الثلاثاء، 13 مايو، 2014

اولاد حارتنا

رواية اولاد حارتنا ل نجيب محفوظ

556 صفحة , طباعة دار الاداب بيروت
التقييم 5/5
************************
"نجيب محفوظ يعيد كتابة تاريخ البشرية" هكذا عبر جورج الطرابيشى فى كتابه "الله فى رحلة نجيب محفوظ الرمزية" عن وصفه لرواية القرن الذى كتب عنها اضعاف عدد صفحتها نقدا و سلبا و مدحا

أولاد حارتنا هى -ببساطة- رواية تقرأ ثم تقرأ من جديد , مع كل اعادة قراءة ستجد فيها عنصر جديد فات على الذهن فى القراءة السابقة , و ها انا مع القراءة الثالثة اقع من جديد فى غرام عم نجيب

يخلق لك نجيب عالم موازى ليعيد فيها تمثيل تاريخ العالم , بحارة محدودة جغرافيا و عدد سكانها قليل ليكون بمثابة مسرح لاعادة تخليق تاريخ الله/الانسان المشترك بكل تفاصيله المعقدة
************************
يفاجئك محفوظ بقصة سريعة الايقاع من الصفحة الاولى , سطور قليلة يلقيك بعدها فى مشهد تولى ادهم للمسؤولية دون ادريس , تتعجب قليلا من مفاجأة محفوظ لك دون تحضير للمشهد التاريخى الاهم لكنك سرعان ما تدخل فى اجواء القصة فى هدوء متجاوزا روتين المقدمات المعتاد

و ربما ليس من المنطق ان نقول ان ادهم هو رمز ل ادم , ف ادهم هو ادم بكل ما فيه و العلاقة بين ادم و ادهم وثيقة تامة و ليس فى تباعد رفاعة/المسيح , جبل/موسى , قاسم/محمد , عرفة/العلم ... ففى كل الخيوط الدرامية التالية يعطينا نجيب القدر الكافى فقط لنربط بين شخصيات حارته -التى لا يفوق عدد الذباب فيها سوى عدد القمل- و بين انبياء العصر السابق بينما فى ثنائية ادم/ادهم فالوضع ابسط و اوضح

ادهم الذى لم يفهم قط لم فضل هو على ادريس و لم فضل همام على قدرى و لم يحظى صاحب التفضيل دوما بالكوارث المفاجأة دون البركة المتوقعة؟ , الذى لم يتخلى قط عن حلمه فى الحديقة الغناء و رضا الجبلاوى عنه بالرغم عما ما مر به , و الذى لم يحصل على طعم السعادة ابدا بعد مأساة قدرى و همام سوى فى لحظة واحدة خاطفة عندما العن الجبلاوى الرضا عنه
************************
فى ثلاثية جبل/رفاعة/قاسم يجرى الامر سلسا , معلومات كافية للقارئ ليربط ذهنيا بين اولاد الحارة و الانبياء ... محاولات دائمة للانتصار على الضعف و الجبن و الظلم و نبوت الفتوات , مرات بالقوة كحالة جبل و قاسم و مره بالحب فى حالة رفاعة , يتبعه نجاح مؤقت و سعادة قصيرة ثم انتكاسة و تعاسة دائمة ...ليكون تاريخ حارة الجبلاوى شريط من السواد يحوى نقط قصيرة من النور

شريط طويل من الظلام و الظلم يكون فيه الحال على حاله , الجبلاوى صامت منعزل , الفتوات يجرى النبوت فى ايدهم اكثر من الكلمات فى لسانهم, الناس هائمين كالسحاب شائعين كالذباب لا يساوى دم احدهم اكثر من كلمة تطلق على لسان الفتوة, و الكل يصرخ "اين الجبلاوى" و الكل يقتل او يموت فى انتظار الرد , و فى الخلفية دائما صوت الشاعر يحكى حكاية ادهم و بؤسه و جثة رفاعة على يد الجبلاوى و نبوت جبل يكسر جمجمة الظالم
************************
الى هنا فالامر واضح , فرفاعة و جبل و قاسم هم الانبياء ال3 , لكن ما ان يصل عرفة الى القصة يرتبك القارئ , هل عرفه نبى جديد من خيال نجيب؟ هل يرمز به للحسين؟ مين هو ذلك الشاب الجديد الذى تبدأ قصته و الام يرمز؟

عرفة ذلك المتشكك التعيس لا تبهره قصص الشعراء ولا يهتم بالوقف , يتسأل عن جدوى الجبلاوى و عن سبب ابتعاده و وحده يملك الجرأة ليصل الى الحقيقة

"الحكايات غامضة كهذا البيت المغلق, لا اثر فيه لحياة الا لرءوس اشجار الجميز و التوت, و اى دليل على حياة الجبلاوى الا الاشجار و الحكايات؟" هكذا يعبر عرفة فى بساطة .... و كما صابر فى "الطريق" حين سأل عن جدوى ضياع عمره فى البحث عن والد قبل ان يتأكد من وجوده , فتجيبه امه انه لن يتأكد من وجوده الا بالبحث .... كانت رحلة عرفة فى البحث عن الجبلاوى

و تصل القصة الى الذروة التى ترسل قشعريرة باردة فى جسم القارئ حين يلعن موت الجبلاوى , ربما لم يقتله عرفة لكنه يتسبب فى ذلك بشكل او باخر

لكن رسالة الجبلاوى قبل موته هو انه راض على عرفه , يرى الطرابيشى هنا ان ما يريد محفوظ ايصاله لنا ان العلم قد يخطئ الدرب , قد يكون سند للسلطة الغاشمة احيانا او يفقد انسانيته قد يتسبب حتى فى موت الدين لكنه لا يمكن ان يكون مبغوض عند الله لان العلم اليوم هو نبى الانسانية الجديد بعد انتهاء عصر الانبياء و به وحده يمكن ارجاع العدل , و ان الشئ المطلوب منه عند الدين هو -فقط- ان يرجع الى الانسانية
************************
و بالبحث عن كراسة عرفه تنتهى قصة حارة لم تنته ابدا , قصة انسانية عانت فى ما لا يمكن تلخيصه فى كتب , انسانية لم تفقد الامل قط حتى فى احلك فترات الظلام ,تثق فى قدوم الحلم ثقة أدم فى الرجوع للحديقة, ثقة رفاعة فى قوة الحب , ثقة جبل فى قوة الحق, ثقة قاسم فى قوة العدل

ملحوظة: كان هدفى فى ريفيو "اولاد حارتنا" بالذات انه يكون قصير لانه مش افضل ما كتب عن رواية القرن كما احب ان اسميها , و اولاد حارتنا بالذات اتكتب عنها افضل و اكتر من كده بكتير ...اعتذر للقارئ عن سطحية الريفيو لكنى حتى بعد القراءة الثالثة لم اصل لقاع ما اراد محفوظ فى الرواية , ربما فى القراءة الرابعة او حتى الخامسة ...مازال الريفيو -فى رأيى- قاصر و قصير الى اشعار اخر

دينا نبيل
13 مايو 2014

0 التعليقات:

إرسال تعليق

حلو؟؟ وحش؟؟ طب ساكت ليه ما تقول....