ذو الجسم الرياضى القوى الى متبطل فى المدينة يحدث تحولين فى منتهى الخطورة على المستوى الاسترايجى ...الاول انك صرت تعتمد على غذاء الخارج الجاهز بما يحمل القيادة السياسية هم فوق هم ، و الثانى انك تخسر جندى معافى فى الاحتياطى و تلجأ للمرة الاولى فى تاريخ روما الى المرتزقة فتتحول الحرب من وسيلة للدفاع عن وطن الى مسألة عرض و طلب من نوع جديد

و عندما يجلب الرقيق بمئات الالاف تنخفض احتياجات السوق الى العامل الحر متوسط الحال ، و ينفذ الترف و التطرف السمج الى فئة الاغنياء و كالعادة يزداد الفقراء فقرا و الاثرياء ثراء
*************
ترف مستفز و انتقام قاسى من الامم المغلوبة كانا الطريق الذهبى للثورة ، لتطالعك ثورة الرقيق الاولى و الثانية و تقرأ اسماء سبارتكوس و غيره ... لتصدمك تلك الاعداد التى نكل بها عقب احباط كل واحدة من تلك الثورات ، ثورة ابوليا ١٨٥ ق م وحدها الى الى تحولين ٧ الاف من الرقيق الى العمل بالمناجم و هو نوع بائس من الحكم بالاعدام يعلمه قارئ تلك الحقبة جيدا خاصة لان اثينا من قبلها قد استخدمته

و فى عام ١٣٩ ق م تقوم حرب الارقاء الاولى التى تبدأ باجتماع العبيد لقتل احرار المدينة لتهل افواج الارقاء من كل فج عميق ليزداد عدد الثوار من اربعمائة الى ٧٠ الف فى وقت قياسى ليتحل هذا الجيش الصغير على الجزيرة أجرجنم حتى عام ١٣١ ق م قبل ان يرسل جيش اخير لينهى على الامر تماما تلك المرة

و تستمر الثورات الصغيرة منها و الكبير الى ان يأتى جراكس
**************
ساحرة شخصية الاخوين "جراكس" مهما اتفقت او اختلفت مع افكارهم ، ان تجمع الفقراء على ثورة بيضاء تشريعية فى المقام الاول ليعاد توزيع الاراضى -ربما ترتكب وسط كل النية الطيبة خطأ فادح كقانون الحبوب الى يجبر الدولة على توزيع القمح على اهل روما و ما ترتب عليه لاحقا من كوارث- و لضمان حياة كريمة للطبقة الاقل من الاحرار

تزداد الشخصيات ساحرية عندما تتجلى الدراما فى موت جراكس الكبير منتحرا مفضلا الموت بيده على الاسر ، و موت جراكس الصغير و تجز رأسه بيد الفقراء انفسهم لتبدل وزنها ذهبا من اعدائه ثم ينهب بيته
***************
لتبدأ معمعة الحرب الاهلية بين صولا السعيد كما اطلقوا عليه و بين ماريوس ... حرب انهكت الرومان و تفاصيلها امر يستحق الدراسة فى كيفية تدمير الدول ل نفسها و استهلاك مواردها و بشاعة الحروب التى تنشأ بلا اسباب منطقية

و يكفى مثال لمعركة واحدة بين طبقتى الاشراف و الفرسان بقيادة اكتافيوس المحافظ و سنا المتطرف ليقتل عشرة الاف من الطرفين فى يوم ليفوز اكتافيوس و يفر سنا الى خارج روما معلنا تحرير العبيد مستعينا بهم ليكون جيش يقدر على المحافظين فيدوم الارهاب عام كامل تزين رؤوس الاشراف الساحات العامة و يقرر اكتافيوس ان يموت مرتديا كامل ملابسه الرسمية منتظرا اعداءه فى مكان عمله اليومى
************
و وسط الحرب الاهلية و الخارجية  و الثورات و الاضطراب تتحول -كالعادة- الجمهورية بديموقراطيتها الى نموذج النخبة الالجريكى الاضيق ، و منها بالضرورة الى شبه الملكية

و كأن العالم تهيأ لقيصر....

لا يخفى ديورانت اعجابه بقيصر و ربما يتمثل ذلك فى خفضه قليلا لمعيار شكه المعتاد ليروى لنا قصص مثيرة و احيانا خارقة عنه من النوع الذى عادة يتجاوزه ديورانت ... لكن قيصر لا يحتاج لذلك فيما اظن فيكفيه اننا بعد اكثر من عشرين قرن مازالنا نتعجب من قدراته القتالية و النظامية التى حولت روما الى اشراقات عصرها الذهبى الذى سيدشنه اغسطس وريثه الفكرى
*********
( وقُضِيَ على الثورة في أكتيوم، كما قضي على الجمهورية في فرسالس وأتمت رومه الدورة المشتومة التي يعرفها أفلاطون ونعرفها نحن: ملكية، فأرستقراطية، فاستغلال ألجركي، فديمقراطية، ففوضى ثورية، فدكتاتورية. وانتهى مرة أخرى، في جزر التاريخ ومده، عهد من عهود الحرية، وبدأ عهد من عهود النظام).....هكذا انهى ديورانت هذا المجلد من قصته الطويلة فقط ليحمسنا و يدفعنا مسرعين الى المجلد رقم ١٦

دينا نبيل
٤ فبراير ٢٠١٥

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....