‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة الحضارة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة الحضارة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 6 ديسمبر 2015

الاصلاح الدينى 5 - المجلد الثامن و الثلاثون من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 2 - المجلد الثامن و الثلاثون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: محمد على ابو درة
عدد الصفحات:255 صفحة
اصدارات دار نوبليس

شارفت رحلة الاصلاح الدينى و عصره الغريب على الانتهاء , و شارفت 2015 على الرحيل ايضا... و كعادته معانا سنجلس نحن امام ديورانت يحكى فننصت و يلم خيوط الماضي فنتفهم و نحاول التمسك بالتفاصيل و الاحداث

في سنة 1300 لم يكن لروسيا وجود...هكذا يروى لنا التاريخ لذا فرحلتنا ممتعه دوما فى مشاهدة الرحلة الروسية فى جمع شتاتها و توسيع مملكتها و قبلها بالتاكيد خلق الحرية الكاملة لوجود مملكة من الاصل , و قصة احتلال المغول لروسيا او قبائل ما قبل روسيا قصة شائقة ممتعه متوفر لها كتب خاصة بها كحادثة تاريخية فردية فكيف سيتحكم الغازى البعيد المدجج فى "للقبيلة الذهبية" فى مصير القبائل و الممالك الصغيرة قبل ان تنتفض لتنهى العهد الطويل المظلم الذى غير طبيعه روسيا الى الابد و فصلها عن العالم الغربى رغم مرور قرون متعاقبة....وكانت النتائج الأساسية التي ترتبت على طول خضوع روسيا "للقبيلة" نتائج اجتماعية: وهي استبداد أدواق موسكو، وولاء الأهالي ولاء ذليلاً لأمرائهم، والمركز الوضيع للمرأة في المجتمع، وتنظيم حكومة موسكو وفقاً لأساليب التتار من النواحي العسكرية والمالية والقضائية. وقد عاقت سيطرة التتار محاولة روسيا لمدة قرنين من الزمان أن تصبح دولة أوربية غربية.

هل حقا احتاجت روسيا الى ايفان الثالث -جد ايفان الرهيب الشهير- ليحرر روسيا فعلا؟ ربما ينظر له اهل بلده تلك النظرة لكنه ديورانت و نحن معه نؤمن بصيرورة التاريخ و ان حتمية التاريخ تضع احيانا الاشخاص المناسبين فى الاوقات المناسبة و ان احنلال مؤسسة المغول العسكرية كان قادم بالتاكيد كما توقع ابن خالدون عن اى شعب غازى

وبدا أن التحرر من ربقة التتار مستحيل، ولكن ثبت أنه أمر يسير . ذلك أن بقايا الغزاة المغول - الأتراك كانوا قد استقروا في ثلاث جماعات متنافسة متنافرة، وتركزوا في سراى وقازان وفي القرم، وكان إيفان يضرب كلا منها بالأخرى حتى وثق أنها لن تتحد ضده. وفي 1480 امتنع إيفان عن دفع الجزية، وقاد خان أحمد جيشاً كبيراً من الفولجا حتى ضفاف نهري أوكا وأوجرا جنوب موسكو. وقاد إيفان جيشاً قوامه 150.000 رجل إلى الضفاف المقابلة، وواجه العدوان بعضهما بعضاً لعدة شهور دون أن تقع بينهما معركة. وتردد إيفان في أن يغامر بعرشه وحياته في رمية واحدة، كما خشى التتار مدفعيته التي أدخل عليها تحسينات. ولما تجمدت الأنهار، ولم تعد تحمى الجيوش بعضها من بعض، أصدر إيفان أوامره بالانسحاب، وبدلا من تعقب الجيش المنسحب، انسحب التتار كذلك، حتى وصلوا إلى سراى < وكان انتصاراً هائلاً ولكنه مضحك، ومنذ ذلك الحين لم تدفع موسكو جزية إلى التتار. وسمى الأمير العظيم نفسه الحاكم المطلق، أى الذي لا يدفع الجزية لأحد. واستدرج الخانات المتنافسون إلى محاربة بعضهم بعضاً، وهزم أحمد وذبح، وانقضى سلطان المغول في سراى، واندثرت "القبيلة الذهبية".

و كانت روسيا و كان تاريخها الحقيقى بعد هذا الانتصار المضحك عسكريا و الرائع سياسيا ... لكن الادب الروسي قال لنا كثيرا ان التتار رحلوا و سوطهم لم يرحل ابدا
*******************
ينقلنا ديورانت سريعا من روسيا الى نظرة طائر محلق عن بلاد الاسلام فى عصر الاصلاح الدينى الاوروبى ... فينما كانت اوروبا تكافح من اجل التغيير كان المسلمين يكافحون ضد التتار فينهزموا عسكريا و ينتصروا فكريا , و كانت القاهرة تتألق فى ظل المماليك ولا تعلم ان الذبول قادم كما كان القدر دائما

و كان حافظ الشيرازى يقنع نفسخ للحظة وجيزة بقبول دعوة من السلطان أحمد بالاقامة في القصر الملكي في بغداد ولكن حبة لشيراز أبقاه حبيساً بها، وكان يشك في أن بالجنة نفسها مثل هذه الأنهار الفاتنة أو مثل هذه الورود الحمراء في شيراز و كان يتجول مرددا:
إن عمرنا قصير، ولكن طالما أننا قد نفوز
بالمجد وهو الحب، فلا تحتقر
الاصغاء إلى توسلات القلب
فإن سر الحياة سوف يبقى فيما وراء العقل

و كان تيمور لنك يمتلك اكبر امبراطورية فى عالمه و يثير صوت الذهب فى جنوده و الرعب فى رجال المدن خوفا من التحول الى مأذنة جديدة من مأذانه البشرية الكثيرة... ولما استسلمت مدينة سبزاوار بعد حصار كلفه كثيراً، أسر ألفين من رجالها، وكدسهم أحياء، الواحد فوق الآخر، وضرب عليهم بنطاق من الآجر والطين، وأقام منهم مئذنة، حتى إذا استقين الرجال جبروت غضبه، لا يعود يغويهم شيطان الصلف والكبرياء". وهكذا روى القصة مادح معاص . وغفلت مدينة زيرية عن هذه الحقيقة وأبدت مقاومة، فأقام الغازي من رؤوس أبنائها عدداً أكبر من المآذن.

و كان ابن خالدون يكتب (كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر) واضعا اهم مقدمة لكتاب كتب .. يضع فيها اساس علم جديد ينظر للتاريخ ككتلة واحدة كبيرة متحركة ثم يكتب الكتاب ذاته على الشاكلة القديمة مكتفيا ان يضئ الشعلة الاولى ليتلقطها بعد ذلك من له اذن فيسمع و عينان فيرى

و كانت يد الرسام و الخطاط المسلم يرسم رسم المنمنمات الفارسية الذى بلغ الذروة في هراة على عهد التيموريين وكان كمال الدين بهزاد، هو كيتس الزخرفة الحقيقي أو رافائيل الشرق. لقد عركته تجارب الحياة، وويلات الحرب وتقلباتها، فعكس هذا كله بالفن ... وكانت المراكز العظمى للزخرفة الإسلامية في هذا العصر هي تبريز وشيراز، هراة. ويحتمل أنه قد جاء من تبريز في عهد الأيلخانات، للورقات الخمس والخمسون من كتاب "شاه نامه"، (كتاب الملوك للفردوسي) - وهي من عمل رسامين مختلفين في القرن الرابع عشر

و كان بربروسه قرصانا و ملاحا و حاكما و مغيرا لقواعد السياسة فى البحر المتوسط كله و كان حلقة الوصل بين شارل و سليمان القانونى و البابا و جميلة جميلات ايطاليا كما يليق باى قرصان فى عالم القصص الخيالية لكن التاريخ السوداوى كثيرا يقدم لنا قصته ملطخة بدماء كثيرة لكن تحمل نهاية لا نراها الا سعيدة عندما يحل سن السابعة والسبعين اعتزل القرصان المنتصر الظافر تحيط به كل مظاهر الإجلال والتكريم، ليقضي نحبه في فراشه 1546، وقد بلغ الثمانين

و كانت فارس تؤرق مضاجع تركيا و تنقذ اوروبا من تيار كان من الممكن ان يجرفها و تتيح للبروتسانتية ان تعيش فى لعبة الكراسي الموسيقية العجيبة للتاريخ

يبدأ التاريخ بعد اختفاء الأصول. فلا أحد يعرف أين نشأ الأتراك. "فذهب بعض الناس إلى أنهم كانوا قبيلة فنلندية أوجرية (شعب أسيوي شرقي الأورال) من الهون، وأن اسمهم يعني "خوذة" وهي في إحدى اللهجات التركية وقد شكلوا لغاتهم من اللغتين المغولية والصينية، وأدخلوا بعد ذلك ألفاظاً فارسية أو عربية، وهذه اللهجات التركية هي الوسيلة الوحيدة لتصنيف المتكلمين منهم بوصفهم أتراكاً. واتخذت واحدة من هذه العشائر اسمها من اسم زعيمها سلجوق. ونمت بالنصر تلو النصر، وتكاثرت سلالتها، وحكموا في القرن الثالث عشر فارس والعراق وسوريا وأسيا الصغرى. وفرت عشيرة أخرى من أقرباء العشيرة الأولى، بقيادة زعيمها طغرل، أر، من خراسان في نفس القرن، حتى لا يكتسحها طوفان المغول. واستخدمها سلجوق أمير قونية بآسيا الصغرى، في الأعمال الحربية، وأقطعها جزءاً من الأرض لرعي ماشيتها. وفي 1288 (؟) مات أرطغرل، فاختير ابنه عثمان، وهو إذ ذاك في الثلاثين من عمره، ليخلف أباه، ومنه اشتق اسم "العثمانيين".

و بينما كانت اوروبا تبحث عن حل لثورة الفلاحين و هجمات لوثر على الكنيسة و بينما كانت اسبانيا تجمع ذهب امريكا الجديدة و تعقد المحاكم لحرق كل من يطلق ما يمكن الاشتباه بكونه هرطقة و البرتغال تسحب البساط التجارى من البحر المتوسط مقر الحضارة العتيق كانت القسطنينية تتكون بعلامات شرقية اسلامية فتحمل حريتها الخاصة و قوانينها المعقدة .... وكان الهراطقة من المسيحين يدفعون جزية الابناء مقابل ان يصمت الجميع عن ما اعتقدوه فى قلوبهم

و بينما كان هنرى الثامن يبحث عن زوجة جديدة كان قد شن سليمان حروباً كثيرة، وذبح نصف ذريته، وأمر بذبح وزير مبدع دون إنذار أو محاكمة، إنه ارتكب الأخطاء التي تلازم السلطة المطلقة غير المحدودة، ولكنه كان أعظم وأقدر حكام عصره دون منازع
***********************
مرة اخرى نرجع لنكرر ما عبرنا عنه فى مجلدات حضارات العبرانيين فى العصور الوسطى ...ما هدف الكتاب؟ و كيف نطلع عليه نحن العرب؟ ... فاما الهدف فصورة شاملة لتاريخ و شخصية و أداب و دين اليهودى بغض النظر عن وطنه و بلده فى العصور الوسطى الطويلة الممتدة لعشرة قرون...و اما السؤال التانى فصعب و مرهق لنا و يخرجنا من نطاق حياديتنا المعتادة كقراء للتاريخ , فكيف الفصل بين يهودى القرون الوسطى من عام 1300 ل 1564و بين صهيونى عصرنا؟ و كيف نرسم فى اذهانا انهم بشر عاشوا على الارض كغيرهم و تركوا تراث كغيرهم

ديورانت معجب باصرار اليهود و احترامهم لحلمهم ... لكن ديورانت مغرم بالحياة الروحية فى الهند ايضا و بقيام حضارات الصين دون سند دينى و بفن اليونان و بقوانين روما و ببهرجة بيزنطة و ببساطة المسيح و بقيادة و اخلاق محمد , ديورانت مغروم بالانسانية و اليهود معه ليسوا استثناء ... و نكرر كما نكرر دائما ان ذلك شأن ديورانت و لنا شأننا

لكن ما يلفت انتباهنا حقا هو كيف عاش اليهود فى شتاتهم الاول بعد سقوط اورشليم عام 71 و بعد الشتات الثانى عندما قررت اسبانيا انها ستكون كاثوليكية اكثر و ان بترت كل مواطنيها حرقا و نفيا و الحكم الطويل بالموت كمدا

فنرى ان اذا كان الطاعون يغزو اوروبا فخسارة اليهود مضاعفة نتيجة ميراث الكراهية المتبادل بين مسيحية القرون الوسطى و بين اليهودية المتحدية الصامدة بكل اختلافتها و ريبتها ... ففى الطاعون سيخسر اليهود موتى مرضي كغيرهم و فوق ذلك سيخسروا الكثيرين من القتلى , و بيان ذلك كما يخبرنا ديورانت ان : وكان الموت السود كارثة خاصة حلت باليهود في العالم المسيحي. لقد أودى الطاعون نفسه بحياة المغول والمسلمين في آسيا،وهناك لم يفكر أحد في إلقاء اللوم على اليهود، ولكن في أوربا الغربية حيث جن جنون الأهالي لهول الوباء وما أحدثه من دمار، اتهم اليهود بتسميم الآبار في محاولة لاستئصال المسيحيين. ونسج الخيال المسعور كثيراً من التفاصيل. فقيل بأن يهود طليطلة أرسلوا رسلهم بصناديق ملآى بالسم الذي صنعوه من السحالي والعظاءات (نوع من الزواحف) وقلوب المسيحيين، إلى جميع الجاليات اليهودية في أوربا، مع توجيهات بإلقاء هذه السموم المركزة في الآبار والعيون مع ذلك عذب اليهود حتى اعترفوا بتوزيع السم. وأغلق المسيحيون آبارهم وعيونهم، وشربوا ماء المطر أو الثلج المذاب وانتشرت المذابح الرهيبة في فرنسا وأسبانيا وألمانيا

و نرى ان خلاف المسيحيين الكاثوليك و البروتسنت على مغزى و تجسيد المسيح فى القربان المقدس الذى مزق اوروبا بين لوثرية و كالفنية و زونجلية فى شقها البروتسنتى بخلاف الشقاق الكبير اصلا فى الكنيسة , نرى ان النقاش ذلك حتى دفع اليهود ثمنه كعادة اى اقلية فى عصر متشدد و متقلب وأصبحت قصة القربان المقدس مأساة لليهود. فقد طلب إلى المسيحيون أن يؤمنوا بأن الكاهن كان يحول رقائق الخبز غير المخمر إلى جسد المسيح ودمه، وقد ارتاب في هذا بعض المسيحيين، مثل "طائفة المتمتمين "، وربما أمكن أن يقوى من هذا الاعتقاد ما روى من قصص عن بعض رقائق الخبز المكرس التي تقطر دماً عند أية وخزة من سكين أو دبوس. ولكن من ذا الذي يقدم على هذه الفعلة الشنيعة غير اليهود؟ -هكذا فكر الجميع- وفي القرون الخيرة من العصور الوسطى كانت مثل هذه الأساطير التي تروي عن القربان الذي يقطر دماً كثيرة جداً. وفي حالات عديدة: في نيوبرج 1338، أدت هذه المزاعم إلى ذبح اليهود وإحراق بيوتهم. وأقيم في كاتدرائية سانت جود ول في بروكسل مصلى خاص لتخليد ذكرى القربان الذي أدمى 1369،

و نرى ان التطور الاقتصادى الذى تابعه كل من قرأ مجلدات قصة الحضارة الى مجلدنا الحالى من اقطاعيات زراعية الى رأسمالية صاعدة و تكوين طبقة جديدة ادى بدوره الى سحق عدد اضافي من اليهود واستترت المنافسات الاقتصادية وراء العداء الديني. فعلى حين امتثل المسيحيون لأمر البابا بتحريم الفوائد الربوية، حصل اليهود على ما كاد يكون احتكاراً لإقراض النقود في العالم المسيحي. ولما تجاهل بعض أصحاب المصارف المسيحيين هذا التحريم و اصبح مجال المنافسة متاحة من جديد , طردت و قتلت اوروبا الاصلاح الدينى بلا رعاية ... و عاد من جديد لا صوت يعلو على صوت الذهب

ولاقى يهود "الشتات" هؤلاء أقل العناء والشقاء في ظل السلاطين الأتراك والبابوات في فرنسا وإيطاليا، وعاشت الأقليات اليهودية آمنة في القسطنطينية وسالونيك وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين والجزيرة العربية ومصر وشمال أفريقية وأسبانيا تحت حكم العرب وكتب اليهود الألمان الذين لجئوا إلى تركيا إلى أقربائهم وصفاً خماسياً للحياة الطيبة التي ينعمون بها هناك

و وسط كل ذلك ماتت اضافات اليهود للتراث الحضارى و اكتفوا بصوفية صامتى و كابالا غارقة فى التعقيد تنتظر المخلص , باستثناء كرسكاس آخر هذه الصفوة اللامعة من فلاسفة اليهود في العصور الوسطى حتى جاء سبيبوزا
***********************
يتبقي لنا ملاحظات متفرقة , الاولى فيها عن تأثير البروتسنتيه على الاقتصاد الاوروبى حتى عندما تلغى اجازات اعياد القديسين فتزيد اعباء العامل او حتى عندما يبيح لوثر اكل اللحم يوم الجمعة ليتضرر تجار و صيادون السردين فى ضربة قاصمة و صعود الرأسمالية التى ربما صيرورة التاريخ كانت لتصعد بها حتى دون الالمانى الثائر المحافظ

و الثانية عن اثر اليهودية فى البروتسنتية كما يرى ديورانت و نرى معه من حيث تنفيذ الوصية الثانية بكل القوة و توقف عجلة الفن بها و نضيف ان لوثر ربما بدأ معادية للسامية المانية صغيرة دون ان يدرك فى عز حماسته

و الثالثة عن اختلاف ترجمة المجلد ذاك بالذات و هو المجلد الوحيد الذى ترجمه لنا الدكتور ابو درة لذا فسنراه يترجم اسم مارى تيودور الى "مارى اللعينة" رغم ما عودنا عليه مترجم الاجزاء السابقة عندما فضل استخدام تعبير "مارى الدموية" خاصة مع احتمالية اللفظ الانجليزى لكلا معنى منهم ... و نرى عموما ان الترجمة هنا اضعف قليلا من المعتاد لكنها قطعا ليست مقيدة لنا للاطلاع على المجلد الجميل ذلك
***********************
يحكى لنا ديورانت عن ان التاريخ، من بعض الوجوه، ليس إلا تعاقباً لموضوعات متعارضة، فإن الطباع والأشكال السائدة في عصر ينكرها ويبرأ منها العصر الذي يليه، والذي يضيق ذرعاً بالتقاليد، ويتحرق لهفاً إلى التجديد: فالكلاسيكية تنجب الرومانتيكية، وهذه تلد الواقعية، وهذه تأتي بالتأثرية، كما تدعو فترة إلى الحرب العدوانية....نصدقه كالعادتنا فنتجه رأسا الى المجلد التاسع و الثلاثون و الاخير ضمن مجلدات الاصلاح الدينى السته لكنه ابدا ليس الاخير فى ملحمة قصة الحضارة الطويلة و المرهقة و الممتعة

دينا نبيل
ديسمبر 2015

الاصلاح الدينى 4 - المجلد السابع و الثلاثون من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 1 - المجلد السابع و الثلاثون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 279 صفحة
اصدارات دار نوبليس

(وكان كل الحكام في أوربا يفرضون المكوس على شعوبهم ليهيئوا لأنفسهم صورة مصغرة لهذا الحلم الباريسي)

فاما الحلم الباريسى ذلك فبلاط الملك فرانسيس الاول ملك فرنسا الذى حاز كل مغامرات الحب و الحرب و السياسة و التحالفات المتقبلة كأنه فرنسا متجسدة فى شخص و اما البلاط المبهر ذلك فيرسمه المؤرخين لنا بكل ما ملكت ايديهم من جمال و بذخ

وكان النبلاء يقومون بوظيفة مزدوجة: تنظيم الجيش وخدمة الملك في البلاط. وكانت الحاشية التي تتألف من الرؤساء الإداريين ورؤوس النبلاء وزوجاتهم وأبناء الأسرة وأصفياء الملك، قد أصبحت وقتذاك على رأس فرنسا وفي الصدر منها، ومرآة تعكس البدع والمهرجان الملكي الدائم المتحرك، وعلى قمة هذه الدورة كان مدير قصر الملك الذي كان ينظم كل شيء ويرعى البروتوكول، ثم الحاجب المكلف بغرفة نوم الملك، ثم أربعة من السادة الموكلين بمخدع الملك، أو كبار الوصفاء الذين كانوا دائماً رهن إشارة الملك لتلبية رغباته، وكان هؤلاء الرجال يستبدل بهم آخرون كل ثلاثة أشهر، وذلك لمنح غيرهم من النبلاء فرصة يحل فيها الدور عليهم للقربى البهيجة من الذات الملكية. ولكيلا يتعرض أحد للإغفال كان هناك عدد من السادة يتراوح بين عشرين وأربعة وخمسين لمخدع الملك يخدمون الأربعة الكبار، يضاف إلى هؤلاء اثنا عشر وصيفاً للمخدع، وأربعة حجاب للمخدع، وكانت أجنحة نوم الملك تلقى العناية المناسبة. وكان هناك عشرون سيداً يعملون مشرفين على مطبخ الملك، وينظمون أعمال جماعة تتألف من خمسة وأربعين رجلاً وخمسة وعشرين من سقاة الخمر. وكان هناك نحو ثلاثين غلاماً من وصفاء الشرف - أولاد لهم نسب جليل - يعملون وصفاء للملك، ويتألقون في زي مفضض خاص، وجمع من أمناء السر يضاعفون من طاقة الملك على التدوين والتذكر

وكان القس الأكبر للكنيسة الملكية كردينالاً، ويشرف أسقف على المحراب أو المصلى، وسمح لخمسين من الأساقفة الأبروشيين بإسباغ البركة على البلاط، وبذلك يزدادون شهرة، ولا يفوتنا أن نذكر سبعة أطباء وسبعة جراحين وأربعة حلاقين وسبعة مرتلين وثمانية صناع ماهرين وثمانية كتبة للطبخ وثمانية حجاب بقاعة الاجتماعات. وكان لكل ولد من أبناء الملك خدمه الخاصون به... مشرفون وكتاب سر ومربون ووصفاء وخدم. وكان لكل واحدة من الملكتين في البلاط - كلود ومرجريت - بطانة خاصة تتألف من خمس عشرة سيدة أو عشر سيدات يعملن وصيفات وست عشرة أو ثمان من وصيفات الشرف - آنسات. ومن أعظم ما اشتهر به فرانسيس أنه جعل للنساء مكانة عليا في بلاطه، وأنه كان يغمز بعين الخبير إلى علاقاتهن غير الشرعية، ويشجع ويستمتع باستعراض حليهن ومفاتنهن الرقيقة.

وتحت هذا السطح المصقول كانت هناك قاعدة عريضة من الخدم: أربعة من الطهاة وستة من مساعدي الطهاة، وطهاة متخصصون في أطباق الحساء أو المرق المتبل أو الشواء، وعدد لا يحصى من الأشخاص، لتقديم الطعام إلى الملك وخدمته على المائدة، وفي المطبخ المشترك للحاشية، وتلبية احتياجات السيدات والسادة والسهر على راحتهم، وكان هناك موسيقيو البلاط يقودهم أشهر المغنين والملحنين والعازفين على الآلات في أوربا خارج روما. ويشرف على الحظائر الملكية مدرب للخيل، وخمسة وعشرون من رؤساء الركائب النبلاء، وحشد من الحوذية والسواس، وهناك رؤساء يشرفون على الصيد، ومائة كلب و 300 صقر يدربها ويعنى بها مائة مدرب للصقور تحت إشراف كبير مدربي الصقور. وتألف حرس الملك من أربعمائة من الرماة، يضيئون البلاط بأزيائهم الملونة.

ولم يكن هناك مبنى في باريس يكفي لمآدب البلاط وحفلاته الراقصة وحفلات الاستقبال الدبلوماسية. وكان قصر اللوفر وقتذاك حصناً كئيباً، فانصرف عنه فرانسيس إلى القصور المنسقة المعروفة باسم ليه تورنل (الأبراج الصغيرة) قرب الباستيل، أو إلى القصر الفسيح الذي اعتاد المجلس النيابي أن ينعقد فيه، ومع أنه كان لا يزال يعشق الصيد فقد انتقل إلى فونتنبلو أو إلى قصوره الممتدة على نهر اللوار في بلوا أو شامبور أو أمبواز أو تور - ساحباً معه نصف الحاشية وثروة فرنسا. وقد وصف شليني بمبالغته المعهودة ولي نعمته الملك بأنه كان يسافر ومعه بطانة مكونة من 18.000 شخص و 12.000 جواداً واحتج السفراء الأجانب على ما يتكبدونه من نفقات ومشقة، في سبيل لقاء الملك أو مسايرته، وإذا وجدوه فإنه يكون على الأرجح، نائماً في فراشه حتى الظهر، يفيق من المتع التي نعم بها في الليلة الماضية، أو منصرفاً إلى ما يلزم لرحلة صيد أو مباراة للفروسية. وكانت نفقات هذا المجد الطواف باهظة. وكانت الخزانة دائماً على شفا الإفلاس، والضرائب ترتفع على الدوام، والمصرفيون في ليون يكرهون على تقديم قروض للملك، يتعرضون فيها للمخاطر.

وعندما أدرك الملك عام 1523 أن نفقاته تتجاوز موارده، وعد بوضع حد لإشباع رغباته الشخصية "وهي لا تشمل على أية حال المطلب العادي لاحتياجاتنا ومتعنا القليلة وكان يلتمس لنفسه عذراً في تبذيره بحاجته إلى التأثير في المبعوثين والتغلب على النبلاء الطموحين، وإدخال البهجة على قلوب العامة، ورأى أن الباريسيين يتعطشون للعروض، وأن إعجابهم بأبهة ملكهم يفوق استياءهم منه.
***************************
لكن هل يمكننا تلخيص ملك فرانسيس الاول الطويل و الهام فى مظاهر ابهه حكمه ؟ بالطبع لا و هنا يكيفينا الاشارة الى الحرب و المنافسة الطويلة بينه و بين شارل الاسبانى الذى سيصير الامبراطور لاحقا بعد محاولات فرنسية طويلة للحيلولة دون ذلك

واقتضى الأمر أن تتصدى امرأتان لتلقين الحاكمين فن السلام وحكمته، فقد اتصلت لويز أميرة سافوي بمرجريت النمسوية نائبة الملك في الأراضي المنخفضة، واقترحت عليها أن يتخلى فرانسيس، المتلهف على عودة ابنيه، عن كل مطالبه في الفلاندرز وارنوا وإيطاليا وأن يدفع فدية قدرها 2.000.000 كارون ذهبي، لإطلاق سراح ولديه، على ألا يتنازل أبداً عن بورغنديا، وأقنعت مرجريت ابن أخيها بإرجاء مطالبته ببورغنديا وأن ينسى مطالب الدوق بوربون، الذي مات وقتذاك في الوقت المناسب.
وفي 3 أغسطس عام 1529 وقعت المرأتان ومعاونوهما الدبلوماسيون معاهدة صلح السيدات في كامبراي، وحصلت الفدية من التجارة والصناعة ودم فرنسا، ونعم بالحرية من جديد أميرا البيت المالك بعد أربع سنوات من الأسر، وعادا بقصص تروى عن المعاملة القاسية التي أثارت فرانسيس وفرنسا. وبينما وجدت المرأتان القديرتان سلاماً دائماً- مرجريت عام 1530 ولويز عام 1531- أخذ الملكان يعدان العدة لاستئناف الحرب بينهما.

و يضيق هنا الحال بالحديث عن "مغامرات" فرانسيس الاول و شارل الخامس و تذبذب هنرى الثامن وسط موجة الجنون الاوروبى فى القرن السادس عشر خاصة عندما تغيب امثال لويز و مرجريت من المشهد
***************************
هل يمكن ان نسطح الامر قليلا و نقول ان سبب انفصال الكنيسة الانجليزية عن الكثالوليكية الرومانية هو -فقط- غراميات هنرى الثامن المتعددة و ان غرامه ب ان بولين كان ساحرا الى تلك الدرجة لتغيير عقيدة الملك و بالتبعية الالاف و الملايين من الانجليز؟ .... هل يمكن ان نقول ان انشقاق دينى كبير و عميق و دموى كهذا كان لاجل الحب و الهوى؟ بالاضافة الى رغبة هنرى الثامن -المشهور فى كتب التاريخ كصاحب اشهر قضية طلاق فى الشق المسيحيي من العالم- فى ترك زوجته؟

ربما كان ليعجبنا ذلك قليلا و يخفف من قساوة السياسة و العاب التاريخ الجافة لكنه سيكون قول جذاب خادع كبير و ربما دماء ان بولين تفسها المراقة بعد قطع رأسها الصغير بعد فترة قليلة من الزواج المشوش اثبات على ان الحل الرومانسي لم يكن حلا تاريخيا ... ربما الاصح ان نقول ببساطة ان الملكية الانجليزية كانت قد وصلت الى درجة من القوة و البخل جعلتها قادرة على ان ترفض التسليم بسلطة البابا فى التدخل فى شؤون انجلترا السياسى و الاهم رافضة بالتسليم فى حقه فى التحكم بمواردها المالية و تسرب النقود الانجليزية الى روما تزين قصور البابا و ثمن صخور تماثيل مايكل انجلو

زواج سياسي بين هنرى الثامن و بين كاثرين الارجوانية ابنة فرينارد و ابيزابيلا الشهرين فى ظل صغر سن هنرى ثم عجزهما فى ايجاد وريث ذكر للعرش جعل الملك تواقا -ولاسباب سياسية اكثر منها غرامية- فى حل الزواج السياسي بعد انتقضاء الهدف منه اصلا مع تغيير لعبة التحالفات السياسية فى عالم القرن السادس عشر المجنون ذلك

و تتدخل السياسة فى مخادع الرجال , فالبابا اسير عند شارل ز بالتبعية لدى كاثرين الارجوانية فلا يجد هنرى سوى الخروج عن سلطة البابوية كلها و ربما للابد مصطحبا معه الشعب الانجليز برغبته او رغم انفه فى سبيل الحكم -لا الوطن طبعا- ولا من اجل اصلاح دينى ما ولا لجمال ونة جمال لوثر الذى ارتكب موبيقة سب هنرى المغرور فى هوجه من الغضب فجعل انفصال كنيسة بحجم الانجليزية لا يعد نصرا للوثر الالمانى البعيد

و ينتصر هنرى الثامن لهنرى الثانى الغائب فى غياهيب التاريخ وهدم ضريح سانت توماس بيكيت التاريخي في كانتربري، وأعلن هنري الثامن أنه في انتصاره على هنري الثاني لم يكن قديساً حقاً ... و قارئ تاريخ العصور الوسطى لن ينسي تلك القصة الثنائية العجيبة عن الدين و السياسة ابدا

واستخف الطرب الملك فطالب وقتذاك بان يعترف به رجال الأكليروس "حامياً للكنيسة ورجال الدين في إنجلترا والرئيس الأعلى الوحيد لهم" أي أن ولاءهم للبابا لابد أن ينتهي وعرضوا اثنتي عشرة مصالحة وجربوا اثنتي عشرة عبارة مبهمة، وكان هنري قاسياً لا يرحم، وأصر على أن يردوا بكلمة "نعم" أو "لا". وأخيراً (10 فبراير سنة 1531) عرض رئيس الأساقفة واهرام، وكان وقتذاك في الحادية والثمانين، في تبرم، إقرار صيغة الملك وأضاف إليها عبارة فيها تحفظ "بقدر ما تسمح شريعة المسيح"، وسكت المجلس الأكليروسي، واعتبر السكوت رضاً، وأصبحت الصيغة قانوناً، وهدأت ثائرة الملك، فسمح عندئذ للأساقفة بمطاردة الهراطقة.

وكانت الروح القومية، وهي في إنجلترا وهي في إنجلترا أقوى منها في ألمانيا، تقف في تلك المسألة إلى جانب الملك، وعلى الرغم من فزع رجل الدين من تصور أن يكون هنري سيداً لهم فإنهم لم ينفروا من الاستقلال عن بابوية لا شبهة في خضوعها لسلطة أجنبية.... فى موقف يذكرنا كثيرا بحركات التحرر الاولى حينما كانت البابوية فى أفنيون اسيرة فرنسا القوية و لم يقف فى وجه التغيير حينها الا رجوع سريع رشيق لسلطة البابوية حاولت كثيرا تكراره لكن المرونة صفة عصور الشباب و فقط

وظهرت أول نسخة كاملة بالإنجليزية في زيورخ عام 1535. ونشرت عام 1539 طبعات منقحة، وأمر كرومويل بأن يوضع هذا "الكتاب المقدس العظيم" في كل كنيسة إنجليزية. ومنح هنري "بدافع من الكرم والطيبة الملكيين" المواطنين امتياز تلاوة الكتاب المقدس في بيوتهم، وسرعان ما أصبح تقليداًيومياً عند كل أسرة إنجليزية تقريباً. ولكنه كان ينبوعاً للشقاق والإلهام أيضاً، فقد أنبتت كل قرية مفسرين هواة، أثبتوا أي شيء أو عكسه بما ورد في الكتاب المقدس، وتجادل المتعصبون حوله في الكنائس، وتعرضوا لضربات بشأنه في الحانات . ومنح بعض الرجال الطموحين زوجاتهم أوامر قضائية بالطلاق، أو احتفظوا بزوجتين في آن واحد، بحجة أن هذا عمل سليم أباحه الكتاب المقدس . وأسف الملك لحرية التلاوة التي منحها للناس، وعاد إلى مظاهرة الكاثوليك. وحث المجلس النيابي عام 1543 على سن قاعدة بأنه لا يجوز قانوناً حيازة الكتاب المقدس إلا للنبلاء والملاّك، ولا يجوز لغير القساوسة الوعظ به أو الجدال فيه علناً

و قرر هنرى او ربما ما استقر عليه بعد كثير من التخبط هو نوع خاص من الكاثوليكية تحتفظ بالشكل الدينى و تنتزع العلاقة البابوية تضطهد بقوة اى كاثوليكي يدين بادنى قدر من الولاء لبابا و تعدها خيانة للوطن و تحالف مع قوات اجنبية معادية و حرق الكثيرين او سجنوا بسبب ذلك و تدين البرونسنت بنفس الحزم كنوع من الهرطقة و يسجن و يحرق الكثيرين بسببه و يتجاور الاعداء سويا على المحرقة و يتمسك كلا منهم برأيه فيما اسماه ديورانت عصر اليقين المخيف

واستمر الكثالكة يرسلون إلى المحرقة أو المقصلة بسبب إنكارهم سيادته في الشئون الكنسية، والبروتستانت بسبب جدلهم في اللاهوت الكاثوليكي؛ وعُلِّق فورست وهو رئيس شعبة المتشددين من الفرنسسكان الممتثلين في جرينوتش، رفض أن ينكر سلطة البابا، على نار وهو مكبل بالأغلال، وشوي ببطيء حتى مات (31 مايو سنة 1537) . وقبض على جون لامبرت؛ وهو بروتستانتي بسبب إنكاره وجود المسيح حقيقة في القربان المقدس، وحاكمه هنري بنفسه، وحكم عليه هنري بالموت وأحرق في سمثفيلد (16 نوفمبر سنة 1538)

و اخيرا ماذا ورث هنرى الثامن لانجلترا؟ وريث ذكر عليل و اختين غير شقيقتين سيكتب على احداهما ان تكون كاثوليكية و الاخرى بروتسنت ... الاولى دموية و الثانية متأمرة و كالعادة يحرق الالاف على نفس الاوتاد الخشبية و يحمل المواطنين الشرفاء الحطب بنفس الحماس و الشغف
***************************
و ربما سيتجول بنا ديورانت وسط محارق الهراطقة و قطع روؤس اعداء السياسة لكنه ابدا لن ينسي او يتوانى ان يروى لنا اداب توماس مور و تلخيص اجزاء من مدينته الفاضلة الاستوائية البعيدة ... و حماس جون نوكس الاسكتلندى و كتبه عن تاريخ مارى الدموية

سيتلوث الادباء بالسياسة كما تلوث الجميع فى هذا العصر و ربما يتورط مور فى اضطهاء البرونسنت الانجليزى و تغوص يد جون نوكس فى دماء بعض الكاثوليك الاسكتلنديين ... لكن العالم سيتذكر الكتب و ينسي المذابح و يحتفظ فى صحفاته بالفنانين و الادباء اكثر مما يحتمل من اسماء و افعال الملوك المجنونة و المتناقضة

و يروى ديورانت قصة الملوك و التاريخ بإنصاف لا يشوبه إلا تحامل يصدر عن اللاوعي ،لكنه يسمح لنفسه بإضافة تعليق افتراضي يعترف به نستمتع به و بتحليلاته كما اعتادنا معه عبر مجلداته الممتعة المرهقة ... فنفعل ما نفعله دائما فنتتقل سريعا الى المجلد الثامن و الثلاثين من الملحمة الديورانتية الطويلة و الملهمة

دينا نبيل
نوفمبر 2015

الاصلاح الدينى 3 - المجلد السادس و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الانشقاق الدينى - المجلد السادس و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 280 صفحة
اصدارات دار نوبليس

العقل ينتصر ام الدين؟ معركة ظهر كثيرا فى صفحات التاريخ انها حسمت لكن الانسان فشل دائما فى انهاء الامر ففى كل عصر نتخيل ان الدين قد انتصر للابد كما فى القرون العشرة للعصور الوسطى و تنتصر العبرية على اليونانية و المسيح على سقراط نرى عنقاء الفلسفة و الفن تنتفض فى عصر النهضة الايطالى المبهر ... لكن المعركة لم تحسم ابدا فحتى فى عهد انجلو و روما الذهبية كان هناك سفنرولا , و بينما كانت تنعم روما بتلك المعادلة الحساسة سريعة الفشل بين الحرية و السلطة الدينية كان لوثر يمزج التقدم بالتراجع و ينزع من الانسان سلطة العقل و يرجع الى عهد اوغسطين الاول

فنسمع لوثر يعلن فشل و تفاهة العقل من اصله و ارجاع الامر للسلطة السماوية و حدها : "نحن المساكين، الناس التعساء... نسعى في غرور إلى فهم الجلال الذي يدق على الفهم لنور عجائب الله التي لا تدرك... ونحن نتطلع بعيون مغمضة، مثل حيوان الخلد، إلى مجد الله" . وقال لوثر: "أنت لا تستطيع أن تقبل كلاً من الإنجيل والعقل فأحدهما يجب أن يفسح الطريق للآخر ... إن كل آيات عقيدتنا المسيحية التي كشف لنا الله عنها في كلمته أمام العقل مستحيلة تماماً منافية للمعقول وزائفة. فإذن كيف يعتقد ذلك الأحمق الصغير الماكر أن هناك شيئاً يمكن أن يكون أكثر مجافاة للعقل واستحالة من أن المسيح يعطينا جسده لنأكله ودمه لنشربه في العشاء الأخير؟... أو أن الموتى سيبعثون من جديد يوم القيامة؟... أو أن المسيح ابن الله حملت به مريم العذراء وولدته ثم غدا رجلاً يتعذب ثم يموت ميتة مخجلة على الصليب؟ ... إن العقل هو أكبر عدو للإيمان... إنه أفجر صنائع للشيطان كبغي فتك بها الجرب والجذام، ويجب أن توطأ بالأقدام ويقضى عليها هي وحكمتها... فاقذفها بالروث في وجهها... وأغرقها في العماد"
**************************
أتفيد الثورة الاصلاح الدينى؟ الاكيد ان الاصلاح الدينى و سقوط هيبة الكنيسة ذاته كان محرك لتلك الثورة الاجتماعية ذات البعد الشيوعى الواضح لكن السؤال الذى حير المؤرخين بل و معاصرين تلك الاحداث هو لم تبرأ لوثر منها رغم ان حماسته هى من اشعلت النار فى القش من الاساس ... الان بعد هدوء كل العواصف التاريخية نرى ان لوثر صاحب الفكرة و ربما الاراء الصارخة كان كغيره لا يحتمل ان تترجم افكاره الى دماء تراق و سلطات "دينوية" تسقط و فوضي تنتشر و كان محافظ اكثر مما يحب و ثوريا اكثر مما يتحمل الواقع فى ان واحد , و كان بعيد النظر نسبيا عندما تيقن ان أن الثورة الدينية التي خاطر من أجلها بحياته سوف تتعرض للخطر الشديد بسبب الرجعية المحافظة التي كانت مضطرة إلى أن تتبع ثورة فاشلة.... و سبق الاخريين عندما تأكد من ان قانون "الرجعية" سينصر بالتاكيد بعد الثورات العارمة خاصة الفاشلة منها

هل يمكن ان نعزى الامر ايضا الى دموية الثورة الاجتماعية الالمانية؟ بالتاكيد لكننا نرى ايضا ان خسارات الفلاحين -التى تخلى عنهم لوثر بقسوة- لم تكن اقل دموية عن تلك التى اترتكبوها فى ساعات الانتصار المظفر قصير المدى كعادة ثورات الفقراء من قبل عهد اليونان حتى ... و قصة ثورات اللامعمدانيون و اليوتوبيا التى حلموا بتحقيقها على الارض من القصص التى يندى لها جبين العالم الرأسمالى محب الملوك و المحافظ بشكل لا يحمل قدر كبير من الانسانية
**************************
لوثر ... أرازموس ... كالفن ... زونجلى

اربعة من العظماء قدر لهم ان يجتمعوا فى عصر واحد و ربما بهدف واحد و هو هز الاستقرار الكثالوليكى الايطالى الهادئ منذ قرون , و نتعجب قليلا عندما ندرك الان ان اراء الاربعة التى قيلت فى القرن السادس عشر غيرت من وجه حياتنا الان و جعلتها مختلفة كثيرا لو لم تقال قط

الغريب هو ان علاقة الاربعة الكبار لم تكن قط مثالية فلوثر يعادى زونجلى ذو الميول الانسانية و اتساع أفق لاختلافهم فى تفصيلة لاهوتية نراها اليوم لا تستحق كل هذا العداء وقد اتفق في الرأي مع لوثر بأن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحصل على الخلاص بالأعمال الصالحات، بل يجب أن يؤمن بالقدرة التكفيرية لموت المسيح المقترن بالتضحية , ورفض لوثر أن يصافح اليد التي مدها إليه زونجلى، وقال: "إن روحك تختلف عن روحنا" . وعندما سمع لوثر بموت زونجلى هتف يقول "إن هذا حكم السماء على كاف وانتصار لنا" ويروى أنه قال: "كم أود من أعماق قلبي لو أمكن إنقاذ حياة زونجلى ولكني أخشى أن يحدث العكس لأن المسيح قال إنه: "ملعون كل مَن يكفر به"

يكره ارازموس لانه غير حاسم ... لكن ماذا كان يتوقع من عالم انسانيات رقيق المشاعر يحافظ على وعد الرجال الشرفاء بين الكنيسة و المثقفين ان يحظى الطرف التانى بقليل من الحرية باللاتنية الميتة مقابل غض طرف الاول عن اى هرطقة مزعومة , و مع ذلك فبعد انتهاء فوران لوثر لم يتبقي غير كلمات الانسانى الجميل تنير القرون الطويلة اللاحقة

ويضيف مؤرخ كاثوليكي تقديراً يكاد يكون مطابقاً لمقتضيات العقل: "إن أرازموس كان ينتمي فكرياً إلى عصر لاحق علمي وعقلاني أكثر من عصره. والعمل الذي قد بدأ به والذي أوقفته الاضطرابات التي حدثت في عهد الإصلاح الديني استأنفه علماء القرن السابع عشر في وقت لاقى فيه قبولاً أكثر"
**************************
يتبقي لنا ان نذكر ان دورانت واضح الاتجاة و العقيدة و الافكار لكن فى الاجزاء الاولى من الموسوعه الطويلة يتحفظ العملاق الامريكى قليلا فى ابداء رأيه الشخصى و هو ما يراه النقاد ميزة و نراه عيبا ثم فى الاجزاء اللاحقة سيبدأ ديورانت فى الانطلاق فى ابداء مشاعره فى احداث و افكار التاريخ

لذا فالتحفظ الصغير الذى ابداه ديورانت تجاه جبرية و قدرية اوغسطين يتحول لغضب تجاه كالفين الذى سيفعل تلك الاراء فى منظومة الدين الفعلى و يخرجها من سجون الاوراق اللاتنية فى دير ما فى العصور الوسطى ... لن يغفر له ان افكاره كانت حجر اساس ارهاب والمتطهرون (البيوريتان)الانجليز

و سيرى و نرى معه ان كالفن اهدى العالم مجتمع اورويل مستلط و عقيدة متصلبة تمحو حرية الانسان فى الدنيا و الاخرة , لكنه منحها خلود فردى مستقل عن الكنيسة و قوة تحميه من الانسحاق الثقافى او العسكرى

لكنه سيحاول دائما ايجاد الجانب المشرق فى الامر فيقول:
وفي غضون ذلك كانت حكومة رجال الدين الصارمة التي أقامها كالفن تنبت براعم ديمقراطية، ثم إن جهود الزعماء الكالفينيين في سبيل توفير التعليم للجميع تفقيههم وغرسهم شخصية مهذبة قد ساعد أوساط الناس الأشداء في هولندة على إبعاد الحكم المطلق الإسباني الدخيل ودعم ثورة النبلاء ورجال الدين في سكوتلندة ضد ملكة فاتنة ولكنها مستبدة. وكان للنزعة الرواقية في عقيدة صارمة الفضل في خلق أرواح قوية للمعاهدين السكوتلنديين والمتطهرين الإنجليز والهولنديين والحجاج في نيوانجلاند، وثبتت قلب كرومويل واهتدى بها قلم ميلتون الكفيف وحطمت سلطان آل ستيوارد المستبدين. وشجعت الناس الباسلين والقساة على الظفر بقارة وعلى نشر أساس التعليم والحكم الذاتي إلى أن يستطيع كل الناس أن يصبحوا أحراراً. وسرعان ما طالب الناس الذين اختاروا كهان أبرشياتهم بأن يكون لهم حق اختيار حكامهم وأصبحت جماعة المصلين التي تحكم نفسها بنفسها بلدية تحكم نفسها بنفسها، وهكذا أبرزت أسطورة الانتخاب الإلهي نفسها في صنع أمريكا. وعندما تم أداء هذا العمل أهملت النظرية البروتستانتية التي تقول بالجبر، ولما عاد النظام الاجتماعي إلى أوربا بعد حرب الثلاثين عاماً وفي إنجلترا بعد ثورتي عام 1642 و 1689 وفي أمريكا بعد عام 1793 تغير الفخار بالانتخاب الإلهي إلى اعتزاز بالعمل وإنجازه وشعر الناس بأنهم أقوى وأكثر أمناً.

و كعادتنا سنفعل ما نفعله دائما عند الانتهاء من مجلد من مجلدات قصة الحضارة الطويلة ... سنتجه رأسا الى المجلد التالى فرحين بما اتانا الله و رزقنا به

دينا نبيل
نوفمبر 2015

الأحد، 15 نوفمبر 2015

الاصلاح الدينى 2 -المجلد الخامس و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 2 -المجلد الخامس و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 288 صفحة
اصدارات دار نوبليس

فى المجلد الثانى من الاصلاح الدينى سيقرر ديورانت ان يصحبنا فى رحلة مثيرة للاهتمام بين اوروبا الشرقية و اسبانيا و تركيا و المانيا و من ثم الى العالم الجديد المجهول فى دورة طويلة نادرة

من بوهيميا و ثورتها الفكرية مع هس و الاجتماعية بين الفلاحين الممزقين بسيوف النبلاء كانت البداية و الشرارة الاولى ... فى بوهيميا البعيدة المنسية كانت ما رأى ديورانت انه ضربه البداية , يموت هس لتبدأ الثورة الاجتماعية و تتفرق عند المطالب و تتفرغ للقضاء على بعضها البعض فى مشهد ثورى متكرر نمل من كثرة ما قرأنا عنه و شهدناه

و منها الى بيزنطة تتألق قليلا قبل ان تنطفأ الى الابد فنرى ثورة فى الفنون متأثرة بجنون حب الجمال السارى من ايطاليا البعيدة الساحرة ... كان البعث الفني ملحوظاً كعودة الفتوة إلى الآداب. وكانت الموضوعات والرسوم لا تزال كهنوتية، بيد أن لمسة من منظر خلوي أو نسمة من الطبيعة. وفي الفسيفساء التي كشف عنها حديثا ديركورا ((مسجد قاهرية الجامع)) حيوية دافقة جعلت المؤرخين الغربيين يعترفون بأنهم يرون فيها تأثيراً إيطالياً جديداً. وتراخت القبضة الكهنوتية عن الصور الجدارية التي حلت محل الفسيفساء، باهظة النفقة في زخرف الكنائس والقصور وظهرت رسوم من الخيال الرحب والقصص الدنيوي إلى جانب قصص القديسين. ومع ذلك تشبث صناع الأيقونات بالطراز الموروث القديم، أشكال ضامرة ووجوه يحرقها ورع طهري غائبة بصورة أخاذة عن أخلاقيات العصر. وتعرض حينذاك تصوير المنمنمات البيزنطي لانحلال كبير، بيد أن نسج الرسوم التصويرية بالحرير ظل ينتج روائع لا تنافس في العالم الغربي

لم تكن هناك حكومة جديرة تماماً بالسقوط كالحكومة البيزنطية.فلم ترسل فرقاً من الجنود إلى الجيوش المسيحية في مارتزا وقوصوه أونيكوبوليس لأنها فقدت الرغبة في الدفاع عن نفسها وعجزت عن إقناع اليونان الممعنين في السفسطة بأن الاستشهاد في سبيل الوطن عمل مجيد ونبيل
**************************
و وسط احداث ايطاليا الممعنة فى حب الجمال و اسبانيا الدينية المتعصبة و بوهيميا الباحثة عن دين جديد و المانيا المحترقة لتضئ نور الحرية الى العالم الكاثوليكى و فرنسا و انجلترا تتنازعان فى حرب المئة عام على عرش مقلقل تتنازعه حمى الطاعون ... كان العالم الجديد ينادى و يعطى لما يخاطر لاجله

و هنا تتفرغ البرتغال لاكتشاف تجارة جديدة بعيدا عن ضرائب الاتراك و تنازع فينسيا على البحر المتوسط الذى احتكر الحضارة فترات طويلة ... فكانت الاموال و التجارة هى الدافع الحقيقى لرغبة الانسان فى اكتشاف الكوكب الذى عاش عليه لالوف السنين

ليبدأ هنريك -"هنري الملاح" الثورة التجارية التي قدر لها تغير خريطة الكرة الأرضية. ولما استولى جون الأول على سبتة من المغاربة (1415) خلف هنري البالغ من العمر إحدى وعشرين سنة حاكماً على هذا المعقل المنيع، وهي عند مضيق جبل طارق تماماً. وفتنته روايات المسلمين عن تمبكتو والسنغال والذهب والعاج والعبيد التي يمكن الحصول عليها على طول الساحل الغربي لأفريقيا، فعزم الشاب الطموح على أن يكتشف تلك الربوع ويضمها إلى البرتغال. فربما قاده نهر السنغال الذي تحدث عنه من اخبروه، صوب الشرق إلى منابع نهر النيل وإلى بلاد الحبشة المسيحية، وبذلك يُفتتح طريق مائي عبر إفريقيا من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر- ومن ثم إلى الهند، ويتحطم الاحتكار التجاري للتجارة مع الشرق، وتصبح البرتغال دولة كبرى. وقد يدخل سكان الإقليم بعد فتحه في المسيحية ويحصر الإسلام في أفريقيا من الشمال ومن الجنوب بدول مسيحية، ويصير البحر الأبيض المتوسط آمناً للملاحة المسيحية. ويبدو أن هنري لم يفكر
في طريق يدور حول أفريقيا، ولكن هذا الطريق كان ثمرة جهده.

و بينما تغزو البرتغال شق الكرة الشرقى كانت اسبانيا تفكر فى النصف المجهول الاخر وفي الثالث من أغسطس أبحرت سانتاماريا (سفينة أمير البحر) وبنتا ونينيا من بالوس وعلى ظهرها ثمانية وثمانون رجلاً ومؤن تكفيهم لمدة عام.... لتغير وجه خريطة العالم حرفيا و الى الابد
**************************
فى عصر الاصلاح الدينى نجد -كما تعودنا- فى كافة عصر اجزاء قصة الحضارة الطويلة هذا التناقض الابدى و الدائم و المتكرر عن ثائية العقل و الدين , المنطق و الايمان , الفكر و الاله و انقسمت كمان انقسمت دائما الى نوعين ففى كل العصور هناك دائما ابيلار و الاكوينى ... و هنا نجد ويليام الأوكهامي يجدد الحياة الفلسفية فى العصر الوسيط ذلك بين القرون العشرة المظلمة و عصر العقل القادم لا محالة

فنجد كلمات مثل "سلطان العقل و التجربة" تظهر من جديد و الاعلان عن الفشل العقلى فى الوصول الى حقيقة الاله تلمع من جديد و تتكرر شكوك الانسان فى جدوى العلم و اللاهوت كلاهما عندما نضع "التجربة الفردية" و فقط حجر اساس للفلسفة و تفهمنا للكون
*****************************
و تتغير شكل طبقة الفرسان بانتهاء عصرهم الذهبى فى العصور الوسطى فنرى تحول غريب و مثير للدهشة لقارئ و دارس التاريخ حين نرى "السيد" الكلاسيكى الحامتى لضاحيته و المالك شبه الوحيد لها بل و ملكها الفعلى يتحول فى المانيا مثلا الى "قاطع طريق" بطريقة او باخرى , فالعالم يتغير و سيتغير دائما و مرارا ... و يتحول حق "شن الحروب الخاصة" فى مراحل مما قبل الملكية المركزية المطلقة الى شكل عصابات و قد د وصف كومين، ألمانيا في هذا العهد بأنها تزخر بالقلاع التي يمكن في أي وقت أن يتدفق منها "لصوص من البارونات" وأتباعهم المسلحون، ويسلبون التاجر المسافر والفلاح على السواء. وجرت عادة بعض الفرسان أن يقطعوا الأيدي اليمنى لمن يسلبون من التجار. وعلى الرغم من أن جيتز فون برليخينجن فقد هو نفسه يده في خدمة أميره، فقد ايتبدل بها يداً حديدية، وتزعم عصابات من الفرسان، لا لمهاجمة التجار فحسب، بل لمهاجمة المدن أيضاً

و فى عصر الاصلاح الدينى نرى بشائر لتحول الاقتصاد من الزراعه الى التجارة و هو ما يتكرر كثيرا حين يحل السلام محل الحرب و الدولة محل الدين ... فنرى تبادل الرأسمالية و الشيوعية فى رقصة ثنائية ابدية عصور و عصور قبل ماركس و سميث
*****************************
ها هو صوت الدولة الوطنية الطاغية يرتفع مرة أخرى. وما إن أخضع الملوك البارونات والكومونات بفضل مؤازرة الطبقات الوسطى الناهضة حتى أحسوا بأنهم بلغوا من القوة حدا جعلهم يرفضون ادعاء الكنيسة بأن لها السيادة على السلطة المدنية. وانتهز الحكام الزمنيون الفرصة التي أتاحت لهم انحطاط السلطة الدولية والأدبية للكنيسة وأخذوا يحملون بالسيطرة على كل وجوه الحياة في ممالكهم بما فيها الدين والكنيسة وكانت هذه النتيجة تستحق الكفاح في الإصلاح الديني. وبعد انتصار الدولة على الكنيسة مرحلة نهائية في العصور الوسطى.

و هنا لم يكن ينتظر العالم الا لوثر ليطلق رصاصة الرحمة الاخيرة على الكنيسة الرومانية و ليت الامر كان بتلك السهولة... فلا يوجد بد اذن كالعادة الا الاتجاه رأسا الى المجلد السادس و الثلاثون من قصة الحضارة الطويلة و الممتعة

دينا نبيل
نوفمبر2015

الاصلاح الدينى 1- المجلد الرابع و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: الاصلاح الدينى 1 -لمجلد الرابع و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: عبد الحميد يونس
عدد الصفحات: 258 صفحة
اصدارات دار نوبليس

يصاب قارئ التاريخ بالبلبلة قليلا عندما يقرر ديورانت ان يعيد كتابة التاريخ عن نفس الفترة التاريخية التى روى عنها فى خمسة مجلدات عصر النهضة فى ستة مجلدات اخرى... لكن قارئ قصة الحضارة الذى وصل لتلك المرحلة المتقدمة نسبيا فيها يدرك مغزى ديورانت حين يقرر ان يروى عن فترة تاريخية تمتد قرنين لكنها زاخرة بالاحداث و غيرت شكل العالم فى هذا العدد الكبير من الاجزاء و المجلدات المتوالية... فعصر النهضة هو بذاته عصر الاصلاح الدينى لكن الفارق الرئيسى ان بينما كانت ايطاليا تنعم برفاهية الفن و المؤامرات السياسية كانت المانيا و باقي اوروبا يتميز فى نار الحرب و الانشقاق الدينى

هو ذاته العصر لكن المكان و تقرد ايطاليا فى اكثر عصورها ذهبية جعلت ذلك الفارق الكبير بين نوعية الاحداث و الافكار ... تكنيك ربما مرهق للقارئ حين يعيد قراءة كل ما قرأ لكن ديورانت كمعلم عتيد يأخذ بيك لعالمه و يوعدك بالمعرفه و المتعه فتقبل الرهان
*******************
وصل البشر فى ذلك العصر لمثل حال عصرنا حين وقف الانسان بعد ثبات طويل فى عشرة من القرون كونت العصور الوسطى و تساءل عن جدوى الدين اولا و عن جدوى المؤسسات الدينية ثانيا , و ان كانت فطرته اهدت -او كادت- اليه اجابة السؤال الاول فانها تعجز عادة عن الوفاء بالثانى ... و بمجرد اطلاق السؤال عن "جدوى" المؤسسات الدينية يكون الشك قد دخل بالفعل و حدث نصف التأثير حتى قبل الاجابة بالهجوم او بالدفاع , العصور الوسطى الزراعية و الاقطاعية انتهت و حل عالم من الملكية المطلقة و الحياة التجارية لم تعد تناسب مجد كنيسة القديس بطرس التقليدى

وبينما كانت الكنيسة يبدو عليها أنها آخذة في استعادة مجدها وسلطانها، كان يحدث في أوربا تغير اقتصادي وسياسي وعقلي يعمل بالتدريج على تقويض صرح المسيحية اللاتينية

ذلك أن الدين يزدهر عادة في ظل النظام الزراعي على حين أن العلم يزدهر في ظل الاقتصاد الصناعي فكل حصاد معجزة من المعجزات في الأرض ونزوة من نزوات الجو، والفلاح الحقير الخاضع لسلطان الجو والذي ينهكه الكدح، يرى من حوله قوات خارقة للعادة في كل مكان، ويوجه الدعوات والصلوات إلى السماء ليسترضيها ويستميلها إليه، ويرتضي الخضوع لنظام ديني إقطاعي يتدرج ولاؤه فيه من السيد المالك إلى الملك إلى الله.

أما الصانع في المدينة والتاجر وصاحب المصنع وذو المال فيعيشون في عالم من الأرقام يحسبون فيه العمليات والكميات والأسباب المادية والنتائج المرتقية العادية. وتهيئ الآلة ومنضدة العد والحساب عقولهم لأن يروا حكم (القانون الطبيعي) يبسط سلطانه على أرجاء آخذة في الاتساع. وكان نمو الصناعة والتجارة وتكدس الأموال أثناء القرن الخامس عشر وانتقال العمال من الر يف إلى المدن وقيام طبقة التجار واتساع دائرة الاقتصاد من البيئة الصنفية المحلية حتى أصبح اقتصادياً قومياً ثم دولياً-كل هذا كان نذير شؤم للدين الذي كان يوائم أشد المواءمة نظام الإقطاع وما يطرأ على الحقول من تقلبات تبعث في النفس الكآبة والقنوط. وأخذ رجال الأعمال يحطمون القيود التي يفرضها سادة الإقطاع، وكان لا بد للكنيسة أن ترضى بشيء من الشعوذة اللاهوتية المكشوفة إلى ما تحتمه ضرورة الأيام من فرض فوائد على القروض إذا كان لا بد لرؤوس الأموال أن تستخدم في توسيع دائرة الصناعة والمشروعات المالية،

وما وافى عام 1500 حتى أصبح الناس يتجاهلون أوامر الكنيسة القاضية بتحريم "الربا". ثم حل المحامون ورجال الأعمال شيئاً فشيئاً محل رجال الدين والأعمال في إدارة أعمال الحكومة، وأخذ القانون نفسه، بعد أن ظفر باسترداد تقاليده ومكانته اللتين كانتا له في عصر الإمبراطورية الرومانية، يسبق النظم الأخرى في الانتقال من الصبغة الدينية إلى الصبغة الدنيوية ويتعدى يوماً بعد يوم عل نظم الحياة الكنسية التي كانت تخضع من قبل للقوانين الدينية وزادت سلطة المحاكم الزمنية واضمحلت سلطة محاكم الابرشيات.

وأخذت الدولة الملكية الناشئة بعد أن بلغت طور الشباب وازداد ثراؤها بفضل ما تجمع لها من المال من التجارة والصناعة، أخذت تتحرر شيئاً فشيئاً من سيطرة الكنيسة وأخذ الملوك يعارضون في وجود المندوب البابوي أو القاصد الرسولي في بلادهم ل،ه لم يكن يعترب بسلطان غير سلطان البابا وبذلك جعل كنيسة كل أمة دولة داخل دولة
*******************
و المجلد الرابع و الثلاثون مخصص باكمله لاحوال انجلترا و فرنسا و العلاقة المضطربه بينهم فى ذلك العصر الصعب من اعوام 1300 الى 1515 م

نرى تتابع الملوك الانجليز واحد تلو الاخر و نتمنى ان تحتفظ ذاكرتنا بالاسماء و التواريخ و ربما لن يحدث هذا لكن بعضهم و قصصهم الغريبة تلتصق بالذهن فذلك إدوارد الثاني المحب للعاشقين الذكور و التارك لزوجته الشرعية , و هذا و ادوار الثالث الذى بدأ عادة اجتماع "البرلمان" لممثلى الشعب لاقرار القوانين و الحالم بغزو فرنسا , و رييتشارد الثانى الفارس الاسود المتوج فى عز فترات القلقلة الدينية , و هنرى الخامس و حكايا شكسبير عنه و كيف خلد ذكرى الملك البعيد لينقل نقل مظفر من كتب التاريخ للادب ,

و لن يمر ديورانت على انجلترا قبل ان يعرفنا على تشوستر 1340 - 1400 .... يقرأ لنا اعماله و يحكى لنا قصة حياته بين الملوك و يلخص لنا "حكايات كانتبري" و يشوفنا لها , و يعرفنا على فضل تشوستر على الانجليزية كفضل دانتى على الايطالية فى الولادة الصعبة للغات المحلية على اللاتينية العتيدة العنيدة لقرون و قرون
*******************
و من قلب انجلترا كان "ويكلف" و من قلب ويكلف كان الاصلاح الدينى قبل ان ينطق هس او لوثر بالحلم الاكبر , و كالعادة كان المال المتكدس فى خزائن الكنيسة سبب الاصلاح لا الاخلاق ولا الدين فكأن الاصلاح الدينى كان ثورة اقتصادية و سياسية قومية قبل اى شئ اخر

و ويكلف تماما ك لوثر متأثر بجبرية و قدرية اوغسطين التى يكرهها ديورانت من كل قلبه فيما نشعر ... و حمل نفس الاراء من عام 1366 إن أعظم ما تحتاجه الكنيسة ويحتاجه رجال الدين من إصلاح هو أن تتخلص ويتخلص رجالها من الأملاك الدنيوية. وكأن هذا لم يكن يثير من المتاعب ما فيه الكفاية، فاستنتج ويكلف من مذهبه الديني مذهباً آخر من مذاهب الشيوعية النظرية والفوضى النظرية، فقال إن كل شخص تحل عليه نعمة الله وبركته يشارك الله في امتلاك الطيبات، أي أن كل شيء من الوجهة النظرية يمتلكه جميع الصالحين مجتمعين. أما الملك الخاص والحكومة فهما أثر من آثار خطيئة آدم وخطيئة الإنسان التي ورثها عنه أي أنهما متأصلان في الطبيعية البشرية. كما كان ينادي بذلك بعض الفلاسفة المدرسيين. والمجتمع الذي تعمه الفضيلة لا يكون فيه ملك فردي، ولا قانون يضعه الإنسان وتسنه الكنيسة أو الدولة. وخشي ويكلف أن يفسر ذلك المتطرفون الذين كانوا يفكرون وقتئذ في الخروج على الحكومة في إنجلترا تفسيراً حرفياً، فقام يفسر هو شيوعيته على أنها يجب أن تؤخذ بمعناها المثالي، وأن السلطات التي تقوم بمقتضاها هي التي نادى بها القديس بولس والتي أمر بها الله ومن ثم كانت واجبة الطاعة. وقد كرر لوثر في عام 1525 تكراراً يكاد يكون دقيقاً كل الدقة ما لمح به ويكلف في أقواله عن الثورة.

ثم يشير ويكلف إشارة رقيقة فيقول أن البابا هو عدو المسيح الذي تنبأت به الرسالة الأولى من رسائل الرسول يوحنا، وأنه الوحش الوارد ذكره في سفر الرؤيا، والذي ينبئ بعودة المسيح.

ويقول ويكلف أن هذه المشكلة لا تحل إلا بتجريد الكنيسة من كل الأملاك والسلطات المادية، ويقول أن المسيح وحوارييه قد عاشوا فقراء وأن من واجب القسيسين أن يعيشوا هم أيضاً فقراء، أما الرهبان والإخوان فيجب أن يعودوا إلى ما كانت عليهم قوانين طوائفهم، فيبتعدوا عن كل ملك وترف. والقساوسة "يجب أن يبتهجوا حين تنتزع منهم كل أسباب السيادة الزمنية"، ويجب أن يقنعوا بالطعام والكساء، وأن يعيشوا على الصدقات التي يقدمها الناس إليهم طائعين مختارين. وإذا لم يتخلَ رجال الدين عن ثروتهم ويعودوا باختيارهم إلى الفقر الذي أمرتهم به الشريعة المسيحية، وجب أن تتدخل الدولة فتصادر أملاكهم

ومن واجب الملك حين يفعل هذا ألا يخشى ما يصبه عليه البابا من اللعنات، لأن "اللعنة الصادرة من الآدمي أياً كان ليست لها قوة، إلا إذا كانت اللعنة صادرة من الله نفسه". والملوك مسئولون أمام الله وحده، وهم يستمدون سلطانهم منه. ويقول ويكلف في هذا إن الدولة يجب أن تعد نفسها ذات السلطان الأعلى في جميع
الشؤون الزمنية، وأن عليها أن تستحوذ على جميع أملاك الكنيسة.

و بعد ويكلف و الحرب و الثورات و الثروات و التطور الاجتماعى و السياسي و الادبى وفي عام 1504 نصب كولت نائباً امطران كنيسة سانت بول، ومن هذا المنبر الرفيع عارض بيع الأسقفية، والفساد الناجم عن قوامة رجل واحد على موارد كنائس متعددة. وأثار بآرائه هذه معارضة عنيفة، ولكن ورهام كبير الأساقفة، عمل على حمايته. وكان ليناكر وجروسين ومور، قد استقروا وقتذاك في لندن وقد برئوا من جمود أكسفورد وتعصبها القديم، وشحذت عقولهم زيارات أرازموس وسرعان ما حظوا بتأييد الملك هنري الثامن. وبدا أن كل شيء ممهد لنهضة إنجليزية، ستتحرك مصطحبة، إصلاحاً دينياً سليماً.
*******************
اما فرنسا فخرجت من العصور الوسطى مشتتة ممزقة يحتل اجزاء منها انجلترا و اجزاء اخرى تابعه للامبراطورية الرومانية و الباقي ممزق بين ملكية و اقطاعية تتظاهر بالخضوع للملك دون أثر حقيقى

و كعادة هذا العصر ترك التطور الاقتصادى و تقليل اهمية النقابات اثر ادى الى ثورات عمالية و فلاحية مقموعة بمزيج متكرر من السلطة الدينية و الزمنية مثل فقد انتفض عام 1300 فلاحون فقراء، عرفوا في التاريخ بالرعاة، واصطخبوا في المدن أخذوا يجمعون في انتفاضتهم العمال الكادحين المتمردين. وساروا جنوباً، يتزعمهم راهب ثائر، وأغلبهم حفاة عراة من السلاح، معلنين أن القدس غايتهم. ودفعهم الجوع إلى انتهاب الدكاكين والحقول، ولما تعرضوا للمقاومة، استطاعوا أن يحصلوا على الأسلحة، ويؤلفوا جيشاً. حتى إذا بلغوا باريس حطموا أبواب السجن، وهزموا قوات الملك. فحبس فيليب الرابع نفسه في اللوفر، وانسحب النبلاء إلى معقلهم، وجبن التجار في دورهم. وواصل الحشد سيره، وزاد عدد أفراده بانضمام المعدمين في العاصمة إليهم، حتى بلغوا أربعين ألفاً من الرجال والنساء ومن الأوباش والأتقياء. وذبحوا فردن وأوخ وتولز جميع من وقع في أيديهم من اليهود. ولما تجمعوا في ايجوز مورت، على البحر الأبيض المتوسط، أحدق بهم عمدة كاركاسون بقواته، وقطع عنهم المؤن، ولبث كذلك حتى مات جميع الثوار من الجوع أو الوباء، وشنق القليلين الذين بقوا منهم.

فهل كان مطالبة ادوارد الثالث ملك انجلترا بحقه فى عرش فرنسا هو السبب الرئيسى لحرب المئة عام؟ نجيب بنعم لكننا نعتقد ان الحرب كانت وشيكة لاسباب سياسية و اجتماعية فالسبب كان رئيسي لكنه ابدا ليس الوحيد , و قصة حرب المئة عام ممتعة و طويلة فى حد ذاتها و هى تدهش فى طولها و عنفها القارئ المعاصر خاصة انه لا يصدق ان كل تلك الدماء و الاموال من اجل ورث زال اجله

و القراءة عن حال فرنسا و اهلها اثناء الحرب مؤلمة حين نتصور مدينة النور محطمة مليئة باليأس و الشر و الجوع وفشا اللواط، وشاعت الدعارة، وكاد المجون يصبح عاماً. ودعت فرقة "الآدميين" في القرن الرابع عشر، إلى مذهب العري، وظلت تمارسه علناً إلى أن منعته محاكم التفتيش.

و فى تلك الزخام تظهر العذراء الصغيرة المحاربة و المعذبة جان دارك فى قصة تبدو درامية اكثر منها عسكرية و هنا يذكرنا ديورانت برأيه المعروف بان يجب علينا ألا نبالغ في الأهمية الحربية لجان دراك، وربما كان في استطاعة دينوا ولاهير، أن ينقذا أورليان بدونها، فإن خططهما في الهجوم المتهور أحرزت النصر في بعض الوقائع والهزيمة في الأخرى، وكانت إنجلترا تحس تكاليف حرب المائة عام

و بالمغامرة الفرنسية فى ايطاليا تظهر سمات هذا العصر التى حظت فيه روما بمجد الترف بينما انشغل الجميع عنها بالتحضير للمستقبل و التطور التجارى و التقلبات السياسية
***********************
ما الذي وضع نهاية للعصور الوسطى؟ أسباب كثيرة أخذت تعمل حلال ثلاثة قرون: فشل الحروب الصليبية، وزيادة معرفة أوربا الناهضة بالإسلام، والاستيلاء على القسطنطينية، وبعث الثقافة الكلاسية الوثنية، وانتشار التجارة بفضل رحلات أسطول هنري الملاح وكلولمبس وفاسكو دا جاما، ونشأة الطبقة التجارية التي مولت مركزية الحكومة الملكية، وتقدم الدولة القومية، متحدية سلطة الباباوات التي تعلو على القومية، وثورة لوثر الموفقة في وجه البابوية، والطباعة.

و بجوتنبرج انفتح الباب الذى تمنت الكنيسة طويلا ان تغلقه ... و صارت الكتب جميعا و من ضمنها الكتاب المقدس فى يد الجميع ان ارادوا و لم تعد الاديرة سجون للكتب بعد الان , و كأن العالم يتهيأ لثورة لوثر الدينية

دينا نبيل
نوفمبر 2015

عصر النهضة 5 -المجلد الثالث و الثلاثين من قصة الحضارة

اسم الكتاب: عصر النهضة 5 -الانحطاط الحضارى و السياسى -المجلد الثالث و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمه: محمد بدران
عدد الصفحات: 238 صفحة
اصدارات دار نوبليس

حين يبدأ المرء فى سلسلة تبلغ 58 مجلد لا يكاد يصدق انه سوف يصل حتى الى منتصفها يوما و ها نحن قد وصلنا للمجلد ال33 و الاخير ضمن المجلدات الخمسة التى تحكى فى طياتها قصة عصر الحضارة الذهبى الايطالى الرشيق بين مولد بترارك الى موت تيتشيان

نصل الى نهاية العصر الذهبى للفن فما اسماه ديورانت الانحطاط السياسى و الحضارى و فيه نرى رحلة مدن ايطاليا المنقسمة فى القضاء على نفسها و تسهيل الغزو الخارجى , علمنا ديورانت فى مجلدات العصور الوسطى التسعه التى تمثل الف عام ان وسائل الدفاع كانت قد تقدمت على الهجوم و نذكر دور الاقطاعيات و رقيق الارض فى اقامة عدد هائل من الحصون و القلاع لكن ها هنا و حين ارادت فرنسا ان تدخل شبه الجزيرة الايطالية الممزق ساعدتها التكنولوجيا المدفعية الخفيفة المتنقلة فى هزيمة حتى تنظيم جنود سويسرا فما بالك بجيوش المرتزقة التى تجرها الثيران البطيئة

و حين تفوقت اساليب الهجوم على الدفاع قدر للبشرية ان تدفع تمن ذكاءها بالدماء فكثر عدد الضحايا بعد فترات تاريخية طويلة من الخسائر الاقتصادية

كان تدخل فرنسا فى ايطاليا عموما و فى نابلى خصوصا درسا للمدن المتصارعة فى سوء التدبير فقد اتفق معظم اللاعبين على الساحة -فى السر دائما- كلا مع شارل الثامن لدخولها و وعد كل منها الفرنسين بحسن الاستقبال و ربما كان من الممكن ان يقضى شارل على الامر من اول محاولة لولا الكسل و الزهرى...لكنها عموما لم تكن النهاية

لكن ايطاليا الممزقة جذبت مكسمليان الالمانى و فرنارند ملك اسبانيا يشتركون بطرقهم الخاصة فى التحالفات المتصارعة..و يفاجئ الجميع البابا بان يرضى تقسيم نابلى بين الفرنسيين و الاسبان , يؤدى الى بقاء نابلى تحت سيطرة اسبانيا من اعوام 1505 ل سنه 1707
**********
أضحى نصف إيطاليا الآن في أيدي الأجانب: فقد كان جزؤها الجنوبي ملكاً لأسبانيا، وجزؤها الشمالي الغربي الممتد من جنوى مجتازاً ميلان إلى حدود كريمونا في يدي فرنسا، وكانت الإمارات الصغرى خاضعة لنفوذ فرنسا، ولم يكن فيها بلد مستقل استقلالاً نسبياً سوى البندقية والولايات البابوية، ولطالما اشتبكتا في حري متقطعة للاستيلاء على مدن رومانيا. ذلك أن البندقية كانت تتوق إلى المزيد من الأسواق وإلى موارد الثروة في شبه الجزيرة لتعوض ما استولى عليه الترك من أسواقها ومواردها أو هددته طرق الملاحة البحرية إلى الهند عن طريق المحيط الأطلنطي. ولهذا اغتنمت فرصة موت الإسكندر ومرض سيزارى بورجيا للاستيلاء على فائنزا، ورافنا، وريميني، وأخذ يوليوس الثاني يضع الخطط لاستعادتها لنفسه؛

فأقنع لويس ومكسمليان في عام 1504 بأن يضعا حداً لنزاعهما الذي يخالف تعاليم الدين المسيحي، وأن ينضما إليه في مهاجمة البندقية، وأن يقتسما فيما بينهما أملاكها في شبه الجزيرة ولم يجد مكسمليان في نفسه ما يمنعه من قبول هذا العرض، لكن خزائنه كانت خاوية، ولم تحقق هذه المؤامرة نتيجة ما. غير أن الفكرة ظلت تراود يوليوس وظل هو يحاول إخراجها إلى حيز الوجود.
*************
كان كل نصر لمدينة ايطالية يؤدى لخراب مدينة اخرى و احتلال مدينة ثالثة و غير الجميع ادوار احلافهم السياسية فى مهارة تحسد لم ينتج عنها الا ضياع مزيد من الارواح حول التنافس فى تجارة البحر المتوسط

خافت الكنيسة من ايطاليا موحدة تضيع قوتها الزمنية فعطلت حركات التوحد تباعا و فضلت ان تحد حدودها الشمالية دائما دولة محتلة مختلفه عن تلك التى تحيط بالجنوبية ... فى ظل بابوات لم يمتلكوا اكثر من مهارة ميكافيلية فى وجه الاسلحة الثقيلة و ملوك متصارعين و فقدان سلاح الحرمان الدينى الذى جعل فريدريك الثانى يركع على ركبته قبل ذلك بزمن طويل

و عادت دورة التاريخ سريعا ب "ادريان السادس" الذى كسر احتكار بابوات ايطاليا من جانب و العائد بسلطان فرنسا مرة اخرى كايام بابوات افنيون , و هو يشبه شخصيات العصور الوسطى اكثر من النهضة ...و يحزنا قليلا ان نرى مسيحى حقيقى متزمت فى ذلك العصر المتحرر يحتقر الفنون و لا يرى فى الفساد المالى الا فساد اخلاقى , و يغض الطرف رغم جمال روما الخلاب عن ايات الجمال القديم و الحديث و بلاغة كتاب الانسانيين لكنه لم يكن عصره بالضبط كما لم يكن عصر سفنرولا و قضت دورة التاريخ على كلاهما ببساطة لانها شخصيات جاءت فى الوقت الخاطئ
***************
لكن حتى بابا تقليدى -بمعايير عصر النهضة- ك كلمنت السابع كان قادر على حل معضلة ضعف روما العام و وقوعها بين قوة فرنسا و المانيا

و ارتكبت روما فى عصر الخطيئة الكبرى حين تحيزت للطرف الخاطئ من الصراع فجلبت على نفسها الويلات و ثانيا عندما نفذت نصف افكار ميكافللى فقط فاستعانوا بالمكر و تغيير المواقف دون تبنى نموذج الجيش الوطنى المتجمع تحت "امير" واحد ...و عموما قد بدأ السلب على يد ال كولونا قبل ان يبدأ على يد فرنسا

و قصة نهب روما 1527 من اتعس ما كتب فى التاريخ و ربما يتساوى مع اجتياح روما سابقا بعد انفصال شقى الامبراطورية قبل ذلك باثنى عشر قرن ...و هى تجرح القلب الان و كأن 5 قرون لم تمر و تشابك التقتيل بالطاعون و الملاريا تزيد الامر مأساوية ...و ربما يعجب الانسان لالمه من فقدان و سرقة لوحات عصر النهضة الفنى و التماثيل اكثر من العدد المروع من القتلى
***************
اندفع الجنود الالمان في شوارعها أخذوا يقتلون كل من واجهوه في طريقهم دون أن يفرقوا بين الرجال، والنساء، والأطفال. واشتد تعطشهم إلى سفك الدماء، فدخلوا مستشفى سانتو اسبيرتو (الروح القدس) وملجأ اليتامى فيه، وذبحوا كل من فيهما من المرضى كلهم تقريباً. ثم اتجهوا إلى كنيسة القديس بطرس، وذبحوا من لجأوا إلى هذا الحرم المقدس، ونهبوا بعدئذ كل ما استطاعوا أن يصلوا إليه من الكنائس والأديرة، وحولوا بعضها إلى إسطبلات لخيولهم، وقتلوا مئات من القساوسة، والرهبان، والأساقفة، ورؤساء الأساقفة، وجردت كنيسة القديس بطرس والفاتيكان من أعلاهما إلى أسفلهما من كل ما فيهما، وربطت الخيول في حجرة رافائيل

. ونهب كل بيت في روما وحرق الكثير منها عجا اثنين لا أكثر هما قصر الكانتشيلريا الذي كان يشغله الكردنال كولنا، وقصر آل كولنا الذي لجأت إليه إزبلادست، ومعها بعض أغنياء التجار، ونفح هؤلاء زعماء الغوغاء بخمسين ألف دوقة لينجوهم من الهجوم، ثم سمحوا لألفين من اللاجئين أن يحتموا وراء الأسوار. وأدى كل قصر من القصور الفدية نظير حمايته، ولكن هذه القصور نفسها هاجمتها جماعات أخرى واضطرت أن تفتدي نفسها من جديد. وقد حدث في معظم البيوت أن اضطر من فيها جميعاً إلى افتداء أنفسهم بمبلغ محدد؛ فإذا لم يوفوا به كله تعرضوا لألوان من العذاب، وقتل منهم آلاف، وألقى بالأطفال من النوافذ العليا، لكي يضطر آباؤهم إلى إخراج ما اكتنزوه من المال وأخفوه، حتى غصت الشوارع بالقتل.

وكان نصف الغوغاء المنتصرين من الألمان، لم يكن يشك معظمهم في أن البابوات والكرادلة لصوص، وأن ثروة الكنيسة في روما سرقة ونهب من الأمم، وفضيحة للعالم. وأرادوا هم أم يخففوا من هذه الفضيحة، فاستولوا على جميع ما في الكنائس من ثروة منقولة بما فيها الأواني المقدسة، والتحف الفنية، وخرجوا بها ليذيبوها أو يفتدوا بها أنفسهم، أو يبيعوها. أما المخلفات المقدسة فقد تركوها مبعثرة على الأرض.

يلق الكرادلة الألمان، الذين ظنوا أنفسهم بمنجاة من شر أبناء وطنهم، خيرا مما لقيه غيرهم. وهتكت أعراض الراهبات والمحصنات من النساء في بيوتهم أو في الأديرة نفسها، أو حملن ليشبع فيهم جماعات من الجند شهواتهم بوحشية في أماكنهم

وليس من المستطاع إحصاء عدد من قتلوا في هذه الكارثة المدلهمة؛ وكل ما نستطيع أن نقوله أن ألفي جثة ألقيت في نهر التيبر من شاطئه الذي تقع عليه الفاتيكان؛ وأن 9.800 من الموتى دفنوا؛ وما من شك في أن عدداً آخر كبيراً من الناس قد قتل. وتقدر قيمة المنهوبات تقديراً متواضعاً بأكثر من مليون دوقة، وقيمة ما دفع من مال الفداء بثلاثة ملايين

125.000.000 الموازى بقيمة الان باكثر من دولار
*****************
و لن يستطيع ديورانت ان يمر على البندقية دون ان يحكى لنا عن أريتينو 1492 - 1556

صعد من الخدم و الغناء و المطابخ وتنظيف المراحيض الى ان يكون صاحب اللسان الاهم و الاطول فى ايطاليا الممزقة كلها , مستخدما فصاحة شعبية و اندفاع بدئ محبب و صراحة قاسية قريبة من قلوب الشعب , و يسعدنا قليلا ان نرى ملوك اوروبا الجابرين يحاولون رشوته و على رأسهم البابا نفسه
*****************
لم تكن الحروب التي اندلع لهيبها لغزو إيطاليا قد خبت نارها بعد ولكنها قد غيرت وجه إيطاليا وطبيعة أهلها، فالأقاليم الشمالية قد خربت تخريباً جعل مبعوثي هنري الثامن يشيرون عليه بأن يتركها لشارل عقاباً له على ما فعل بها. ونهبت جنوي، وفرضت على ميلان ضرائب فادحة قاتلة، وأخضع حلف كمبريه مدينة البندقية، كما أضعفها وأذلها فتح الطرق التجارية الجديدة، وقاست روما، وبراتو، وبافيا الأمرين من جراء السلب والنهب

وانتشرت المجاعة في فلورنس واستنزفت مواردها المالية، وكادت بيزا تدمر نفسها في كفاحها لنيل حريتها، وأما سينا فقد أنهكتها الثورات، كما أفقرت فيرارا نفسها في نزاعها الطويل مع البابوات، وأتت بما يغض من كرامتها بتحريضها على الغزو المستهين لروما. وحل بمملكة نابلي ما حل بلمباردي من سلب ونهب وتخريب على أيدي الجيوش الأجنبية، وذوى غصنها الرطيب زمناً طويلاً كانت فيه خاضعة للأسر الحاكمة الأجنبية، وصقلية؛ وما أدراك ما صقلية؟ لقد أضحت معششاً لقطاع الطرق، وكانت السلوى الوحيدة لإيطاليا هي أن خضوعها لشارل الخامس قد أنجاها في أغلب الظن من اجتياح الأتراك لها وانتهابهم إياها.
***************
الى هنا تنتهى مجلدات قصة الحضارة الخمسة التى اعطى لنا ديورانت فيها بانوراما ممتعة عن تاريخ ايطاليا من مولد بترارك الى موت تيشيان 1300 ل 1576فى عز فترات الفن و الرفاهية التى مرت على العالم... و هو المجلد الاخير فى ترجمة محمد بدران و به نختتم رحلة طويلة جدا مع الرجل لكن رحلتنا مع ديورانت لم تنتهى و لا رحلتنا مع قصة حضارته الممتعة

و لا يتبقى لنا كعادتنا الا الاتجاة راسا للمجلد التالى فى رحاب الاصلاح الدينى

دينا نبيل
يوليو 2015

الاثنين، 6 يوليو 2015

قصة الحضارة 31- عصر النهضة 3 - النهضة و الكنيسة الكاثوليكية 1

اسم الكتاب: عصر النهضة 3 - النهضة و الكنيسة الكاثوليكية 1 -المجلد الحادى و الثلاثين من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمه: محمد بدران
عدد الصفحات: 242 صفحة
اصدارات دار نوبليس

فى المجلد الثالث من رحلة عصر النهضة الطويلة و الحادى و الثلاثين من رحلة النهضة الاكثر طولا يتجول بنا ديورانت فى رحاب البابوية و علاقتها المتذبذبة الغريبة مع عصر النهضة الذهبى و اخلاقه المثيرة للتشكك

تركنا البابوية فى المجلد قبل السابق فى معركتها الحاسمه فى العودة الى روما بعد فترة الغياب تحت السيطرة الفرنسية فى افنيون ... أعاد جريجوري الحادي عشر البابوية إلى روما؛ ولكن هل تستطيع البابوية البقاء فيها؟ ... و كيف ستتعايش الكنيسة التى اغلب افرادها فرنسيين؟

من اول اجتماع كنسى ظهر ان الامر سيكون صعبا و مع محاصرة غوغاء روما للاجتماع جاء اختيار كبير أساقفة باري وتسمى باسم إربان السادس لمجرد كونه ايطالى , لكن الامر الذى خيل للبعض انه حسم كان قد تفاقم اكثر .. واجتمع الكرادلة الفرنسيون في أنانيي، ودبروا الثورة، فلما كان اليوم التاسع من أغسطس عام 1379 أصدروا منشوراً يعلنون فيه أن انتخاب إربان باطل لأنه تحت ضغط غوغاء روما، وانضم إليهم جميع الكرادلة الطليان، وأعلن المجمع أن ربرت الجنيفي هو البابا الحق. واتخذ ربرت مقامه في أفنيون وتسمى باسم كلمنت السابع...و انقسمت الكنيسة الكاثوليكية شطرا فى ايطاليا و شطر فى فرنسا و اصبحت ل"عروس المسيح" بابان لا واحد , كلا منهم يكفر الاخر و ينكر مسيحية و جدوى خدماته الدينية...وبلغت العداوة بين الطائفتين درجة لا تعادلها إلا العداوة في أشد الحروب مرارة وعنفاً، ولما أن ائتمر كثيرون من كرادلة إربان الجدد عليه ليقتلوه لأنه عاجز شديد الخطورة أمر بالقبض على سبعة منهم، وعذبهم، ثم أعدمهم

و تخيل عموم مسيحى العالم الغرب ان موت البابان سيصلح الامر فما كان الا بونيفاس التاسع اصبح البابا الايطالى الجديد و بدل بندكت الثالث البابا الفرنسى و استمر الشقاق .... و اقترح مصلحوا الدين ما قبل لوثر و جامعات المانيا ان يقام مجلس اكبر و اعم من الكنائس القديمة لحل الصراع و اصلاح الكنيسة وأعلن المجلس خلعهما، ونادى بكردنال ميلان بابا باسم اسكندر الخامس (1409). وطلب هذا المجلس إلى البابا. وكان هذا المجلس يرجو أن يقضي على الانشقاق البابوي؛ ولكن بندكت وجريجوري كلاهما رفضا أن يعترفا بسلطانه، فإن النتيجة لم تسفر إلاّ عن وجود ثلاثة بابوات بدلاً من اثنين.

و بكثير من المؤامرات و الرشاوى و السياسة انفرد البابا مارتن الخامس بالحكم سنه 1418...و بحكمه تماسكت الكنيسة لكنها نسيت سبب اقامة المجالس الكنيسة اصلا و تأجل الاصلاح الدينى الى لوثر و انتقال ما كان يمكن ان يحدث فى ايطاليا الى المانيا و لكن لذلك قول اخر فلا داعى للتسرع
****************************
أحس البابوات بوصفهم حكّاماً سياسيين أنهم مضطرّون إلى استخدام نفس الأساليب السياسية التي يستخدمها أندادهم الحكّام الزمنيون. فكانوا يوزعون- وأحياناً يبيعون- المناصب والرتب الكهنوتية إلى ذوي النفوذ، حتى القصَّر منهم، لكي يوفوا بما عليهم من الديون السياسية، أو يحققوا أغراضاً سياسية، أو يكافئوا أو يعينوا رجالاً من الأدباء أو الفنانين. وكانوا يزوجون أقاربهم في الأسر ذات القوة السياسية.

و يتعدد البابوات و تختلف افكارهم و ميولهم و دائما يتأجل الاصلاح الدينى لكن النهضة الفكرية و الفنية تستفاد و يضاف لرصيد الانسانية عصر مميز

من نقولاس الخامس بابا المؤلفين الانسانين و جامع التراث اليونانى رومانى و لو باموال الكنيسة , الى كلكستس الثالث الاسبانى مبتدئ محاباة الاقارب تلك السنه التى فجرت الموقف لاحقا و من احتفال الرومانين بموت كانتهاء حكم البرابرة و انتظرت بابا ايطالى , الذى لم يكن سوى بيوس الثاني التقى الذى حلم بضم سلطان الترك الى المسيحية و فشل فى حربه الصليبية المبتسرة لكن حظى القلوب بالتقى , ثم البابا بولس الثاني الذى خسر التاريخ بتشاجره مع مؤرخ اخد على عاتقه توصيل اسوء صفاته للمستقبل , سكستس الرابع المتوسع فى استخدام الاقارب قساً استعمارياً شديد الشكيمة يحب الفن و الحرب و السلطان

ثم إنوسنت الثامن اخر البابوات قبل مجئ بابوات النهضة الذى دارت فى حياته احد اعجب قصص التاريخ و تعقيدها

. وتفصيل ذلك أن بايزيد الثاني وجم ابني محمد الثاني أوقدا نار حرب داخلية بعد موت أبيهما (1481) في نزاعهما على عرش آل عثمان. ولمّا هزم جم في بروصة أراد أن ينجو من القتل بالاستسلام إلى فرسان القديس يوحنا في جزيرة رودس (1482). وأبقاه رئيس الفرسان بيير دو بسون عنده يهدد به بايزيد. وارتضى السلطان أن يؤدي إلى الفرسان 45.000 دوقة كل عام لإنفاقها على جم في الظاهر ولكنها في الحقيقة كانت إغراء لهم على ألاّ يشجعوا جم على المطالبة بعرش السلطنة العثمانية، وألاّ يتخذوه عوناً نافعاً لهم في شن حرب صليبية مسيحية على الأتراك. وأراد دوبسون أن يضمن سلامة هذا الأسير الذي يدر المال الكثير فبعثه ليقيم تحت حراسة الفرسان في فرنسا. وعرض كل من سلطان مصر، وفرديناند وإزبلا ملك أسبانيا وملكتها، وماتياس كرفينوس ملك المجر، وفيرانتي ملك نابلي، وإنوسنت نفسه، عرض كل واحد من هؤلاء مبالغ طائلة على أوبسون....وفاز البابا إذا رضى بأن ينقل جم إلى بلده ليكون فيها مشمولاً بعنايته. وفاز البابا بذلك لأنه وعد رئيس الفرسان بقلنسوة حمراء فضلاً عن الدوقات، وأنه ساعد شارل الثامن ملك فرنسا على أن يتزوج آن صاحبة بريطاني ويحصل بذلك على هذه المقاطعة لنفسه. وبناء على هذا سار "التركي العظيم" كما كن جم يسمى في ذلك الوقت، في الثالث عشر من شهر مارس عام 1489 في موكب فخم من الفرسان مخترقاً شوارع روما حتى وصل إلى قصر الفاتيكان حيث سجن سجناً يستمتع فيه بضروب الترف والمجاملة. وأراد بايزيد أن يضمن حسن مقاصد البابا فبعث إليه بمرتب ثلاث سنين نفقة لجم، ثم بعث إليه في عام 1492 رأس حربة أكد له أنه هو الذي نفذ في جنب المسيح. وشك بعض الكرادلة في هذا، ولكن البابا أعد العدة لنقل هذا الأثر من أتكونا إلى روما

تمر السنين و يموت البابا انوسنت و يمسك البابا اسكندر السادس و يختلف مع ملك فرنسا خلاف حاد ... يخلى البابا يفكر يلجأ ل بايزيد الثاني لمحاربة شارل ملك فرنسا

رد بايزيد على البابا فيه خلاف تاريخى شوية و شهادات متناقضة منها شهادة بتقول انه طلب من البابا يقتل اخوه الاسير عنده و لما توصل راسه عنده يبعت له 300 الف دوقية ... لكن كلام مش محقق

اى كان , لاحقا هينتصر شارل ملك فرنسا على البابا و هتكون من ضمن بنود الصلح -او الهزيمة بمعنى ادق- انه يسلم "جم" ل ملك فرنسا المنتصر .... و هتنتهى القصة العجيبة دى نهاية اقل عجبا لما يموت "جم" من نزلة شعبية نتيجة لتغيير الجو

***********************

ثم البابا اسكندر السادس وبدأ أعماله بداية حسنة. فقد حدثت في روما في الستة والثلاثين يوماً بين موت إنوسنت وتتويج الإسكندر مائتان وعشرون من حوادث الاغتيال التي عرفت. ولكن البابا الجديد ضرب المثل بأول قاتل قبض عليه؛ فقد شنق هذا المجرم، وشنق معه أخوه، وهدم بيته، وارتضت المدينة هذه القسوة، وأخفت الجريمة رأسها؛ وعاد النظام إلى روما، وأبتهجت إيطاليا كلها إذ وجدت يداً قوية تقبض على أزمة الشئون

وكان الإسكندر في ذلك الوقت يواجه المشاكل السياسية القائمة أمام بابوية تكتنفها القوى الإيطالية التي تأتمر بها من كل جانب. وكانت الولايات البابوية قد وقعت مرة أخرى في أيدي طغاة محليين، يدعون أنهم خدام الكنيسة ولكنهم انتهزوا الفرص التي أتاحها لم إنوسنت الثامن فاستردوا الاستقلال الفعلي الذي فقدوه هم وأسلافهم في عهد ألبرنوز أوسكستس الرابع.وكانت الدول المجاورة للمدن البابوية قد استولت على بعض هذه المدن، فاستولى نابلي مثلاً على سورا Sora وأكويليا في عام 1467، استولت ميلان على تورلي في عام 1488.ولها كان أول واجبات الإسكندر هو أن يخضع هذه الولايات تحت حكم بابوي مركزي، يفرض عليها الضرائب، كما أخضع ملوك أسبانيا، وفرنسا، وإنجلترا السادة الإقطاعيين. وكانت هذه هي المهمة التي عهد بها إلى سيزاري بورجيا والتي أنجزها بسرعة وقسوة جعلت مكيفلي يعجب به ويدهش من مقدرته.

************************

و بالتأمل فى شخصية سيزاري بورجيا نجد مثال حى لشكل عصر النهضة و المثال الحى الذى كتب له ميكافييلى اهم كتبه و اعظم كتب السياسة و اكثر ما انكر الناس قراءتها

وجد الإسكندر أخيراً في هذا الشاب الجريء والمحارب السعيد القائد الذي ظل يبحث عنه زمناً طويلاً ليقود قوات الكنيسة المسلحة ويستعيد بها الولايات البابوية. وأمده لويس بثلاثمائة من حملة الرماح الفرنسيين، وجند أربعة آلاف من الغسقونيين والسويسريين، وألفين من المرتزقة الإيطاليين. وكان هذا جيشاً أقل مما يحتاج إليه للتغلب على اثني عشر من الحكام المستبدين، ولكن سيزاري كان تواقاً إلى هذه المغامرة.

جليل عظيم، وإنه ليبلغ من الجرأة حداً يبدو معه كل مشروع مهما عظم شأنه صغيراً في عينه. وهو يحرم نفسه من الراحة ليظفر بالمجد ويستحوذ على الأمصار، ولا يجد الخطر ولا التعب سبيلاً إلى نفسه.

لكن إيطاليا كانت مع ذلك لا تخلو من رجال في أماكن مختلفة منها يتمنون سقوطه. فالبندقية مثلاً، وإن كانت قد منحته مواطنيتها الفخرية، لم يكن يسرها أن تعود الولايات البابوية قوية كما كانت من قبل، وأن تسيطر على جزء كبير من شاطئ البحر الأدريادي. وامتعضت فلورنس وهي تفكر أن فورلي التي لا تبعد عن أرضها أكثر من ثمانية أميال كانت في يدي شاب عبقري في شئون السياسة والحرب مجرد من الضمير ولا يحسب حساباً للعواقب. وعرضت بيزا عليه أن يتولى أمرها؛ فرفض هذا العرض في أدب؛ ولكن من يدري، فقد يبدل خطته كما بدلها وهو في طريقه لكميرينو.

سيزاري بورجيا فنقول إنه بعد أن شفى شفاءً بطيئاً من المرض الذي قضى على حياة البابا، وجد نفسه محوطاً بما لا يقل عن عشرة أخطار لم يكن يتوقعها. ومن ذا الذي كان يتنبأ بأنه هو وأباه سيعجزان كلاهما عن العمل في وقت واحد. فبينا كان الأطباء يحمونه استرد آل كولنا المخلوعون من رومانيا، تشجعهم البندقية يطالبون باستعادة إماراتهم؛ وكان غوغاء روما الذين أفلت الآن زمامهم بعد أن مات الإسكندر يتحفزون لنهب الفاتيكان في أية لحظة من اللحظات. وينهبون الأموال التي يعتمد عليها سيزاري في أداء رواتب جنده. فلم ير سيزاري بداً من أن يرسل عدداً من الرجال المسلحين إلى الفاتيكان؛ وأرغم هؤلاء الكردنال كسانوفا بقوة السيف على أن يسلمهم ما في الخزانة من الأموال

ولعله حين طافت هذه الأعمال العظيمة برأسه قد راوده الحلم الذي راود بترارك ومكيفلي: وهو أن يهب إيطاليا، بالفتح إذا لزم الأمر، الوحدة التي تمكنها من أن تقف في وجه قوتي فرنسا وأسبانيا المرتكزتين . ولكن انتصاراته، وأساليبه، وقوته، وأعماله السرية الخفية، وهجماته السريعة التي لا يحصى لها عدد، جعلته سوط عذاب على إيطاليا بدل أن تجعله عاملاً على تحريرها. ذلك أن عيوبه الخلقية كانت سبباً في القضاء على ما أنجزه من الأعمال بقوته العقلية. وكانت مأساته الأساسية أنه لم يتعلم قط أن يحب.

******************

و ب يوليوس الثاني 1503 - 1513 و علاقته بالفن على يد رافائيل و مايكل انجلو و نتائج ذلك المبهرة بنقش حجرة التوقيعات و سقف سستيني يختم ديورانت رحلته الثالثة فى رحاب عصر النهضة الذهبى و لا يتبقى لنا سوى دراسة ادق فى المجلد الرابع للبابا ليو العاشر قبل تقييم الموقف العام و الانطلاق الى لوثر فى اصلاحه الدينى و لكننا كالعادة نتعجل الامر و نستبق مجلدين اثنين نتوقع كونهما مفيدين كعادتنا مع ديورانت

دينا نبيل
يونيو 2015

قصة الحضارة 30- عصر النهضة 2- ايطاليا فى عصر النهضة

اسم الكتاب: عصر النهضة 2- ايطاليا فى عصر النهضة - المجلد الثلاثون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: محمد بدران
اصدارات: دار نوبليس
عدد الصفحات: 354 صفحة

فى المجلد الثانى من قصة عصر النهضة الايطالى و الثلاثون من عموم قصة حضارة العالم الذى اهدنا ديورانت بها مكافأة لخير لم نفعله بعد نترك فلورانس و نتطلق فى مدن ايطاليا المتنوعة نشاهد درجات نهضتنا و اختلافها العميق احيانا

عصر النهضة حالة فكرية اكثر منها فترة من الزمن الايطالى و نجد فى ذلك دليل ان ايطاليا كلها لم تكن فى نفس العصر ان صح التعبير فمثلا لنأخذ مدينة فيرونا فلانها لم تكن مختلطة الاهل و التجارة كما البندقية , او لم تكن ميلان قوة سياسية كما فلورانس مركز للمال او كما روما بيتا دوليا و لم تتوفر لها عنصر الميل الشرقى فتقلل من مسيحيتها الصامته فظلت فى عصورها الوسطى هادئة , مقتنعة بفن العصور الوسطى الرزين الجاف و حتى عندما انجبت الفنانين اكتفت باهداء هؤلاء الى مدن النهضة الاخرى التى تلألأت واحدة تلو الاخرى فى سماء ايطاليا و العالم

لم تكن الحياة الاقتصادية في الدول الإيطالية خلال القرن الخامس عشر أقل تنوعا من مناخ المدن، ولهجاتها، وأزيائها. فقد كان شمالي شبه الجزيرة ينتابه أحيانا شتاء قارس تتجمد فيه مياه نهر البو من منبعه إلى مصبه، بينما كان الإقليم الساحلي المحيط بجنوى والذي تحميه الألب الليجورية يستمتع بجو معتدل يكاد يدوم طول العام. وكان الضباب يلف قصور البندقية، وأبراجها، وشوارعها المائية، وكانت روما مشمسة ولكن العفن يتصاعد في سماءها، أما نابلي فهي الفردوس في مناخها. وكانت هذه المدائن أينما وجدت وما يتصل بها من أقاليم الريف تنتابها من حين إلى حين تلك الزوابع، والفيضانات، والحدب، والأعاصير، والمجاعات، والأوبئة، والحروب، التي لا تنفك الطبيعة تسيرها على العالم لتوازن بها إسراف بنى الإنسان في التناسل والإخصاب

لذا فالمجلد الثانى مرهق قليلا و مسرف احيانا فى تنقله بين مدينة لاخرى و من حكم لاخر و يتطلب من القارئ قليل من التركيز و يوعده بكثير من المتعة
********
و كما وصفنا ال ميدتشى قبلا انها مثال على عصور النهضة و كما سنتطلق التسمية نفسها على البابا ليو العاشر فيمكن ان نرى جيان جلياتسو فسكونت مثال رائع لسياسة و اداب هذا العصر الذى لم يعلم معاصروه انه ذهبى بعد

و قلما يمر بالتاريخ شخصية جذابة و رائعة و تصعب على التحليل ك لدوفيكو اسفوردسا رابع أبناء فرانتشسكو اسفوردسا ,وأصبح رغم أخطائه وآثامه من أعظم رجال التاريخ تحضراً

و غريب ان نعلم ان لدوفيكو هذا لم يكن الملك المتوج اصلا ظل ثلاثة عشر عاما (1481 - 1494) يحكم ميلان نائبا عن أبن أخيه. وكان جلياتسو اسفرودسا جبانا يميل إلى العزلة، يرهب تبعات الحكم، كثيرا ما تنتابه الأمراض، عاجزا عن القيام بالأعمال الجدية، يسميه جوتشيارديني العاجز، وكان يستسلم للهو أو المرض، يسره أن يترك تصريف شؤون الدولة إلى عمه الذي كان يعجب به إعجاباً ملؤه الحسد، ويثق به ثقة ممزوجة بالشك. وقد نزل له لدوفيكو عما في لقب الدوق ومنصبه من أبهة وفخامة، فكان جيان هو الذي يجلس على العرش، ويتقبل الولاء، ويعيش الترف الملكية،

و لا تكتمل قصة لدوفيكو دون ان نحكى عن زوجته الشابه التى منحها الحظ فرصة ان تتجمل بكل انتاجات عصر النهضة الفنية الظريفة , بيتريس دست الظريفة التى دخلت المدينة فى سن الرابعة عشر و صدمتها فى البداية حرية لدوفيكو الجنسية و علانية علاقاته مع المحظيات و العشيقات

وأضحى بلاط ميلان وقتئذ، وفيه بيتريس تتزعم الرقص، ولدوفيكو الكادج يؤدي نفقات الحفلات أضخم بلاط للأمراء لا في إيطاليا وحدها، بل في أوربا بأجمعها، وأتسع قصر اسفورديسكو حتى بلغ ذروة مجده، ببرجه الأوسط الشامخ، ومتاهة حجراته المترفة التي لا تعرف بدايتها من نهايتها، وأرضه المطعمة، ونوافذه الزجاجية الملونة، وأرائكه المطرزة، وطنافسه العجمية؛ وسجفه التي نقشت عليها مرة أخرى قصص طروادة وروما، هنا سقف من صنع ليوناردو، وهناك تمثال أخرجته يد كروستوفورو سولاري أو كروستوفور روماني، ولا يكاد يخلو مكان فيه من أثر بالغ الجمال من آثار الفن اليوناني، أو الروماني، أو الإيطالي. في هذه البيئة المتألقة أختلط العلماء بالمحاربين، والشعراء بالفلاسفة، والفنانون بالقواد، وأختلط هؤلاء جميعا بالنساء اللاتي أضفن إلى مفاتنهن الطبيعية كل ما يمكن أن تسبعه عليهن من رقة مستحضرات التجميل، والجواهر، والثياب، وكان الرجال حتى الجنود منهم يعنون بتصفيف شعرهم وبأثوابهم. وكانت الفرق الموسيقية تعزف على مجموعة الآلات المختلفة، والأغاني تتردد في جنبات الأبهاء. وبينما كانت فلورنس ترتعد فرقا أمام سفنرولا وتحرق أباطيل الحب، والفن، كانت الموسيقى والآداب الخليعة تسود عاصمة لدوفيكو.

و بولادة مكسميليان الابن الاهم ل لدوفيكو و براتيس ظهرت مشكلة صورية الحكم و مدى ضبابية مستقبل الوليد فى ظل عدم شرعية الملك فى يد الاب ...و بدأت الالعاب السياسة و الرشوى لضمان مستقبل الطفل

و سقط لدوفيكو فى حبال السياسة المتأرجحة حين وافق على دعم شارل الثامن الفرنسى على غزو نابلى فاكتسب عداوة البابا و كثير من سياسين ايطاليا خاصة بعد فشل حملة شارل و ترك ميلان تواجه مصير مقامرتها وتبين لدوفيكو وقتئذ انه أرتكب خطأ موبقاً حين رحب بشارل، فأسرع يقلب سياسته رأسا على عقب، وسعى إلى عقد "حلف مقدس" من البندقية، وأسبانيا، وإسكندر السادس، ومكسميليان ليطرد الفرنسيين من شبه الجزيرة. فما كان من شارل إلا أن رجع على أعقابه مسرعا، ومنى بهزيمة غير حاسمة عند فرنوف

و يأتى موت بيتريس فى الثانية و العشرون عقب الولادة السبب الحقيقى فى كسر لدوفيكو التى لم تستطيع ان تهزمه مدن ايطاليا و فرنسا متحدة وغلب على لدوفيكو الأسى والندم فكان يقضي أياما طوالا في العزلة والصلاة، ولم يكن هذا الرجل القوي الذي قلما فكر من قبل في الدين يرجو إلا مرحمة واحدة - هي أن يلقى منيته، ويرى بيتريس مرة أخرى، وينال منها المغفرة، ويستعيد حبها

و ربما لم يكن اسر لدوفيكو و هزيمته على يد لويس الثانى عشر هو سبب موته قدر المه بعد موت رفيقته التى هجرها كثيرا و لم يكن يدرك انها حياته نفسها
*************
و يدور بنا ديورانت فى مدن ايطاليا المختلفة بدرجات الاستقلال المختلفة منها بستويا التى فضلت فلورنس على الحرية، ذلك أن الصراع بين البيض والسود قد أشاع الاضطراب في المدينة، فلجأت الحكومة إلى مجلس السيادة في فلورنس أن يتولى هو شئونها وشرعت بستويا من ذلك الحين تأخذ فنها كما تأخذ شرائعها من فلورنس سنه 1306 م ... وكانت بيزا قد بلغت من قبل درجة من الثراء استطاعت معها أن تحول جبال الرخام إلى كنيسة كبرى، وموضعا للتعميد، وبرجاً مائلاً. وكانت تدين بهذا الثروة لى موقعها المنيع على مصب الآرنو، ومن أجل هذا أخضعتها فلورنس إلى سلطانها قوة واقتداراً عام 1405، لكن بيزا لم تقبل لنفسها هذا الإذلال، فكانت تثور المرة بعد المرة...كادت سيينا في القرن الرابع عشر تلاحق فلورنس في التجارة والحكم والفن. أما في القرن الخامس عشر فقد أنهكت قواها في أعمال العنف والتعصب الحزبي إلى حد لم تصل إليه أي مدينة أخرى في أوربا، فقد تناوبت على حكم المدينة خمسة أحزاب أسقطت كلا منها ثورة جامحة

و نابلى التى حازت الحضارة فى مدينتها و نزعتها فيما خارجها و واجهت كل اطماع فرنسا , وكانت وحدها المدينة العظيمة في المملكة. وكان الإقليم في خارجها وخارج الثغور إقليماً زراعياً، إقطاعياً، منطبعاً بطابع العصور الوسطى: فكانت التربة يفلحها أرقاق الأرض أو العبيد، أو فلاحون ((أحرار))في أن يموتوا جوعاً أو يعملوا ليحصلوا على الكفاف من العيش تحت سيطرة بارونات يحكمون ضياعهم حكماً قاسياً مجرداً من الرحمة متحدين سلطان العرش. وقلما كان الملك يحصل على إيراد له من هذه الأراضي، ولكن كان عليه أن يدبر المال اللازم لحكومته وبلاطه من إيراد أملاكه الإقطاعية الخاصة، أو باستغلال سيطرته الملكية على التجارة إلى أقصى حد مستطاع.

و ربما لا يعلم احد بمدينة إيمليا الصغيرة المستقلة لكن لا احد يجهل رسومات كريجيو ... و رسومات عبادة الرعاة او الليل و رسمه الممتع للقديس جروم فى الرسومات الدينية او جمال اللعب بتأثير الضوء فى دانائى
*************
اما البندقية العظيمة التى عانت كثيرا لكن صدمت فى خلافات فرنسا-ايطاليا , و طمع البابوية ربما بنظام حكمها المحكم

سجلت في عام 1315 أسماء جميع المرشحين لهذا المجلس في كتاب ذهبي، وكان على المجلس أن يختار من بينهم ستين صاروا فيما بعد مائة وعشرين مدعوا يعملون في فترات تدوم عاماً كاملاً بوصفهم مجلس شيوخ تشريعي؛ ويعين المجلس رؤساء المصالح الحكومية الكثيرة العدد الذين تتكون منهم الهيئة الإدارية؛ ويختار رئيس الهيئة التنفيذية الخاضع على الدوام لهذا المجلس وهو الدوج أو الزعيم الذي يتولى رياسته ورياسة مجلس الشيوخ، ويحتفظ بمنصبه مدى الحياة إلا رأى المجلس أن يخلعه. ويعاون الدوج في عمله ستة مستشارين يؤلفون معه مجلس السيادة

وكان الدوج في العادة وكيل المجلس الأكبر ومجلس الشيوخ، ولم يكن هو سيد المجلسين إلا في الأحوال الاستثنائية المحضة؛ وكانت الأبهة التي تحيط به تعلو كثيراً على سلطانه؛ فقد كان إذا ظهر أمام الجماهير ارتدى أفخم الثياب، وأثقل الجواهر، وكانت قلنسوته الرسمية من الجواهر ؛ ولربما كانت حلله التي علمت المصورين البنادقة الألوان الفخمة التي جرت بها أقلامهم، وشاهد ذلك أن عدداً من أعظم صورهم لآلاء يمثل الدوج في حلله الرسمية. وكان مصدر هذه الفخامة أن البندقية تؤمن بالاحتفالات والمظاهر تؤثر بها في نفوس السفراء والزوار، ترهب بها الأهلين، وتخلع من الأبهة ما تستعيض به عن السلطان. وحتى الدوقة نفسها كان يحتفل بتتويجها أعظم احتفال وأفخمه. وكان الدوق هو الذي يستقبل كبار الوافدين عليه من الأجانب، ويوقع جميع الوثائق الهامة المتصلة بأعمال الدولة، وكان له نفوذ شامل واسع متصل يضمنه له بقاؤه في منصبه مدى الحياة بين أشخاص يختارون لعام واحد لا أكثر؛ أما من الوجهة النظرية فلم يكن أكثر من خادم الحكومة والناطق بلسانها.

وكانوا يعظمون الدوج تعظيماً لا يعلوا إلا تعظيمهم الله وحده...فجمعوا بين استقرار الملكية و تطور الديموقراطية

و فى رحاب جيورجيوني و تيشيان و الفصل المطول عن ليوناردو دافنشى عالما و رياضيا و راساما نقضى اوقات ممتعة فى رحاب تاريخ ايطاليا الممتع بشرح ديورانت المخفف و نتوجه الى المجلد الثالث ننتقل به من المدن الى روما قلب ايطاليا النابض دائما

دينا نبيل
يونيو 2015

الأربعاء، 24 يونيو 2015

قصة الحضارة 29 -النهضة 1- عصر النهضة

اسم الكتاب:النهضة 1- عصر النهضة -المجلد التاسع و العشرون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: محمد بدران
عدد الصفحات: 339 صفحة
اصدارات دار نوبليس
التقييم: 5/5

نعود الى ايطاليا مرة اخرى مركز للاحداث بعد غياب دام تسعة مجلدات -و قارئ قصة الحضارة الذى اتخذها عادة يقيس التاريخ بالمجلدات و الصفحات لا السنوات و القرون- لنجد ديورانت ينير لنا الضوء عن ايطاليا تنتفض بعد عقود طويلة لتأخذ الريادة و تضئ العالم مرة اخرى بعد ان قادته قديما.

ربما يجب ان ان نعد ثورة "ريندسو" فى روما بداية لا بأس بها لذلك العصر حين نزع "ابن صاحب الحان و الغسالة" الملك من اشراف روما و النبلاء "المتنازعين الناهبين" لتثير خيالات روما القديمة النفوس و يتذكر الجميع الاخوين جراكس و شيشرون و اعادة الجمهورية المجيدة خاصه مع اتفاق البابا و بعثه مرسل منه كشريك فى الحكم ...و يصدم الجميع من نجاح ارادة "ريندسو" و اعادة الامن المفقود و تجفيف المستقعنات و عودة العدل بعد غياب الى محاكم روما و وشك حلم لم الشمل القديم على التنفيذ.

و محب قراءة التاريخ يدرك نهاية تلك الثورة و ان لم يقرأ عنها ولا عن عصرها , ذلك ان التاريخ يعلم دروسه المتتالية لمن اراد و هم ليسوا بالكثرة على اى حال, فسكر "ريندسو" بنشوه انتصاره على الاشراف فامتطى صهوة جواد ابيض و يتقدمه الف حارس مسلح و يرتدى الثياب الحريرية البيض باهداب الذهب فى موكب تحت رايات الملكية و يهمل ممثل البابا , فيخير بين الخلع و بين القبول اقتصار حكم روما الدنيوية بمعنى التخلى عن حكم باقى ايطاليا لم الشمل من جانب و عن اخضاع الكنيسة للحكم الدنيوى من جانب اخر ...و عموما لم تمر فترة طويلة حتى صدر مرسوم بابوى يوصفه بالالحاد و الاجرام

حتى هنا تعد قصة تاريخية "كلاسيكية" للغاية غير ان تاريخ روما قلما يقدم لنا قصص عادية فكانت التكملة العجيبة, بعد هرب ريندسو الى براج و من ثم عودته للمحاكمة كنسيا شعر الرومان بالذل حتى ان بترارك فى خطبة شهيرة له يقول:

"ان زعيمكم السابق أسير الآن في أيدي الأجانب، وكأنه-ويا للهول حقاً!- لص من لصوص الليل أو خائن لبلاده، يعرض قضيته وهو مصفد في الأغلال، تأبى أعلى محكمة أرضية أن تمكنه من الدفاع المشروع عن نفسه... إن روما بلا ريب لا تستأهل هذه المعاملة. لقد كان أهلها من قبل غير خاضعين لقانون أجنبي... أما الآن فيساء إليهم بلا تمييز بينهم. ويلقون هذه المعاملة وهم براء من إثم الجريمة بل وهم جديرون بالثناء العظيم الذي يستحقه أهل الفضيلة ... وليست التهمة الموجهة إليه هي خيانة الحرية، بل هي الدفاع عنها، وليس ذنبه أنه سلم الكبتول بل ذنبه أنه حماه. وإن أعظم التهم الموجهة إليه، والتي يجب أن يكفر عنها فوق المشنقة هي أنه قد جرؤ على التوكيد بأن الإمبراطورية الرومانية لا تزال قائمة في روما، وأنها لا تزال مسيطرة على الشعب الروماني. ألا تباً لهذا الزمان! وتباً لتلك الغيرة الشنيعة، وذلك الحقد المنقطع النظير! أين أنت أيها المسيح! يا أعدل القضاة ويا أحكم الحاكمين؟ أين عيناك اللتان تعودت أن تبدد بهما سحب شقاء البشرية؟... لم لا تقضى ببرقك و صواعقك على هذه المحاكمة الدنسة؟"

و ربما نجحت الضغوط فاصدر الحكم بالسجن بدلا من الاعدام بل فى السجن فى السجن البابوى , لتقام ثورة اخرى رافضة تماما للكنيسة ليبعث ب ريندسو ك نائب لممثل الكنيسة "لاخضاع روما" لها و قبل مرور شهرين أشعل الغوغاء النار في الأبواب واقتحموها، ونهبوا الحجرات. وسيق أسيراً إلى سلم الكبتول، حيث كان هو من قبل قد حكم على الناس بالإعدام. وطلب إلى الشعب أن يستمع له، وحاول أن يستميل قلوب العامة بخطبته، ولكن أحد الصناع خشي أن يتأثر هؤلاء بفصاحته، فقطع عليه كلامه بضربة سيف في بطنه. وتبعه مائة من أشباه الأبطال فأنفذوا خناجرهم في جسده الميت. ثم سحبت جثته والدم يسيل منها في شوارع المدينة وعلقت في حانوت قصاب كما تعلق جيف البهائم. وبقيت على هذه الحال يومين تعرضت في خلالهما لإهانات الشعب وحجارة الغلمان

و خسر بترارك من تأيده ل ريندسو كما خسر دانتى سابقا من تأييد هنرى السابع و كما ييخسر لاحقا ميلتون من تأيده للثورة الانجليزية فى بيان اخر لفشل زواج المثقفين بالسلطات المتغيرة

لكن بترارك وبوكاتشيو رسموا قصدا كان او غير قصد خطوط النهضة القريبة بعد نضج دام على 10 قرون و ان اوان حصادها و ان كان المدخل الى المستقبل هو الرجوع المؤقت لاداب السابقين

و لأننا فى مجلدات عصر النهضة الايطالى فلابد ان يكثر الحديث عن المعمار و النحت و الفن المصور و هو ما يترك عبء البحث عن القارئ الذى يريد اكمال متعته بالاستعانة قدر الامكان بالصور لان -للاسف- تكلفة طباعه مجلدات قصة الحضارة الكثيرة تمنع الحاق صور ذات جودة عالية , لذا حين يحدثنا ديورانت عن "جيوتو" و انقلابه الفنى الذى سيطلق فنون النهضة من الجمود و الكآبة البيزنطى الى الحركة , نجد انفسنا مضطرين للجوء الى مصادر اخرى خارجية و مساعدة لاكمال الصورة و عدم الاقتصار على الخيال
****************
عصر الايمان شهد اقصى قوة للكنيسة التى كادت ان تكون اوروبا الموحدة التى حلم بها البابا تلو الاخر..خضعت لها ملوك اوروبا العظام واحد تلو الاخر فاستحقت العشرة قرون اسمها و عندما نتحول الى عصر النهضة نجد الكنيسة تنحدر و تبعد عن دائرة الضوء

و يبدأ الامر فليب الرابع ملك فرنسا الذي أثار دهشة العالم المسيحي بهزيمة البابا بنيفاس الثامن، وبعدم اكتفائه بهذه الهزيمة بل اضاف إليها القبض عليه، وإذلاله، ومنع الطعام عنه حتى كاد يميته جوعا...ليتحول البابا تلو الاخر الى لعبة فرنسية و ثم غلبه فرنسا على كل المناصب 113 كردنالا فرنسياً لمجمع الكرادلة المؤلف من 134 كردنالا...و يتحول مقر البابوية من روما الاصل الى أفنيون الواقعه على حدود ايطاليا و فرنسا فى ذلك الحين و الان هى فرنسية بالكامل

و بيبيع المناصب الكنيسة و صكوك الغفران تمتلأ الخزائن لنجد علامات جديدة للبزخ فى البابوية و هنا نستعين بامثلة ديورانت:

كان كلمنت السادس مثلا محوطاً بأقاربه من الذكور والإناث يرتدون أثمن الثياب والفراء، وبطائفة من الفرسان، والأتباع والجنود المسلحين، والقساوسة، والحجاب، ورجال التشريعات، والموسيقيين، والشعراء، والفنانين، والاطباء، والعلماء، والخياطين، والفلاسفة، والطباخين من كانوا موضع حسد الملوك. وكان هؤلاء جميعاً البالغ عددهم قرابة أربعمائة شخص يطعمون، ويكتسون، ويسكنون، ويتقاضون مرتبات من بابا مولع بالإسراف لم يعرف في يوم من الأيام ماذا يتطلبه جمع.

وكان كلمنت يرى نفسه حاكما من واجه أن يقذف الرعب في قلوب رعاياه، وأن يؤثر في نفوس السفراء بضروب "الاستهلاك البادي للعيان" كما يفعل الملوك. وكان لا بد للكرادلة أيضاً، وهم مجلس الدولة الملكي وأمراء الكنيسة في الوقت عينه، أن يكون لهم ما يليق بمكانتهم وسلطانهم من مظاهر، فكانت حاشيتهم، وبطانتهم، ومآدبهم حديث أهل المدينة. ولعل الكردنال برنارد الجرفيزي قد جاوز في التنعم والأبهة الحد المعقول حين أستأجر واحدا وخمسين مسكنا تقيم فيها حاشيته، وفعل فعله الكردنال بطرس البنها كي الذي كان في خمسة من اسطبلاته العشرة تسعة وثلاثون حصاناً من أحسن طراز منعمة مستريحة. ونهج هذا النهج عينه الأساقفة أنفسهم، وكانت لهم هم أيضاً قصور فخمة مليئة بالمهرجين، والبزاة، والكلاب، على الرغم من احتجاج المجالس المقدسة في الأقاليم.

و بين تنقل و قلق الكنيسة و مقارها بين روما و مرسيليا و حدود فرنسا-ايطالية كانت الدراما و الحرب و كثير من سفك الدماء لملأ الخزائن البابوية الفارغة و اجبار الولايات البابوية على العودة للكنيسة الام

وكان البابا في خلال ذلك قد سير إلى إيطاليا قوة من الجنود البريطانيين المرتزقين الجفاة بقيادة "الكردنال المندوب البابوي ربرت من أهل جنيفا". وخاض ربرت غمار الحرب بوحشية لا يكاد يصدقها عاقل، من ذلك أنه لما استولى على كازينا بعد أن قطع على نفسه عهدا بالعفو عن أهلها قتل بالسيف كل من كان فيها من رجال ونساء وأطفال. وكان جون هوكودك يقود جنود المرتزقة في خدمة الكنيسة، فذبح هو الآخر في فائندسا أربعة آلاف من أهلها لارتيابه في أن البلدة تريد الانضمام إلى الثورة.
***************
و من المال التجارى و ثروة الطبقة المتوسطة كانت بداية الاهتمام بالفنون و الاداب فاشترت مخطوطات الزمن الغابر و وضعت بين ايدى عقول تحررت من النزعة الزمنية ارتاب من قواعد الكنيسة التعسفية و لم يعد يرهبه الخوف من الجحيم خاصة حين انحدر مستوى افراد الكنيسة بحسد و غل معلن ظاهر ... و من قلب افعال اواخر العصور الوسطى ولدت النهضة فقيام الجامعات و زيادة حركة الترجمة و انتشار العلم و رجوع الفلسفة , فتحرر من قيود العقل محبا للجمال و للفن و ابدع فى تلك الفترة النهضاوية ... لكن اسس قيام النهضة كانت هى نفسها اسس انقضاءها حين سرت الفوضى الاخلاقية و النزعة الفردية , و لكن لم الاستعجال على النهايات؟ فلذلك قول اخر

اما البداية فكانت فلورانيس التى تملكت التجارة , تعرضها لجنسيات مختلفة و اديان مختلفة تعلمها ببطئ التسامح و قبول الاخر و البعد عن تزمت الكنيسة فيما عداها ...و تمدها بالمال اللازم ل"رفاهية" النهضة الفنية بل و رفاهية قليل من الديموقراطية و الانتخابات تصنع سلم اجتماعى مصحوب بتنافس و حركة و لعلها بعض المؤامرات مختلف تماما عن حال الاقطاع و رقيق الارض

و يبدو النظام ديموقراطى اذ ا قورن بسيطرة الباباوية على اوروبا و بالاقطاع الفرنسى الجاف و رقيق ارضه المسحوقين...لكنه يظهر كنظام الجيركى ضيق اذا قورن بالديموقراطية الاثينيه فعدد الناخبين لا يزيد عن 3200 ولا يشتمل على اى من مواطنين المدن الخاضعة للفلورانسا
***************
و هنا نحب ان ندون حركة شيوعية اخرى من حركات الثورة التى تمتلأ بيها سطور التاريخ قبل ماركس بقرون ..و تبدو باهتة على صفحات الكتب لكنها تثير الذهن و الحماس ان رأها الفرد رؤيا العين

حدثت فتنة ممشطي الصوف التي جعلت لطبقات العمال السيطرة على البلدية فترة قصيرة عصبية. وتفصيل ذلك أن عاملا حافي القدمين يدعى ميتشيلي دي لاندو قاد هؤلاء الممشطين واندفع بهم إلى البلاتسوفيتشيو وطردوا كبار الموظفين، واقاموا مكانهم دكتاتورية العمال عا 1378. والغيت حينئذ القوانين التي تحرم إنشاء الاتحادات، ومنحت الاتحادات الصغرى حق الانتخاب. وأجل أداء ما على الأجراء من ديون مدة اثنتي عشر سنة.

وخفضت فوائد هذه الديون ليخفف بذلك العبء على الطبقات المدينة. ورد زعماء العمال على هذا بأن اغلقوا حوانيتهم، وأغروا ملاك الأراضي بقطع الطعام عن المدينة. وضايق ذلك الثوار فانقسموا حزبين أحدهما يتألف ارستقراطية العمال وقوامه الصناع الحاذقون، وثانيهما »جناح يساري« تدفعه إلى العمل آراء شيوعية، وانتهى الأمر بأن جاء المحافظون برجال أشداء من الريف، وسلحوهم، وقلبوا الحكومة المنقسمة على نفسها، وأعادوا السلطة إلى طبقة أصحاب العمال سنه 1382

**************
و القراءة فى صفحات عصر النهضة ممتعة و التنقل بين مؤمرات الحكام و المدن و التنقلات المستمرة بين الديموقراطية و السلطوية و بين الاتحاد الايطالى و تشتت مدنه الصغيرة

و التنقل بين رجال متفردين ك كوزيمو لورندسو و تباديل الزمن على عائلة ميديتشي و احوالها شئ يثير العجب و يجعلنا نتسأل كيف عاش اهل ايطاليا هذا كله؟ ... لكن العالم استفاد من كل المؤامرات و التقلبات السياسة رسم عظيم و نحت مبهر نتج من كرم اهل الجمهورية و رئيسهم

و شخصية لورندسو هو مثال لرجل النهضة المحب للعلم و الفن و ال"حاوى" لاساليب السياسة و لم يكن يختلف عن افكار هذا العصر الخيالى الا فى نقطة العنف

و تفصيل ذلك ان واجه لورندسو بعد قليل من عودته من روما أولى أزماته الكبرى التي لم يفلح كل الفلاح في معالجتها. وتفصيل ذلك أن منجماً من مناجم الشب في ناحية فلتيرا - وهي جزء من أملاك فلورنس- قد أجر إلى بعض المتعهدين أكبر الظن أنهم كانوا ذوي صلة بآل ميديتشي. فلما تبين لأهل فلتيرا أن المنجم يدر ربحاً موفوراً طالبوا بأن يكون للبلدية قسط من هذا الربح. فأحتج المتعهدون على هذا الطلب، ورفعوا امرهم إلى مجلس فلورنس الأعلى. وزاد المجلس المشكلة تعقيداً حين أمر بأن يذهب الربح بأجمعه إلى بيت مال دولة فلورنس كلها. واعترضت فلتيرا على هذا الأمر، وأعلنت استقلالها، وقتلت عدداً من الأهلين الذين عارضوا في انفصالها عن فلورنس.وأشار توماسو سودير يني بتسوية الخلاف بالتوفيق بين الطرفين، ولكن لورندسو رفض ما عرض عليه من وسائل التوفيق، وكانت حجته أن ذلك يشجع الفتن وحركات الانفصال في أنحاء أخرى من الدولة، وأخذ بهذا الرأي، وأخمدت الفتنة بالقوة القاهرة، وأفلت زمام جنود فلورنس المرتزقين، ونهبوا المدينة الثائرة فلم يسمع لورندسو إلا أن يعجل بالذهاب إلا فلتيرا، ويبذل جهده لإعادة النظام وإصلاح ما فسد من الأمور، ولكن ذلك العمل بقي وصمة في سجل حكمه.

لكن حتى العنف ينسى سريعا فى زحام الانجازات و السلم الذى اشتاق له اهل فلورانس كثيرا
**************
ولا يمكنا الحديث عن عصر النهضة دون ان نذكر الكتاب الانسانيون من يعتبرهم الكثيرين البداية الحقيقية لتفكير رجل عصر النهضة خيل إلى هؤلاء أن روما الإمبراطورية أعظم نبلاً وكرامة من انزواء المسيحيين المؤمنين في صوامع الأديرة، كما أن الحرية التي اتسم بها تفكير اليونان في أيام بركليز والرومان في عهد أغسطس قد أفعمت عقول كثيرين من اٌلإنسانيين بالحسد الذي حطم في قلوبهم العقائد المسيحية التي تحث على التذلل، والإيمان بالدار الآخرة، والعفة، وأخذوا يتساءلون عما يدعوهم إلى إخضاع أجسامهم، وعقولهم، وأرواحهم إلى قواعد رجال الكنيسة الذين انقلبوا وقتئذ رجالا دنيويين، وأخذوا هم أنفسهم يمرحون ويطربون.

فتعلق هؤلاء باليونانية لغه و علوم و اداب و فن , و اصبحت روما عاصمتهم الروحية و الفكرية و وجدوا فى خرائبها مجدا يزيد عن مجد الكنائس , كرهوا المسيحية سرا كثيرا و جهرا نادرا , بل حاول بعضهم ان يجد توازن ما بينهم , وكانت العشرة القرون التي انقضت بين قسطنطين ودانتي في نظر هؤلاء الإنسانيين غلطة يؤسف لها أشد الأسف، و انتصر افلاطون بعد قرون من تسلط افكار ارسطو
***********
لكن وسط كل أبهة الفن و جمال الادب و الشعر تظهر شخصية تليق اكثر بالقرون العشرة التى سميت بالعصور الوسطى اكثر مما تليق وسط نهضة ايطاليا الخلابة

انطلق "سفنرولا" فى رحلة عجائبية مثيرة بين ما يشبه النبوة الى الحكم ثم الاستشهاد فاللعن فاختلاط هذا كله مكونا احد اغرب شخصيات سياسة النهضة على الاطلاق

بدأ سفنرولا ك راهب ثم انتقل الى ما يشبه الداعية ولا نعلم ان كان اعجبه الحديث الى الجمهور خاصه بعد اقناعهم ان حديثه وحى من الاله و ليس رأيى او توقع او لا لكن النتيجة كانت تفرغه للخطابة و للتنديد المستمر بالفساد الخلقى و ربما ان تفرغ لهذا ايضا لمر الامر لكن تخصصه فى الحديث عن الفساد السياسى قلب الموازين , ذلك أن سفنرولا لا يقول إن الآداب والفنون من أعمال الوثنيين؛ وإن قول الإنسانيين إنهم مسيحيون محض اختلاق، وإن أولئك المؤلفين الأقدمين الذين يجدُّون هم في الكشف عن آثارهم ونشرها والثناء عليها غرباء عن المسيح وعن الفضائل المسيحية، وليس فنهم إلا وثنية وعبادة لآلهة الكفار، أو إنها عرض فاجر للعرايا من النساء والرجال.

وقت الحكم القومى لا تنجح تلك الانواع من المقاومة الشفهية لكن بعد وفاة لورندسو و تولى ابنه بيرو الاضعف و الاقل سيطرة على احوال فلورانس السياسية المتشابكة اصبح سفنرولا اكبر قوة على الساحة , و بمقاومة البابا اسكندر السادس له و سحب البساط من تحته انطلق سفنرولا غير باكى على شئ فأخذ يندد بالثراء الدنيوي الذي يستمتع به رجال الدين، وبما يتجلى في الحفلات الكنسية من أبهة وفخامة، ويشنع على "الأحبار الكبار الذين يضعون على رؤوسهم تيجاناً فخمة من الذهب والحجارة الكريمة... وعلى ملابسهم الجميلة وأوشحتهم المنسوجة من الديباج المقصب". وأخذ يقارن هذا بما كان عليه رجال الكنيسة الأولون من بساطة، ويقول إن هؤلاء "لم تكن لهم تيجان ذهبية وأقداح قربان إلا أقل من القليل؛ وذلك لأن القليل الذي كانوا يملكونه منها قد تحطم ليسد حاجة الفقراء والمعوزين؛ أما أحبارنا فإنهم ينهبون من الفقراء ما لا يملكون سواء ليقيموا به أودهم، ليحصلوا به على أقداحهم". وكان يضيف إلى هذا التشهير نبوءات بسوء المصير.

و بعد حملة شارل الثامن على البابوية الشهيرة و بعد اخطاء بيرو المتعددة انقلب المنذر و الراهب حاكما شبه مطلق للمدينة الثرية التى انتقلت بسرعة الصاروخ من الدعة و المرح و الاحتفالات و الفن و الموسيقى و بدأ ما ظن انه ثورة اخلاقية و ترك النساء و الاثرياء لملابس الجاه كان دراميا

و ربما تجاوز سفنرولا الامر قليلا و اعجب بانتصاره اكثر من اللازم فنظم الغلمان من جماعته في شرطة أخلاقية مهمتها المساعدة على تنفيذ هذه الإصلاحيات. وتعهد هؤلاء الغلمان بأن يداوموا على الذهاب إلى الكنيسة بانتظام، ويتجنبوا مشاهدة السباق، والاستعراضات، والألعاب البهلوانية، وصحبة الأرذال الفاسدين، والإطلاع على الأدب البذيء، ومشاهدة الرقص، ومدارس الموسيقى، كما تعهدوا بتقصير شعر الرأس. وكانت "عصب الأمل" هذه تجوب الشوارع تطلب الصدقات للكنيسة؛ وتشتت الجماعات التي تحتشد للعب الميسر، وتنتزع أجسام النساء ما ترى أنه غير لائق من الثياب.

لكن الطبيعة البشرية لا تتبدل بتلك السرعه و سرعان ما اجتمعت الاسر الثرية و العامة المشتاقين لعصر ال ميتديشى الذهبى بانتخاب حاكم اخر كان اول اعماله محاكمة سفنرولا ذاته

و بخطاب غصب من البابوية فقد سفنرولا حتى غطاءه الدينى بعد فقدانه للغطاء السياسى , و بتسرعه بسب البابا على منبر الكنيسة الفلورانسية ذاتها و بترحابه بالحرمان الدينى كتب نهاية لقصته المعقدة

وكان مجلس السيادة يصر على إعدام سفنرولا، وذلك لاعتقاده أن حزبه سيبقى قائماً ما دام هو حياً؛ وأن موته هو الذي يرأب الصدع الذي قسم المدينة وجرى المحققون على الشريعة التي سنتها محكمة للتفتيش، فأخذوا يعذبون الرهبان , وتوترت أعصاب سفنرولا وخارت قوله فلم يلبث أن انهار تحت ضغط التعذيب فتحطمت روحه وأمضى اعترافا مهوشاً بأنه لم يتلق وحياً إلهياً، وأنه آثم في كبريائه وأطماعه، وأنه حث قوى أجنبية زمنية على أن تعقد مجلساً عاماً للكنيسة، وأنه دبر مؤامرة لخلع البابا.

مايو عام 1498 نفذ حكم الإعدام واقتيدوا حفاة مجردين من ثيابهم الكهنوتية إلى ميدان مجلس السيادة وشنق سفنرولا و اثنين من معاونية وتركوا معلقين، وسمح للصبيان أن يرشقوهم بالحجارة وهم في حشرجة الموت. وأوقدت تحتهم نار حامية أحالت جثثهم رماداً؛ ثم ألقي الرماد في نهر الأرنو لئلا يعبد الناس بوصفه بقايا القديسين. وجاء بعض الباكين يتحدون الإحراق بالنار فركعوا في الميدان وأخذوا ينتحبون ويصلون؛ وظلت الأزهار تنثر في صباح اليوم التالي للثالث والعشرين من مايو في كل عام حتى عام 1703 في البقعة التي سقطت فيها دماء الرهبان الساخنة. وترى اليوم لوحة في أرض الميدان المرصوفة تشير إلى أشنع جريمة وقعت في تاريخ فلورنس.
***********
و بين قصص سفنرولا و ال آل ميديتشي و تعقيدات و جمال قصص النهضة نتجه مستبشرين الى المجلد الثانى من قصة ايطاليا الممتعة و المجلد الثلاثون

دينا نبيل
يونيو 2015

رفـــايـــع

الثلاثاء، 23 يونيو 2015

قصة الحضارة 28- عصر الايمان ٩ -اوروبا ٣:المعارف و العلوم


اسم الكتاب : عصر الايمان ٩ -اوروبا ٣:المعارف و العلوم - المجلد الثامن و العشرون من قصة الحضارة
تأليف: ول ديورانت
ترجمة: محمد بدران
عدد الصفحات: ٣٨٤ صفحة
اصدارات دار نوبليس
التقييم: 5/5
عندما تبدأ فى السطور الاولى من مجلدات عصر الايمان لا تدرك السرعة التى ستصل بها للسطور الاخيرة من المجلد التاسع و الاخير منها ...و فيه نشتم نسمات ما سيسمى لاحقا عصر النهضة و فيه نرى الحياة الادبية و العلمية فى نهايات العصور الوسطى الطويلة من قسطنطين الى دانتى
و اولى علامات المخاض الصعب هو اشتقاق اللغات الاوروبية عن اصلها اللاتينى الصلب التى حافظت عليه الكنيسة و ادابها طوال عشرة قرون بعد احتضار حضارة روما العريقة ... و الغريب ان "موت الادب" كان هو سبب هذا الانفصال العجائبى , فبانقراض الاداب و الفنون و انفصال علوم الكنيسة الرسمية الدينية المتصلبة عن الفن الشعبى الذى صار البديل جعل الانسان العادى القروى يملك سلطات واسعة فى استخدام لغته البسيطة التى صارت هى بذاتها بعد ذلك لغة راقية
وبيننا كانت اللغة اللاتينية تنقسم وتتولد منها اللغات الرومنسية، كانت اللغة الألمانية القديمة تتفتت هي الأخرى إلى اللغة الألمانية الوسطى، واللغة الفريزية، والهولندية، والفلمنكية، والإنجليزية، والدنمرقية، والسويدية، والنرويجية، والأيسلندية...وكونت إيطاليا لغتها القومية ببطء أكثر مما تكونت به لغتنا أسبانيا وإيطاليا. ذلك أن اللاتينية كانت لغتها الوطنية، وأن رجال الدين، وهم الذين كانوا يتكلمون اللغة اللاتينية، كانوا كثيري العدد في إيطاليا، وأن استمرار ثقافتها ومدارسها منع اللغة أن تتغير بنفس اليسر والتحرر اللذين تغيرت بهما في بلاد ذات تقاليد منقطعة غير متصلة.
************
و عملت حركة الترجمة النشطة الى رجوع الفلسفة اليونانية مرتدية حلتها العربية الى روما و اوروبا التى تناسوا علوم العقل فى زحام الكر و الفر و الحرب الصليبية منها و الاهلية
فانشئت المدارس المدنية بعد كثير من المقاومة الكنسية فاحدث هذا الحدث العارض الثورة الفكرية مقترن بحركة الترجمة العربية .. ليهز قواعد الكنيسة الراسخة بافكار التحرر و التشكك و الفكر المنطلق الذى لا يهتم بالارهاب او الارغام كثيرا , خاصة بنظام تلك المدارس الذى كان فيه المدرس مجرد موظف لدى رابطة الطلاب المسيطرين ماديا و فكريا
لم تكن سن طالب العصور الوسطى محددة، فقد يكون في أي سن، وقد يكون قساً او راهباً ممتازاً، أو رئيس دير، أو تاجراً، وقد يكون متزوجاً أو غلاماً في الثالثة عشر من عمره، يثقله عبء الكرامة المفاجئة التي ألقيت عليه في هذه السن. وكان هذا الطالب يذهب إلى بولونيا، أو أورليان، أو منبلييه ليصبح محامياً، أو طبيباً، أو يذهب إلى غير هذه من الجامعات في بعض الأحوال لكي يأهل نفسه لخدمة الحكومة، أو يجد لنفسه في العادة مجالاً في الكنيسة. ولم يكن يؤدي امتحاناً للدخول في الجامعة؛ بل كل ما كان يطلب إليه أن يعرف اللغة اللاتينية، وان يكون قادراً على أداء أجراً زهيد لكل مدرس يدرس منهجه عليه.
_______________________
و وسط كل تلك الحركة الفكرية المستجدة بعد قرون طويلة من طغيان السلاح على الدماغ و الذراع على الذهن..كان ظهور أبلار حتميا
أبلار فيلسوف عصر حرم من نور الفلسفة,مدرس له تأثيره فى الجامعات الوليدة, راهب و قس مختلف عن ابناء جيله,و محب قاسى الكثير بسبب افكاره و سوء المنقلب و مثال حى لقصص الحب المجهضة فى عصر الايمان
و الجدال بتفاصيله تلك اذا نظر لها مواطن القرن الحادى و العشرين نجده سفسطئى او غير ذى بال , لكنه حمل اهمية قصوى و شارف على تغيير وجه قارة تخطبت كثيرا و هى مساءلة الجزء و الكل و دور الكلية و الجزئية ..و هنا نستعين بكلمات ديورانت كاقتباس:
"الوجود الموضوعي (للكليات). وكان (الكلي) في الفلسفة اليونانية وفلسفة العصور الوسطى هو الفكرة العامة التي" تدل على صنف من الأشياء (كالكتاب، والحجر، والكوكب، والرجل، والنوع الإنساني، والشعب الفرنسي، والكنيسة الكاثوليكية)؛ أو الأعمال (كالقسوة، والعدالة)؛ أو الصفات (كالجمال، والصدق).
وكان إفلاطون، وهو العليم بسرعة زوال الكائنات والأشياء الفردية، قد قال بأن الكلي اكثر بقاء، وأنه لذلك اكثر حقيقة، من أي فرد من الصنف الذي يصفه: فالجمال اكثر حقيقة من فريني، والعدالة اكثر حقيقة من أرستيديز والرجل اكثر حقيقة من سقراط؛ وهذا هو الذي كانت العصور الوسطى تعبر عنه (بالواقعية).
وخالف أرسطو هذا الرأي وقال أن (الكلي) ليس إلا فكرة يكونها العقل لتمثل صنفاً من الأشياء المتماثلة؛ فهو يرى أن الصنف نفسه لا يرى إلا فيصوره أعضائه التي يتركب هو منها. والناس في وقتنا هذا يتجادلون: هل يوجد (عقل جماعة) منفصلاً عن رغبات الأفراد الذين تتكون منهم هذه الجماعة وأفكارهم ومشاعرهم؟ فأما هيوم فقد قال أن (العقل) الفردي نفسه ليس إلا اسماً مجرداً من سلسلة الأحاسيس والأفكار، والإرادات التي في كائن حي ولمجموعها.
ولم يكن اليونان يهتمون اهتماما كبيراً بهذه المسألة، لكن العصور الوسطى كانت تراها مأساة حيوية. فقد كانت الكنيسة تزعم أنها موجود روحي بالإضافة الى مجموع الأفراد المنضمين إليها؛ وكانت تشعر بأن (للكل) صفات وقوى غير صفات أجزاءه وقواها؛ ولم يكن في مقدورها أن تعترف بأنها فكرة مجردة، وأن الأفكار والعلاقات التي لا نهاية لها والتي يوحي بها لفظ (الكنيسة) ليست إلا أفكاراً ومشاعر في أعضاءها المكونين لها، بل أنها هي (عروس المسيح) الحية. وشر من هذا قولها: إذا كان الأشخاص، والأشياء، والأعمال، والأفكار المفردة، هي وحدها الموجودة فماذا يكون مصير الثالوث؟ هل تكون وحدة الأقاليم الثلاثة فكرة مجردة لا اكثر، أو هل هي ثلاثة آلهة منفصلة عن بعضها البعض؟ أن علينا أن نضع أنفسنا في الجو اللاهوتي المحيط بروسلان إذ شئنا أن نفهم ما حل به."
فالامر الذى بدأ كجملة منسية فى جمل الفلسفة صار امر لاهوتيا بامتياز و الكنيسة التى كانت تمتلك حساسية مفرطة تجاه الحديث اللاهوتى عموما و عن الثالوث خاصة قادت حرب ضروس ضد افكار اليونان القديمة , و كان ابلار فى المعسكر المعادى هذا لكن حديث الممتع و مكانته كمدرس يجذب الرواد لحديثه و سهولة منطقه و ربما غروره و زهوه بنفسه و ثقته اللامتناهية بها ساعداه فى تلك المراحل الاولى و قدمت الكنيسة له نوع من الرشوى المقنعة بتقديم مناصب كهنوتية مقابل الصمت لكن مع شخصية فذة كابلار كان الامر محسوم
و ربما انتصر فى جداله لو لم تظهر على الساحة لتقلب الموازين كلها "هلواز" ابنه اخ قس الكنيسة تأسر قلب ابلار بعفافها و جمالها ليقع بين الطرفين المتناقضين قصة حب تعيسة تنتهى بحمل هلواز ثم زوجها منه سرا فاعلان السر الامر الذى سيؤدى لانتقام من اسرته يقطعون فيه اطراف ابلار الجنسية و تدخل هلواز كراهبة فى الدير
و نحب ان نصدق انه ظل يحبها حتى مماته ,و نحب ان نصدق ان الرسائل المتبادلة فيما بينهم حقيقية بنصها , و نكره ان نصدق ان الدين قد مزقهما و انه لولا وجودهم فى عصر الايمان بما يحمله الدين من سلطان لعاشوا حياة اقل بؤسا
و رحلة ابلار الفكرية بين الكنهوت و الرهبنة تتحطم على صخور الحب ...و قد تموت فلسفه ابلار لكن قصة حبه و رسائله المتبادلة مع حبه المنسى لا تنسى و نختم حديثنا بخطاب منسوب لهلواز بعد الرهبنة لحبيبها الذى ذاق طعم الحب مرة واحدة فحطمه:
أنك لتعرف يا أعز الناس علي - وأن الناس كلهم ليعرفون- ماذا خسرت بفقدك... لقد بدلت ثيابي وقلبي طوعاً لأمرك، كي أظهر لك أنك مالك جسمي وعقلي... ولم أكن أتطلع إلى عهد الزواج، أو إلى مهر تمهرني به... وإذا كان أسم الزوجة يبدو أكثر قداسة وأقوى رابطة، فأن أحب إلي، أسم الصديقة منه وأعذب على الدوام؛ أو، إذا لك يكن في هذا ما تستحي منه، أسم العشيقة أو العاهرة... وأني لأشهد لله لو أن أغسطس الذي حكم العالم كله رأى أني خليفة بأن يكون لي شرف الزواج به، وأن يملكني العالم بأسره أحكمه حكماً يدوم أبد لدهر، لكان قولهم أني مومسك أحب إلى من قولهم أني إمبراطورتها
********************
و يكتب ديورانت فصل طويل مفصل عن فلسفة توماس الأكوينى التى حاول فيها التوفيق بين الفلسفة القديمة التى عادت للساحة و بين دين الكاثوليكية الذى بدأ فى فقدان السيطرة .. فكرهته الفلاسفة و كرهه اهل الدين , و حاول صد تأثيرات ابن ميمون و ابن رشد و ادخال ارسطو فى معية الكنيسة دون اضافته العربية , و ربما تحقق له ذلك لكن بعد وفاته بقرون
و فصل عن العلوم فى العصور الوسطى التى بلغت اقصى قدر فى التاريخ من اختلاط الدجل بالعلوم و الدين بالطب و التعاويذ السحرية فى كل شئ و الاكثر اثارة للانتباه ان الامر قد تجاوز افكار العامة لتصل الى كتب الاطباء و العلوم ذاتها
وكان لابد للعلوم والفلسفة في العصور الوسطى أن ينمو غرسهما في جو من الأساطير، والخرافات، والمعجزات، والفأل، والطيرة، والعفاريت، والهولات، والسحر، والتنجيم، والتنبؤ بالغيب، وهي العقائد التي لا تنتشر إلا في عصور الفوضى والخوف
و يحاول ديورانت ان يرينا الاستثناءات فى القاعدة والا نتصور اوروبا كمستنقع دائم فى ذلك العصر المظلم فيرينا بعض التقدم فى فنون الطب و الجراحات و الفلك و هى العلوم التى طالما ارتبطت بالانسان و حياته المباشرة و اجبرته على الاهتمام بها
لينتهى عصر الايمان بدانتى و ملهاته المقدسة الممتعة التى تجبر القارئ النابه على ان يتذوقها مرة تلو الاخرى ...و به يضع دانتى ذلك الخط الوهمى الذى يفضل العصور عن بعضها , ولا يمكنا افتراض ان عام 1300 به عادات العصور الوسطى و افكارها و ان عام 1301 يختلف كثيرا فى ظل عصر النهضة
********************
و الان بعد تسعة مجلدات كاملة تروى قصة 10 قرون و بعد ان توفر لنا ما لم يتوفر لكثيرين من قراءة تاريخ شؤون سياسة و اداب و دين القرون الوسطى كاملة نسعد بتلك اللحظة الممتعة من تذكر القرون العشرة و نرى تراث هذا العصر الممتد
فنرى قليل من نتائج العلم الا من انجازات العرب فى بغداد , مصر ,و الاندلس...لكننا نرى دانتى لا يقل عن فرجيل و نرى اداب العرب و الشعر و قصص ارثر و غراميات الفروسية ,

و نرى كثير من نتائج الدين فى عصر استحق لقب عصر الايمان , و نرى دين يهودى كتب تلموده فحافظ على تماسكه و جموده, و نرى المسيحية تدخل قرنها الثالث على استحياء وراء قوة قسطنطين و تخرج فى قرنها الثالث عشر قوية متسلطة تركع ملوك اوروبا امامها و تذل فيريدريك الثانى رغم انتصاراته الصليبية , و نرى اسلام يبزغ فى قرنه السادس ليبلغ اقصى قوته و يبدأ انحساره
ونحن في انتقالنا من عصر الإيمان إلى عصر النهضة إنما نتقدم من الطفولة المزعزعة غير الواثقة بنفسها إلى الشباب البهيج للثقافة التي قرنت ما كان عند الرومان واليونان الأقدمين من ظرف ورقة إلى ما كان عند البرابرة من قوة؛ وهي ثقافة نقلت إلينا تراثاً متجدد الشباب موفور الغنى لحضارة من حقها علينا أن نعمل على الدوام لزيادتها وألاّ نتركها تموت.

شكرا ديورانت و محمد بدران لكتابة و ترجمة ذلك المجلد الضخم و ما قبله ...و نشكر كل من اتاح لنا وقتها لنتطلع عليه و نكتب عنه بالاهتمام و الحب ...و ندعو الله ان نكتب مقال اخر عندما ننتهى من مجلدات عصر النهضة
مايو 21 ... 2015